٣٤٧- اتفقت الأمة على أن المراد " بهذا اللفظ " : القريب والبعيد من كل نوع، واللفظ صالح له. ( الذخيرة : ١/٢٥٧ )
٣٤٨- مجاز في التركيب لأن التحريم إنما وضع ليركب مع الأفعال دون الذوات ( شرح التنقيح : ٤٥-٤٦ )
٣٤٩- المراد الاستمتاع المتعلق بهن دون أعيانهن المذكورة في الآية. ( الفروق : ١/٦٨ )
٣٥٠- ومقتضى هذا اللفظ ( أي التحريم ) لغة : أن تكون ذوات الأمهات حراما، فإن المفعول الذي ذكر في اللفظ فإنه١ دل العقل على أن الذوات غير مقدورة لنا ودلت اللغات وعوائد الشرع أن التحريم وجميع الأحكام الشرعية لا تقع إلا في مقدور، فلا تكون ذوات الأمهات محرمة لهذه المقدمات فتعين حينئذ أن يكون هنالك مضاف محذوف، تقديره : " حرمت عليكم استمتاعات أمهاتكم ".
هذا مقتضى اللغة والقواعد المتقدمة، ثم إنه كثر حذف هذا المضاف وتطاول الاستعمال وغلب حتى صار هذا المركب الموضوع لتحريم ذوات الأمهات لغة موضوعا لتحريم أنواع الاستمتاع في العرف، بحيث ستجد بعد هذا النقل التصريح بذلك المضاف، وصار كأنه كالزيادة المستقلة المذكورة.
ولو قلت : " الأمهات " وحده، لم يفد عموم تحريم أنواع الاستمتاع.
أو : " حرمت " وحده، لم يفد عموم الاستمتاع.
بل المجموع هو المفيد لعموم تحريم أنواع الاستمتاع بسبب النقل العرفي، ولذلك فإنك لو لم تأتي بصيغة العموم، بل بلفظ مفرد دل على لفظ واحد، يحصل العموم.
فإذا قلت : " حرمت عليكم هذه المرأة بالرضاع " لم يفهم أحد إلا تحريم جميع أنواع الاستمتاع بها بسبب النقل العرفي٢.
وكذلك لو قلت : " حرمت عليكم هذه الميتة " لكان اللفظ أيضا موضوعا لتحريم المنافع المتعلق بها المقصود منها، ولم يحتج إلى تقدير مضاف بعد هذا النقل، لأنا إنما قدرناه ولأن اللفظ لم يكن موضوعا له، بل لتحريم الذوات، فلما صار اللفظ موضوعا له عرفا، استغنينا عن سبب التصريح به.
ولو قلت : " حرمت عليكم الفعال الخبيث أو المشتملة على المفاسد " لم يكن فيه نقل عرفي، بل ذلك بالوضع اللغوي، من غير احتياج إلى تقدير مضاف ولا نقل لأن هذا الموطن لم يحتج إلى حذف مضاف ولا تقديره. بل اللفظ في نفسه لا مجاز فيه ولا حذف، كامل واف بالدلالة على هذا المعنى من غير احتياج إلى ضميمة، وإنما حصل النقل هنالك لأنه كان محتاجا باعتبار الوضع اللغوي إلى مضاف محذوف. فتأمل ذلك. ( العقد المنظوم : ١/٣٩٩ )
* قوله تعالى : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم :
٣٥١- قال الإمام فخر الدين : " إن فقهاء الأمصار في هذه الأعصار لم يزالوا يخصون أعم الخيرين بأخصهما٣ مع فقد علمهم بالتاريخ مع أن ابن عمر لم يخص قوله تعالى : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم بقوله صلى الله عليه وسلم : " لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان " ٤.
ويمكن الجواب عنه من وجهين :
أحدهما : أنا لا ندعي الإجماع إلا بعده في الأعصار المتأخرة، ولا تنافي بين تقدم الخلاف وتأخر الإجماع.
ثانيهما : القاعدة المتقدمة : " إن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات " ومن جملة الأحوال خمس رضعات، والرضعة الواحدة، فيكون التعين تقييدا لتلك الرضعة التي هي مفهومة من قوله تعالى : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ولعله كان لا يرى تقييد المطلق ويرى تخصيص العام، والكل مختلف فيه، فلعل مدركه عدم التقييد لا عدم التخصيص ". ( العقد المنظوم : ٢/٤٣٣ وما بعدها )
* قوله تعالى : وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن
٣٥٢- قال اللخمي : وتحرم المرأة الجد للأم والجد للأب لاندراجهما في لفظ الآباء، كما تندرج جدات امرأته وجدات أمها من قبل أمها وأبيها في قوله تعالى : وأمهات نسائكم وبنت بنت الزوجة وبنت ابنها وكل من نسب إليها بالبنوة وإن سفل، في قوله تعالى : وربائبكم .
تنبيه : اعلم أن هذه الاندراجات ليست بمقتضى الوضع اللغوي، ولذلك صرح الكتاب العزيز بالثلث للأم، ولم يعطه الصحابة رضي الله عنهم للجدة بل حرموها حتى روي الحديث في السدس٥، وصرح بالنصف للبنت وللبنتين بالثلثين على السوية، وورثت بنت الابن مع البنت السدس بالسنة. وابن الابن كالابن في الحجب، والجد ليس كالأب، والإخوة تحجب الأم. وبنوهم لا يحجبون، فعلمنا أن لفظ الأب حقيقة في الأب القريب، مجاز في آبائه، ولفظ الابن حقيقة في القريب، مجاز في أبنائه إن دل إجماع على اعتبار المجاز وإلا ألغي، وإن هذه الاندراجات في تحريم المصاهرة بالإجماع لا بالنص، وإن الاستدلال بنفس اللفظ متعذر، لأن الأصل عدم المجاز والاقتصار على الحقيقة. ( الذخيرة : ٤/٢٦٨-٢٦٩ )
٣٥٣- فقوله تعالى : اللاتي دخلتم بهن صفة تعقبت الجملتين فتعمهما كالاستثناء والشرط إذا تعقبا الجمل عما، والعجب أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الاستثناء والصفة إذا تعقبا جملا عمهما وخالف أصله هاهنا ولم يقل به هاهنا، فقد خالف أصله. وجوابه : أنا نمنع العود هاهنا على الجملتين وإن سلمنا أنه يعود في غير هذه الصورة بسبب أن النساء في الجملة الأولى مخفوض بالإضافة، والنساء في الجملة الثانية مخفوض بحرف الجر الذي هو " من " والعامل في الصفة هو العامل في الموصوف على الأصح، فلو كان صفة للجملتين لعمل في الصفة الواحدة عاملان وهما الإضافة وحرف الجر. واجتماع عاملين على معمول واحد ممتنع على الأصح كما تقرر في علم النحو٦، فهذا هو المانع للشافعي من إجراء أصله.
فإن قلت : أعيد النعت على الجملة الأولى وهو قوله تعالى : وأمهات نسائكم فيكون الدخول شرطا في تحريم الأم بهذه الآية، ويكون الدخول شرطا في الجملة الثانية بالإجماع فإنا لا نعلم خلافا في شرطية الدخول في تحريم البنت فيثبت الحكمان في الجملتين بالإجماع والآية، ويكون هذا أولى لئلا يترادف الإجماع والآية على الجملة الأولى، والأصل عدم الترادف. ( الفروق : ٣/١١٣-١١٤ والذخيرة : ١/٢٦١. )
٣٥٤- لما دلت النصوص على تحريم أمهات النساء والربائب، حمل على العقد إذ لا يفهم من نسائنا عرفا إلا الحرائر اللاتي لا يستبحن إلا بالعقد، وألحق الملك بالعقد لاستوائهما في المعنى المتقدم، وألحقت شبهتهما بهما في التحريم، لأنها ألحقت بهما في لحوق الولد وسقوط الحد وغيرهما. ( الذخيرة : ٤/٢٦١ )
٣٥٥- لما كانت الأم أشد برا بابنتها من الابنة بأمها لم يكن العقد عليها كافيا في بضعتها لابنتها إذا عقد عليها لضعف ميلها للزوج بمجرد العقد، وعدم مخالطته، فاشترط في التحريم إضافة الدخول وكان ذلك كافيا في بغضة البنت لضعف ودها، فيحرم العقد لئلا تعق أمها. ( نفسه : ٤/٢٦٠-٢٦١ )
* قوله تعالى : وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم :
٣٥٦- الحليلة لغة : الزوجة. ( نفسه : ٤/٢٥٨ )
٣٥٧- قوله تعالى : من أصلابكم احترازا من التي دون الرضاع. ( نفسه : ٤/ ٢٥٨ )
٣٥٨- حرم صلى الله عليه وسلم من الرضاع ما يحرم من النسب٧.
تنبيه : قال اللخمي : كل أم حرمت بالنسب حرمت أختها، وكل أخت حرمت لا تحرم أختها إذا لم تكن خالة، فقد يتزوج الرجل المرأة ولكل واحد منهما ولد، فالولد منهما تحل له ابنة المرأة من غير أبيه، وكل عمة حرمت قد لا تحرم أختها لأنها قد لا تكون أخت أبيه ولا أخت جده. ( الفروق : ٣/١١٤ )
* قوله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف :
٣٥٩- يقتضي تحريم الجمع مطلقا، ولذلك قال علي رضي الله عنه : " حرمتهما آية وأحلتهما آية " ٨، وذلك كثير في الكتاب والسنة. ( الذخيرة : ١/١٥٧ و ٥/٣٢٨ )
٣٦٠- يحمل على عمومه دون التخصيص، الذي هو الأختان الحرتان دون المملوكتين. ( شرح التنقيح : ١١٢ )
٣٦١- الأختان بملك اليمين، حرم الجمع بينهما قوله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين وأحل الجمع بينهما قوله تعالى : أو ما ملكت أيمانكم وليست إحداهما أخص من الأخرى حتى يقدم الخاص على العام لأن الأولى تتناول المملوكتين والحرتين، فهي أعم من الثانية، والثانية تتناول الأختين وغيرهما، فتكون كل واحدة منهما أعم من الأخرى من وجه وأخص من وجه فتستويان، ولذلك فإن عثمان رضي الله عنه : " أحلتهما آية حرمتهما آية " ٩. ووجه الترجيح للتحريم كما قاله جمهور الفقهاء من ثلاثة أوجه :
أحدها : أن الأولى سيقت للتحريم، والثانية سيقت للمدح بحفظ الفروج، والقاعدة : أن الكلام إذا سيق لمعنى لا يستدل به في غيره، فلا تعارض الأولى الثانية. فتكون آية التحريم سالمة من المعارض فتقدم.
ثانيها : إن الأولى لم يجمع على تخصيصها، والثانية أجمع على تخصيصها بما لا يقبل الوطء من المملوكات، وبما يقبله لكنه محرم إجماعا كالذكور وأخوات الرضاع وموطوءات الآباء من الإماء وغير المخصوص أرجح مما أجمع على تخصيصه.
ثالثها : أن الأصل في الفروج التحريم حتى يتيقن الحل فتكون الأولى على وفق الأصل ولم يتعين رجحان الثانية عليها فيعمل بمقتضاها موافقة للأصل. ( الفروق : ٣/١٣٠ والذخيرة : ١/٣١٣-٣١٤ )
٢ - يقول الإمام القرافي في مكان آخر من "العقد..." :"كان أصل هذا التركيب أن يفيد في ظاهره تحريم الأم نفسها من جهة الوضع لأن مفعوله في الظاهر إنما هو الأمهات، ودل الفعل والعادة والشرائع على أن الذات ثم الأمهات وغيرها لا يتعلق بها تحريم ولا تحليل، لأن من شرط الذي يتعلق به حكم شرعي أن يكون فعلا للمكلف مقدورا له. والذوات ليست مقدورة للعباد، فلا يتعلق بها حكم شرعي. فيتعين حذف مضاف تقديره :"يحرم عليكم استمتاع أمهاتكم أو وطء أمهاتكم" فيصح اللفظ وينتظم التكليف. هذا هو مقتضى اللغة ثم صار هذا اللفظ موضوع الاستمتاع لا يفهم منه إلا ذلك، ولا يحتاج إلى حذف مضاف أصلا بل بقي اللفظ مستقلا بنفسه في الدلالة على ذلك من غير إضمار شيء" : ٢/٤٥٢..
٣ - المحصول: ١/٣/١٧٣..
٤ - أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن الحارث أن أم الفضل حدثته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"لا تحرم الرضعة أو الرضعتان أو المصة أو المصتان..." كتاب الرضاع، باب : في المصة والمصتين. ون : سنن الترمذي، أبواب الرضاع، باب : لا تحرم المصة والمصتان. وسنن النسائي، كتاب النكاح، باب : القدر الذي يحرم من الرضاعة..
٥ - انظر الحديث وتخريجه في الصفحة : ١٠٨ من هذا البحث (القسم الثاني من الرسالة)..
٦ - قال ابن مالك في ألفيته :
إن عاملان اقتضبا في اسم عمل*** قبل فللواحد منهما العمل
والثاني أولى عند أهل البصرة*** واختار عكسا غيرهم ذا أسره
ن. شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك : ٢/١٥٧..
٧ - الحديث أخرجه البخاري في كتاب الشهادات وكتاب النكاح. ومسلم في كتاب الرضاع. وأبو داود في كتاب النكاح. والترمذي في كتاب الرضاع، بألفاظ مختلفة، منها : ما خرجه البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال :"قال النبي صلى الله عليه وسلم في ابنة حمزة :"لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، هي بنت أخي من الرضاعة". ح : ٢٤٥١..
٨ - يقصد آية التحليل :أو ما ملكت أيمانكم النساء : ٣. ن : المستصفى : ٢/١٤٩. وتفسير ابن كثير : ١/٧١٣..
٩ - ن. المستصفى : ٢/٣٨١. وتفسير ابن كثير : ١/٧١٢..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي