حرمت عليكم أمهاتكم يعني أصولكم على عموم المجاز، وقيل الأم يطلق على الأصل لغة حقيقة في القاموس أم كل شيء أصله ومنه أم القرى مكة، وأم الكتاب الفاتحة أو اللوح المحفوظ فيشتمل الجدات من قبل الأب أو الأم وإن علوان إجماعا وبناتكم يعيي فروعكم كذلك على عموم المجاز فيشتمل بنات الابن وبنات البنت وإن سفلن إجماعا وأخواتكم تعم ما كانت منها لأب أو لأم أولهما وعماتكم وخالاتكم تعم أخوات الأب لأحد الأبوين أولهما وأخوات الأم لأحد الأبوين أولهما وتلحق بهن إجماعا عمات الأب وعمات الأم وخالاتهما والعمات والخالات للجد والجدة وغن علون سواء كن من قبل الأب أو من قبل الأم، وسواء كن أخت أبيه أو أمه أو جده أو جدته لأحد الأبوين أولهما كأن المراد بهما على عموم المجاز الفرع القريب للأصل البعيد، ويحل الفرع البعيد للأصل البعيد إجماعا كبنت العم أو العمة أو الخال أو الخالة وبنات الأخ وبنات الأخت يعني فروع الخ والأخت بناتهما وبنات أبنائهما وبنات بناتهما وإن سفلن سواء كان الأخ والأخت لأبوين أو لأحدهما، ذكر الله سبحانه المحرمات من النسب سبعا ويؤل أمرهن إلى أربعة أصناف أصله وفرعه وفرع أصله القريب وإن بعد والفرع القريب للأصل البعيد وأخضر من ذلك أن يقال يحرم النكاح بين الشخصين أن يكون بينهما ولأداء يكون أحدهما فرعا لأحد أبوي الآخر وأمهاتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وكذا العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت من الرضاعة إجماعا على حسب ما فصلناه في النسب لقوله صلى الله عليه وسلم :" يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " ١ ويروي " ما يحرم من الولادة " متفق عليه من حديث عائشة، وعن علي أنه قال : يا رسول الله هل لك في بنت عمك حمزة فإنها أجمل فتاة في قريش ؟ فقال له :" أما علمت أن حمزة أخي من الرضاعة وإن الله حرم من الرضاعة مال حرم من النسب٢ رواه مسلم، وعن عائشة قالت : جاء عمي من الرضاعة فاستأذن علي، فأبيت أن آذن له حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فقال :" إنه عمك فأذني له " قالت : فقلت يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنه عمك فيلج عليك " وذلك بعدما ضرب علينا الحجاب " ٣ متفق عليه، وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، فقالت عائشة : قلت يا رسول الله هذا رجل يستأذن في بيتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أراه فلانا " لعم حفصة من الرضاع، فقلت : يا رسول الله لو كان فلان حيا لعمها من الرضاعة أدخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" نعم إن الرضاعة يحرم ما يحرم من الولادة " رواه البغوي.
فائدة : احتج أبو حنيفة ومالك بهذه الآية وبقوله عليه السلام مطلقا :" يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " على أن الرضاعة قل أو أكثر يحرم ما يحرم من النسب وهو أحد أقوال أحمد، وقال الشافعي : لا يحرم إلا خمس رضعات مشبعات في خمس أوقات جائعات متفاصلات عرفا وهو القول الثاني لأحمد، وعن أحمد ثلاث رضعات وبه قال أبو ثور وابن المنذر وداود وأبو عبيد. وجه التقدير بثلاث حديث ابن الزبير عن عائشة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا تحرم المصة والمصتان " ٤ وعن أم الفضل مرفوعا بلفظ " لا يحرم الرضعة أو الرضعتان " وفي رواية أخرى عنها " لا يحرم الإملاجة والإملاجتان " ٥ وفيه قصة، وهذه الروايات رواها مسلم وكذا روى أحمد والنسائي وابن حبان والترمذي من حديث ابن الزبير عن أبيه عائشة وأعله الطبري بالاضطراب لما روي عن ابن الزبير عن أبيه وعنه عن عائشة وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة، وجمع ابن حبان بإمكان أن ابن الزبير سمع من كل منهم، وقال البخاري الصحيح عن ابن الزبير عن عائشة وذكر الزبير تفرد به محمد بن دينار وفيه ضعف واختلاف وإسقاط عائشة في بعض الروايات إرسال ولا بأس، ورواه النسائي من حديث أبي هريرة وقال ابن عبد البر : لا يصح مرفوعا، قالوا : ثبت بهذا الحديث أن الرضعة والرضعتان لا تحرمان فبقي التحريم في ثلاث رضعات. ووجه القول بالخمس حديث عائشة قالت : كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخ بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن " ٦ رواه مسلم، ورواه الترمذي بلفظ أنزل في القرآن عشر رضعات فنسخ من ذلك خمس وصار إلى خمس رضعات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك، قلنا : حديث الآحاد لا يعارض نص الكتاب المتواتر وعند التعارض يقدم التحريم احتياطا، وأيضا حديث عائشة كان فيما أنزل من القرآن الحديث وإن كان صحيحا سندا لكنه متروك لانقطاعه باطنا فإنه يدل على أنه صلى الله عليه وسلم توفي وهي فيما يقرأ مع أنه ليس كذلك قطعا وإلا ثبت قول الروافض ذهب كثير من القرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا القول كفر لاستلزامه إنكار قوله تعالى : وإنا له لحافظون ٧ والتأويل بأن معنى قولها توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني قارب الوفاة، يقتضي نسخ الخمس قبيل الوفاة كما نسخ العشر قبل ذلك وهو الصحيح، قال ابن عباس حين قيل له إن الناس يقولون الرضعة لا يحرم قال كان ذلك ثم نسخ، وعن ابن مسعود : آل أمر الرضاع إلى أن قليله وكثيره يحرم، وروي عن ابن عمر أن القليل يحرم، وعنه قيل له ابن الزبير يقول : لا بأس بالرضعة والرضعتين فقال قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير قال الله تعالى : وأمهاتكم التي أرضعناكم ٨ والتأويل بأن معناه توفي صلى الله عليه وسلم وهي فيما يقرأ تعني حكمها فيما يقرأ غير مرضى لأن القراءة إنما يتعلق باللفظ دون الحكم.
مسألة : أجمعوا على أن الرضاع بعد مدة الرضاع لا يوجب التحريم لأنه لا يحصل التوليد والنمو بالرضاع إلا في المدة فلا يطلق بعد تلك المدة على المرضعة أما، وقال داود يوجب التحريم أبدا لحديث عائشة قالت جاءت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه، فقال صلى الله عليه وسلم :" أرضعي سالما خمسا تحرمي عليه " ٩ رواه الشافعي ورواه مسلم وغيره بغير ذكر العدد، والجواب : أن الإجماع يدل على كون الحديث منسوخا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام " ١٠ رواه الترمذي من حديث أبو سلمة وقال : حديث صحيح، وعنه عليه السلام :" لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت للحم وأنشز العظم " ١١ رواه أبو داود من حديث ابن مسعود، وفي الصحيحين عن عائشة قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي رجل فقال : يا عائشة من هذا ؟ قالت : أخي من الرضاعة، قال :" يا عائشة انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة " ١٢.
مسألة : مدة الرضاع التي يوجب فيها التحريم سنتان وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي وأحمد ومالك وسعيد بن المسيب وعروة والشعبي وهو المروي عن عمر وابن عباس رواهما الدارقطني، وعن علي وابن مسعود أخرجهما ابن أبي شيبة وفي رواية عن مالك سنتان، وشهر وفي أخرى عنه سنتان وشهران وفي أخرى عنه ما دام محتاجا إلى اللبن، وقال أبو حنيفة سنتان وستة أشهر، وقال زفر ثلاث سنين. لنا : قوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ١٣ جعل الله تعالى التمام بهما ولا مزيد على التمام وقوله تعالى : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ١٤ وأدنى مدة الحمل ستة أشهر فبقي للفصال سنتان وقوله تعالى : وفصاله في عامين ١٥ وقوله صلى الله عليه وسلم :" لا رضاع إلا ما كان في الحولين " رواه الدارقطني من حديث ابن عباس وقال : تفرد برفعة الهيثم بن جميل وكان ثقة حافظا وكذا وثقه أحمد والعجلي، وقال ابن عدي : كان يغلط، ورواه سعيد بن منصور عن ابن عيينة فوقفه. وجه قول أبي حنيفة أنه تعالى قال : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ذكر شيئين وضرب لهما مدة فكان لكل واحد منهما بكمالها كالأجل المضروب للدينين على شخصين إلا أنه قام المنقص في مدة الحمل قول عائشة الولد لا يبقى في بطن أمه أكثر من سنتين ولو بقدر فلكه مغزل، وفي رواية ولو بقدر ظل مغزل وشله. لا يقال إلا سماعا لأن المقدرات لا تدرك بالرأي فبقي مدة الفصال على الظاهر وهذا ليس بشيء بوجوه : أحدها إن جعل قول عائشة منقصا لمدة الحمل ليس أولى من جعل قوله عليه السلام :" لا رضاع بعد حولين " وقوله تعالى : يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة منقصا لمدة الرضاع، ثانيهما : أنه يلزم حينئذ الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ ثلاثين شهرا حيث أيد به باعتبار الحمل أربعة وعشرون شهرا وباعتبار الفصال ثلاثون، ثالثها : أنه يلزم من هذا التأويل استعمال ثلاثين في أربعة وعشرين وباعتبار الحمل مع أنه لا يتجوز بشيء من أسماء العدد في الآخر نص عليه كثير من المحققين لأنها بمنزلة الأعلام في مسمياتها، وذكر لقول أبي حنيفة وغيره وجه آخر أنه لا بد من تغيير الغذاء لينقطع الإثبات باللبن وذلك بزيادة مدة يتعود الصبي فيها بغيره ولم يجد ذلك الزيادة مالك، وحده زفر بحول لأنه يشتمل على فصول أربعة وقدره أبو حنيفة بستة أشهر لأنه أدنى مدة الحمل نظر ا إلى غذاء الجنين يغاير غذاء الرضيع، قلنا : إن الشرع لم يحرم إطعام الرضيع غير اللبن قبل الحولين ليلزم اعتباة زيادة مدة التعود على الحولين فجاز أن يتعود بالطعام مع اللبن قبل الحولين وهو مختار ابن همام والطحاوي.
وأمهات نسائكم اشتملت كلمة الأمهات الجدات سواء كن من قبل الأب أو الأم قريبة كانت أو بعيدة، والتحقت بهن بالحديث أمهاتهن وجداتهن من الرضاع، والتحقت بالنساء الموطوات بملك اليمين أو بشبهة إجماعا والموطوات بالزنا عند أبي حنيفة رحمه الله وكذا الأجنبية الملموسة بشهوة عنده وربائبكم جمع ربيبة، والربيب ولد المرأة من غيره سمي به لأنه يربه كما يرب ولده في غالب الأمر فعيل بمعنى المفعول وإنما لحقته التاء أنه صار اسما، ويشتمل الربائب بعموم المجاز أو بالقياس بنات أبناء الزوجات وبنات بناتهن وإن سفلن وبنات الموطوءات بملك يمين أو بشبهة ولو بواسطة أو وسائط إجماعا وبنات المزينات وإن سفلن عند أبي حنيفة التي في حجوركم هذه الصفة خارجة مخرج العادة لا مفهوم لها إجماعا، وقال داود : لا يحرم من الربائب إلا اللاتي في حجورهم كذا روى عبد الرزاق وابن أبي حاتم بسند صحيح عن علي رضي الله عنه فالمراد بالإجماع الإجماع بعد القرن الأول. من نسائكم التي دخلتم بهن الموصول مع الصلة صفة لنسائكم مقيدة لها إجماعا، ولا يجوز أن يكون صفة للنساءين لأن عامليهما مختلفان ولا يجتمع عاملان على معمول واحد إلا في رواية عن الفراء وقوله : من نسائكم ظرف مستقر جاز كونها صلة للموصول الأول ويكون قوله : في حجوركم متعلقا به، وجاز كونها منصوبا على الحالية من الضمير في حجوركم، والأظهر انه حال من ربائبكم وعلى تقدير كونه حالا من ربائبكم لا يجوز تعليقها بالأمهات أيضا لأن كلمة من إذا علقتها بالربائب كانت ابتدائية و
وأخرجه مسلم في كتاب: الرضاع، باب: تحريم ابنة الأخ من الرضاعة (١٤٤٧)..
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الرضاع، باب: تحريم ابنة الابن من الرضاعة (١٤٤٧)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: النكاح: باب: ما يحل من الدخول والنظر إلى النساء في الرضاع (٥٠٩٩). وأخرجه مسلم في كتاب: الرضاع، باب: تحريم الرضاعة من ماء الفحل (١٤٤٥)..
٤ أخرجه مسلم في كتاب: الرضاع، باب: في المصة والمصتان (١٤٥٠) وأخرجه النسائي في كتاب: النكاح، باب: القدر الذي يحرم في الرضاعة (٣٣٠٠) وأخرجه أبو داود في كتاب: النكاح، باب: هل يحرم ما دون خمس رضعات (٢٠٦٥). وأخرجه الترمذي في كتاب: الرضاع، باب: ما جاء لا تحرم المصة ولا المصتان (١١٥٠)..
٥ أخرجه مسلم في كتاب: الرضاع، باب: في المصة والمصتان (١٤٥١)..
٦ أخرجه مسلم في كتاب: الرضاع، باب: التحريم بخمس رضعات (١٤٥٢)..
٧ سورة الحجر، الآية: ٩..
٨ سورة النساء، الآية: ٢٣..
٩ أخرجه مسلم في كتاب: الرضاع، باب: رضاع الكبير (١٤٥٣).
أخرجه الشافعي في الباب الرابع فيما جاء في الرضاع (٧٠)..
١٠ أخرجه الترمذي في كتاب: الرضاع، باب: ما جاء أن ذكر الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين (١١٥٢)..
١١ أخرجه أبو داود في كتاب: الرضاع، باب: في رضاعة الكبير (٢٠٦٣)..
١٢ أخرجه البخاري في كتاب: الشهادات، باب: الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم (٢٦٤٧). وأخرجه مسلم في كتاب: الرضاع، باب: إنما الرضاعة من المجاعة (١٤٥٥)..
١٣ سورة البقرة، الآية: ٢٣٣..
١٤ سورة الأحقاف، الآية: ١٥..
١٥ سورة لقمان، الآية: ١٤..
التفسير المظهري
المظهري