( ولا تنكحوا ما نكح آباءكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم التي أرضعناكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما ).
الكلام متصل بعضه ببعض في الأحكام المتعلقة بالنساء، وقد كان منها في أوائل السورة حكم نكاح اليتامى وعدد ما يحل من النساء بشرطه. وفي الآية التي قبل هاتين الآيتين ذكر استبدال زوج مكان زوج بأن يطلق هذه وينكح تلك، فلا غرو أن يصل ذلك ببيان ما يحرم نكاحه منهن، وقد بين ما يجب من المعروف في معاشرتهن.
ثم بين لنا سبحانه أنواع المحرمات في النكاح لعلة ثابتة تنافي ما في النكاح من الحكمة في صلة البشر بعضهم ببعض أو لعلة عارضة كذلك. وهذه الأنواع داخلة في عدة أقسام :
القسم الأول : ما يحرم من جهة النسب
وهو أنواع :
النوع الأول : نكاح الأصول، وذلك قوله تعالى :( حرمت عليكم أمهاتكم ) أي حرم الله تعالى عليكم أن تتزوجوا أمهاتكم، فإسناد الفعل إلى المفعول مع العلم بأن الله تعالى هو المحرم للإيجاز، والمراد أنه حكم الآن بتحريم ذلك ومنعه فهو إنشاء حكم جديد. وأمهاتنا هن اللواتي لهن صفة الولادة من أصولنا- ولفظ الأم يطلق على الأصل الذي ينسب إليه غيره كأم الكتاب وأم القرى- فيدخل فيهن الجدات، وكذلك فهمه جميع العلماء وأجمعوا عليه.
النوع الثاني : نكاح الفروع، وذلك قوله سبحانه :( وبناتكم ) وهن اللواتي ولدن لنا من أصلابنا، وإن شئت قلت من تلقيحنا، أو ولدن لأولادنا أو لأولاد أولادنا وإن سفلوا، فيدخل في ذلك كل من كنا سببا في ولادتهن وأصولا لهن. وهل يشترط أن تكون ولادة البنت بعقد شرعي صحيح ؟ قال الشافعية نعم وقال غيرهم لا، فيحرم على الرجل بنته من الزنا وهذا هو الظاهر المتبادر في حق من علم أنها ابنته وإن كانت لا ترثه إلا إذا استلحقها لأن الإرث حق تابع لثبوت النسب وإنما يثبت النسب بالفراش أو الاستلحاق وولد الزنا ليس ولد فراش فلا نسب له.
ولا إرث ما لم يستلحق إذ لا يمكن إثبات نسبه بالبينة والدليل على اعتبار الحقيقة في ذلك إذا عرفت هو إجماع الأمة على أن ولد الزانية يلحقها ويرثها للعلم بأنها أمه. ولم يعرف عن أحد من الصحابة أنه أباح أن ينكح الرجل بنته من الزنا. والظاهر أنه يجب على الرجل استلحاق ولده من الزنا مع العلم بأنه ولده بأن يكون زنى بامرأة ليست بذات فراش في طهر لم يلامسها فيه رجل قط وبقيت محبوسة عن الرجال حتى ظهر حملها. ومما يدل على حرمة البنت من الزنا حرمة البنت من الرضاعة بل تحريم بنت الزنا أولى.
هذا وإن الفساق لا يبالون أين يضيعون نطفهم ولا أين يضعون نسلهم فمنهم من يزني بذات الفراش فيضيع ولده ويلحق بصاحب الفراش من ليس من صلبه فتكون له جميع حقوق الأولاد عنده عملا بالقاعدة الشرعية المعقولة في بناء الأحكام على الظاهر وهي " الولد للفراش " ١. ومنهم من يفسق بمن لا فراش لها فيحملها على قتل حملها عند وضعه أو على إلقائه حيث يرجى أن يلتقطه من يربيه في بيته ليجعله خادما كالرقيق، أو في بيت من البيوت التي تربى فيها اللقطاء في بعض المدن ذات الحضارة العصرية، ولا يبالي الفاسق أخرج ولده شقيا أم سعيدا مؤمنا أم كافرا ! ! فلعن الله الزناة ما أعظم شرهم في جماعة البشر ولعن الله الزواني ما أكثر شرهن وأعظم بهتانهن، فإن الواحدة منهم لتحمل ما لا يحمله من يفجر بها من العناء والشقاء وتوبيخ الضمير، فهو يسفح ماء لا يدري ما يكون وراءه وهي التي تعلق بها المصيبة، فتعاني من أثقال حملها ما تعاني ثم تلقي حملها على فراش زوجها ولا يمكنها أن تنسى طول الحياة أنها ألقت بين يديها ورجليها بهتانا افترته عليه وأعطته من حقوق عشيرته ما ليس له، أو تلقيه إلى يد غيرها وقلبها معلق به قلق عليه لا يسكن له اضطراب إلا أن يسلبها الفسق أفضل عاطفة وشعور تتحلى بهما المرأة، ومنهن من تستعمل الأدوية المانعة من الحمل فتضر نفسها وربما أفسدت رحمها.
النوع الثالث : الحواشي القريبة وذلك قوله عز وجل :( وأخواتكم ) سواء كن شقيقات لكم أو كن من الأم وحدها أو الأب وحده.
النوع الرابع : الحواشي البعيدة من جهة الأب. والنوع الخامس : الحواشي البعيدة من جهة الأم. وذلك قوله تبارك اسمه :( وعماتكم وخالاتكم ) ويدخل في ذلك أولاد الأجداد وإن علوا وأولاد الجدات وإن علون وعمة جده وخالته وعمة جدته وخالتها للأبوين أو لأحدهما إذ المراد بالعمات والخالات الإناث من جهة العمومة ومن جهة الخؤولة.
والنوع السادس : الحواشي البعيدة من جهة الإخوة وهو قوله تعالى :( وبنات الأخ وبنات الأخت ) أي من جهة أحد الأبوين أو كليهما وسيأتي بيان الحكمة في ذلك كله في تفسير الآية التالية.
القسم الثاني : ما حرم من جهة الرضاع
وهو أنواع كالنسب، بيَّنها تعالى بقوله :( وأمهاتكم التي أرضعناكم وأخواتكم من الرضاعة ) فسمى المرضعة أما للرضيع وبنتها أختا له فأعلمنا بذلك أن جهة الرضاعة كجهة النسب تأتي فيها الأنواع التي جاءت في النسب كلها. وقد فهم ذلك النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال لما أريد على ابنة عمه حمزة أي أن يتزوجها " إنها لا تحل لي. إنها ابنة أخي من الرضاعة ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " ٢ رواه الشيخان من حديث الولادة " ٣ وفي صحيحيهما أيضا أنه ( صلى الله عليه وسلم ) قال لها :" ائذني لأفلح أخي أبي القعيس فإنه عمك " ٤ وكانت امرأته أرضعت عائشة. وعلى هذا جرى جماهير المسلمين جيلا بعد جيل، فجعلوا زوج المرضعة أبا للرضيع تحرم عليه أصوله وفروعه ولو من غير المرضعة لأنه صاحب اللقاح الذي كان سبب اللبن الذي تغذى منه أي الرضيع، فروي عن ابن عباس أنه سئل عن رجل له جاريتان أرضعت أحدهما جارية ( أي بنتا ) والأخرى غلاما أيحل للغلام أن يتزوج الجارية :" قال لا ! اللقاح واحد " ٥ رواه البخاري في صحيحه. ولولا هذه الأحاديث لما فهمنا من الآية إلا أن التحريم خاص بالمرضعة وينتشر في أصولها وفروعها لتسميتها أما وتسمية بنتها أختا، ولا يلزم من ذلك أن يكون زوجها أبا من كل وجه بأن تحرم جميع فروعه من غير المرضعة على ذلك الرضيع كما أن تسمية أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أمهات المؤمنين لا يترتب عليه جميع الأحكام المتعلقة بالأمهات فالتسمية يراعى فيها الاعتبار الذي وضعت لأجله، ومن رضع من امرأة كان بعض بدنه جزءا منها لأنه تكون من لبنها فصارت في هذه كأمه التي ولدته وصار أولادها إخوة له لأن لتكوين أبدانهم أصلا واحدا هو ذلك اللبن، وهذا المعنى لا يظهر في أولاد زوجها من امرأة أخرى إلا من بعد، بأن يقال إن هذا الرجل الذي كان بلقاحه سببا لتكون اللبن في المرأتين قد صار أصلا لأولادهما إذ في كل واحد منهما جزء من لقاحه تناوله مع اللبن فاشتركا في سبب اللبن أو في هذا الجزء من اللبن الذي تكون بعض بدنهما منه فكانا أخوين لا يحل أحدهما للآخر إذا كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى، ولهذا المعنى قلنا فيما سبق إن حرمة الرضاعة تدل على حرمة بنت الزنا على والدها بالأولى.
وقد روي عن بعض الصحابة والتابعين عدم التحريم من جهة زوج المرضعة دونها. فقد صح عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة أن أمة زينب بنت أم سلمة أم المؤمنين أرضعتها أسماء بنت أبي بكر الصديق امرأة الزبير بن العوام. قالت زينب وكان الزبير يدخل علي وأنا أمتشط فيأخذ بقرن من قرون رأسي ويقول : أقبلي علي فحدثيني، أرى أنه أبي وما ولد منهم فهم إخوتي، ثم إن عبد الله بن الزبير أرسل إليّ يخطب أم كلثوم ابنتي على حمزة بن الزبير وكان حمزة للكلبية فقلت لرسوله وهل تحل له، وإنما هي ابنة أخته. ؟ فقال عبد الله : إنما أردت بهذا المنع من قبلك أما ما ولدت أسماء فهم إخوتك وما كان غيرها فليسوا لك بإخوة فأرسلي فاسألي عن هذا فأرسلت فسألت وأصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) متوفرون فقالوا لها : إن الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئا. فانكحها إياه فلم تزل عنده حتى هلك عنها، قالوا ولم ينكر ذلك الصحابة رضي الله عنهم. وروي القول بهذا أي بأن الرضاعة من جهة المرأة لا من جهة الرجل عن الزبير وعن الصحابة وعن بعض علماء التابعين منهم سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمان وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار وأبو قلابة فالمسألة لم تكن إجماعية. وقد حمل الجمهور قول المخالفين في ذلك على عدم وصول السنة الصحيحة إليهم فيه أو على تأويل ما وصل إليهم لقيام ما يعارض حمله على ظاهره عندهم، ويقال على الأول إن من حفظ حجة على من لم يحفظ وعلى الثاني أنه اجتهاد منهم عارضته عندنا النصوص الظاهرة ومتى ثبتت السنة الصحيحة امتنع العدول عنها لاجتهاد المجتهدين. وهذا ما جرى عليه علماء الإسلام في هذه المسألة وغيرها، فقد روي عن الأعمش أنه قال كان عمارة وإبراهيم وأصحابنا لا يرون بلبن الفحل بأسا حتى أتاهم الحكم بن عتيبة بخبر أبي القعيس، أي فأخذوا به ورجعوا عن رأيهم الأول.
فالذي جرى عليه العمل هو أن المرضعة أم لمن رضع منها وجميع أولادها إخوة له وإن تعددت آباؤهم وأصولها أصول له، فتحرم عليه أمها كما تحرم بنتها، وإخوتها خؤولة له فتحرم عليه أخواتها. وأن زوج هذه المرضعة أب للرضيع أصوله أصول له وفروعه فروع له واخوته عمومة له فيحرم عليه أن يتزوج أمه كما يحرم عليه أن يتزوج أية بنت من بناته سواء كن من مرضعته أو غيرها، فإن أولاده من المرضعة إخوة أشقاء للرضيع ومن غيرها إخوة لأب، كما أن أولادها هي من زوج آخر غير صاحب لقاح اللبن الذي رضع منه الرضيع إخوة لأم. ويحرم عليه أن يتزوج أحدا من بنات هؤلاء الإخوة أو الأخوات من الرضاعة. وكذلك تحرم عليه عماته من الرضاعة وهن إخوة أبيه بالرضاعة، فالسبع المحرمات بالنسب- وقد ذكرن بالتفصيل- محرمات بالرضاعة أيضا. وأما إخوة الرضيع وأخواته فلا يحرم عليهم أحد ممن حرم عليه، لأنهم لم يرضعوا مثله فلم يدخل في تكوين بنيتهم شيء من المادة التي دخلت في بنيته، فيباح للأخ أن يتزوج من أرضعت أخاه أو أمها أو ابنتها ويُباح للأخت أن تتزوج صاحب اللبن الذي رضع منه أخواها أو أختها أو أباه وابنه مثلا.
ومما يجب التنبه له أن الناس قد غلب عليهم التساهل في أمر الرضاعة فيرضعون الولد من امرأة أو من عدة نسوة ولا يعنون بمعرفة أولاد المرضعة وإخوتها ولا أولاد زوجها من غيرها وإخوته ليعرفوا ما يترتب عليهم في ذلك من الأحكام كحرمة النكاح وحقوق هذه القرابة الجديدة التي جعلها الشارع كالنسب، فكثيرا ما يتزوج الرجل أخته أو عمته أو خالته من الرضاعة وهو لا يدري.
وظاهر الآية أن التحريم يثبت بما يسمى إرضاعا في عرف أهل هذه اللغة، قل أو كثر، ولكن ورد في الحديث المرفوع " لا تحرم المصة والمصتان " ٦ وفي رواية " لا تحرم الإملاجة والإملاجتان " ٧- والإملاجة المرة من أملجته ثديها إذا جعلته يملجه أي يمصه- والحديث رواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة، وروي عنها أيضا أنها قالت : كان فيما نزل من القرآن " عشر رضعات معلومات يحرمن " ٨ ثم نسخن بخمس رضعات معلومات يحرمن فتوفي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهي فيما يقرأ من القرآن، وقد اختلف علماء السلف والخلف في هذه المسألة، فذهب بعضهم إلى الأخذ بظاهر الآية من التحريم بقليل الرضاعة ككثيرها، ويروى هذا عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتادة والحكم وحماد والأوزاعي الثوري وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ورواية عن أحمد.
وذهب آخرون إلى أن التحريم لا يثبت بأقل من خمس رضعات ويروى هذا عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير وعطاء وطاوس وهو إحدى ثلاث روايات عن عائشة وهو مذهب الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه وابن حزم. وذهب فريق ثالث إلى قول بين القولين وهو أن التحريم إنما يثبت بثلاث رضعات فأكثر لأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال :" لا تحرم المصة والمصتان " ٩ فانحصر التحريم فيما زاد علي
٢ - روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الشهادات باب ٧، والنكاح باب ٢٠، ٢٧، ١١٧ والخمس باب ٤، ومسلم في الرضاع حديث ١، ٢، ٩، ١٢، وأبو داود في النكاح باب ٦، وابن ماجه في النكاح باب ٣٤، والدارمي في النكاح باب ٤٨، ومالك في الرضاع حديث ١، ٢، ١٦، وأحمد في المسند ١/٢٧٥، ٢٩٠، ٣٢٩- ٤/٤، ٥-٦/٤٤، ٥١، ٦٦، ٧٢، ١٠٢، ١٧٨..
٣ - أخرجه البخاري في الشهادات باب ٧، والنكاح باب ٢٠، ومسلم في الرضاع حديث ١، والنسائي في النكاح باب ٥٢، ومالك في الرضاع حديث ١، وأحمد في المسند ٦/ ١٧٨..
٤ - أخرجه البخاري في النكاح باب ١١٧، وابن ماجه في النكاح باب ٣٨، ومالك في الرضاع حديث ٢، ٣..
٥ - أخرجه الترمذي في الرضاع باب٢، ومالك في الرضاع حديث ٥.
.
٦ - أخرجه مسلم في الرضاع حديث ١٧، ٢٠، ٢٣، وأبو داود في النكاح باب ١٠، والترمذي في الرضاع باب٣، والنكاح باب ٥١، وابن ماجه في النكاح باب ٣٥، والدارمي في النكاح باب ٤٩، وأحمد في المسند ٤/٤، ٥ -٦/٣١، ٩٦، ٢١٦، ٢٤٧، ٣٤٠..
٧ - أخرجه مسلم في الرضاع حديث ١٨، ٢، والنسائي في النكاح باب ٥١، والدارمي في النكاح باب ٤٩، وأحمد في المسند ٦/٣٣٩، ٣٤٠..
٨ - أخرجه مسلم في الرضاع حديث ١٨..
٩ - تقدم الحديث مع تخريجه قبل قليل..
تفسير المنار
رشيد رضا