ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

١٦٢- إن ظن ظان أن في قول الله- عز وجل- : وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ، دليل على أن الأبناء من الرضاعة لا تحرم حلائلهم على آبائهم، فليس كما ظن، لأن هذه الآية إنما نزلت في حلائل الأبناء من الأصلاب نفيا للذين تبنوا ولم يكونوا أبناء مثل زيد بن حارثة إذ تبناه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكان يدعى زيد بن محمد حتى نزلت : ادعوهم لآبائهم ١. ثم نكح رسول الله صلى الله عليه وسلم- امرأته بعد أن قضى زيد منها وطره، فطلقها فمعنى قوله : الذين من أصلابكم ، يريد : غير المتبنين، وأما الرضاعة فلا، ألا ترى إلى قول الله- عز وجل- : وأن تجمعوا بين الأختين ، بعد قوله : وحلائل أبنائكم ، أنه قد دخل فيه بإجماع المسلمين : الأختان من الرضاعة، لما بينه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الرضاعة : أنها تحرم ما يحرم من النسب٢. ( ت : ١٧/٢١٢-٢١٣ )
١٦٣- مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال :( لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها ). ٣
هذا في معنى تفسير : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ، أنها الأم وإن علت، والابنة وإن سفلت، وكما لا يجوز نكاح المرأة على عمتها، كذلك لا يجوز نكاح عمتها عليها، وكذلك حكم الخالة مع بنت أختها، لأن المعنى : الجمع بينهما.
وهذا كله مجتمع عليه، لا خلاف فيه، وقدوري مرفوعا من أخبار الآحاد العدول هذا المعنى مكشوفا بما حدثني سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان قالا : حدثني قاسم بن أصبغ، قال : حدثني محمد بن وضاح، قال : حدثني أبو بكر ابن أبي شيبة، قال : حدثني ابن فضيل، عن داود، عن الشعبي، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- :( لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا تنكح العمة على بنت أخيها، ولا الخالة على بنت أختها، ولا تتزوج الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى ). ٤
وفي هذا الحديث زيادة بيان على ما نص عليه القرآن، وذلك أن الله عز وجل- لما قال : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ، إلى قوله : وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ، بان بذلكم ما عدا النساء المذكورات داخلات في التحليل، ثم أكد ذلك بقوله – عز وجل- : وأحل لكم ما وراء ذلكم ٥. فكان هذا من الزمن ما كان، ثم نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن تجمع بين المرأة مع عمتها، وخالتها في عصمة واحدة، فكان هذا زيادة بيان على نص القرآن، كما ورد المسح على الخفين وليس في القرآن إلا غسل الرجلين، أو مسحهما وماسح الخفين ليس بماسح عليهما ولا غاسل لهما.
وأجمعت الأمة كلها على أن القول بحديث هذا الباب على حسب ما وصفنا فيه، فارتفع عن ذلك توهم نسخ القرآن له، وأن يكون قوله : وأحل لكم ما وراء ذلكم ٦ نزل بعده، فلم يبق إلا أن يكون زيادة بيان، كما لو نزل بذلك قرآن ؛ قال الله- عز وجل- : واذكروا ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ٧، يعني القرآن والسنة. وروي عنه- صلى الله عليه وسلم- أنه قال :( وأوتيت الكتاب، ومثله معه )٨. وأمر الله- عز وجل- عباده بطاعته والانتهاء إلى ما أمرهم به، ونهاهم عنه أمرا مطلقا، وأنه أخبرهم أنه يهدي إلى صراط مستقيم صراط الله. وحذرهم عن مخالفته بالعذاب الأليم، فقال – عز وجل- : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ٩. ( س : ١٦/١٦٨-١٧١ )

١ - سورة الأحزاب: ٥..
٢ - أخرج الإمام مالك عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، وعن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قال: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة). الموطأ، كتاب الرضاع، باب جامع ما جاء في الرضاعة: ٣٩٠..
٣ - الموطأ، كتاب النكاح، باب ما لا يجمع بينه وبين النساء: ٣٣٦..
٤ - أخرجه البخاري في النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها: ٦/١٢٨. ومسلم في النكاح أيضا، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح: ٢/١٠٢٨. وأبو داود في النكاح كذلك، باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء: ٢/٢٢٤. وابن ماجة في النكاح كذلك، باب لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها: ١/٦٢١. والدارمي في النكاح، باب الحال التي يجوز للرجل أن يخطب فيها: ٢/١٣٦. وهو عندهم جميعا من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم..
٥ - سورة النساء: ٢٤..
٦ - سورة النساء: ٢٤...
٧ -سورة الأحزاب: ٣٤..
٨ - أخرجه أبو داود في السنة، باب في لزوم السنة: ٤/٢٠٠. وأحمد: ٤/١٣١. كلاهما من حديث أبي المقدام بن عبد يكرب عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم..
٩ - سورة النور: ٦١..

جهود ابن عبد البر في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير