ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

ثم شرع الحق سبحانه وتعالى يبين لنا المحرمات وإن كانت الجاهلية قد اتفقت فيها، إلا أن الله حين يشرع حكما كانت الجاهلية سائرة فيه لا يشرعه لأن الجاهلية فعلته، لا. هو يشرعه لأن الفطرة تقتضيه، وكون الجاهلية لم تفعله، فهذا دليل على أنها فطرة لم تستطع الجاهلية أن تغيرها، فقال الحق سبحانه وتعالى :
حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما ٢٣ .
من الذي يحلل ويحرم ؟ إنه الله، فهم رغم جاهليتهم وغفلتهم عن الدين حرموا زواج المحارم ؛ فحتى الذي لم يتدين بدين الإسلام توجد عنده محرمات لا يقربها. أي أنهم قد حرموا الأم والبنت والأخت... الخ، من أين جاءتهم هذه ؟ الحق يوضح :
وإن من امة خلا فيها نذير ( من الآية ٢٤ سورة فاطر ).
ومنهج السماء أنزله الله من قديم بدليل قوله :
قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ١٢٣ ( سورة طه ).
فبمجرد أن خلق الله آدم وخلق زوجته، وأنزل لهما المنهج، هذا المنهج مستوفي الأركان، إذن فبقاء الأشياء التي جاء الإسلام فوجدها على الحكم الذي يريده الإسلام إنما نشأ من رواسب الديانات القديمة، وإن أخذ محل العادة ومحل الفطرة.. أي أن الناس اعتادوه وفطروا عليه ولم يخطر ببالهم أن الله شرعه في ديانات سابقة.
والعلوم الحديثة أعانتنا في فهم كثير من أحكام الله، لأنهم وجدوا أن كل تكاثر سواء أكان في النبات أم في الحيوان أم في الإنسان أيضا، كلما ابتعد النوعان " الذكورة والأنوثة " فالنسل يجئ قويا في الصفات. أما إذا كان الزوج و الزوجة أو الذكر والأنثى من أي شيء : في النبات، في الحيوان، في الإنسان قريبين من اتصال البنية الدموية والجنسية فالنسل ينشأ ضعيفا، ولذلك يقولون في الزراعة والحيوان :" نهجن " أي نأتي للأنوثة بذكورة من بعيد. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول لنا :
( اغتربوا ولا تضووا ) وقال :" لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاويا " ١.
فالرسول يأمرنا حين نريد الزواج ألا نأخذ الأقارب، بل علينا الابتعاد، لأننا إن أخذنا الأقارب فالنسل يجيء هزيلا. وبالاستقراء وجد أن العائلات التي جعلت من سنتها في الحياة ألا تنكح إلا منها، فبعد فترة ينشأ فيها ضعف عقلي ؛ أو ضعف جنسي ؛ أو ضعف مناعي، فقول رسول الله :" اغتربوا لا تضووا " أي إن أردتم لزواج فلا تأخذوا من الأقارب، لأنكم إن أخذتم من الأقارب تهزلوا، فإن " ضوى " بمعنى " هزل " فإن أردتم ألا تضووا، أي ألا تهزلوا فابتعدوا، وقبلما يقول النبي هذا الكلام وجد بالاستقراء في البيئة الجاهلية هذا. ولذلك يقول الشاعر الجاهلي :
أنصح من كان بعيد الهم
تزويج أبناء بنات العم
فليس ينجو من ضوى وسقم
فقد يضوى سليل الأقارب، وعندنا في الأحياء الشعبية عندما يمدحون واحدا يقولون :" فتوة " أي فتى لم تلده بنت عم قريبة. وفي النبات يقولون : إن كنت تزرع ذرة في محافظة الغربية لا بد أن تأتي بالتقاوى من محافظة الشرقية مثلا، وكذلك في البطيخ الشيليان. يأتون ببذوره من أمريكا ؛ فيزرعونها فيخرج البطيخ جميلا لذيذا، بعض الناس قد يرفض شراء مثل تلك البذور لغلو ثمنها. فيأخذ من بذور ما زرع ويجعل منه التقاوي، ويخرج المحصول ضعيفا. لكن لو ظل يأتي به من الخارج وإن وصل ثمن الكيلو مبلغا كبيرا فهويأخذ محصولا طبيا.
وكذلك في الحيوانات وكذلك فينا ؛ ولذلك كان العربي يقول : ما دك رءوس الأبطال كابن الأعجمية ؛ لأنه جاء من جنس آخر. أي أن هذا الرجل البطل أخذ الخصائص الكاملة في جنس آخر. فلقاح الخصائص الكاملة بالخصائص الكاملة يعطي الخصائص الأكمل، إذن فتحريم الحق سبحانه وتعالى زواج الأم والأخت وكافة المحارم وإن كانت عملية أدبية إلا أنها أيضا عملية عضوية. " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم " لماذا ؟ لأن هذه الصلة صلة أصل، والصلة الأخرى صلة فرع، الأمهات صلة الأصل، والبنات صلة الفرع ؟، " وأخواتكم " وهي صلة الأخ بأخته إنها بنوة من والد واحد، " وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ".
إذن فالمسألة مشتبكة في القرابة القريبة. والله يريد قوة النسل، قوة الإنجاب، ويريد أمرا آخر هو : أن العلاقة الزوجية دائما عرضة للأغيار النفسية، فالرجل يتزوج المرأة وبعد ذلك تأتي أغيار نفسية ويحدث بينهما خلاف مثلما قلنا في قوله تعالى :" وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج " ؛ ويكره منها كذا وكذا، فكيف تكون العلاقة بين الأم وابنها إذا ما حدث شيء من هذا ؟ ! والمفروض أن لها صلة تحتم عليه أن يظل على وفاء لها، وكذلك الأمر بالنسبة للبنت، أو الأخت، أو العمة، أو الخالة، فيأمر الحق الرجل : ابتعد بهذه المسألة عن مجال الشقاق.
ومن حسن العقل وبعد النظر ألا ندخل المقابلات في الزواج، أو ما يسمى " بزواج البدل "، حيث يتبادل رجلان الزواج، يتزوج كل منهما أخت الآخر مثلا، فإذا حدث الخلاف في شيء حدث ضرورة في مقابله وإن كان الوفاق سائدا. فحسن الفطنة يقول لك : إياك أن تزوج أختك لواحد لأنك ستأخذ أخته، فقد تتفق زوجة مع زوجها، لكن أخته قد لا تتوافق مع زوجها الذي هو شقيق للأخرى. وتصوروا ماذا يكون إحساس الأم حين ترى الغريبة مرتاحة عند ابنها لكن ابنتها تعاني ولا تجد الراحة في بيت زوجها. ماذا يكون الموقف ؟ نكون قد وسعنا دائرة الشقاق والنفاق عند من لا يصح أن يوجد فيه شقاق ولا نفاق.
والحكمة الإلهية ليست في مسألة واحدة، بل الحكمة الإلهية شاملة، تأخذ كل هذه المسائل، " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم " والمحرم هنا بطبيعة الحال هن الأمهات وإن علون، فالتحريم يشمل الجدة سواء كانت جدة من جهة الأب، أو جدة من جهة الأم. وما ينشأ منها. وكل واحدة تكون زوجة لرجل فأمها محرمة عليه، " وبناتكم " وبنات الابن وكل ما ينشأ منها، وكذلك بنات البنت، " وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ".
ولماذا يحرم الحق " أمهاتكم اللاتي أرضعنكم " ؟ لأنها بالإرضاع أسهمت في تكوين خلايا فيمن أرضعته ؟ ففيه بضعة منها، ولهذه البضعة حرمة الأمومة، ولذلك قال العلماء : يحرم زواج الرجل بامرأة جمعه معها رضاعة يغلب على الظن أنها تنشئ خلايا، وحلل البعض زواج من رضع الرجل منها مصة أو مصتين مثلا، إلا أن أبا حنيفة رأى تحريم أي امرأة رضع منها الرجل، وأفتى المحققون وقالوا : لا تحرم المرأة إلا أن تكون قد أرضعت الرجل، أو رضع الرجل معها خمس رضعات مشبعات، أو يرضع من المرأة يوما وليلة ويكتفي بها، وأن يكون ذلك في مدة الرضاع. وهي بنص القرآن سنتان. " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ".
وهذه المسألة حدث الكلام فيها بين سيدنا الإمام علي رضوان الله عليه وكرم الله وجهه وسيدنا عثمان رضي الله عنه حينما جاءوا بامرأة ولدت لستة شهور وكان الحمل الشائع يمكث تسعة أشهر، وأحيانا نادرة يولد الطفل بعد سبعة أشهر، لكن أن تلد امرأة بعد ستة شهور فهذا أمر غير متوقع.. ولذلك أراد عثمان رضي الله عنه أن يقيم الحد عليها ؛ لأنها مادام ولدت لستة أشهر تكون خاطئة، لكن سيدنا علي رضوان الله عليه وكرم الله وجهه أدرك المسألة.
قال : يا أمير المؤمنين، لماذا تقيم عليها الحد ؟ فقال عثمان بن عفان : لأنها ولدت لستة أشهر وهذا لا يكون. وأجرى الله فتوحاته على سيدنا علي، وأجرى النصوص على خياله ساعة الفتيا، وهذا هو الفتح، فقد يوجد النص في القرآن لكن النفس لا تنتبه له، وقد تكون المسألة ليست من نص واحد. بل من اجتماع نصين أو أكثر، ومن الذي يأتي في خاطره ساعة الفتيا أن يطوف بكتاب الله ويأتي بالنص الذي يسعفه ويساعده على الفتيا، إنه الإمام علي، وقال لسيدنا عثمان : الله يقول غير ذلك، قال له : وماذا قال الله في هذا ؟ قال :
والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ( من الآية ٢٣٣ سورة البقرة ).
إذن فإتمام الرضاعة يكون في حولين كاملين أي في أربعة وعشرين شهرا، والتاريخ محسوب بالتوقيت العربي والحق سبحانه قال أيضا :
وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ( من الآية ١٥ سورة الأحقاف ).
فإذا كان مجموع أشهر الحمل والرضاع، ثلاثين شهرا، والرضاع التام أربعة وعشرون شهرا، إذن فمدة الحمل تساوي ستة أشهر.
هكذا استنبط سيدنا علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه والإنسان قد يعرف آية وتغيب عنه آيات، والله لم يختص زمنا معينا بحسن الفتيا وحرم الأزمنة الأخرى، وإنما فيوضات الله تكون لكل الأزمان، فقد يقول قائل : لا يوجد في المسلمين من يصل بعمله إلى مرتبة الصحابة، ومن يقول ذلك ينسى ما قاله الحق في سورة الواقعة :
والسابقون السابقون ١٠ أولئك المقربون ١١ في جنات النعيم ١٢ ثلة من الأولين ١٣ وقليل من الآخرين ١٤ ( سورة الواقعة ).
أي أن الآخرين أيضا لن يحرموا من أن يكون فيهم مقربون قادرون على استيعاب النصوص لاستنباط الحكم، إذن فالرضاع : مصة أو مصتان ؛ هذا مذهب، وعشر رضعات مذهب آخر، وخمس رضعات مشبعات مذهب ثالث، وأخذ جمهور الفقهاء بالمتوسط وهو خمس رضعات مشبعات تحرمن الزواج، لكن بشرط أن تكون في مدة الرضاع، فلو رضع في غير مدة الرضاعة، نقول : إنه استغنى بالأكل وأصبح الأكل هو الذي يعطيه مقويات البنية.
إذن فمسألة الرضاع متشعبة ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال :" يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " ٢.
والمحرم من الرضاع هو : الأم من الرضاع، والبنت من الرضاع، والأخت من الرضاع، والعمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، وهكذا نرى أنها عملية متشعبة تحتاج من كل أسرة إلى اليقظة، لأننا حين نرى أن بركة الله لا تحوم حول كثير من البيوت لا بد أن ندرك لها أسبابا، أسباب البعد عن استقبال البركة من الله.. فالإرسال الإلهي مستمر، ونحن نريد أجهزة استقبال حساسة تحسن الاستقبال، فإذا كانت أجهزة الاستقبال خربة، والإرسال مستمرا فلن يستفيد أحد من الإرسال، وهب أن محطة الإذاعة تذيع، لكن المذياع خرب، فكيف يصل الإرسال للناس ؟.
إذن فمدد الله وبركات الله المتنزلة موجودة دائما.. ويوجد أناس لا يأخذون هذه البركات ؛ لأن أجهزة استقبالها ليست سليمة، وأول جهاز لاستقبال البركة أن البيت يبنى على حل في كل شيء.. يعني : لقاء الزوج والزوجة على حل، وكثير من الناس يدخلون في الحرمة وإن لم يكن بقصد، وهذا ناشئ من الهوس والاختلاط والفوضى في شأن الرضاعة، والناس يرضعون أبناءهم هكذا دون ضابط وليس الحكم في بالهم. وبعد ذلك نقول لهم : يا قوم أنتم احتطتم لأولادكم فيما يؤدى إلى سلامة بنيتهم، فكان لكل ولد ملف فيه : شهادة الميلاد، وفيه ميعاد تلقى التطعيمات ضد الدفتر يا، وشلل الأطفال وغير ذلك.
فلماذا يا أسرة الإسلام ل

١ رواه إبراهيم الحربي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه موقوفا على عمر، وقد روى إبراهيم الحربي في غريب الحديث عن عمر رضي الله عنه قال (يا بني السائب قد أضويتم فانكحوا في الغرائب) من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي".
.

٢ رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عائشة.
.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير