ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘ ﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ

١٣- هناك من قال إن متعة المطلقة التي لم يسم مهرها هي على سبيل الندب لا الإيجاب، وهناك من قال إنها واجبة، واستلهم أصحاب القول الأول صيغة الآية، واستلهم أصحاب القول الثاني الآية [٢٤٢] التي فيها كلمة (حقا) والتي تأتي بعد قليل. ونحن نرى هذا هو الأوجه والله أعلم. وفي سورة الأحزاب هذه الآية:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (٤٩) والنص مطلق مثل إطلاقه في الآية [٢٤٢] وفي هذا تدعيم لوجاهة القول والله تعالى أعلم. ولقد قال أصحاب هذا القول إن من حق المطلقة التي لم يسم مهرها أن ترفع أمرها إلى الحاكم وأن على هذا أن يحكم لها بالمتعة وأن الزوج يحبس بها حتى يؤديها. وأنه إذا مات قبل أدائها تكون دينا على تركته وهذا وجيه تبعا لوجاهة القول لأنه نتيجة له، والله تعالى أعلم.
وفي آية الأحزاب التي أوردناها تتمة للتشريع الذي احتوته الآيتان حيث يظهر أن بعضهم سألوا فنزلت الآية لترفع العدة عن المطلقة قبل المسّ. لأن العدة في الأصل لاستبراء الرحم وفسح المجال للمراجعة ولا محل لهذا وذاك في هذه الحالة ويكون للمطلقة أن تتزوج حالا.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٣٨ الى ٢٣٩]
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)
. في الآيتين: أمر موجه إلى المسلمين بالمحافظة على الصلوات وبخاصة الصلاة الوسطى وأدائها في أوقاتها. وقيامهم فيها خاشعين خاضعين لله وحده وتنبيه على أنه لا ينبغي أن يمنعهم من ذلك مانع حتى في حالة الخوف والخطر. فعليهم في هذه الحالة أن يؤدوا الصلاة أثناء ركوبهم إذا كانوا راكبين أو مشيهم إذا كانوا مترجلين. فواجب ذكر الله وأداء حقه في العبادة مترتب عليهم يجب أن يؤدوه في

صفحة رقم 449

حالتي الأمن والخوف فهو الذي علمهم ما لم يكونوا يعلمونه وعليهم شكره وذكره.
تعليق على الآية حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى... إلخ والآية التي بعدها
والآيتان فصل مستقل لا صلة به بالسياق السابق ولا باللاحق، وقد أورد ابن كثير حديثا رواه الإمام أحمد عن زيد بن ثابت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يصلي الظهر بالهجير وكانت أثقل الصلوات على أصحابه فلا يكون وراءه إلّا الصف أو الصفان فقال لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة فنزلتا لتحثا على وجوب إقامة الصلاة في أوقاتها في أي حال، ومن المحتمل أن تكون الآيتان قد نزلتا بعد الآيات السابقة لها فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بوضعها في مقامها ولو لم يكن بينها وبين السياق مناسبة وفي هذا صورة من صور التأليف القرآني.
ولقد تعددت الأقوال في الصلاة الوسطى، فمنها أنها صلاة الظهر لأن وقتها وسط النهار، وقد يتفق هذا مع الحديث المروي عن زيد، ومنها أنها صلاة الفجر لأنها متوسطة بين صلاتي النهار الظهر والعصر وصلاتي الليل المغرب والعشاء.
وهي أشق من غيرها، ومنها أنها صلاة العصر. وقد روى المفسرون مع كل قول أقوالا وأحاديث معزوة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، فقد عزي القول بأنها صلاة الفجر إلى ابن عباس في روايات عديدة، وعزي القول بأنها صلاة الظهر إلى زيد بن ثابت. غير أن القول بأنها صلاة العصر مؤيد بأحاديث أقوى، فقد روى أصحاب الخمسة حديثا عن علي (رضي الله عنه) جاء فيه: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يوم الأحزاب شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا ثم صلّاها بين العشاءين» «١». وقد روى الترمذي حديثا عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «صلاة الوسطى صلاة العصر» «٢» وقد روى الترمذي

(١) انظر التاج ج ١ ص ١٢٣.
(٢) انظر التاج ج ١ ص ١٢٣.

صفحة رقم 450

حديثا عن أبي يونس مولى عائشة (رضي الله عنها) جاء فيه: «أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا فقالت: إذا بلغت هذه الآية: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى فآذنّي فلما بلغتها أعلمتها، فأملت عليّ (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) وقالت سمعتها من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «١».
وهكذا يكون تأويل الصلاة الوسطى بصلاة العصر هو الأوجه المؤيد بأحاديث صحيحة وهو ما عليه الجمهور ولقد أثر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أحاديث عديدة منها ما هو صحيح فيها تنويه بصلاة العصر وإنذار لمن تفوته مما فيه تساوق مع التلقين القرآني، من ذلك حديث رواه البخاري والنسائي عن بريدة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» «٢». وحديث رواه الشيخان عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» «٣».
ولقد روى الزمخشري في سياق الآية رواية تفيد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يجلس إلى أصحابه بعد صلاة العصر فيتحلقون حوله ويستمعون إلى عظاته وأحاديثه ويتذاكرون فيما بينهم من أمور وما يكون من شؤون. وهذه الرواية لم ترد في كتب الصحاح ولا يمنع هذا من صحتها حيث ينطوي فيها توضيح ما لاهتمام كتاب الله ورسوله بهذه الصلاة والله أعلم.
وما تقدم هو في صدد الفقرة الأولى من الآية الأولى وفي صدد الفقرة الثانية منها أي: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) روى البخاري والترمذي حديثا عن زيد بن أرقم قال: «كنّا نتكلّم في الصلاة يكلّم أحدنا أخاه في حاجته حتى نزلت فأمرنا بالسكوت». حيث ينطوي في الحديث ما فهمه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعملوا به من تلقين الآية. وهناك أحاديث أخرى أوردها ابن كثير تفيد أن الأمر بذلك كان من النبي صلّى الله عليه وسلّم أيضا. منها حديث أخرجه مسلم جاء فيه: «إن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لمعاوية بن الحكم السلمي حين تكلّم في الصلاة: إن هذه الصلاة لا يصحّ فيها شيء من كلام

(١) التاج ج ٤ ص ٥٧.
(٢) التاج ج ١ ص ١٢٣.
(٣) التاج ج ١ ص ١٢٣.

صفحة رقم 451

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

محمد عزة بن عبد الهادي دروزة

الناشر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة
سنة النشر 1383
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية