الجَمْع والتثنيةَ والتَّذْكِير، ومَنْ جَعَلَه للتراخي أو التبعيد (١) تركه على حالة واحدة.
وقوله تعالى: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ خص المؤمنين، أنهم أهل الانتفاع به.
ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ (٢) خير لكم وأفضل، وَأَطْهَرُ لقلوبكم من الريبة، وذلك أنهما إذا كان في نفس كل واحد منهما علاقة حب لم يؤمن أن يتجاوز ذلك إلى ما غير أحل (٣) الله، ولم يؤمن من أوليائهما أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما أن يكونا بريئين من ذلك فيأثمون (٤).
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما لكم فيه الصلاح في العاجل والآجل وأنتم غير عالمين إلا (٥) بما أعلمكم.
٢٣٣ - قوله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ الآية. قال المفسرون: أراد المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن.
وقال بعضهم: بل هي على العموم، لأنه قال: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنّ والمطلقة (٦) لا تستحق الكسوة إلا أن يحمل على الرجعية، فإنها تستحق الكسوة والرزق في زمان العدة، والمطلقة ثلاثًا لا تستحق بالإرضاع الكسوة، وإنما تستحقُّ الأجرةَ، فإذا لا يمكن إجراؤها على العموم ولا
(٢) ساقطة من (ي) و (ش) و (أ).
(٣) في (أ) و (م): (إلى ما أخل الله).
(٤) من "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٣٤، وينظر "تفسير الطبري" ٢/ ٤٨٩.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): (فالمطلقة).
على المطلقات أيضًا لما بينا، فالأولى أن يحمل على الزوجات في حال بقاء النكاح؛ لأنهن يستحققن الرزقَ والكسوة (١).
فإنْ قيل: إذا كانت الزوجية باقية فهي تستحق الرزق والكسوة بسبب النكاح، سواء أرضعت له ولده أو امتنعت، فما وجه تعليق هذا الاستحقاق بالإرضاع؟ قلنا: النفقة والكسوة في مقابلة التمكين، وإذا اشتغلت بالإرضاع والحضانة ربما لا تمكن من كمال التمكين، فيتوهم متوهم أن نفقتهما وكسوتها تسقط بالخلل الواقع في التمكين، فقطع الله ذلك التوهم بإيجاب الرزق والكسوة، وإن اشتغلت المرأة بالإرضاع، ولهذا قلنا: إذا أشخصها زوجها إلى سفر لحاجته وتجارته فنفقة سفرها عليه؛ لأنها مشغولة بشغله، وإذا كان كذلك فالرزق والكسوة هاهنا لا يكون أجرة الرضاع، وأجرة الرضاع تجب على الزوج بقوله تعالى: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الطلاق: ٦] وفائدة ذكر الرزق والكسوة في هذه الآية ما بينا (٢).
وقوله تعالى: يُرْضِعْنَ لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر، كما تقول: حسبك درهم، معناه اكتف به، وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب، يريد: أنهن أحقُّ بالإرضاع من غيرهن إذا أردن ذلك، ولو وجب عليها الإرضاع لما استحقَّت الأجرةُ، وقد أوجب الله الأجرة لهن في سورة الطلاق (٣).
وقوله تعالى: حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ أي: سنتين.
أصل الحول من حال الشيء إذا انقلب، فالحول منقلب من الوقت
(٢) "التفسير الكبير" ٦/ ١١٦ - ١١٧.
(٣) كذا قال الزجاج في "معاني القرآن" ١/ ٣١٢، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٣٤ - ١١٣٥.
الأول إلى الثاني (١)، وذكر الكمال لرفع التوهم من أنَّه على مثل قولهم: أقام فلان بمكان كذا حولين أو شهرين، وإنما أقام حولًا (٢) وبعض الآخر، ويقولون: اليوم يومان مذ لم أره، وإنما يعنون يومًا وبعضًا آخر، ومثله قوله: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ [البقرة: ٢٠٣]، ومعلوم أنه يتعجل في يوم وبعض الثانى (٣).
وليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب؛ لأنه قد قال بعد هذا: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ولكنه تحديدٌ لقطع التنازع بين الزوجين إذا اشتجرا في مدة الرضاع، فجُعِل الحولان ميقاتًا لهما يرجعان إليه عند الاختلاف، فإن أراد الأَبُ أن يَفْطِمَه قبل الحولين ولم ترض الأم، لم يكن له ذلك، وكذلك لو كان على عكس هذا. فإن اجتمعا قبل الحولين فطماه (٤).
هذا هو الصحيح، وهو قول ابن عباس (٥)، في رواية علي بن أبي طلحة، والثوري (٦) وابن جريج (٧).
(٢) في (ي): (حولان) وهو خطأ.
(٣) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٣٥، "تفسير الطبري" ٢/ ٤٩٠، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣١٢، و"تفسير البغوي" ١/ ١٧٧، "البحر المحيط" ٢/ ٢١٢.
(٤) من "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٣٦ - ١١٣٧.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٤٩١، وعزاه في "الدر" ١/ ٥١٥ إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١١٣٧.
(٦) رواه عنه الطبري ٢/ ٤٩٢.
(٧) ذكره الثعلبي ٢/ ١١٣٧، وعنه البغوي ١/ ٢٧٧، وروى ابن جريج عن عطاء نحوه =
وقال آخرون: المراد بهذه الآية: الدلالة على أن الرضاع ما كان في الحولين، وأن ما بعد الحولين من الرضاع لا يُحرِّم، وهو قول علي (١) وعبد الله (٢) وابن عباس (٣) وابن عمر (٤) وعلقمة (٥) والشعبي (٦) والزهري (٧) ومذهب الشافعي، فإن عنده التحريم الحاصل بالرضاع يتعلق بالحولين، وبعد الحولين لا يحصل التحريم بالإرضاع (٨).
وعند أبي حنيفة: تتقدَّر (٩) مدة حصول التحريم بالإرضاع بثلاثين شهرًا (١٠).
والآية حجة للشافعي على قول هؤلاء، لأن الله تعالى علق (١١) حكم
(١) رواه عبد الرزاق في "المصنف" ٧/ ٤٦٤، وابن أبي شيبة في "المصنف" ٤/ ٢٩٠.
(٢) رواه أبو داود ٢٠٥٩ كتاب: النكاح باب في رضاعة الكبير، وعبد الرزاق في "المصنف" ٧/ ٤٦٣، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٤٩٢.
(٣) رواه مالك في "الموطأ" ٢/ ٦٠٢، وعبد الرزاق في "المصنف" ٧/ ٤٦٤، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٤٩٢.
(٤) رواه مالك في الموطأ ٢/ ٦٠٢، وعبد الرزاق في "المصنف" ٧/ ٤٦٥، والطبري ٢/ ٤٩٢.
(٥) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٤/ ٢٩١، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٤٩٢.
(٦) رواه عبد الرزاق في "المصنف" ٧/ ٤٦٣، وسعيد بن منصور ١/ ٢٧٨، والطبري ٢/ ٤٩٢.
(٧) رواه عبد الرزاق في "المصنف" ٧/ ٤٦٥.
(٨) ينظر: "السنن الكبرى" للبيهقي ٧/ ٤٦٢، وقال ابن كثير في "تفسيره" ١/ ٣٠٣: وهو مذهب الشافعي وأحمد واسحاق والثوري وأبي يوسف ومحمد ومالك في رواية.
(٩) في (ي) و (ش) (يتقدر).
(١٠) تنظر المراجع السابقة.
(١١) ساقطة من (م).
الرضاع بالحولين، فدل على أن ما زاد على الحولين لا حكم له.
وقال عكرمة عن ابن عباس: إذا وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهرًا، وإذا وضعته لتسعة أشهر أرضعته أحدًا وعشرين شهرًا، كل ذلك تمام ثلاثين شهرًا اعتبارا بقوله: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف: ١٥] (١).
فجعل مدتيهما (٢) ثلاثين شهرًا، والذي عليه عامة الفقهاء أن مدة الرضاع حولان في جميع هذه الأحوال، لا يفصلون بين أن تزيد مدة الحمل أو تنقص، للتصريح بذكر الحولين في هذه الآية.
وأما قوله: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ الآية [الأحقاف: ١٥] فإنها في تعظيم شأن الوالدة، وتعريف الأولاد ما لزم الوالدة من التعب والمشقة في أول هذه المدة من حملها وإرضاعها وفي آخرها، لقوله: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا [الأحقاف: ١٥]، فلا تعتبر هذه الآية بتلك إذ الأصلان مختلفان في المعنى الذي نزلت الآيتان فيه (٣).
وقوله تعالى: لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ يقال: رَضِعَ المولودُ يرضَعُ رِضاعةً ورَضاعًا، هذا هو الأفصح، ويقال أيضًا: رَضَعَ يرضِعُ رضَاعَةً ورِضاعًا بالكسر في المصدر (٤) (٥) والمعنى: أنَّ هذا التقديرَ والبيان لمن
(٢) في (ي) (مدتهما).
(٣) تنظر المراجع في القول السابق.
(٤) في (ش) (أجرها).
(٥) كذا بنحوه في: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٠٢، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٤١٩ مادة (رضع)، "المفردات" ص ٢٠٢، "اللسان" ٣/ ١٦٦٠ مادة: رضع، وفيهما رضُع =
أراد أن يُتِمَّ الرضاعة، كقوله: وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة: ٢٠٣]، يعنى أن هذا منتهى الرضاع، وليس فيما دون ذلك وقت محدود (١). (من) لفظ مبهم يصلح للأب والأمِّ جميعًا.
وقال قتادة (٢) والربيع (٣): فرض الله عز وجل على الوالدات أن يرضعن أولادهن حولين كاملين، ثم أنزل الرخصةَ والتخفيفَ بعد ذلك، فقال: لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ.
وقوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ يعنى: الأب.
رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ الكِسوة والكُسوة: اللباس، يقال: كسوت فلانًا أكسوه كسوة، إذا ألبسته (٤) ثوبًا (٥).
والأكثرون من المفسرين قالوا في هذا: معناه (٦) وعلى (٧) الزوج رزق المرأة المطلقة وكسوتها إذا أرضعت الولد (٨)، وقد ذكرنا هذا في أول الآية.
(١) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٤٠.
(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٤٩٣، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٤٢٩.
(٣) انظر المصدر السابق.
(٤) في (ي) و (ش): (ومن).
(٥) ينظر في كسا: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٣٩، "المفردات" ص ٤٣٢ - ٤٣٣، "اللسان" مادة: كسا ٧/ ٣٨٧٩.
(٦) في (م): (قالوا لي معنى هذا).
(٧) في (ي): (على).
(٨) يرويه بنحوه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦ عن الضحاك بن مزاحم، والنص المذكور من "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣١٣.
وقوله تعالى: بِالْمَعْرُوفِ أي: بما يعرفون أنه عدل على قدر الإمكان (١).
وقوله تعالى: لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا التكليفُ: الإلزام، يقال: كلفته الأمر فَتَكَلَّفْ وكَلِفَ (٢).
قيل (٣): إن أصله من الكَلَف، وهو الأثر على الوجْه من السَّوَاد، فمعنى تَكَلَّفَ الأمرَ، أي: اجتهد يبين (٤) فيه أثره، وكلّفه: أَلزمه ما يَظْهَرُ (٥) فيه أثره (٦).
والوُسْع، ما يَسَعُ الإنسانَ فيطيقه، أُخِذَ مِن سَعَةِ المَسْلَك إلى الغَرَضِ، ولو ضاق لعجز عنه، فالسَّعَةُ فيه بمنزلة القُدْرَة، فلذلك قيل: الوُسْعُ بمعنى (٧) الطاقة (٨).
(٢) ساقطة من (م).
(٣) في (م): (وقيل).
(٤) في (ي) (أن بين).
(٥) في (م) (فلا يظهر)، وفي (أ) لعلها (فما يظهر).
(٦) ينظر في كلف: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣١٧٥، "المفردات" ص ٤٤١، "اللسان" مادة: (كلف) ٧/ ٣٩١٧. قال الراغب: وتكلُّف الشيء ما يفعله الإنسان بإظهار كلَفٍ مع مشقة تناوله في تعاطيه، وصارت الكُلْفة في التعارف اسما للمشقة، والتكلُّف: اسم لما يفعل بمشقة أو تصنع أو تشبع.
(٧) في (ي) (بمنزلة).
(٨) ينظر في وسع: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨٨٩، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٤٢، "المفردات" ص ٥٣٨، "اللسان" ٨/ ٤٨٣٥ مادة: وسع، "البحر المحيط" ٢/ ٢١٤، وذكر الراغب أن السعة تقال في الأمكنة وفي الحال كقوله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ [الطلاق: ٧] =
وقوله تعالى: لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ الاختيار فتح الراء (١) من تضارّ، وموضعه جزم على النهي، والأصل: لا تضارر، فأدغمت الراء الأولى في الثانية، وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين، وهذا الاختيار في التضعيف إذا كان قبله فتح أو ألف، تقول: عَضَّ يا رجلُ، وضارَّ زيدًا (٢) يارجلُ (٣).
والمعنى: لا ينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه (٤) وألفها الصبي، ولا تلقيه هي إلى أبيه (٥) بعد ما عرفها، تضاره بذلك (٦).
وقيل معناه: لا تضارَّ والدة فتكره على إرضاع الصبي إذا قبل من غيرها وكرهت هي رضاعه؛ لأن ذلك ليس بواجب عليها، وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ يكلف (٧) أن يُعْطِي الأم إذا (٨) لم يرتضع الولد إلا منها أكثر مما يجب لها
(١) كذا قرأ نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: (لا تضارَّ)، وقرأ الباقون من السبعة: (تضارُّ). ينظر: "السبعة لابن مجاهد" ص ١٨٣، و"النشر" ١/ ٢٢٧.
(٢) في (ي): (زيد).
(٣) كذا نقله من "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣١٣.
(٤) في (م): (وأصابك وألفها).
(٥) في (ش) (أمه).
(٦) ينظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٥٠، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣١٣، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٤٦، "البحر المحيط" ٢/ ٢١٥.
(٧) في (ي): (فكلف)، في (ش): (فيكلف).
(٨) في (ش): (إذ).
عليه. وهذان القولان على مذهب الفعل المبنى للمفعول نهيًا (١).
ويحتمل أن يكون الفعل لهما، ولكون تضارّ على مذهب ما قد سُمي فاعله، وكان في الأصل: لا تضارر، فأدغمت (٢).
والمعنى: (لا تُضارَّ والدة) فتأبى أن ترضع ولدها لتشق على أبيه، (ولا مولود له) أي: ولا يضارَّ الأب أمّ الصبي فيمنعها من إرضاعه وينزعه منها، والضرار يرجع إلى الوالدين، يضار كل واحد منهما صاحبه بسبب الولد (٣)، ويجوز أن يكون الضرار راجعًا إلى الصبي، أي: لا يضار كل واحد منهما الصبي (٤)، فلا ترضعه الأم حتى يموت، ولا ينفق الأب أو ينزعه من أمه حتى يضر بالصبي، وتكون الباء زائدة على تقدير: لا تضار والدة ولدَها، ولا أبٌ ولدَه، وكل هذه الأقاويل مروية عن المفسرين (٥).
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (لا تضارُّ) برفع الراء على الخبر منسوقًا على قوله: (لا تكلف) وأتبع ما قَبْلَه ليكونَ أحسنَ في تشابه اللفظ.
فإن قلت: إن ذلك خبر، وهذا أمر؟ قيل: والأمر يجيء على لفظ الخبر، كقوله: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ [البقرة: ٢٢٨]، وقد سبق نظائره (٦).
(٢) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٤٧، "البحر المحيط" ٢/ ٢١٥.
(٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٤٧، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣١٣، "تفسير القرطبي" ٣/ ١٦٧.
(٤) من قوله: أي لا يضار.. ساقط من (ي).
(٥) من "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٤٨، وأورده أيضًا البغوي في "تفسيره" ١/ ٢٧٨، وينظر "تفسير الطبري" ٢/ ٤٩٦، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣١٣، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٤٣٠ - ٤٣٢.
(٦) نقله من "الحجة" لأبي علي ٢/ ٣٣٣ بمعناه.
وقوله تعالى: وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ هذا منسوق على قوله: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ يعني: على وارث الصبي الذي لو مات الصبي وله مال ورثه، مثل الذي كان على أبيه في حياته، وأراد بالوارث من كان من عصبته كائنًا من كان من الرجال (١)، في قول عمر بن الخطاب (٢) وإبراهيم (٣) والحسن (٤) ومجاهد (٥) وعطاء (٦) وسفيان (٧).
وقال بعضهم: هو وارث الصبي كائنًا من كان من الرجال والنساء، وهو قول قتادة (٨) والحسن بن صالح (٩) وابن أبي ليلى (١٠)، ومذهب أحمد (١١)
(٢) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" ٧/ ٥٩، وسعيد بن منصور ٢/ ١٤٤، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٥٠٠، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٤٣٢.
(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٥٠١، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٤٣٣.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٥/ ٢٤٧، وأبو عبيد في "الأموال" ص ٣٠٥، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٥٠٠.
(٥) تفسير مجاهد ١/ ١٠٩، وأخرجه الطبري ٢/ ٥٠١، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٤٣٣.
(٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٥٠١، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٤٣٣.
(٧) روى عنه عبد الرزاق في "المصنف" ٧/ ٦١ ما يوافق القول الثاني، وذكره ابن أبي حاتم ٢/ ٤٣٣.
(٨) رواه عبد الرزاق في "المصنف" ٧/ ٦١، والطبري في "تفسيره" ٢/ ٥٠١.
(٩) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١١٥٠، والمروزي في "اختلاف العلماء" ص ١٥٦، والحسن بن صالح اسمه: حيان الثوري الهمداني، ثقة فقيه عابد، رمي بالتشيع توفي سنة ١٦٩. ينظر "حلية الأولياء" ٧/ ٣٢٧، و"سير أعلام النبلاء" ٧/ ٣٦١.
(١٠) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١١٥٠، والمروزي في " اختلاف العلماء" ١٥٦.
(١١) "المغني" ١١/ ٣٨١، و"زاد المعاد" ٥/ ٥٤٨.
وإسحاق (١)، قالوا: يجبر على نفقه الصبي كل وارث (٢) على قدر ميراثه عَصَبَةً كانوا أو غيرهم.
وعند أبي حنيفة: يجبر على نفقة الصبي مِن ورثته مَن كان محرمًا، ومن لم يكن محرما مثل ابن العم والمولى فليسوا ممن عناهم الله بقوله: وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ عند أبي حنفية وأصحابه (٣).
وقال آخرون: أراد بالوارث، الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى، عليه أجر (٤) رضاعه (٥) في ماله، إن كان له مال، وإن (٦) لم يكن له مال أجبرت (٧) أمه على رضاعه، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان، وهو قول مالك (٨) والشافعي (٩).
وقال كثير من أهل العلم: أراد بالوارث الباقي من الوالدين بعد الآخر، عليه مثل ما كان على الأب من أجر (١٠) الرضاع والنفقة والكسوة (١١).
(٢) قوله كائناً من كان.. ساقط من (ش).
(٣) ينظر "مختصر الطحاوي" ص ٢٢٤، "أحكام القرآن" للجصاص ١/ ٤٠٧.
(٤) في (ي): (المتوفى آخر).
(٥) في (ش): (رضاعة).
(٦) في (ي) و (ش): (فإن لم).
(٧) في (م) و (ي): (أجبر).
(٨) ينظر "اختلاف العلماء" للمروزي ص ١٥٦، و"الإيضاح" لمكي ص ١٨٠.
(٩) ينظر: "الأم" ٥/ ٩٧، و"أحكام القرآن" للكيا الهراسي ١/ ٢٧١.
(١٠) في (ي): (آخر).
(١١) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٥٠٢، "تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٤٣٣، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٥٢، "والنكت والعيون" ١/ ٣٠٠، و"تفسير البغوي" ١/ ٢٧٨.
وقال الشعبي (١) والزهري (٢) والزجاج (٣)، وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ يعنى: ألا يضارَّ (٤).
وقوله تعالى: فَإِنْ أَرَادَا يعنى: الوالدين فِصَالًا فطامًا، لانفصال المولود عن الاغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات.
قال المبرد: يقال: فَصَلَ الولدُ عن أمِّه فِصَالًا وفَصْلًا، وقد قُرئ بهما (٥) (٦) في قوله: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ [الأحقاف: ١٥]، والفِصالُ أحسن؛ لأنه إذا انفصل من أمِّهِ فقد انْفَصَلَتْ منه أُمُّهُ، فبينهما فِصَالٌ، نحو: القِتال والضِّرَاب. ويقال: فَصَلْتُه فَصْلًا وفِصَالًا كالكِتَاِب والضِّرَاب (٧) والحِسَابِ واللِّقَاء، ومنه سُمِّيَ الفَصِيل فَصِيلًا؛ لأنه مَفْصُول عن أمِّه (٨).
عَنْ تَرَاضٍ منهما، يعني: قبلَ الحولين، لأن بعد الحولين لا يجب
(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٥٠٤.
(٣) "معاني القرآن" ١/ ٣١٣.
(٤) ذكره إيضًا البغوي ١/ ٢٧٨.
(٥) في (ش): (بها)، وفي (ي): (منها).
(٦) قرأ يعقوب من العشرة بفتح الفاء وإسكان الصاد (وفصْله) وكذا روي عن الحسن، وقرأ الباقون بكسر الفاء وفتح الصاد وألف بعدها (وفِصاله). ينظر "النشر" ٢/ ٣٧٣، و"البدور الزاهرة" ص ٦٣، و"القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب" للقاضي ص ٨١.
(٧) زيادة من (م).
(٨) ما ينظر في فصل: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٩٥، "المفردات" ص ٣٨٢ - ٣٨٣،"لسان العرب" ٦/ ٢٤٢٣.
على واحد منهما اتِّبَاعُ الآخر.
وقوله تعالى: وَتَشَاوُرٍ معنى التَّشَاوُر في اللغة: استخراج (١)، وكذلك المَشْوَرَة، والَمُشْوَرَة مَفْعَلَةٌ منه (٢) كالمَعُونَةِ، ونظيرها: المَيْسَرَة.
وشُرتُ العسلَ: استخرجته، وأنشد أبو زيد لحاتم:
| وليس على ناري حِجَابٌ أكفُّها | لمُسْتَقْبِسٍ لَيلًا ولكِنْ أَشيْرُها (٣) |
وقال أبوزيد: شِرتُ الدابةَ، وشَوَّرْتُها أَجْرَيْتُها لاستخراج جَرْيها.
والشَّوَار: متاعُ البيت؛ لأنه يَظْهَر للناظِر، وقولهم: تَشَوَّرَ وشَوَّرْتُه، قيل: إن أصله أَنّ رجلًا بَدَتْ عورته وظهرت (٥)، وكان معنى تَشَوَّرَ (٦) ظهر ذلك، وشوَّرْتُه: فعلتُ به ذلك الفعلَ، أو مثله فيما فيه حِشمة ومنه خَجَلٌ. وتسميتهم للذكرِ شَوَارًا يُشبهُ أن يكونَ من ذلك. قال أبوزيد: يقالُ للرجالِ إذا دعوت عليه: أبدى الله شَوارَك. وشَوَارُهُ: مذاكيره (٧).
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) البيت في ديوانه ص ٢٣٢.
(٤) ساقطة من (ي).
(٥) في (م): (فظهرت)، وفي (ش) ساقطة.
(٦) في (ي): (شور).
(٧) نقله عنه في "تهذيب اللغة" ١١/ ٤٠٥.
والشارة: هيئة الرجل؛ لأنه ما يظهر (١) من زيِّهِ ويبدو من زينته.
والإشارة: إخراجُ ما في نفسك وإظهاره للمخاطب بالنطق وبغيره (٢).
والمعنى: أنهما إن تشاورا وتراضيا على الفطام قبل الحولين فلا بأس إذا كان الولد قويًا، وليس لهما ذلك مع ضعفه (٣).
وقوله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ أي: لأولادكم، وحذفت اللام اجتزاء بدلالة الاسترضاع؛ لأنه لا يكون إلا للأولاد، ولا يجوز: دعوت زيدًا، وأنت تريد لزيد؛ لأنه يلتبس هاهنا، بخلاف ما قلنا في الاسترضاع (٤).
والمعنى: إن أردتم أن تسترضعوا لأولادكم مراضع غير الوالدة فلا إثم عليكم (٥).
وقوله تعالى: إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ.
قال مجاهد (٦) والسدي (٧): إذا سلمتم إلى الأم أجرتها بمقدار ما أرضعت.
(٢) ينظر في شور: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٨٠٣، "المفردات" ص ٢٧٣، "اللسان" ٤/ ٢٣٥٦. قال الراغب: والمشورة استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، في قولهم: شِرت العسل، إذا اتخذته من موضعه واستخرجته منه.
(٣) بنحو معناه ذكر البغوي في "تفسيره" ١/ ٢٧٩، والزجاج في "معاني القرآن" ١/ ٣١٣.
(٤) ينظر: "التبيان" ص ١٣٩، "البحر المحيط" ٢/ ٢١٨، في تفصيل الاسترضاع وتعديه بحرف أو دون حرف.
(٥) كذا في "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣١٤، وينظر "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣١٧، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٥٣.
(٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٥٠٩، "ابن أبي حاتم" ٢/ ٢٣٧.
(٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٥٠٩، "ابن أبي حاتم" ٢/ ٤٣٥.
وقال سفيان (١): إذا سلمتم أجرة المسترضعة.
وقرأ ابن كثير: (ما أتيتم) بقصر الألف (٢).
وحجته: ما روي عن الزهري في هذه الآية، أنه قال: التسليم هاهنا بمعنى: الطاعة والانقياد (٣). يعني: إذا سلمتم للاسترضاع عن تراض واتفاق دون الضرار (٤).
وكذلك قال ابن عباس في رواية عطاء، قال (٥): إذا سلمت أمُّه ورَضِيَ أبوه، لعلَّ له غِنًى يشتري له مرضعًا (٦).
ومعنى: أتيتم هاهنا فعلتم، يعني: إذا سلمتم ما أتيتموه من الإنفاق، كما تقول: أتيت جميلًا، أي: فعلته. قال زهير:
وما يَكُ من خَيْرٍ أتَوْه فإنمَّا... تَوَارَثَه آباءُ آبائِهِم قَبْلُ (٧)
يعني: فعلوه وقصدوه. والباء في (بالمعروف) يجوز أن تتعلق بـ سلمتم، كأنه: إذا سلمتم بالمعروف، ويجوز أن تتعلق (٨) بالإيتاء على قراءة العامة (٩).
(٢) ينظر: "السبعة لابن مجاهد" ١٨٣.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٤٣٥، وينظر "تفسير البغوي" ١/ ٢٧٩.
(٤) "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٥٤، وذكره البغوي في "تفسيره" ١/ ٢٧٩ على أنه قول آخر غير التسليم الذي بمعنى الطاعة والانقياد.
(٥) ساقطة من (ي).
(٦) فقد تقدم الحديث عن هذه الرواية في قسم الدراسة من المقدمة.
(٧) ورد البيت هكذا:
وما يك من خير أتوه فإنما... توارثهم آباء آبائهم قبل
والبيت في ديوانه ص ٥٨. "البحر المحيط" ٢/ ٢١٨.
(٨) في (ش): (يتعلق).
(٩) من قوله: ومعنى أتيتم،... من كلام أبي علي الفارسي في "الحجة" ٢/ ٣٣٦ =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي