*والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذالك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتهم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ٢٣٣
هذا انتقال من أحكام الطلاق إلى أحكام الرضاعة، وكلاهما من أحكام البيوت ( العائلات ) الهادية إلى كيفية التعامل بين الأزواج من المعاشرة بالمعروف وتربية الأطفال، فمن ثم عطف على ما قبله، وللمفسرين في قوله : والوالدات ثلاثة أقوال :
القول الأول : إنه خاص بالمطلقات لوجوه : أحدها : إن الكلام السابق في أحكامهن وهذا من تتمته. ثانيها : إيجاب رزقهن وكسوتهن على الوالد ولو كن أزواجا لما كان هناك حاجة إلى هذا الإيجاب لأن النفقة على الزوج التي في العصمة واجبة للزوجية لا للرضاع، ثالثها : إن المطلقة عرضة لإهمال العناية بالولد وترك إرضاعه لأنه يحول دون زواجها في الغالب ولما فيه من الكناية بالرجل ولاسيما الذي لم يتيسر له استئجار ظئر١ تقوم مقام الوالدة. وهنا وجه رابع لترجيح هذا القول ظهر لي الآن وهو تعليل الحكم بالنهي عن المضارة بالولد وإنما تضار بذلك المطلقة دون التي في العصمة فبين أن للمطلقة الحق في إرضاع ولدها كسائر الوالدات وأنه ليس للمطلق منعها وهو عرضة لهذا المنع.
القول الثاني : إنه خاص بالوالدات مع بقاء الزوجية قال الواحدي في هذا القول هو الأولى لأن المطلقة لا تستحق الكسوة وإنما تستحق الأجرة، وأقول إن هذا الترجيح مرجوح لا يلتفت إليه لأنه مبني على الاحتجاج بقول الفقهاء على القرآن وهذا القول أضعف الأقوال.
القول الثالث : إنه عام في جميع المطلقات، وقال كثيرون إنه أولى عملا بظاهر اللفظ فهو عام لا دليل على تخصيصه، ويكون الرزق والكسوة أي النفقة خاصا ببعض أفراد العام وهن الوالدات المطلقات. وقال بعضهم إن استئجار الأم للإرضاع صحيح، وعبر عن الأجرة بالرزق والكسوة، وقيل إنه ليس في الآية ما يدل علي أن الرزق والكسوة لأجل الرضاع. وأنت ترى أن هذا خلاف المتبادر من الآية، ونحن لا نستفيد من جعل الآية عامة، زيادة عما نستفيد بجعلها خاصة، إلا أنه يجب على غير المطلقة من إرضاع الولد مطلقا أو بشرط، ما يجب على المطلقة بالنص، وأنه من حقوقها أيضا، وهذا يؤخذ من الآية إذا حملت على التخصيص بالطريق الأولى، على أن القائلين بالعموم لم يقوموا بهذا الوجوب مطلقا كما يأتي، ولا أذكر عن الأستاذ الإمام ترجيحا أو اختيارا في هذه المسألة.
قوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن أمر جاء بصيغة الخبر للمبالغة في تقريره على نحو ما تقدم في قوله : والمطلقات يتربصن وزعم بعضهم أنه خبر على بابه أي أن شأن الوالدات ذلك، وأنت ترى أنه لا فائدة في الإخبار عن الواقع المعلوم للناس في مقام بيان الأحكام، وكأن صاحب هذا القول أراد أن يقوي به قول الفقهاء الذين يرون أنه لا يجب على الوالدة إرضاع ولدها إلا إذا تعينت مرضعا بأن كان لا يقبل غير ثديها كما يعهد من بعض الأطفال، أو كان الوالد عاجزا عن استئجار ظئر ترضعه، أو قدر ولم يجد الظئر، على أن هؤلاء الفقهاء لم يروا جعل الخبر بمعنى الأمر مانعا من حكمهم هذا، فقد حملوه على الندب في حال الاختبار، قالوا لأن لبن الأم أنفع للولد من لبن الظئر، وخاصة إذا لم يكن ولد الظئر في سنه، والظاهر الأمر للوجوب مطلقا فالأصل أنه يجب على الأم إرضاع ولدها واختاره الأستاذ الإمام، يعني إن لم يكن هناك عذر مانع من مرض ونحوه، ولا يمنع الوجوب جواز استنابة الظئر عنها مع أمن الضرر، لأن هذا هو الوجوب للمصلحة لا للتعبد، فهو كالنفقة على القريب بشرطها، فإذا اتفق الوالدان على استئجار ظئر ورأيا أنها تقوم مقام الوالدة فلا بأس كما في مسألة الفصال الآتية.
كما يجب على الأم إرضاع ولدها يجب لها ذلك بمعنى أنه ليس للوالد أن يمنعها منه. ولأن يمنع الرجل مطلقته من أرضاع ولدها منه إن أبيح له ذلك أقرب من أن تمتنع هي عن إرضاعه، وكان الذي يتبادر إلى فهمي أن المقصود من الجملة أولا وبالذات هو أن من حقوق الوالدات أن يرضعن أولادهن، وما المطلقات إلا والدات فيجب تمكينهن من إرضاع أولادهن المدة التامة للرضاع وهي كما حددها فيرضعهم حولين كاملين والحول العام والسنة، وهو في الأصل مصدر حال يحول إذا مضى وإذا تغير وتحول فالعام والحول يطلقان على صيفة وشتوة كاملتين وأما السنة فهي تبتدئ من أي يوم عددته من العام إلى مثله اه ملخصا من المصباح.
وقد حددت مدة الرضاعة التامة بسنتين كاملتين مراعاة للفطرة بالنسبة إلى ضعف الأطفال في أقل البيوت أو البيئات استعدادا للعناية بالتربية، واللبن هذا الغذاء الموافق لكل طفل في هذه المدة وهذه المدة هي التي تثبت بها حرمة الرضاعة في النكاح، ومن العجب أن ترى الفقهاء اختلفوا في مدة الرضاعة بعد تحديد الله سبحانه لها فقال بعضهم هي ثلاثون شهرا، وقال بعضهم ثلاثة سنين، ولكن الجماهير على أن مدتها التامة لا تزيد على حولين كاملين وقد تنقص إذا رأى الوالدان ذلك لأن قوله تعالى : لمن أراد أن يتم الرضاعة أجاز الاقتصار على ما دون الحولين ولم يحدد أقل المدة، بل وكله إلى اجتهاد الوالدين الذي تراعى فيه صحة الطفل، فمن الأطفال السريع النمو الذي يستغني عن اللبن بالطعام اللطيف قبل تمام الحولين بعدة أشهر، ومنهم القميء البطيء النمو الذي لا يستغني عن ذلك.
وقد استنبطوا من قوله تعالى في سورة الأحقاف وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ( الأحقاف : ١٥ ) أقل مدة الحمل بناء على أن الحولين أكثر مدة الرضاعة فإن ما يبقى بعد طرح شهور الحولين من ثلاثين شهرا هو ستة أشهر وهي أقل مدة الحمل. روي هذا عن علي وابن عباس رضي الله عنهما وقالوا لعل الحكمة في تحديد المدتين أكثر الرضاعة وأقل الحمل هي انضباطهما دون ما يقابلهما، وقد يقال إننا نطرح مدة الحمل الغالبة وهي تسعة أشهر من مجموع مدة الحمل والفصال وهي ثلاثون شهرا، فالباقي وهو واحد وعشرون شهرا ينبغي أن يكون أقل مدة الرضاعة، والظاهر أن معنى قوله : لمن أراد أن يتم الرضاعة ذلك لمن أراد إتمامها، ولذلك قلنا إن الأمر موكل إلى اجتهاد الوالدين فللام متعلق بمحذوف، وقيل إنه متعلق بقوله : يرضعن أي أنهن يرضعن هذه المدة لمن أراد إتمامها من المولود لهم وهو الآباء، فيكون الأمر لهم في ذلك خاصة، وسيأتي ترجيح الأول في قوله : فإن أرادا فصالا .
وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف المولود له هو الأب ووجه اختيار هذا التعبير على لفظ الوالد والأب هو الإشعار بأن الأولاد لآبائهم، لهم يدعون وإليهم ينسبون، وأن الأمهات أوعية مستودعة لهم كما قال المأمون :
| وإنما أمهات الناس أوعية | مستودعات وللآباء أبناء |
والمراد بكون هذه النفقة بالمعروف أن تكون كافية لائقة بحال المرأة في قومها وصنفها. لا تلحقها غضاضة في نوعها ولا في كيفية أدائها إليها، وتقدم أن هذا يرجح للمرأة بمقتضى الزوجية دون الأجرة حتى لا يتوهم أن كل والدة تجب لها الأجرة على إرضاع ولدها، لأن الكلام بدئ بلفظ " الوالدات " وأما في سورة الطلاق فقد عبر بلفظ الأجرة إذا قال : فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ( الطلاق : ٦ ) لأن الكلام هناك في المطلقات لا يحتمل غيره، فلا إيهام في اختيار اللفظ الأخصر.
ولو توجه الذهن إلى فهم الآية غير مثقل بأقوال الفقهاء لما فهم غير هذا منها، ومن فهمها مجردة غير محمولة على مذهب معين لا يحتاج إلى الكلام في جواز استئجار الأم للرضاع مطلقا وعدمه وهي في النكاح أو العدة، إذ المتبادر من الآية أن الأم يجب عليها إرضاع ولدها عند عدم المانع الشرعي، ويجب لها ذلك أيضا كما تقدم آنفا وأن المطلقات إذا كن والدات يجب أن ينفق عليهن مدة الإرضاع لما تقدم، وهن في هذه المدة إما بائنات ولعله الأكثر لندرة طلاق أم الطفل، ولا خلاف في جواز استئجارهن حينئذ وإما معتدات تجب لهن النفقة لعدم خروجهن من عصمة النكاح. وقد استشكلوا استحقاق هؤلاء الأجرة على الإرضاع، ولا إشكال في وجوب الشيء بسببين، ولا تكرار في نصي الوجوب، لأن كل واحد منهما جاء في موضعه، وله صورة ينفرد بها، إذ المعتدة قد تكون والدة وغير والدة، والمرضع تكون بائنة ومعتدة، وكل منهما مشغولة بمصلحة الرجل المطلق شغلا يمنعها من زواج يغنيها عن نفقته، لأن المرضع قلما يرغب فيها وقلما ترغب هي في الزواج، ثم إنها لا تستحق ولدها إذا تزوجت.
ولما كان المكلفون من الرجال يتفاوتون في الإعسار والإيسار بالنفقة فمنهم من لا يقدر على اللائق بالمرأة في عرف الناس ومنهم من يقدر على أكثر من ذلك عقب تعالى هذا الأمر بقوله : لا تكلف نفس إلا وسعها فسر بعضهم الوسع بالطاقة وهو غلط لأن الوسع ضد الضيق وهو ما تتسع له القدرة ولا يبلغ استغراقها، وأما الطاقة فهي آخر درجات القدرة فليس بعدها إلا العجز المطلق كأنها آخر طاقة أي فتلة من الطاقات التي يتألف منها الحبل، والمعنى أن المطلوب التوسع في النفقة من السعة أي بحيث لا ينتهي إلى الضيق. وقد بسط هذا الإيجاز في سورة الطلاق بقوله تعالى في هذا المقام : لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا ( الطلاق : ٧ ).
لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب " لا تضار " بالضم تبعا لقوله " لا تكلف نفس " والباقون بالفتح وكلاهما جائز في اللغة وهو نهي عن المضارة صريح، والأول نهي في المعنى خبر في اللفظ، وقالوا إن الكلام تفصيل لما يفهم من سابقه وتقريب له إلى الفهم. والصواب أنه يفيد مع تعليل الأحكام السابقة حكما جديدا عاما، فمنع الرجل المرأة من إرضاع ولدها وهي له أرأم، وبه أرأف، وعليه أحنى وأعطف، إضرار بها بسبب ولدها، والتضييق عليها في النفقة مع الإرضاع إضرار بها بسبب ولدها، وامتناعها هي من إرضاعه تعجيزا للوالد بالتماس الظئر أو تكليفه من النفقة فوق وسعه إضرار به بسبب ولده فالعلة في الأحكام السابقة منع الضرر من الجانبين بإعطاء كل ذي حق حقه بالمعروف، وهو يتناول تحريم كل ما يأتي من أحد الوالدين للإضرار بالآخر، كأن تقصر هي في تربية الولد البدنية أو النفسية لتغيظ الرجل، و
تفسير المنار
رشيد رضا