ﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)
* * *

صفحة رقم 1643

(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) المحصنات الحرائر، والفتيات الإماء، فإن الإسلام لا يعبر عن العبد إذا أضيف إلى مولاه بالعبد، بل يعبر عنه بالفتى، وهذا من أدب الإسلام وتكريم الإنسان، ولذا ورد في الحديث الصحيح: " لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ولكن ليقل فتاي وفتاتي " (١). كما نهى النبيّ العبد عن أن يقول: سيدي وسيدتي، بل يقول: مولاي ومولاتي. والطَّول: القدرة والسعة في المال والجسم، ومعنى ملك اليمين، أن تكون في ملكه، وعبر باليمين لإفادة السلطان، فإن يمين الرجل مظهر قوته، وبها يكون الصَّفْق في البياعات، فأضيف الملك إليها لأنها سببه. والآية بمضمونها أفادت أنه لَا يحل الزواج من الإماء إلا إذا لم يكن في طوله أن يتزوج حرة. وقد اختلف الفقهاء في حدود الطول والقدرة، فقال أبو حنيفة: الطَّول أن يكون متزوجا حرة، فمن كان عنده حرة لَا يجوز أن يتزوج أمة، وإن عقد كان عقده باطلا. وقال مالك: الطول السعة والقدرة على المهر والنفقة، فمن عجز عن مهر الحرة ونفقتها وهو قادر على الزواج من أمة فإنه يجوز له زواج الأمة، ولو كانت عنده حرة. وقال الشافعي، وهو قول عند مالك: إنه يجوز له زواج الأمة بشرطين، أحدهما: عدم القدرة على زواج الحرة، والثاني: أن يخشى العنت أي المشقة الشديدة إن لم يتزوجها. وفسر بعض العلماء عدم الطَّول بأن يتعلق بها وتهواها نفسه، بحيث يخشى على نفسه أن يقع معها في زنا إن لم يتزوجها.
واشترط الشافعي ومالك وأحمد لإباحة زواج الأمة أن تكون مؤمنة كنص الآية، وأبو حنيفة أباح الزواج من الأمة الكتابية إن لم يكن عنده حرة. وشدد الإسلام في إباحة الزواج من الإماء لحمل المالكين على عتقهن، فمن رغب في أمة فليشترها، وليعتقها ثم يتزوجها؛ ولأن الولد يتبع أمه في الرق، فلمنع كثرة الرقيق
________
(١) متفق عليه، رواه البخاري: العتق - كراهية التطاول على العبيد (٢٥٥٢)، ومسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها (٢٢٤٩) عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: " لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي مَوْلاَيَ، وَلاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي أَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلاَمِي ".

صفحة رقم 1644

قيد الزواج من الإماء بحيث لَا يدخل بهمت إلا أولياؤهن فيكون الولد حرا، ويعتق أمه، كما هو مدون في الفقه، أو تعتق ثم يكون الزواج منها.
(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) هذه جملة معترضة بين إباحة نكاح الفتيات المؤمنات، وصورة العقد عليهن. وهذه الجملة السامية فيها فائدتان: أولاهما: التفتيش النفسي عن القلب، وما تخفيه الصدور بحيث يكون الشخص دائم التفتيش عن عيوبه؛ لأن الله تعالى أعلم بإيماننا منا، وهو سيحاسبنا على ما يعلم، وأفعل التفضيل في قوله تعالى: " أعلم " على بابه، فهو أعلم منا بأنفسنا، أو نقول إنه للعلم المطلق الذي لَا يصل علم مهما يكن إلى مقداره، فيكون أفعل التفضيل على غير بابه. والفائدة الثانية: بيان أن الناس جميعا من دم واحد وأنه لا يصح أن يستعلي حر على عبد، ولا حرة على أمة، فإن بعضنا من بعض، فقوله تعالى: (بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) أي أنكم جميعا تضمكم إنسانية واحدة، وكل له حقوقها وعليه واجباتها. فالعبيد من الأحرار؛ لأنهم من أصل حر، والأحرار قد يكونون من العبيد، والله سبحانه وتعالى فوق الجميع بالعدل، فلا يظلم بعضكم بعضا.
(فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْروفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) النكاح العقد ولا يستعمل في القرآن إلا بهذا المعنى، والمعنى: فاعقدوا عليهن عقد الزواج بإذن أهلهن، وأهلهن في هذا المقام هم المالكون لهن. وعبر عن المالكين بالأهل حملا للناس على الأدب في التعبير، ولأنه يجب أن تكون العلاقة بين العبد ومالكه علاقة أهل لَا علاقة رق، ولذا يجب عليه أن يعطيه كل حقوق قرابته من مأكل ومسكن وملبس، ولذا قال النبي - ﷺ -: " إخوانكم خَوَلكُم (أي مكنكم الله من رقابهم) قد ملككم الله إياهم، ولو شاء لملكهم إياكم، أطعموهم مما تطعمون، واكسوهم مما تكسون " (١). وأمر
________
(١) رواه بلفظ مقارب البخاري: الإيمان (٢٥٤٥)، ومسلم (١٦٦١) عن أبي ذر رضي الله عنه، كما رواه غيرهما من أصحاب السنن، وليس في هذه الرواية عندهم ذكر الملك.

صفحة رقم 1645

سبحانه وتعالى بإعطاء المهور، وشدد في ذلك، وقال (بِالْمَعْرُوفِ) أي بالقدر الذي لَا يستنكره العرف، فلا يتخذ من كونها أمة سبيلا لغمط حقها، وتصغير شأنها. وبين أن إعطاء الأجر يكون للأمة نفسها، وهذا يدل على أنها تملكه وهو حقها، وهي تحتاج إليه في إعداد نفسها للزواج، وبذلك يثبت أن العبيد أهل للملكية، وقد أثبتت الملكية للعبيد والإماء - الظاهرية، وذلك ظاهر القرآن الكريم، كما تدل الآية الكريمة، إذ فرقت الآية بين العقد والمهر، فالعقد يتولاه المولى، والمهر تعطاه هي.
- وقوله: (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) حال من قوله: (فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ)، وهنا وصف بالإَحصان، أي العفة، الزوجات دون الأزواج، وذلك لأن الزوجات من الإماء، وهن مظنة الانزلاق، إذ الرق والضعف وفقدان الحرية يكون معها الهوان، وحيث كان الهوان كانت الرذيلة قريبة؛ لأنه لَا شيء كالهوان يفتحِ السبيل للشيطان، ولذلك طالبهن الله تعالى وقد كرمهن بالزواج أن يُحَصِّن أنفسهن به، وأن يباعدن السفاح، ولهذا المعنى كانت الجريمة من الإماء أقل شأنا من الجريمة من الحرائر، وكانت العقوبة عليهن أقل. ومعنى اتخاذ الأخدان اتخاذ الخليل الملازم من غير زواج، ولو باتفاق على مهر ونفقة، فالخدن هو الخليل، وهذه هي المتعة التي حرمها القرآن والنبي - ﷺ -.
(فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) معنى الإحصان هنا الزواج، فمعنى قوله تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ) إذا تزوجن.
وجاء الشرط بـ " إذا " الدالة على تحقق الشرط، لوقوع ذلك الإحصان وللترغيب فيه، والفاحشة هنا الزنا، والعذاب هو الحد، والمحصنات هنا الحرائر، وعبر سبحانه في جانب شرط الفاحشة بـ " إن " في قوله (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ)، و " إن " تدل على الشك في وقوع الشرط؛ لأن الفاحشة غير متوقعة وهي أمر منفور منه غير متصور أن يكون مرغوبا فيه، وخصوصا من زوجة حرة أو غير حرة.
ومرمى النص الكريم أن الأمة إذا ارتكبت الفحشاء تكون عقوبتها نصف عقوبة الحرة؛ لأن الجريمة تهون بهوان مرتكبها وتعلو بعلو مرتكبها. وإذا علَتْ

صفحة رقم 1646

الجريمة علت معها العقوبة، وإذا نقصت نقصمت معها العقوبة، وهذا دليل على عدل الشريعة، وعلو الأحكام الإسلامية عن القانون الروماني وغيره من قوانين أهل الدنيا، ففي القانون الروماني كان العبد إذا زنا بحرة قتل، وإذا زنا الشريف حكم عليه بغرامة، فكان هذا ظلمًا، ولكن الإسلام قال إن عقوبة العبد على النصف من عقوبة الحر، فإذا زنا الحر الشريف جلد مائة أو رجم، وإذا زنا العبد عوقب بخمسين جلدة (١).
وإن الزواج من الإماء هو عند خشية العنت والمشقة، ولذلك قال سبحانه:
(ذَلِكَ لِمَنْ خَشِي الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رحِيمٌ) العنت المشقة الشديدة التي يخشى منها التلف أو الوقوع في الزنا، والإشارة في قوله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ) للزواج من الإماء المنوه عنه بقوله تعالى: (وَمن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ) و (خشي) معناها خاف من أمر متوقع هو قريب من الواقع، فالرق بين الخوف والخشية أن الخشية تكون من أمر متوقع قريب الوقوع أو واقع بالفعل، فكان زواج الإماء لَا يباح إلا للضرورة أو للحاجة الشديدة، ومع ذلك فالصبر أولى، ولذا قال: (وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لكُمْ) فتحملوا مشقة الحرمان أولى من زواج الإماء؛ لأن الولد يكون رقيقا، وفي ذلك تكثير للرق، ولأنه لَا يمكنه أن يقوم على تربيته وشئونه، ولأنها لَا يتكون منها مع بقائها على رقها بيت زوجية صالحة؛ إذ ستكون مطالبة بخدمة وليها، فالحياة
________
(١) قال الآلوسي: (فَإنْ أتَينَ بفَاحشَة) أي فإن فعلن فاحشة وهي الزنا وثبت ذلك. (فَعَلَيْهن أي فثابت عليهن شرعا (نصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَات) أي الحرائر الأبكار (منَ الْعَذَاب) أي الحد الذي هو جلد مائة، فنصفه خمسون ولا رجم عليهن لأنه لَا يتنصف. وقال ابن كثير: وقوله: نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه وهو الجلد لَا الرجم، والله أعلم. وقال الثعالبي: و (المُحْصَنَاتُ) في هذه الآية: الحَرَائِرُ؛ إذ هي الصفَةُ المَشْرُوطة في الحد الكامِلِ، والرجمُ لَا يتنصف، فلم يُرَدْ في الآية بإجماع.

صفحة رقم 1647

الزوجية لَا تكون كاملة، ولذا روى أبو هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: " الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاك البيت " (١).
ومن هذا يكون السبيل للزواج بهن شراءهن وإعتاقهن، وبذلك يقل الرقيق، ويكثر الأحرار، وإذا دخل بها مولاها كان ابنه حرا وكان سبيلا لحريتها ومنع بيعها، فيكثر الأحرار. وقد ختم الله سبحانه الآية بقوله: (وَاللَّه غَفورٌ رحِيم) للإشارة إلى عظيم رحمته بعبادِه فيما شرع، وإلى عظيم غفرانه لمن يرتكب إثما ثم يتوب، وإلى أن غفرانه من رحمته، إنه غفار لمن اهتدى. فاللهم اجعلنا من التوّابين الذين ينالون مغفرتك، إنك أنت التوَّاب الرحيم.
* * *
(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)
* * *
بين سبحانه في الآيات السابقة المحرمات، ونبه إلى ما كان يقع فيه أهل الجاهلية من استباحة بعض هذه المحرمات، كزواجهم ممن كانوا أزواجا لآبائهم،
________
(١) مسند الفردوس عن أبي هريرة مرفوعا، رواه الديلمي والثعلبي عن أبي هريرة وضعفه السخاوي [تنقيح القول الحثيث بشرح لباب الحديث - الباب الخامس والعشرون، وجاء في كشف الخفا (١١٢٣) ج ٤، ص ٤٠. رواه الثعلبي بسند فيه أحمد بن محمد اليماني - متروك - عن يونس بن مرداس خادم أنس - وهو مجهول - أنه قال: كنت بين أنس وأبي هريرة، فقال أنس: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " من أحب أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر "، فقال أبو هريرة: سمعته يقول: " الحرائر صلاح البيت، والإماء فساد البيت "، أو قال: " هلاك البيت ".

صفحة رقم 1648

وكاستباحتهم الجمع بين المرأة وأختها. وفي هذا النص الكريم يبين سبحانه أن ما قرره هو الهداية، وهو سنة الفطرة، وهو شريعة النبيين أجمعين. ثم بين سبحانه بالإشارة والعبارة أن تحصين الفروج مطلب ديني سام، وأن الإحصان حماية لمعنى الإنسانية وترفع عن الحيوانية. وفي هذا النص يبين سبحانه أن الذين يدعون إلى اتباع الأهواء والشهوات لَا يريدون بأهل الإيمان الخير، ولكن يريدون أن تتحكم الأهواء والشهوات، وتسيطر وتدفع إلى العبث والحيوانية. وقد قال سبحانه:

صفحة رقم 1649

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية