نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
تفسير المفردات :
والحرث : موضع النبت أي الأرض التي ستنبت، شبهت بها النساء لأنها منبت للولد كالأرض للنبات، أنى شئتم : أي كيف شئتم من قيام وقعود واضطجاع، وإقبال وإدبار متى كان المأتى واحدا وهو وضع الحرث.
المعنى الجملي :
هذا السؤال ثالث الأسئلة التي جاءت معطوفة بالواو لاتصالها بما قبلها وما بعدها، إذ كلها في التشريع المختص بالنساء، أما الأسئلة التي وردت قبلها مفصولة فهي مختلفة لموضوعات، فجاءت مفصولة على طريق التعداد والسرد.
كل هذه الأسئلة جاءت والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة والاختلاط على أتمه بين العرب واليهود، وقد كان اليهود يشددون في مسائل الحيض كما جاء في الفصل الخامس عشر من التوراة، وفيه : أن كل من مس الحائض في أيام طمثها يكون نجسا، وكل من مس فراشها يغسل ثيابه بماء ويستحم ويكون نجسا إلى المساء، وكل من مس متاعا تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسا إلى المساء، وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجسا سبعة أيام، وكل فراش يضطجع عليه يكون نجسا – إلى نحو ذلك من الأحكام، وللرجل الذي يسيل منه دم نحو هذه الأحكام.
وكان العرب في الجاهلية لا يساكنون الحيض، ولا يؤاكلونهن كما كانت تفعل اليهود والمجوس.
وكانت النصارى تتهاون في أمور الحيض، وكانوا مخالطين للعرب في كثير من المواطن، وقد جرت العادة أن الناس لا يتأثمون في أمور الدين إذا كانت تتعلق بلذاتهم وشهواتهم، وفيها منفعة لهم، ولا يقفون عند حدود الشرائع، فكان هذا الاختلاف الذي يرونه بين أهل الأديان مدعاة للسؤال عن حكم المحيض في هذه الشريعة
الإيضاح :
أي لا حرج عليكم في إتيان نسائكم بأي كيفية شئتم ما دمتم تقصدون الاستيلاد في الموضع الطبيعي، فالشارع لا يقصد إلى إعناتكم وحظر اللذة عليكم، بل يريد لكم الخير والمنفعة، ولا يريد المفسدة بوضع الأشياء في غير مواضعها.
وقد جاءت هذه الآية عقب سابقتها، كالبيان لها شارحة وجه الحكمة التي لأجلها شرع غشيان النساء، وهو حفظ بقاء النوع البشري بالاستيلاد، كما يحفظ النبات بالزرع والحرث، لا لذة المباشرة لذاتها، ومن ثم لا يحل لكم أن تأتوا النساء في زمن الحيض حيث لا استعداد لقبول الزرع، ولا في غير المأتى الذي يتحقق به الاستيلاد.
وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ ما يقدم للنفس هو ما ينفعها في مستأنف حياتها، ولا شيء أنفع للإنسان في مستقبله من ولد بار بنفعه في دينه ودنياه كما جاء في الحديث :( إن الولد الصالح من عمل المرء الذي ينفعه بعد موته ) ولا يكون الولد كذلك إلا إذا أحسن والداه تربيته وهذباه وجعلاه ذا خلق عظيم.
وهذا يدعو إلى اختيار المرأة الودود الولود، التي تعين الرجل على تربية ولده بحسن خلقها وعملها، وتكون قدوة حسنة له، إذ ينشأ وهو يرى فضائلها وجلائل أعمالها فتنطبع صورتها في نفسه، فيشب وهو كامل الأخلاق حميد الصفات، كما يختار الزارع الأرض الصالحة التي تؤتي جيد الغلة.
وقوله : واتقوا الله أي واحذروه بأن تخرجوا النساء عن كونهن حرثا بإضاعة مادة النسل في الحيض، أو بوضعها في غير موضع الحرث، أو بأن تختاروا المرأة السيئة الأخلاق التي تفسد تربية الأولاد بإهمالها، وسوء القدوة في معاشرتها.
ثم أوعد من يخالفون أمره فقال :
وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ أي واعلموا أنكم ستلاقون ربكم في الآخرة، فيجازيكم على عصيانه ومخالفة أمره، وتتجرعون من جزاء ذلك العذاب الأليم.
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي وبشر المؤمنين الذين يقفون عند حدود دينهم، ويتبعون هدى ربهم في أمر النساء والأولاد، فيسعدون بنعيم الدنيا والآخرة، فمن يختر لنفسه الزوجة الصالحة، ويحسن تربية ما رزقه الله من الأولاد، يكن قرير العين سعيدا بما يرى من حسن حاله وحال أهله وولده.
أما من تطغى عليه شهواته، فيخرج عن السنن التي شرعها الله لعباده، فإنه لا يسلم من المنغصات في هذه الحياة، وهو في الآخرة أتعس حالا وأضل سبيلا.
فالسعادة كل السعادة في تكميل النفس بصادق الإيمان وفاضل الأخلاق، واطمئنان القلب عند الفرح والحزن، ولدى السرور والهم، وتسليم الأمر إلى خالق الخلق ومدبر أمرهم بعد أخذ الأهبة، وكمال العدة، وهذا هو التوكل الذي أمرنا به.
تفسير المراغي
المراغي