لما طال الكلام في أحكام الأزواج والأولاد نبه الله سبحانه على أن الاشتغال بشأنهم لا يلهيهم عن ذكر الله وعن الصلاة التي هي عماد الدين ومكفرة الذنوب وصداء القلوب فقال :
حافظوا على الصلوات بالأداء لأوقاتها والمداومة عليها وإتمام أركانها وصفاتها أجمعت الأمة على أنها فريضة قطعية يكفر جاحدها، وأما تارك الصلاة عمدا فقال أحمد يكفر، وقال مالك والشافعي وهو رواية عن أحمد أنه لا يكفر لكن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وقال أبو حنيفة : لا يقتل لكن يحبس أبدا حتى يموت أو يتوب. وجه رواية أحمد حديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة " رواه مسلم، وحديث بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" العهد الذي بيننا وبينهم ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر " رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وحديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يوما فقال :" من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان أبي بن خلف " رواه أحمد، والجمهور يؤولون هذه الأحاديث بناء على عطف إقامة الصلاة على الإيمان، وحاصل هذه الأحاديث أن أمر الصلاة أشد من سائر الأحكام والعبادات فمن تركها فكأن كفر أو المعنى أنه من تركها استخفافا فقد كفر والله أعلم. وفي فضائل الصلاة أحاديث كثيرة جدا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا هل يبقى من درنه شيء ؟ قالوا لا يبقى من دون شيء قال :" فذلك مثل الصلوت الخمس يمحو الله بهن الخطايا " متفق عليه، وعن عبادة ابن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على اللله عهدا أن يغفر له ومن لم يفعل فليس على الله عهدا إن شاء غفر له وإن شاء عذبه " رواه أحمد وبو داود وروى مالك والنسائي نحوه وهذا حديث حجة للجمهور على أن تارك الصلاة لا يكفر والله أعلم.
والصلاة الوسطى عطف الخاص على العام لمزيد الاهتمام، الوسطى تأنيث الأوسط. قال البغوي اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم في الصلاة الوسطى، فقال قوم هي صلاة الفجر وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد وإليه ذهب مالك والشافعي، وذهب قول إلى أنها صلاة الظهر وهو قول زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة لأنها في وسط النهار وهي أوسط صلوات النهار، والحجة لهم ما رواه البخاري في تاريخه وأحمد وأبو داود والبيهقي وابن جرير عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهاجرة وكانت أثقل الصلاة على أصحابه فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وأخرج أحمد من وجه آخر عن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهاجرة فلا يكون إلا الصف والصفان والناس في قائلتهم وتجارتهم فأنزل الله تعالى : حافظوا على الصلوات الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لينتهين رجال أو لأخرقن بيوتهم " قلنا : هذين الحديثين لا يدلان أن الصلاة الوسطى صلاة الظهر { فإن حافظوا على الصلوات يشتمل الظهر، وقال الأكثرون وهو أرجح الأقوال أنها صلاة العصر رواه جماعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول علي وابن مسعود وأبي أيوب وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما وبه قال إبراهيم النخعي وقتادة والحسن وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد لحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب :" ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس " متفق عليه، وفي رواية لمسلم " " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا " رواه مسلم، وحديث أبي يونس مولى عائشة قال : أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا ثم قالت إذا بلغت هذه الآية فآذني فلما بلغتها آدنت فأملت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقالت سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم، وحديث البراء بن عازب قال : نزلت هذه الآية : حافظوا على الصلوات والصلاة العصر فقرأناها ما شاء الله عز وجل ثم نسخها فنزلت : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر رواه مسلم، وأخرج مالك وغيره عن عمرو بن رافع كنت أكب مصحف حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأملت عني : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر، وأخرج أبو داود عن عبد بن رافع قال : كتبت مصحفا لأم سلمة فقالت : اكتب حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى وصلاة العصر، وأخرج أبو داود عن ابن عباس أنه قرأ كذلك وأخرج أبو داود عن أبي رافع مولى حفصة قال كتبت مصحفا فقالت اكتب : حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى وصلاة العصر فلقيت أبي بن كعب فأخبرته فقال هو كما قالت :" أو ليس أشغل ما يكون عند صلاة الظهر في غنمنا ونواضحنا " وأصحاب الشافعي جعلوا أحاديث عائشة وحفصة وغيرهما حجة لهم قالوا عطف صلاة العصر على صلاة الوسطى دليل على المغايرة، قلنا بل هو عطف تفسيري، وروى البغوي في تفسيره حديث عائشة بلفظ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، بغير الواو والله أعلم. وقال قبيصة ابن ذؤيب هي صلاة المغرب لأنها وسط ليست بأقلها يعني ثنائيا ولا بأكثرها يعني رباعيا ولم ينقل عن أحد من السلف أنها صلاة العشاء وذكر بعض المتأخرين أنها صلاة العشاء لأنها بين صلاتين لا تقصران، وقال بعضهم : هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها أبهمها الله تحريضا للعباد على المحافظة على أداء جميعها كما أخفى ليلة القدر وساعة الجمعة والاسم الأعظم، والظاهر من كلام الأكثر أن تخصيص صلاة الوسطى بعد التعميم لمزية لها على غيرها من الصلوات، وعندي ليس كذلك بل زيادة التأكيد والاهتمام فيها لأجل أن وقت صلاة العصر وقت المشاغل بالسوق فروعي فيها زيادة التأكيد والاهتمام كيلا يفوت تلك الصلاة أو يتأدى على وجه الكراهة بلا جماعة أو في وقت مكروه فعلى هذا أس صلاة من الصلوات يكون فيها مانع عن إتيانها على وجه السنة لا بد فيها زيادة التعاهد والاهتمام كصلاة الصبح والعشاء في الشتاء والظهر والصيف والعصر لأهل السوق إن كان رواج سوقهم في ذلك الوقت والمغرب لأهل المواشي ونحو ذلك والله أعلم.
وقوموا لله قاتنتين المراد بالقنوت السكوت عن كلام الناس لحديث زيد بن أرقم قال : كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة ويكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه حتى نزلت : وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام رواه الأئمة الخمسة وغيرهم، وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال كانوا يتكلمون في الصلاة وكان الرجل يأمر أخاه بالحاجة فأنزل الله تعالى : وقوموا لله قانتين وقال مجاهد المراد بالقنوت الخشوع قال ومن القنوت طول الركوع وغض البصر والركود وخفض الجناح كان العلماء إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يلتفت أو يقلب الحصا أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلا ناسيا، وقيل : المراد بالقنوت طول القيام لما رواه الترمذي عن جابر قال قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : أي الصلاة أفضل ؟ قال :" طول القنوت " وهذا القول ضعيف لأن الأصل في الأمر الوجوب وطول القيام ليس بواجب، وقال أصحاب الشافعي : المراد بالقنوت دعاء القنوت لما روي عن ابن عباس قال قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا يدعوا على أحياء من سليم ورعل وذكوان وعصية، وهذا القول ضعيف أيضا فإن سياق الآية يدل على عموم القنوت في الصلوات كلها لا يختص بشهر دون شهر ولا بصلاة دون صلاة، وقد صح أ ن قنوت الفجر بدعة عن أبي مالك الأشجعي قال قلت لأبي يا أبت قد صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وخلف عمر وعثمان وعلي ههنا بالكوفة قريبا من خمس سنين أكانوا يقنتون ؟ فقال : أي بني بدعة رواه أحمد، وفي لفظ صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقنت وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت وصليت خلف عمر فلم يقنت وصليت خلف عثمان وصليت خلف علي فلم يقنت ثم قال : أي بني بدعة واسم أبي مالك سعد بن طارق بن الأسلم، قال البخاري طارق بن الأسلم له صحبة وإسناد هذا الحديث صحيح وفي نفي قنوت الفجر تسعة أحاديث، وما رووه في قنوت الفجر إما ضعيف وإما محمول على قنوت النوازل والكلام طويل لا يسعه المقام، وقال الشعبي وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وطاووس القنوت الطاعة قال الله تعالى : أمة قانتا أي مطيعا، قال الكلبي ومقاتل : لكل أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين فقوموا أنتم في صلاتكم قانتين أي مطيعين، وقيل معناه مصلين كقوله تعالى : أمن هو قانت آناء الليل أي مصل، وقيل : القنوت الذكر أي الذاكرين له تعالى في القيام، والأظهر هو المعنى الأول فإن حديث زيد بن أرقم أصرح في المراد وأصح بخلاف غير ذلك فإنها احتملات لا يصادم المسموع.
التفسير المظهري
المظهري