ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒ

)وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ( البقرة : ٢٣٣ )
التفسير :
قوله تعالى : والوالدات اسم فاعل - أي اللاتي ولدن ؛ يرضعن أولادهن : الإرضاع معروف ؛ والأولاد يشمل الذكور، والإناث، كما في قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين [ النساء : ١١ ] ؛ والجملة خبرية بمعنى الأمر ؛ وإتيان الأمر بصيغة الخبر أبلغ من الأمر المحض ؛ كأنه حين يأتي بصيغة الخبر أمر مستقر يتحدث عنه.
قوله تعالى : حولين كاملين :«الحول » بمعنى السنة ؛ وهو اثنا عشر شهراً هلالياً ؛ ثم أكد الله هذين الحولين بقوله تعالى : كاملين أي بدون نقص.
قوله تعالى : لمن أراد أن يتم الرضاعة ؛ الجار، والمجرور متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف ؛ والتقدير : ذلك لمن أراد ؛ فيكون المراد به : الوالدات المرضعات ؛ وذَكَّر الضمير في أراد باعتبار لفظ «مَن » ؛ ويحتمل أن يكون متعلقاً بقوله تعالى : يرضعن أولادهن ؛ فيكون المعنى : الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة من الأزواج ؛ فهنا مرضِع، ومرضَع له ؛ ويؤيد هذا قوله تعالى : فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن [ الطلاق : ٦ ] ؛ ولو قيل : إن الآية تشمل هذا وهذا، لم يكن بعيداً.
وقوله تعالى : أن يتم الرضاعة أي أن يأتي بها على وجه التمام ؛ فإنها لا تنقص عن حولين.
قوله تعالى : وعلى المولود له ؛ المولود اسم جنس ؛ أو أن «أل » اسم موصول ؛ لأنها إذا اقترنت بمشتق صارت اسماً من الأسماء الموصولة المشتركة - أي الصالحة للواحد، ومن فوقه - ؛ فحينئذ أفرد الضمير الراجع إليها - له - باعتبار اللفظ ؛ وجُمع - وإن أردتم - باعتبار المعنى ؛ وملاحظة المعنى، واللفظ في هذه الألفاظ المشتركة جاء بها القرآن مثل قوله تعالى : ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً [ الطلاق : ١١ ] ؛ يدخله باعتبار اللفظ : مفرد ؛ و خالدين باعتبار المعنى : جمع.
قوله تعالى : وعلى المولود الجار والمجرور خبر مقدم ؛ و له متعلقة ب المولود ؛ و { رزقهن مبتدأ مؤخر.
قوله تعالى : وعلى المولود له أي على الزوج، أو السيد، أو الواطئ بشبهة رزقهن أي نفقتهن ؛ وكسوتهن أي ما يكسو به الإنسان بدنه ؛ بالمعروف أي رزقهن، وكسوتهن بما تعارف الناس بينهم عليه.
قوله تعالى : لا تكلف نفس إلا وسعها : التكليف معناه إلزام ما فيه مشقة ؛ أي لا يلزم الله عزّ وجلّ نفساً إلا ما تقدر عليه.
قوله تعالى : لا تضار والدة بولدها :«المضارة » طلب ما يضر الغير ؛ وفي الآية قراءتان : لا تضارَّ بفتح الراء ؛ و لا تضارُّ بضمها ؛ فعلى قراءة الفتح تكون لا ناهية ؛ و تضارَّ فعل مضارع مجزوم ب لا الناهية ؛ وحرك بالفتح لالتقاء الساكنين ؛ فإذا قيل : لماذا لم يحرك بالكسرة لأن التحريك بالكسرة هو الغالب في التقاء الساكنين، كما قال تعالى : لم يكنِ الذين كفروا [ البينة : ١ ] ؟ فالجواب أن الفتح أخف ؛ أما على قراءة الرفع فإن لا نافية، و تضارُّ فعل مضارع مرفوع ؛ وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
وقوله تعالى : تضار يحتمل أن يكون مبنياً للفاعل، وأصله :«تضارِر » بكسر الراء الأولى، و والدة فاعل ؛ ويحتمل أن يكون مبنياً لما لم يسم فاعله، وأصله :«تضارَر » بفتح الراء الأولى، و والدة نائب فاعل ؛ وفاعل الإضرار المولود له - على هذا الاحتمال -.
قوله تعالى : ولا مولود له بولده : الواو حرف عطف ؛ و لا نافية ؛ و مولود معطوف على والدة.
قوله تعالى : وعلى الوارث خبر مقدم ؛ و مثل ذلك مبتدأ مؤخر ؛ والمشار إليه الرزق، والكسوة ؛ يعني أن على وارث المولود مثل ما على أبيه من النفقة، والكسوة.
قوله تعالى : فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما ؛ «الفصال » بمعنى الفطام ؛ والفاعل في أرادا يعود على الوالدة، والمولود له ؛ فلا بد من أن يقع هذا الفصال عن تراض منهما ؛ لقوله تعالى : عن تراض منهما ؛ و «التراضي » تفاعل من رضي ؛ فلا بد أن يكون من الطرفين ؛ فلو رضيت الأم دون الأب امتنع الفصال ؛ ولو رضي الأب دون الأم امتنع الفصال ؛ و «التشاور » تفاعل أيضاً ؛ وأصله من : شار العسل - إذا استخلصه من الشمع - ؛ والمراد به : تبادل الرأي بين المتشاورين لاستخلاص الأنفع، والأصوب ؛ فلا بد من أن يقع التشاور من أجل مصلحة الطفل ؛ فينظر هل من مصلحته أن يفطم قبل الحولين ؛ أو من المصلحة أن يبقى حتى يتم الحولين ؛ أو من المصلحة أن يبقى بعد الحولين أيضاً - فربما يكون محتاجاً إلى الرضاعة حتى بعد الحولين.
وقوله تعالى : فلا جناح عليهما أي لا إثم على الأبوين في فصاله قبل تمام الحولين.
قوله تعالى : وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم أي : إن أردتم أن تطلبوا لأولادكم من يرضعهم ؛ وتوجيه الخطاب للجماعة من باب الالتفات من الخطاب بالتثنية إلى الخطاب بالجمع ؛ فهو موجه للعموم.
قوله تعالى : فلا جناح عليكم أي فلا إثم عليكم.
قوله تعالى : إذا سلمتم ما آتيتم أي إذا أعطيتم ما اتفقتم عليه في العقد على الإرضاع ؛ بالمعروف أي بما عرف من حسن القضاء بحيث لا يكون نقص، ولا مماطلة فيما اتفق عليه.
وفي قوله تعالى : آتيتم قراءتان ؛ أحدهما بمد الهمزة ؛ والثانية بقصرها ؛ والفرق بينهما أن «أتيتم » المقصور معناه جئتم ؛ و «آتيتم » الممدود معناه أعطيتم.
قوله تعالى : واتقوا الله أي اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره ؛ وإن شئنا قلنا : إن «تصديق أخباره » داخل في فعل أوامره ؛ لأن تصديق الأخبار من الواجبات.
قوله تعالى : واعلموا أن الله بما تعملون بصير جملة معطوفة على قوله تعالى : واتقوا الله ؛ و بما تعملون متعلق ب بصير ؛ وقدم على عامله للمبادرة بالتحذير، والتأكيد على علمه بما نعمل ؛ والعلم بأن الله بما نعمل بصير من تقوى الله عزّ وجلّ ؛ لكن لما كان من تمام التقوى أن تعلم أن الله بما تعمل بصير نص عليه ؛ لأنك متى علمت ذلك خفت من هذا الذي هو بصير بعملك أن يجدك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك ؛ لأنه بصير بذلك.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : وجوب الإرضاع على الأم ؛ لقوله تعالى : والوالدات يرضعن .
٢ - ومنها : أن الله عزّ وجلّ أرحم بخلقه من الوالدة بولدها ؛ لأنه أمرها أن ترضع مع أن فطرتها، وما جبلت عليه تستلزم الإرضاع ؛ وهذا ؛ لأن رحمة الله أعظم من رحمة الأم بولدها ؛ ومثله قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم [ النساء : ١١ ] ؛ فلأن الله أرحم بأولادنا منا أوصانا فيهم.
٣ - ومنها : أن الرضاع التام يكون حولين كاملين ؛ لقوله تعالى :{ حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة
٤ - ومنها : توكيد اللفظ لينتفي احتمال النقص ؛ لقوله تعالى : كاملين ؛ ومثله قوله تعالى : فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة [ البقرة : ١٩٦ ] : فأكدها ب كاملة ؛ لئلا يتوهم واهم في تلك العشرة الكاملة أن تفريق الثلاثة والسبعة يقتضي أن يكون كل عدد منفرداً عن الآخر.
٥ - ومنها : أنه ينبغي استعطاف المخاطب بما يقتضي عطفه على الشيء ؛ لقوله تعالى :{ يرضعن أولادهن حيث أضاف الأولاد إلى المرضعات.
٦ - ومنها : أنه يجوز النقص عن الحولين ؛ لكن ذلك بالتشاور، والتراضي ؛ لقوله تعالى : لمن أراد أن يتم الرضاعة ؛ لكن يجب أن نعلم أن الإتمام تارة يكون واجباً إذا ترتب على تركه إخلال بواجب، كقوله ( ص ) :«ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا »١ ؛ وتارة يكون من باب الكمال، كما في هذه الآية : لمن أراد أن يتم الرضاعة ؛ لأن الله تعالى قال : فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما... إلخ ؛ ولو كان الإتمام إتمام واجب لم يكن فيه خيار ؛ فإن قيل : هل تجوز الزيادة على الحولين ؟
فالجواب : أنه ينظر في حال الطفل إن بقي محتاجاً إلى اللبن زيد بقدره ؛ وإن لم يكن محتاجاً فقد انتهت مدة رضاعته ؛ وقوله تعالى : الرضاعة هي اسم مصدر بمعنى الإرضاع الذي يحتاجه الطفل.
٧ - ومن فوائد الآية : الرد على الجبرية في قوله تعالى : لمن أراد أن يتم الرضاعة ؛ والجبرية يسلبون الإنسان إرادته، وقدرته، واختياره، ويقولون :«الإنسان ليس له إرادة، ولا قدرة ؛ إنما هو مجبر على عمله » ؛ فلا يرون فرقاً بين الذي يتحرك ارتعاشاً، والذي يتحرك اختياراً.
٨ - ومنها : أن الولد هبة للوالد ؛ لقوله تعالى : وعلى المولود له ؛ فبعض العلماء استنبط أن هذه الآية تدل على أن الوالد موهوب له ؛ وعلى كل حال هذا شبيه بقول النبي صلى الله عليه وسلم :«أنت ومالك لأبيك »٢.
٩ - ومنها : أنه قد يكون للشيء الواحد سببان ؛ فالرزق، والكسوة هنا لهما سببان، كفقير غارم ؛ وإذا تخلف أحد السببين بقي حكم السبب الآخر ؛ فلو فرض أن امرأة ناشز لا تطيع زوجها فيما يجب عليها، وهي ترضع ولده كان لها الرزق، والكسوة لا بالزوجية - لأنها ناشز - ولكن بالرضاعة.
فإن قيل : إذا كان سبب الرزق، والكسوة الزوجية أصبح الرضاع عديم التأثير.
قلنا : لا ؛ لأننا إذا قلنا : إن تخلف الإنفاق بالزوجية، وجب بالرضاع - هذه واحدة ؛ ثانياً : أنه ربما يترتب لها من الطعام والكسوة إذا كانت ترضع ما لا يترتب لو كانت لا ترضع ؛ فالمرضع ربما تحتاج إلى غسل ثيابها دائماً من الرضاعة، وتحتاج إلى زيادة طعام، وشراب.
١٠ - ومن فوائد الآية : اعتبار العرف بين الناس ؛ لقوله تعالى : بالمعروف ؛ وهذا ما لم يخالف الشرع ؛ فإن خالفه رد إلى الشرع.
١١ - ومنها : أنه يجب على المولود له رزقهن، وكسوتهن بالمعروف ؛ فيرجع إلى العرف في نوع الرزق، وكميته، وكيفيته ؛ وكذلك الكسوة.
١٢ - ومنها : وجوب الإنفاق على المولود له من زوج، أو غيره للمرضع ؛ وظاهر الآية أنه لا فرق بين أن تكون الزوجة في حباله، أو بائناً منه ؛ فإن كانت في حباله فلوجوب الإنفاق عليها سببان : الزوجية، والإرضاع ؛ وإن لم تكن في حباله فلها سبب واحد - وهو الإرضاع ؛ ولا يمتنع أن يكون للحكم الواحد سببان - كما سبق - كما في الزوج يكون ابن عم، فيرث بالزوجية، والقرابة.
١٣ - ومنها : أن المعتبر حال الزوجة ؛ لا حال الزوج ؛ فيرجع تقدير الرزق والكسوة إلى حال الزوجة، فكأنه قال : الرزق الذي يصلح لمثلها، والكسوة التي تصلح لمثلها ؛ وعلى هذا فإذا كان الزوج فقيراً وهي غنية يُلزَم بنفقة غني، وكس

١ أخرجه البخاري ص٥١: كتاب الأذان، باب ٢٠: قول الرجل فاتتنا الصلاة، حديث رقم ٦٣٥، وأخرجه مسلم ص٧٧١، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ٢٨: استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة... ، حديث رقم ١٣٥٩ [١٥١] ٦٠٢..
٢ أخرجه أحمد ٢/٢٠٤، حديث رقم ٦٩٠٢، وأخرجه ابن ماجة ص٢٦١٤، كتاب التجارات، باب ٦٤، ما للوالد من مال ولده، حديث رقم ٢٢٩١..

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير