١٣١- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله تبارك وتعالى : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلا اَن يَّنكِحَ اَلْمُحْصَنَاتِ اِلْمُومِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتَ اَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ اِلْمُومِنَاتِ إلى قوله : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ اَلْعَنَتَ مِنكُمْ الآية. قال الشافعي : ففي هذه الآية ـ والله تعالى أعلم ـ دلالة على أن المخاطبين بهذا الأحرار دون المماليك، فأما المملوك فلا بأس أن ينكح الأمة لأنه غير واجد طولا لحرة ولا لأمة.
فإن قال قائل : ما دل على أن هذا على الأحرار ولهم دون المماليك ؟ قيل : الواجدون للطول المالكون للمال، والمملوك لا يملك مالا بحال، ويشبه أن لا يخاطب بأن قال : إن لم يجد مالا من يعلم أنه لا يملك مالا بحال إنما يملك أبدا لغيره. قال : ولا يحل نكاح الأمة إلا كما وصفت في أصل نكاحهن، إلا بأن لا يجد الرجل الحر بصداق أمة طولا لحرة، وبأن يخاف العنت، والعنت : الزنا١.
فإذا اجتمع أن لا يجد طولا لحرة وأن يخاف الزنا، حل له نكاح الأمة. وإن انفرد فيه أحدهما لم يحل له، وذلك أن يكون لا يجد طولا لحرة وهو لا يخاف العنت، أو يخاف العنت وهو يجد طولا لحرة، إنما رخص له في خوف العنت على الضرورة. ألا ترى يكن أنه لو عشق امرأة وثنية يخاف أن يزني بها لم يكن له أن ينكحها ؟ ولو كان عنده أربع نسوة فعشق خامسة لم يحل له نكاحها إذا تم الأربع عنده ؟ أو كانت له امرأة فعشق أختها لم يحل له أن ينكحها ما كانت عنده أختها ؟ وكذلك ما حرم عليه من النكاح من أي الوجوه حرم لم أرخص له في نكاح ما يحرم عليه خوف العنت، لأنه لا ضرورة عليه يحل له بها النكاح، ولا ضرورة في موضع لذة يحل بها المحرم، إنما الضرورة في الأبدان التي تحيا من الموت، وتمنع من ألم العذاب عليها، وأما اللذات فلا يعطاها أحد بغير ما تحل به.
فإن قال قائل : فهل قال هذا غيرك ؟ قيل : الكتاب كاف ـ إن شاء الله تعالى ـ فيه من قول غيري، وقد قاله غيري :
أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج قال : أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول : من وجد صداق حرة فلا ينكح أمة٢.
أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج قال : أخبرني ابن طاوس عن أبيه قال : لا يحل نكاح الحرِّ الأَمةَ وهو يجد بصداقها حرة، قلت : يخاف الزنا ! قال : ما علمته يحل٣.
أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار قال : سأل عطاء أبا الشعثاء وأنا أسمع عن نكاح الأمة، ما تقول فيه ؟ أجائز هو ؟ فقال : لا يصلح اليوم نكاح الإماء٤.
قال الشافعي : والطول هو الصداق. ولست أعلم أحدا من الناس يجد ما يحل له به أمة إلا وهو يجد به حرة. فإن كان هذا هكذا لم يحل نكاح الأمة لحر، وإن لم يكن هذا هكذا فجمع رجل حر الأمرين حل له نكاح الأمة. ( الأم : ٥/٩-١٠. ون مختصر المزني ص : ١٧٠. )
وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلا.. ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ اَلْعَنَتَ مِنكُمْ. قال مالك: والعنت هو الزنا..
٢ - رواه البيهقي في كتاب النكاح باب: ما جاء في نكاح إماء المسلمين ٧/١٧٤..
٣ - نفسه..
٤ - نفسه..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي