ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ

ولدفع توهم حرمة الجماع بعلة الأذى وبيان وجه ضرورة الإباحة عقب الله تعالى تلك الآية بقوله :
نساؤكم حرث لكم يعني مواضع حرث لكم شبههن بها تشبيها لما يلقى في أرحامهن من النطق بالبذور يعين أبيح لكم إتيانهن ضرورة إبقاء النسل فأتوا حرثكم يعني فروجهن فهو كالبيان لقوله فأتوهن من حيث أمركم الله أنى شئتم يعني كيف شئتم، فإن كلمة أنى مشتركة في معنى كيف وأين ولايتصور ههنا معنى أين فإنه تدل على عموم المحل ومحل الحرث ليس إلا واحد فتعين معنى كيف ويقتضيه ما سنذكر من التحقيق في سبب نزول الآية والله أعلم، وبما قلنا من حرمة إتيان النساء في أدبارهم قال أبو حنيفة وأحمد وجمهور أهل السنة ويحكى عن مالك جواز إتيان المرأة في دبرها وأكثر أصحابه ينكرون أن يكون ذلك مذهبا له والصحيح أنه كان مذهبا له ثم رجع عنه هو أو رجع عنه أصحابه، وللشافعي فيه قولان القول القديم عنه ما حكي عن ابن عبد الحكم وعن الشافعي أنه قال لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريمه ولا في تحليله شيء والقياس أنه حلال فكأنه قاس على من عالج امرأته بذكره في فخذها أو يدها، روى الحاكم بسنده عن ابن عبد الحكم أنه كلم الشافعي في مسألة إتيان المرأة في دبرها فقال : سألني محمد بن الحسن فقلت له إن كنت تريد المكابرة وتصحيح الروايات وإن لم تصح فأنت أعلم وإن تكلمت بالمناصفة كلمتك، قال : على المناصفة، قلت : فبأي شيء حرمته قال لقوله عز وجل : فأتوهن من حيث أمركم الله فأتو حرثكم أنى شئتم والحرث لا يكون إلا في الفرج، قلت أفيكون ذلك محرما لما سواه، قال : نعم، قلت : فما تقول لو وطئها بين ساقيها أو تحت بطنها أو أخذت ذكره بيدها أفي ذلك حرث قال : لا، قلت : فلم تحتج بما لا حجة فيه، قال : فإن الله قال : والذين هم لفروجهم حافظون الآية، قال : فقلت له إن هذا ما يحتجون به للجواز أن الله أثنى على من حفظ فرجه من غير زوجته وما ملكت يمينه. قلت : ولما ذكرنا من أن سبب حرمة إتيان النساء في الأدبار الاستقذار وذلك منتف فيمن وطئها بين ساقيها ونحو ذلك فظهر وهن قياس الشافعي ومن ثم رجع الشافعي عن قوله ذلك، قال الحاكم. لعل الشافعي كان يقول ذلك في القول القديم فأما في الجديد فالمشهور أنه حرمه، وقال الربيع : كذب ابن عبد الحكم والله الذين لا إله إلا هو قد نص الشافعي على تحريمه في سننه وحكاه عنه جماعة منهم الماوردي في الحاوي وأبو نصر بن الصباح في الشامل وغيرهم، وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني بتكذيب الربيع لابن عبد الحكم لا معنى له لأنه لم يتفرد به فقد تابعه أخوه عبد الرحمن، والتحقيق أن للشافعي فيه قولان والجديد المرجوع إليه أنه وافق الجمهور في التحريم. وقد ورد في حرمة الإتيان في الدبر أحاديث : قال ابن الجوزي روي ذلك عن جماعة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عمر من الخطاب وعلي بن أبي طالب وخزيمة بن ثابت وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن مسعود وعقبة بن عامر والبراء بن عازب وطلق بن علي وأبو ذر وجابر بن عبد الله، قلت : أما حديث عمر فقد أخرجه النسائي والبزار من طريق زمعة بن صالح عن ابن طاووس عن أبيه عن الهاد عن عمر وزمعة ضعيف ضعفه أحمد وأبو حاتم وقال الذهبي صالح الحديث وقد اختلف عليه في رفعه ووقفه، وأما حديث علي فقد أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه بلفظ :" إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن " وأما حديث خزيمة بن ثابت أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن فقال : حلال، فلما ولى الرجل دعا فقال :" كيف قلت في أي الخربتين أمن دبرها في قبلها أو من دبرها في دبرها فلا إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن " رواه الشافعي وأحمد والترمذي وابن سويد بن هلال عن أبيه عن علي بن السائب عن حصين بن محصين عن هرمي بن عبد الله عن خزيمة، ومن طريق هرمي أيضا أخرجه أحمد والنسائي وابن حبان وهو لا يعرف حاله أيضا، وقال البزار : لا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا وكل ما روي عن خزيمة بن ثابت فغير صحيح، وكذا روى الحاكم عن الحافظ أبي علي النيسابوري ومثله عن النسائي وقال قبلها البخاري، وأما حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ملعون من أتى امرأة في دبرها " وفي لفظ " لا ينظر الله يوم القيامة إلى رجل أتى امرأة في دبرها " رواه أحمد وأبو داود وبقية أصحاب السنن من طريق سهيل بن أبي صالح عن الحارث بن مخلد عن أبي هريرة، وأخرجه البزار وقال : الحارث بن مخلد ليس بمشهور، وقال ابن القطان لا يعرف حاله، وقد اختلف فيه على سهيل فرواه إسماعيل بن عياش عنه عن محمد بن المنكدر عن جابر أخرجه ابن عدي وإسناده ضعيف، ولحديث أبي هريرة طريق آخر أخرجها أحمد والترمذي من طريق حماد بن سلمة عن حكيم الأثرم عن أبي تميمة عنه بلفظ " من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه ما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " قال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم، وقال البخاري : لا يعرف لأبي تميمة سماعا عن أبي هريرة، وقال البزار : هذا حديث منكر وحكيم لا يحتج به وما تفرد به فليس بشيء، وله طريق ثالث أخرجها النسائي من رواية الزهري عن أبي سلمة عنه، قال حمزة الكتاني هذا حديث منكر وعبد الملك راويه قد تكلم فيه دحيم وأبو حاتم وغيرهما، والمحفوظ الموقوف وله طريق رابع أخرجها النسائي من طريق بكر بن خنيس عن ليث عن مجاهد عن أبي هريرة بلفظ " من أتى شيئا من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر " وبكر وليث ضعيفان وله طريق خامس رواه عبد الله بن عمر بن حيان عن مسلم بن خالد الزنجي عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ " ملعون من أتى النساء في أدبارهن " رواه أحمد والنسائي ومسلم ضعفه النسائي وغيره قال الذهبي صدوق وثقه يحيى بن معين وغيره. وأما حديث ابن عباس قال البزار : لا نعلمه يروي عن ابن عباس بإسناد أحسن من وهب، انفرد به أبو خالد الأحمر عن الضحاك بن عثمان عن محمد بن سليمان عن كريب، وكذا قال ابن عدي ورواه النسائي عن هناد عن وكيع عن الضحاك موقوفا وهو أصح عندهم من المرفوع وعن ابن عباس من طريق آخر موقوفا رواه عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه أن رجلا سأل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها فقال تسألني عن الكفر وأخرجه النسائي من رواية ابن المبارك عن معمر وإسناده قوي. وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فقد اخرجه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ سأل رسول اله عن الرجل يأيت المرأة في دبرها فقال :" هي اللواطة الصغرى " وأخرجه النسائي وأعله والمحفوظ عن عبد الله بن عمرو من قوله كذا أخرجه عبد الرزاق وغيره، وفي الباب عن أنس أخرجه الإسماعيلي في معجمه وفيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف وعن أبي بن كعب في خبر الحسن بن عرفة بإسناده ضعيف جدا، وعن ابن مسعود عند ابن عدي بإسناد واه عن عقبة بن عامر عند أحمد فيه ابن لهيعة، وهذه الأحاديث كلها وإن كانت ضعيفة كما سمعت لكن باعتضاد بعضها ببعض يحصل العلم قطعا بورود النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم بحيث لا مرد له فوجب القول به والله أعلم.
واحتج القائلون بإباحته بما صح عن ابن عمر بطرق كثيرة أنه قال : نساؤكم حرث لكن فأتوا حرثكم أنى شئتم نزلت في إتيان النساء في أبارهن، رواه البخاري، وكذا روى الطبراني بسند جيد عنه أنه قال : إنما نزلت رخصة الإتيان الدبر، وأخرجه أيضا عنه أن رجلا أصب امرأة في دبرها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فأنكر ذلك الناس فأنزل الله تعالى، وكذا أخرج ابن جرير وأبو يعلى وابن مردويه من طريق عبد الله بن نافع عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري : أن رجلا أصاب امرأة في دبرها فأنكر الناس عليه ذلك فأنزل الله تعالى : نساؤكم حرث لكم قلت : هذا وهم من ابن عمرو أبي سعيد أخطأ في تأويل الآية لو كان هذا سبب نزول هذه الآية لما طابق الحكم الوقعة فإن قوله تعالى : فاتوا حرثكم أنى شئتم حكم بإتيان الحرث لا بإتيان الدبر فإنه ليس بمحل الحرث فلا ينتهض حجة لإباحة الدبر، وقيل هذا وهم من نافع لما روي عن عبد الله بن الحسن أنه لقي سالم بن عبد الله فقال له : يا أبا عمر ما حديث يحدث نافع عن ابن عمر أنه لم يكن يرى بأسا بإتيان النساء في أدبارهن، قال : كذب العبد وأخطأ إنما قال عبد الله يؤتون في فروجهن من أدبارهن، قلت : وقول سالم هذا ليس بسديد فإنه لم يتفرد به نافع عن ابن عمر بل رواه زيد بن أسلم وعبيد الله بن عبد الله بن عمرو وسعيد بن يسار وغيرهم عنه كذا ذكر الشيخ ابن حجر فالصحيح أن الوهم إنما هو من ابن عمر وقد حكم بكونه وهما من ابن عمر رأس المفسرين ابن عباس. أخرج أبو داود والحاكم عن حكم بكونه وهما من ابن عمر والله يغفر له أوهم، إنما كان أهل هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من اليهود وهم أهل كتاب كانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة فكان هذا الحي من الأنصار أخذوا بذلك وكان هذا الحي من قريش يسرحون النساء سرحا ويتلذذون منهم مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قد المهاجرون المدنية تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت إنما كنا نؤتى على حرف فسرى أمرهما فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعني بذلك موضع الولد وهكذا في سبب نزول هذه الآية. روى البخاري وأبو داود والترمذي عن جابر قال : كانت اليهود تقول إذا جامع ما من ورائهما جاء الولد أحول فأكذبهم الله تعالى وقال : نساؤكم حرث لكم فأتو حرثكم أنى شئتم أي كيف شئتم في الفرج يريد بذلك موضع الولد للحرث، وكذا روى أحمد عن عبد الرحمن بن سابط قال : دخلت على حفصة بنت عبد الرحمن فقلت : إني سائلك عن أمر وأنا أستحيي أن أسألك، قالت : لا تستحيي ابن أخي، قلت : عن إتيان النساء في أدبارهن ؟ قالت : كانت اليهود تقول من حبا امرأته كان ولده أحول فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فحبوهن فأبت امرأة أن تطيع زوجها، قالت : لن نفعل ذلك حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك فقالت : اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم استحيت الأنصارية أن تسأله فخرجت فحدثت أم سلمة فقال : ادعي الأنصارية فدعيت فتلا عليها هذه الآية : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم صماما واحدا، وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عباس قال جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هلكت قال وما أهلكت ؟ قال حولت رحلي الليلة، فلم يرد عليه فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال عليه السلام :" أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة " وبهذا أظهر أنه صلى الله عليه وسلم فسر هذه الآية بقوله أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة كما فسر قوله تعالى : فاعتزلوا النساء في المحيض بقوله :" اصنعوا كل شيء إلا النكاح " وإن كان ظاهر تلك الآية تدل على جواز مخالطة النساء في المأكل والمشارب فظهر اندفاع ما ذكر ابن عب

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير