[ ٢ ] حرث لكم : التعبير على وجه المجاز، والقصد منه أن المرأة مزرعة لنسل الرجل.
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [ ١ ] فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ٢٢٢ نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ [ ٢ ] فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ٢٢٣ .
تعليقات على آية
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى...
والآية التالية لها
في الآية الأولى : حكاية لسؤال ورد على النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم حيض النساء، وأمر بالإجابة بأنه أذى وبوجوب اعتزال النساء في أثنائه وعدم قربهن حتى يطهرن. وحينئذ يحل لهم إتيانهن من حيث أمرهم الله وتنويه بالتوابين الذين يتقيدون بأوامر الله والمطهرين الذين يبتعدون عن النجاسات والأقذار ويحبهم.
وفي الآية الثانية تقرير موجه للمسلمين بأن نساءهم حرث لهم ولهم أن يأتوا حرثهم أنى شاءوا. ثم احتوت مواعظ لهم، فعليهم أن يراقبوا الله ويتقوه في جميع أعمالهم، وأن يذكروا دائماً أنهم ملاقوه وواقفون بين يديه، ثم أمراً للنبي صلى الله عليه وسلم بتبشير المؤمنين الصادقين المستجيبين لهذه المواعظ بحسب العواقب.
ولقد روى المفسرون أحاديث وأقوالاً في نزول الآيتين ومداهما. من ذلك حديث يرويه الترمذي عن أنس قال :«كانت اليهود إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها ولم يجلسوا معها في بيت. فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله الآيات فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤاكلوهنّ ويشاربوهنّ، وأن يكونوا معهنّ في البيت، وأن يفعلوا كلّ شيء إلا النكاح. فقالت اليهود : ما يريد محمد أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، فجاء عبّاد بن بشرٍ وأسيدُ بن حُضَيرٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بذلك وقالا : يا رسول الله أفننكحهن في المحيض ؟ فتمعّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننّا أنه غضب عليهما، فاستقبلتهما هدية من لبن، فأرسل لهما رسول الله فسقاهمان فعلما أنه لم يغضب» (١). وحديث ثان يرويه الترمذي والبخاري عن جابر قال :«كانت اليهود تقول : من أتى امرأته في قبلها من دبرها كان الولد أحول، فنزلت : نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (٢). وحديث ثالث يرويه الترمذي عن ابن عباس قال :«جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«يا رسول الله هلكت ! قال : وما أهلكك ؟ قال : حوّلت رحلي الليلة. فلم يرد عليه رسول الله، فنزلت : نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ أقبل وأدبر واتّق الدبر والحيضة» (٣). وهناك روايات لم ترد في كتب الأحاديث. منها أن العرب كانوا لا يساكنون الحائض في بيت، ولا يأكلون معها في إناء، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله الآيات.
ومهما يكن من أمر فالنصّ ظاهر بأن أناساً سألوا رسول الله عن المحيض فنزلت الآيات بالإجابة مع بعض التفصيل. ويجوز أن تكون الآيات نزلت بعد الآيات السابقة فوضعت في ترتيبها للتماثل الظرفي والتشريعي، ويجوز أن تكون وضعت في ترتيبها للتماثل التشريعي ويجوز أن تكون بعض الآيات تليت في سؤال من أحد عن شيء ما مما يتعلق بإتيان النساء في المحيض أو في أدبارهن أو اعتزالهن فظنّ الرواة أنها نزلت على أثر السؤال والله تعالى أعلم.
هذا في صدد نزولها، أما في مداها :
فأولاً : إن المفسرين يروون عن أهل التأويل أن المنهي عنه هو الجماع، والآية قد تفيد ذلك، والحديث المروي عن أنس يفيد ذلك صراحة. وهناك حديث يرويه الطبري عن عائشة جواباً على سؤال عما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضة :«كلّ شيء إلا الجماع، وفي رواية إلا الفرج» وهناك حديث يرويه الشيخان عن ميمونة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه فوق الإزار وهنّ حيض» (٤).
وثانيا : في جملة حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فقد قرئت الطاء والهاء بالتشديد والفتح. وقرئت الطاء بالتسكين والهاء بالضم، واختلف الفقهاء بحسب ذلك. فمن رجح القراءة الأولى أوجب عدم الجماع حتى ينقطع الحيض وتغتسل الحائض. ومن رجح القراءة الثانية أجاز الجماع عند انقطاع الحيض بعد غسل الفرج فقط.
وثالثا : في جملة فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فاختلف الفقهاء تبعاً لاختلافهم في قراءة الجملة السابقة. فمن رجح القراءة الأولى أوجب الاغتسال الشرعي قبل الجماع وبعد انقطاع الدم. ومن رجح القراءة الثانية أجاز الجماع دون اغتسال شرعي. والجملتان تتحملان المذهبين غير أن الذي يتبادر لنا أن المذهب الثاني أكثر اتساقاً مع فحوى الآية، فهي تقرر أن المحيض أذى وتأمر بعدم قرب النساء أثناءه فإذا انقطع الدم انقطع الأذى وزال المانع. ولا يتوقف هذا على الاغتسال الشرعي ويكفي غسل الفرج والله تعالى أعلم.
وننبه على أن هناك أحاديث توجب كفارة مالية على من يواقع زوجته وهي حائض منها حديث رواه أصحاب السنن عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض فقال : يتصدق بدينار أو نصف دينار. وفي رواية أبي داود :«إذا أصابها في أوّل الدّم فدينار وإذا أصابها في آخره فنصف دينار» (٥). وهناك من أخذ بهذه الأحاديث وهناك من أوجب الالتزام بالنهي القرآني وهو الاعتزال إلى أن يطهرن. والظاهر أن هؤلاء لم يثبت عندهم الأحاديث. وفي الأحاديث إذا صحت معالجة الحالة قد تكون اضطرارية، وقد تفيد أن النهي ليس من قبيل التحريم، وإنما من قبيل استهداف بيان ما في ذلك من أذى وقذارة، والله تعالى أعلم.
ورابعاً : في صدد جملة فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ وقد روى الطبري وغيره عن أهل التأويل أقوالاً منها أنها بمعنى آتوهن من فروجهن. أو أنها بمعنى آتوهن بعد أن أمركم الله باعتزالهن. وقد يكون التأويل الأول هو الأوجه والله أعلم.
وخامساً : في صدد جملة نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ تداولها بعض المؤولين على ما يرويه الطبري وغيره أنها تبيح للرجل إتيان زوجته على أي كيفية وفي أي وقت في الليل والنهار، ومقبلة ومدبرة ومستلقية أو محبية أو على شق أو قاعدة أو قائمة على شرط أن يكون الإيلاج في الفرج وتجنب الدبر. وأولها بعض المؤولين بأنها تبيح للرجل إتيان امرأته من دبرها أو قبلها. وقد روى القول الثاني عن ابن عمر وروى عنه نقيضه أيضا. والجمهور على القول الأول، وحديث ابن عباس عن مراجعة عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم صريح بإيجاب اتقاء الدبر. وهناك أحاديث أخرى منها حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«من أتى حائضا أو امرأة من دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد». وحديث رواه أصحاب السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«ملعون من أتى المرأة في دبرها». وهناك أحاديث أخرى وهذا ما يجعلنا نشك فيما روي عن ابن عمر بأنه أجاز إتيان المرأة في دبرها ونصدق ما روي عن إنكاره ذلك. وبالإضافة إلى هذه الأحاديث فإنه يتبادر لنا أن الآية لا تفيد غير ذلك فالحيض من القبل والنهي هو عن قرب النساء في الحيض، وقد شبهت النساء بالحرث أي الأرض التي تزرع لتخرج ثمراً، وهذا إنما يكون من القبل.
وليس في الأحاديث النبوية حدّ وعقوبة على من يأتي النساء من أدبارهن. وقد يصح أن يقاس هذا على اللواط وعقوبته على ما شرحنه وأوردنا ما ورد فيه من أحاديث في سياق قصة لوط في سورة الأعراف شرحاً يغني عن التكرار.
وقد يرد قول : إن هذا قد لا يشمل الأزواج استناداً إلى مبدأ درء الحدود بالشبهات من حيث أن يكونوا أخذوا بتأويل من تأويلات جملة : فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ومع أننا لا نرى ذلك فإن ما عليه من الأزواج يكونون على كل حال موضوع الإنذار النبوي الرهيب الذي وصمهم بالكفر ولعنهم. أما الأحاديث التي يستمد منها الفقهاء مبدأ درء الحدود بالشبهات فمنها حديث رواه الترمذي والحاكم والبيهقي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلّوا سبيله فإنّ الإمام لئن يخطئ بالعفو خير من أن يخطئ بالعقوبة» (٦). وحديث رواه ابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً» (٧). وحديث رواه ابن مسعود مرفوعاً جاء فيه :«ادرأوا الحدود بالشبهات، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم» (٨).
هذا، والسنّة المتواترة المجمع عليها أن الحائض تسقط عنها الصلاة وتفطر في رمضان على أن تقضي في غيره عدة الأيام التي أفطرتها. وهناك حديث رواه الخمسة عن معاذة قالت :«سألت عائشة ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ فقالت : كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (٩). ويستتبع هذه السنّة سنّة أخرى مجمع عليها وهي : أن على الحائض عندما ينقطع الحيض عنها أن تغتسل قبل أن تصلي، أي لا يكفي الوضوء لصلاتها، وهناك حديث رواه الترمذي في صدد قراءة الحائض للقرآن عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم :«لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن» (١٠).
وقد رأينا من المفيد أن نستطرد إلى عارضين ينزل فيهما الدم من قبل المرأة، الأول يسمى الاستحاضة وينزل في غير وقت الحيض وأحياناً يستمر نزوله. وفي حديث رواه الخمسة عن عائشة حكم لهذا العارض حيث رووا أن عائشة قالت :«إن فاطمة بنت أبي حُبيش سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إني أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة ؟ فقال : لا، إن ذلك عرق وليس بالحيضة. ولكن دعي الصلاة بقدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلّي. وفي رواية إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي الدم وصلّي. وفي رواية الترمذي وتوضّئي لكل صلاة. وفي رواية أبي داود لتنظر عدّة الأيام والليالي التي كانت تحيض بهنّ من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلّفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصلي» (١١). وهناك حديثان آخران في ذلك. منهما حديث رواه أبو داود والنسائي عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها قالت :«يا رسول الله إني أُستحاض، فقال لها : إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلّي فإنما هو عرق». وروى الثاني عن أصحاب السنن أن حمنة بن جحش قالت :«أتيت رسول الله فقلت : يا رسول الله إني امرأة أُستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها، قد منعتني من الصلاة والصوم ؟ قال : أنعت لك الكرسَف فإنه يذهب الدم. قالت : هو أكثر من ذلك ؟ قال : فاتخذي ثوباً. قالت : هو أكثر من ذلك، إنما أثجّ ثجاً. قال : سآمرك بأمرين أيّهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، فإن قَوِيتِ عليهما فأنت أعلم. إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيّضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله تعالى ذكره، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلّي ثلاثاً وعشرين ليلة أو أربعاً وعشرين ليلة
التفسير الحديث
دروزة