ﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

٢٥ - قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا الآية. قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد: الطَّول: الغنى والسعة (١).
وقال الفراء: الطّول: الفضل، يقال: طال عليه يطول طَولًا في الإفضال. ولفلان على فلان طَول، أي: فضل (٢).
وقال ابن المظفر والزجاج: الطول: القُدرة (٣). يقال: فلان ذو طول، أي: ذو قدرة في ماله (٤)، وقيل في تفسير قوله: ذِي الطَّوْلِ [غافر: ٣] ذي القدرة. وهذه الأقوال كلها في المعنى واحد.
وُيراد بالقدرة ههنا القدرة على المهر (٥)، وأصل الطَّول من الطُّول خِلاف القِصَر (٦)، وذلك أن الغني يُنال به معاني الأمور، كالطول في أنه يُنال به ما لا ينال بالقِصَر. واشتقاق الطائل من الطول، يقال للشيء إذا لم يكن ذا مَنٍّ يُرغب فيه: هذا شيء غير طائل (٧).
ومنه:

(١) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ١٥. والأثر عن ابن عباس في "تفسيره" من طريق علي بن أبي طلحة ص ١٤٢، وعن مجاهد في "تفسيره" ١/ ١٥٢، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٥٥، "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٢) لم أجده في "معاني القرآن" للفراء، فلعله في كتابه "المصادر" وهو مفقود، وانظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢١٥٦.
(٣) "العين" ٧/ ٤٥٠ (طول)، "معاني الزجاج" ٢/ ٤٠، وانظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢١٥٦.
(٤) في "العين" ٧/ ٤٥٠ دون لفظ: ماله.
(٥) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٤٠، و"تهذيب اللغة" ٣/ ٢١٥٦.
(٦) انظر: "العين" ٧/ ٤٥٠ (طول)، والطبري ٥/ ١٥ - ١٦.
(٧) انظر: "العين" ٧/ ٤٥٠، و"تهذيب اللغة" ٣/ ٢١٥٦.

صفحة رقم 449

لقد زادني حبًّا لنفسيَ أَنَّني بغيضٌ إلى كُلِّ امرئ غيرِ طائلِ (١)
وقوله تعالى:. أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ قال ابن عباس وغيره: يريد الحرائر (٢).
فمن فتح الصاد (٣) أراد أنهن أُحصِنّ لحريتهن، ولم تُبتذل كالأَمَة، فهن محصَنات، ومن كسر الصاد (٤) أراد أنهن أحصن أنفسهن لحريتهن، ولم يبرُزن بروزَ الأمة، فهن مُحصِنات (٥).
وتقييد المحصنات ههنا بالمؤمنات، ووصفهن بالإيمان يفيد عند من يقول بالمفهوم أن من وجد طول حرة كتابية لم يكن ممنوعًا عن نكاح الأمَة (٦)، وإنما يُمنع إذا وجد طَول حرة مؤمنة كما ذكر الله تعالى. هذا مذهب أكثر أصحابنا (٧).
ومنهم من يقول: إذا قدر على طَول حرّة كتابية منع من نكاح الأَمَة، كما لو قدر على طول حرة مؤمنة (٨).
(١) البيت للطرماح في "ديوانه" ص ١٠٠، و"الأغاني" ١٢/ ٥٠، و"الحيوان" ٣/ ١١٢، و"الشعر والشعراء" ص ٥٨٥، و"ديوان الحماسة" ١/ ٧٦، و"عيون الأخبار" ٣/ ١١٢، و"الوساطة" ص ٢٤٧، و"المثل السائر" ٢/ ٣٥٣، و"الكشاف" ١/ ٥٣١، و"البحر" ٣/ ٢٠٤.
(٢) "تفسير ابن عباس" ص ١٤٣، وأخرجه الطبري ٥/ ١٧.
(٣) أي من: المحصنات، وهذه قراءة الجمهور.
(٤) قراءة الكسائي.
(٥) في توجيه القراءتين ينظر الطبري ٥/ ١٧ - ١٨.
(٦) أي: المؤمنة.
(٧) انظر "المجموع شرح المهذب" ١٧/ ٣٤٤، وقد رجح هذا القول ابن العربي من المالكية في تفسيره "أحكام القرآن" ١/ ٣٩٣، وانظر: القرطبي ٥/ ١٣٨.
(٨) هذا ما رجحه الشيرازي، انظر: "المجموع" ١٧/ ٣٤٤، والقرطبي ٥/ ١٣٨.

صفحة رقم 450

ويُحتمل هذا التقييد على غالب الحال؛ لأنّ الغالب من نكاح المسلمين مناكحة المسلمات، والخطاب ربما يأتي مقيدًا بغالب الحال، فلا يكون له مفهوم يُخالف المنظوم، كقوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ [النساء: ١٠١]، ثم لم يكن الخوف مشروطًا في جواز القصر، ولكنه نزل على الغالب، وكان الغالب من أسفارهم الخوف، ولهذا نظائر (١).
وقوله تعالى: فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ. أي: فليتزوج مما ملكت أيمانكم. قال ابن عباس: يريد جارية أخيك في الإسلام (٢).
ولا يجوز للإنسان أن يتزوج جاريةَ نفسِه بالإجماع (٣)، ومعنى قوله: فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ هو أن يتزوج الرجل ما يملك غيره ممّن يكون على مثل حاله من الإسلام. فأباح أن ينكح بعضنا فتاة بعض، كما فسره ابن عباس.
وقوله تعالى: مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ. الفتيات: المملوكات والإماء. جمع فتاة، تقول العرب للأَمَة: فتاة، وللعبد: فتى (٤).
ورُوي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا يقولن أحُدكم: عبدي، ولكن لِيَقُل: فتاي وفتاتي" (٥).

(١) هذا الاحتمال يرجح القول الأول.
(٢) بمعناه في "تفسير ابن عباس" ص١٤٣، وأخرجه الطبري ٥/ ١٩ - ٢٠، وانظر "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٣.
(٣) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ١٣٩.
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٤٠.
(٥) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (٢٢٤٩) كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب، حكم إطلاق لفظة العبد.

صفحة رقم 451

وقال ابن السكيت: يقال: (تفتّت) (١) الجارية، إذا راهقت فخُدِرت (٢) ومُنِعت من اللعب مع الصبيان. وقد فتيت تفتيةً.
ويقال للجارية الحَدثة: فتاة، وللغلام: فتى (٣).
أبو عبيد: الفتاء ممدود مصدر الفِتيّ في السن. وأنشد:

إذا عاش الفتى مائتين عامًا فقد ذهب اللذاذة والفَتَاء (٤)
فالفتاة الشابة، والفتاة الأمَة، عجوزًا كانت أو شابة (٥)؛ لأنها كالشابة في أنه لا تُوقر توقير الكبير.
وقوله تعالى: الْمُؤْمِنَاتِ أفاد هذا التقييد أنه لا يجوز التزوّج بالأَمَة الكِتابية، سواءٌ كان الزوج حرًا أو عبدًا. وهذا قول مجاهد (٦)، وسعيد (٧)، والحسن (٨)، ومذهب مالك (٩)، والشافعي (١٠).
(١) في النسختين: لفتت، والتصويب من "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٣٠ ("فتح الوهاب" للأنصاري).
(٢) أي: ألزمت الخِدر وسُتِرت في البيت. حاشية ٢ من "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٣٠ (فتا).
(٣) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٣٠ (فتا).
(٤) "غريب الحديث" لأبي عبيد ٢/ ٣٣٣، "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٣٠ (فتا)، والبيت للربيع بن ضبع الفزاري كما عند سيبويه ١/ ٢٠٨، "اللسان" ٦/ ٣٣٤٧ (فتا)؛ ونسبه سيبويه مرة أخرى إلى يزيد بن ضبة. انظر: "الكتاب" ٢/ ١٦٢.
(٥) انظر: الطبري ٥/ ١٨.
(٦) "تفسيره" ١/ ١٥٢، والطبري ٥/ ١٨.
(٧) لم أقف عليه.
(٨) أورد الأثر عنه السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٤، وعزاه لابن أبي شيبة.
(٩) خرج قوله الطبري ٥/ ١٨، وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ١٩٥، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ١٤٠.
(١٠) "الأم" ٥/ ٦، وانظر: "أحكام القرآن" للهراسي ٢/ ٢٨٩، "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ١٤٠.

صفحة رقم 452

ومذهب أهل العراق أنه يجوز التزّوج بالأمَة الكِتابية (١). والآية حجة عليهم (٢).
وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ. قال الزجاج: أي: اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم متعبدون بما ظهر، (والله يتولى السرائر والحقائق) (٣).
وقوله تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ. ذكر أهل المعاني الزجاج وابن الأنباري وغيرهما، فيه وجهين:
أحدهما: كلكم بنو آدم وولده، فلا يتداخلنكم شموخ وأنفَة من تزّوج الإماء عند الضرورة، فإنكم تتساوون في أنكم بنو آدم. فعلى هذا قوله: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي: في النسَب (٤).
والثاني: أن المعنى: بعضكم يوالي بعضًا، ويُلابس بعضًا في ظاهر الحكم، من حيث شملكم الإسلام، فاجتمعتم فيه، وصرتم متكافئين متماثلين بجمع الإسلام لكم، واستوائكم في حكمه. قال الراعي:

فقُلت ما أنا مِمَّن لا يواصِلُني ولا ثَوائِي إلا ريثَ أَحْتَمِلَ (٥)
أي: لا ألابس من لا يواصلني ولا أواليه. والمعنى: دينكم واحد فأنتم متساوون في هذه الجهة، فمتى وقع لأحدكم الضرورة جاز له تزّوج الأمَة (٦).
(١) انظر: الطبري ٥/ ١٨، والقرطبي ٥/ ١٤٠.
(٢) انظر: الطبري ٥/ ١٨ - ١٩.
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٤٠، وما بين القوسين زيادة على ما فيه.
(٤) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٤١، "زاد المسير" ٢/ ٧٥.
(٥) "ديوانه" ص ١٩٧، "أساس البلاغة" ص ١٨٦ (ريث)، وقافيته في الأساس: أرتحل. ومعنى يواصلني: يوافقنى.
(٦) انظر: "معانى الزجاج" ٢/ ٤١

صفحة رقم 453

قال الزجاج: ويُقَوِّي هذا الوجه أنه ذكر ههنا المؤمنات من العبيد (١)
والى هذا أشار ابن عباس في تفسير هذه الآية، فقال: يريد: المؤمنون بعضهم أكفاء لبعض (٢).
قالوا: وإنما قيل لهم ذلك؛ لأن العرب كانت تطعن في الأنساب، وتفتخر بالأحساب، وتُعَيِّر بالهُجنة، وتُسمي ابن الأَمَة الهَجِين، فأعلمَ الله أن أمر العبيد وغيرهم مستوي (٣) في باب الإيمان.
وإنما حرم التزّوج بالأمة إذا وُجد إلى الحرة سبيل لمعنيين:
أحدهما: أن ولد الحُرّ من المملوك (٤) مملوك لسيدها، فلا يجوز له إرقاق ولده ما دام مستغنيًا.
والثاني: أنّ الأَمَة مُستَخدمةٌ في الحاجات، مُمتهنة بكثَرة عِشرة الرجال وذلك شاق على الزوج (٥).
وقوله تعالى: وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ: أي: مهورهن (٦).
بِالْمَعْرُوفِ: من غير مَطْل وضِرَار (٧). والإجماع على أن المهر إنما يدفع إلى مولاها؛ لأنه ملكه، وإنما أضيف الإيتاء إليهن؛ لأنه ثمن بُضعهن، وإذا آتى المولى فقد آتاها؛ لأنه وإن آتاها كان لمولاها انتزاعه منها.

(١) "معاني الزجاج" ٢/ ٤١، دون لفظ: ويقوي هذا الوجه.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: مستوٍ بحذف الياء.
(٤) هكذا في (أ)، ولعل الصواب: المملوكة.
(٥) من قوله: (قالوا:..) من "معاني الزجاج" ٢/ ٤١ بتصرف يسير.
(٦) الطبري ٥/ ١٩، "الكشف والبيان" ٤/ ٤٠ أ.
(٧) "الكشف والبيان" ٤/ ٤٠ أ.

صفحة رقم 454

وقوله تعالى: مُحْصَنَاتٍ قال ابن عباس وغيره: يريد عفائف (١).
وهو الحال من قوله: فَانْكِحُوهُنَّ (٢). وظاهر هذا يوجب أن نكاح الزواني من الإماء حرام.
واختلف الناس في نكاح الزواني من الحرائر، وسنذكر ذلك عند قوله: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً [النور: ٣] والأكثرون على أنه يجوز نكاح الزانية، وأن قوله: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً [النور: ٣]، منسوخ بقوله. وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ [النور: ٣٢] (٣). والذي في هذه الآية محمول على الندب والاستحباب.
وقوله تعالى: غَيْرَ مُسَافِحَات أي: غير زواني (٤).
وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ جمع خِدْن، والخِدنْ والخَدِين الذي يُخادنك يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن، وخِدْن الجارية مُخَدَّنها (٥).
قال قتادة والضحاك وأهل التفسير: المُسافِحة التي تؤاجر نفسها مُعلِنَةً بالزنا. يزنين بمن لقيهن من غير ميعاد، ويَسفحن (٦) مياههن. والتي تتخذ الخِدْن هي التي تزني سرًّا (٧).

(١) من أثر في "تفسير ابن عباس" ص ١٤٣، وأخرجه الطبري ٥/ ٢٠.
(٢) أي: من الهاء والنون هن. انظر: "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٥.
(٣) ممن قال بالنسخ سعيد بن المسيب من التابعين. انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص ١٠٠.
(٤) انظر: الطبري ٥/ ١٩، "الكشف والبيان" ٤/ ٤٠ أ.
(٥) "العين" ٤/ ٢٣٢، "تهذيب اللغة" ١/ ٩٩٦ (خدن)، وآخر كلمة جاءت فيهما: مُحدثها، ولعله هو الصواب.
(٦) في (د): (يسفح).
(٧) هذا نحو قول قتادة والضحاك، وقد أخرج الأثرين عنهما الطبري ٥/ ٢٠، وانظر: ابن كثير: ١/ ٥١٨ - ٩٩.

صفحة رقم 455

وكانت العرب في الجاهلية يعيبون الزنا العلانية، ولا يكادون يعيبون اتخاذ الأخدان فجاء الله بالإسلام فهدم ذلك، وقال: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ (١) [الأعراف: ٣٣]، وقال: مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ.
وقال الشعبي: الزنا على نحوين خبيثين، أحدهما أخبث من الآخر، فأما الذي هو أخبثهما فالسفاح، وهو الفجور بمن أتاها، والثاني: اتخاذ الخدن، وهو الزنا في السر (٢).
قال قتادة: ونهى الله عن نكاح المُسَافِحة وذات الخِدْن (٣).
وقوله تعالى: فَإِذَا أُحْصِنَّ. قرئ بالوجهين؛ فمن ضم الألف (٤) فمعناه: أُحصنّ بالأزواج، على معنى: تَزوجْن (٥). قاله ابن عباس، وسعيد ابن جبير والحسن ومجاهد وقتادة (٦).
ومن فتح الألف (٧) فمعناه: أَسلَمْن (٨).

(١) هذا معنى قول لابن عباس أخرجه الطبري ٥/ ١٩ - ٢٠، وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٤.
(٢) أخرجه الطبري بنحوه ٥/ ٢٠، وانظر: ابن كثير ١/ ٥١٨.
(٣) بمعناه عن قتادة، وهو جزء من الأثر المتقدم عنه، وقد أخرجه الطبري ٥/ ٢٠.
(٤) هذه القراءة لابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم، وأبي جعفر ويعقوب. انظر "السبعة" ص ٢٣١، "الحجة" ٣/ ١٥١، "المبسوط" ص ١٥٦.
(٥) انظر: الطبري ٥/ ٢١، "الحجة" ٣/ ١٤٨، ١٥١.
(٦) أخرج أقوالهم الطبري ٥/ ٢٣ - ٢٤، وابن كثير ١/ ٥١٩، وقد رجح ابن كثير هذا المعنى.
(٧) هذه القراءة لحمزة والكسائي وخلف. انظر: "السبعة" / ٢٣١، "الحجة" ٣/ ١٥١، "المبسوط" ص ١٥٦.
(٨) انظر: الطبري ٥/ ٢١، "الحجة" ٣/ ١٤٨.

صفحة رقم 456

كذلك قال عمر، وابن مسعود، والشعبي وإبراهيم والسدي (١).
وقوله تعالى: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ يريد: زنا (٢).
فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ أي: عليهن نصف الحدّ (٣).
والمحصنات ههنا الأبكار اللاتي أحصنهن العفاف (٤)، وحَدُّهن مائة، ويتنصف ذلك في حق الأمَة إذا زنَت (٥). وإن حملنا المحصنات على فوات الزوج لم يَسْهُل؛ لأن حدّهن الرجم، ولا يتنصف الرجم، ولا مدخل له في هذا العبيد (٦). ويقال لم شرط الإحصان في حد الإماء، والإحصان في قوله: أُحْصِنَّ، و أَحصنَّ على اختلاف القراءتين فُسر بالتزوج والإسلام وليس واحد منهما شرطًا في وجوب الحد على الأَمَة إذا زنت؛ فإن الكافرة إذا زنت كان حدها خمسين جلدة، وكذلك الخالية عن الزوج؟
والجواب: أن من فسر الإحصان ههنا بالإسلام قال: إنها إذا كانت كافرة لم يكن عليها سبيل، إلا بأن ترضى بحكمنا. وإذا كانت مسلمة أقمنا عليها الحد، ففائدة ذكر الإسلام راجعة إلى أصل إقامة الحد مع بيان قَدرِه.

(١) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ٢٢ - ٢٣.
(٢) الطبري ٥/ ٢٤، "الكشف والبيان" ٤/ ٤٠ أ.
(٣) انظر: "مجاز القرآن" ١/ ١٢٣، والطبري ٥/ ٢٤.
(٤) لعل قصد المؤلف: الأبكار الحرائر. انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١٢٤، والطبري ٥/ ٢٤، "معاني الزجاج" ٢/ ٤١، والثعلبي ٤/ ٤٠ أ.
(٥) انظر: الطبري ٥/ ٢٤، والثعلبي ٤/ ٤٠ أ.
(٦) انظر "معاني الزجاج" ٢/ ٤١

صفحة رقم 457

ومن فسر الإحصان بالتزوّج قال: فائدة ذكره ههنا أن الحرة المحصنة بالزوج حدها الرجم، فقيد الله تعالى حكم الأَمَة عند ذكر الحد بالإحصان، إذ لو نص على غير حالة الإحصان بالنكاح لم يبعد أن يَتوهّم مُتوهِّم وجوب الرجم عليها إذا زنت وهي متزوجة، من حيث لم يكن للرجم نصف، كما استوت الحُرّة والأَمَة في قطع السرقة لَمّا لم يكن للقطع نصف (١).
وقوله تعالى: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ. الإشارة تعود إلى نكاح الأمَة عند عدم الطول (٢).
وذكرنا معنى العنت والإعنات في اللغة عند قوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ [البقرة: ٢٢٠] وقوله: وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ [آل عمران: ١١٨]. وفسر العنت ههنا: الزنا في قول ابن عباس وسعيد بن جبير وعطية والضحاك وابن زيد (٣). وبيان هذا ما ذكره المُبرَّد: ذلك لمن خاف أن يحمله شدة الشبَق، والغُلمة على الزنا، فيلقى العذاب العظيم في الآخرة، والحد في الدنيا (٤). وإنما سمي الزنا العَنَت من المشقة في الدنيا والآخرة.

(١) انظر: "زاد المسير" ٢/ ٥٨.
(٢) انظر: الطبري ٥/ ٢٤، "معاني الزجاج" ٢/ ٤٢، والثعلبي ٤/ ٤٠ ب.
(٣) الأثر عن ابن عباس في "تفسيره" ص ١٤٣، وأخرجه عنه وعن الباقين إلا ابن زيد الطبري ٥/ ٢٤ - ٢٥، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٥٨، وقد ذكر أن هذا قول ابن زيد.
(٤) الظاهر أن هذا الكلام ليس للمبرد، فقد قال الزجاج في "معانيه" ٢/ ٤٢: قال أبو العباس -وهو المبرد-: (العنت) ههنا الهلاك، وقال غيره: معناه: ذلك لمن خشى أن تحمله الشهوة.. إلخ نحو ما ذكره المؤلف هنا. والله أعلم. انظر. "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٥٨٥ (عنت).

صفحة رقم 458

وقال عطاء: العَنَت المشقة في شدة الغُربة (١). وهذا اختيار الزجاج، قال: العنت في اللغة المشقة الشديدة، يقال: أَكَمةٌ عنوت، إذا كانت شاقّة المَصعد (٢).
قال الأزهري: وهذا الذي قاله أبو إسحاق صحيح، فإذا شقّ على الرجل الغربة (٣) وغلبته الغُلمة، ولم يجد ما يتزوج به حرة، فله أن ينكح أَمَة؛ لأن غلبة الشهوة واجتماع الماء في صُلب الرجل ربما آذى (٤).
وحكى أبو إسحاق، عن بعضهم: قال: معناه أن يعشق الأمَة. قال (٥): وليس في الآية ذكر العشق، ولكن ذا العشق يلقى عنتًا (٦).
وقوله تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ. أباح الله تعالى نكاح الأمَة بشرطين: أحدهما: في أول الآية، وهو عدم الطَّول.
والثاني: في آخرها، وهو خوف العنت. ثم قال مع ذلك: وَأَنْ تَصْبِرُوا يريد: عن تزوج الإماء. قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة (٧).

(١) هكذا هذه الكلمة في (أ)، (د) بالغين المعجمة والراء، وقد تكون: العُزبة، بالعين المهملة والزاي. انظر "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٥٨٥ (عنت).
(٢) "معاني الزجاج" ٢/ ٤٢، إلا أنه ليس فيه كلمة (المصعد)، وقد أثبتها الأزهري في "التهذيب" ٣/ ٢٥٨٥ (عنت)، فقد يكون الواحدي أخذ عن الأزهري، ويؤيده ما بعده.
(٣) هكذا هذه الكلمة في (أ)، (د) بالغين المعجمة والراء، وقد تكون: العُزبة، بالحين المهملة والزاي. انظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٥٨٥ (عنت).
(٤) في (د) أدى. لعل في الكلام سقطًا أو حذفًا، فالظاهر أنه لم يتم الكلام، وفي "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٥٨٥ (عنت) -والكلام للأزهرى- ربما أدى إلى العلة الصعبة.
(٥) أي: أبو إسحاق الزجاج.
(٦) "معاني الزجاج" ٢/ ٤٢.
(٧) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ٢٥ - ٢٦، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٥٩، "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٦.

صفحة رقم 459

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية