أَوْ يَعْفُوَا، يختص أبا البكر، قاله الزهري، والأول أصح، لأن عقدة النكاح خرجت من يد الولي، فصارت بيد الزوج، والعفو إنما يُطلق على ملك الإِنسان، وعفو الولي عفو عما لا يملك، ولأنه قال:
وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ، والفضل في هبة الإنسان مال نفسه، لا مال غيره. قوله تعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، فيه قولان: أحدهما: أنه خطاب للزوجين جميعاً، روي عن ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنه خطاب للزوج وحده، قاله الشعبي، وكان يقرأ: «وأن يعفو» بالياء. قوله تعالى:
وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ، خطاب للزوجين، قال مجاهد: هو إتمام الرجل الصّداق، وترك المرأة شطرها.
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٨]
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨)
قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ، المحافظة: المواظبة والمداومة، والصلوات بالألف واللام ينصرف إلى المعهود، والمراد: الصلوات الخمس.
قوله تعالى: وَالصَّلاةِ الْوُسْطى قال الزّجّاج: هذه الواو تنصرف إلى المعهود والمراد الصلوات الخمس إذا جاءت مخصصة، فهي دالة على فضل الذي تخصّصه، كقوله تعالى: وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ «١» قال سعيد بن المسيب: كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه «٢».
ثم فيها خمسة أقوال: أحدها: أنها العصر.
(١٢٣) روى مسلم في أفراده من حديث عليّ رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال يوم الأحزاب:
«شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ قبورهم وبيوتهم ناراً».
(١٢٤) وروى ابن مسعود، وسمرة، وعائشة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنها صلاة العصر.
حديث ابن مسعود، أخرجه مسلم ٦٢٨ والترمذي ١٨١ و ٢٩٨٥ والطيالسي ٣٦٦ وأحمد ١/ ٣٩٢ و ٤٠٣ و ٤٠٤ و ٤٥٦ والطبري ٥٤٣٣ والطحاوي ١/ ١٧٤ والبيهقي ١/ ٤٦١ من طريق محمد بن طلحة عن زبيد بن الحارث عن مرة بن شراحيل عن ابن مسعود. قال حبس المشركون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن صلاة العصر حتّى احمرّت الشّمس أو اصفرّت. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر. ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا» أو قال: «حشا الله أجوافهم وقبورهم نارا».
- وحديث سمرة أخرجه الترمذي ٢٩٨٣ وأحمد ٥/ ١٣ و ٢٢ ولفظه «إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: صلاة الوسطى صلاة العصر». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وحديث عائشة أخرجه مسلم ٦٢٩ وأبو داود ٤١٠ والترمذي ٢٩٨٢ والنسائي ٦٦ وأخرجه مالك ١/ ١٣٨- ١٣٩ وأحمد ٦/ ٧٣ و ١٧٨ والطحاوي في المعاني ١/ ١٧٢ وابن أبي داود في المصاحف ص ٨٤ والبيهقي ١/ ٤٦٢ من طريق زيد بن أسلم به. وأخرجه الطبري ٥٤٧٠ من طريق زيد بن أسلم أنه بلغه عن أبي يونس: عن عائشة. وأخرجه مسلم حدثنا يحيى بن يحيى التميميّ قال قرأت على مالك عن زيد بن أسلم عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة، أنه قال: «أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنّي: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [البقرة، الآية: ٢٣٨] فلمّا بلغتها آذنتها. فأملت عليّ:
حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى وصلاة العصر. وقوموا لله قانتين قالت عائشة سمعتها من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
__________
(١) البقرة: ٩٧.
(٢) أخرجه الطبري ٥٤٩٥ عن قتادة عن ابن المسيب، وفيه إرسال بينهما فإن قتادة لم يسمعه من سعيد فهو ضعيف. وقوله «وشبك بين أصابعه» أي مختلفين كما في رواية الطبري.
(١٢٥) وروى مسلم في أفراده من حديث البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر»، فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله، فنزلت: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وهذا قول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن مسعود، وأبيّ، وأبيّ أيوب، وابن عمر في رواية، وسمرة بن جندب، وأبي هريرة، وابن عباس في رواية عطية، وأبي سعيد الخدري، وعائشة في رواية، وحفصة، والحسن، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء في رواية، وطاوس، والضحاك، والنخعي، وعبيد بن عمير، وزرّ بن حبيش، وقتادة، وأبي حنيفة، ومقاتل في آخرين، وهو مذهب أصحابنا.
والثاني: أنها الفجر، روي عن عمر، وعليّ في رواية، وأبي موسى، ومعاذ، وجابر بن عبد الله، وأبي أُمامة، وابن عمر في رواية مجاهد، وزيد بن أسلم، في رواية أبي رجاء العطاردي، وعكرمة، وجابر بن زيد، وأنس بن مالك، وعطاء، وطاوس في رواية ابنه، وعبد الله بن شداد، ومجاهد، ومالك، والشافعي. وروى أبو العالية قال صلّيت مع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الغداة فقلت لهم: أيما الصلاة الوسطى؟ فقالوا: التي صليت قبل. والثالث: أنها الظهر، روي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وأبي سعيد الخدري، وعائشة في رواية، وروى [عاصم بن ضمرة] «١» عن عليّ عليه السلام قال: هي صلاة الجمعة، وهي سائر الأيام الظهر. والرابع: أنها المغرب، روي عن ابن عباس، وقبيصة بن ذؤيب. والخامس: أنها العشاء الأخيرة، ذكره علي بن أحمد النيسابوري في «تفسيره».
وفي المراد بالوسطى ثلاثة أقوال: أحدها: أنها أوسط الصلوات محلاً. والثاني: أوسطها مقداراً.
والثالث: أفضلها، ووسط الشيء: خيره وأعدله. ومنه قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً «٢»، فان قلنا: إن الوسطى بمعنى: الفضلى، جاز أن يدّعي هذا كل ذي مذهب فيها. وإن قلنا: إنها أوسطها مقداراً، فهي المغرب، لأن أقل المفروضات ركعتان، وأكثرها أربعاً. وإن قلنا: أوسطها محلاً، فللقائلين: إنها العصر أن يقولوا: قبلها صلاتان في النهار، وبعدها صلاتان في الليل، فهي الوسطى.
__________
(١) ما بين المعقوفتين في نسخة «الفكر» «أبو ضمرة» وفي نسخة «المكتب» ضمرة وكلاهما خطأ، ليس في الرواة عن علي ضمرة أو أبو ضمرة، وإنما يروي عنه عاصم بن ضمرة.
(٢) البقرة: ١٤٢
زاد المسير في علم التفسير
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي
عبد الرزاق المهدي