ﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

باب نكاح الإماء


مطلب : تخصيص الحكم بشيء في اللفظ لا يدل على نفيه عما عداه
قال الله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أنْ يَنْكِحَ المُحَصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ قال أبو بكر : الذي اقتضته هذه الآية إباحة نكاح الإماء المؤمنات عند عدم الطّول إلى الحرائر المؤمنات ؛ لأنه لا خلاف أن المراد بالمحصنات ههنا الحرائر وليس فيها حظر لغيرهن، لأن تخصيص هذه الحال بذكر الإباحة فيها لا يدل على حظر ما عداها، كقوله تعالى : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق [ الإسراء : ٣١ ] لا دلالة فيه على إباحة القتل عند زوال هذه الحال، وقوله تعالى : لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة [ آل عمران : ١٣٠ ] لا يدل على إباحته إذا لم يكن أضعافاً مضاعفة، وقوله تعالى : ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به [ المؤمنون : ١١٧ ] ليس بدلالة على أن أحدنا يجوز أن يقوم له برهان على صحة القول بأن مع الله إلهاً آخر، تعالى الله عن ذلك ؛ وقد بينا ذلك في أصول الفقه. فإذاً ليس في قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً الآية، إلا إباحة نكاح الإماء لمن كانت هذه حاله، ولا دلالة فيه على حكم من وجد طَوْلاً إلى الحرة لا بحظر ولا إباحة.
وقد اختلف السلف في معنى الطَّوْلِ، فرُوي عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والسدي أنهم قالوا :" هو الغِنَى ". ورُوي عن عطاء وجابر بن زيد وإبراهيم قالوا :" إذا هَوِي الأَمَةَ فله أن يتزوجها وإن كان موسراً إذا خاف أن يزني بها ". فكان معنى الطول عند هؤلاء في هذا الموضع أن لا ينصرف قلبه عنها بنكاح الحرة لميله إليها ومحبته لها، فأباحوا له في هذه الحال نكاحها. والطَّوْلُ يحتمل الغنى والقدرة ويحتمل الفضل، قال الله تعالى : شديد العقاب ذي الطول [ غافر : ٣ ]، قيل فيه : ذو الفضل، وقيل : ذو القدرة، والفضلُ والغِنَى يتقاربان في المعنى، فاحتمل الطّوْلُ المذكور في الآية الغِنَى والقدرة، واحتمل الفضل والسعة. فإذا كان معناه الغنى احتمل وجهين : أحدهما حصول الغنى له بكون الحرة تحته، والثاني : غنى المال وقدرته على تزوج حُرَّة. وإذا كان معناه الفضل احتمل إرادة الغنى ؛ لأن الفضل يوجب ذلك، والثاني : اتساع قلبه لتزوج الحرة والانصراف عن الأَمَةِ، وأنه إن لم يتسع قلبه لذلك وخشي الإقدام من نفسه على محظور جاز له أن يتزوجها وإن كان موسراً على ما رُوي عن عطاء وجابر بن زيد وإبراهيم ؛ هذه الوجوه كلها تحتملها الآية.
وقد اختلف السلف في ذلك، فرُوي عن ابن عباس وجابر وسعيد بن جبير والشعبي ومكحول :" لا يتزوج الأَمَةَ إلا أن لا يجد طَوْلاً إلى الحرة ". ورُوي عن مسروق والشعبي قالا :" نِكَاحُ الأَمَةِ بمنزلة المَيْتَةِ والدم ولحم الخنزير لا يحل إلا لمضطرّ ". ورُوي عن علي وأبي جعفر ومجاهد وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب روايةً وإبراهيم والحسن روايةً والزهري قالوا :" ينكح الأمة وإن كان موسراً ". وعن عطاء وجابر بن زيد :" أنه إن خشي أن يزني بها تزوجها ". ورُوي عن عطاء :" أنه يتزوج الأَمَةَ على الحرّة ". وعن عبدالله بن مسعود قال :" لا يتزوج الأَمَةَ على الحرة إلا المملوكُ ". وقال عمر وعليّ وسعيد بن المسيب ومكحول في آخرين :" لا يتزوج الأمة على الحرة ". وقال إبراهيم :" يتزوج الأمة على الحرّة إذا كان له منها ولد " وقال :" إذا تزوج أَمَةً وحرة في عقد واحد بطل نكاحهما جميعاً ". وقال ابن عباس ومسروق :" إذا تزوج حُرَّةً فهو طلاق الأَمَةِ ".
وقال إبراهيم روايةً :" يفرِّقُ بينه وبين الأَمَةِ إلا أن يكون له منها ولد ". وقال الشعبي :" إذا وجد الطَّوْلَ إلى الحرة بطل نكاح الأمة ". ورَوَى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال :" لا تُنكَحُ الأَمَةُ على الحرة إلا أن تشاء الحرة ويَقْسِمُ للحرة يومين وللأمة يوماً ". قال أبو بكر : وهذا يدل على أنه كان لا يرى تزويج الأمَةِ على الحرة جائزاً إن لم تَرْضَ الحرة.
واختلفوا فيمن يجوز أن يتزوج من الإماء، فرُوي عن ابن عباس أنه قال :" لا يتزوج من الإماء أكثر من واحدة ". وقال إبراهيم ومجاهد والزهري :" يجمع أربع إماءٍ إن شاء ". فاختلف السلف في نكاح الأَمَةِ على هذه الوجوه ؛ واختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضاً، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والحسن بن زياد :" للرجل أن يتزوج أَمَةً إذا لم تكن تحته حُرَّةٌ وإن وجد طَوْلاً إلى الحرة، ولا يتزوجها إذا كانت تحته حرة ". وقال سفيان الثوري :" إذا خشي على نفسه في المملوكة فلا بأس بأن يتزوجها وإن كان موسراً ". وقال مالك والليث والأوزاعي والشافعي :" الطَّوْلُ المالُ ؛ فإذا وَجَدَ طَوْلاً إلى الحرة لا يتزوج أَمَةً، وإن لم يجد طولاً لم يتزوجها أيضاً حتى يخشى العَنَتَ على نفسه ". واتفق أصحابنا والثوري والأوزاعي والشافعي أنه لا يجوز له أن يتزوج أمة وتحته حرة، ولا يفرقون بين إذن الحرة في ذلك وغير إذنها. وقال ابن وهب عن مالك :" لا بأس بأن يتزوج الرجلُ الأَمَةَ على الحرةِ والحرَّةُ بالخيار ". وقال ابن القاسم عنه في الأمة تُنْكح على الحرة :" أرى أن يفرق بينهما " ثم رجع وقال " تُخَيَّر الحرة، إن شاءت أقامت وإن شاءت فارقت ". قال : وسئل مالك عن رجل تزوج أمة وهو ممن يجد طَوْلاً إلى الحرة، قال :" أرى أن يفرق بينهما " فقيل له : إنه يخاف العنت، قال :" السوط يضرب به "، ثم خفّفه بعد ذلك، قال : وقال مالك :" إذا تزوج العبدُ أَمَةً على حرة فلا خيار للحرة لأن الأمة من نسائه ". وقال عثمان البتّي :" لا بأس أن يتزوج الرجلُ الأَمَةَ على الحرّةِ ".
والدليل على جواز نكاح الأمة وإن قدر على تزوج الحرة إذا لم تكن تحته، قول الله تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثُلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم [ النساء : ٣ ]، قد حوت هذه الآية الدلالة من وجهين على جواز تزويج الأمة مع القدرة على نكاح الحرة، أحدهما : إباحة النكاح على الإطلاق في جميع النساء من العدد المذكور من غير تخصيص لحرةٍ من أمة. والثاني : قوله تعالى في نسق الخطاب : أو ما ملكت أيمانكم [ النساء : ٣ ]، ومعلوم أن قوله : أو ما ملكت أيمانكم [ النساء : ٣ ] غير مكتفٍ بنفسه في إفادة الحكم وأنه مفتقر إلى ضمير وضميره هو ما تقدم ذكره مظهراً في الخطاب وهو عقد النكاح، فكان تقديره : فاعقدوا نكاحاً على ما طاب لكم من النساء أو على ما ملكت أيمانكم ؛ وغير جائز إضمارُ الوَطْءِ فيه، إذْ لم يتقدم له ذكر فثبت بدلالة هذه الآية أنه مخير بين تزويج الأمة أو الحرة.
فإن قيل : قوله تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء [ النساء : ٣ ] إباحةٌ معقودة بشرط، وهي أن تكون مما طاب لنا، فدل على أنه مما طاب حتى يجوز العقد، وهو إذا كان كذلك كان بمنزلة المجمل المفتقر إلى البيان. قيل له : قوله تعالى : ما طاب لكم [ النساء : ٣ ] يحتمل وجهين، أحدهما : أن يكون معناه ما استطبتموه، فيكون مفيداً للتخيير، كقول القائل :" اجلس ما طاب لك في هذه الدار وكُلْ ما طاب لك من هذا الطعام " فيفيد تخييرَهُ في فِعْلِ ما شاء منه. والوجه الآخر : ما حلّ لكم. فإن كان المراد الوجه الأوّل فقد اقتضى تخييره في نكاح من شاء وذلك عموم في الحرائر والإماء، وإن كان معناه ما حلَّ لكم، فإنه قد عقبه ببيان ما طاب لكم منها، وهو قوله تعالى : مثنى وثُلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم [ النساء : ٣ ]، فقد خرج بذلك عن حَيِّزِ الإجمال إلى حَيِّزِ العموم، واستعمالُ العموم واجبٌ كيف تصرفت الحال. وعلى أنها لو كانت محتملةً للعموم والإجمال جميعاً لكان حَمْلُها على معنى العموم أوْلى لإمكان استعماله، ومتى أمكننا استعمال حكم اللفظ على وجهٍ فعلينا استعمالُه ؛ ويدل عليه قوله تعالى : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتغُوا بأمْوَالِكُمْ وذلك عموم في الحرائر والإماء. ويدل عليه قوله تعالى : اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلّ لكم وطعامكم حِلّ لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم [ المائدة : ٥ ]، والإحصانُ اسم يقع على الإسلام وعلى العَقْدِ، يدل عليه قوله تعالى : فإذَا أُحْصِنَّ رُوي عن بعض السلف :" فإذا أسلمن "، وقال بعضهم :" فإذا تزوجن ". ومعلوم أنه لم يُرِدْ به التزويج في هذا الموضع، فثبت أنه أراد العفاف، وذلك عموم في الحرائر والإماء. وقوله تعالى : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم [ المائدة : ٥ ] هو عموم أيضاً في تزوج الإماء الكتابيات، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم [ النور : ٣٢ ]، وذلك عموم يوجب جواز نكاح الإماء كما اقتضى جواز نكاح الحرائر. ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم [ البقرة : ٢٢١ ]، ومحال أن يخاطَبَ بذلك إلا من قدر على نكاح المشركة الحرة، ومن وَجَدَ طَوْلاً إلى الحرة المشركة فهو يجد طَوْلاً إلى الحرة المسلمة، فاقتضى ذلك جواز نكاح الأمة مع وجود الطَّوْلِ إلى الحرة المسلمة كما اقتضاه مع وجوده إلى الحرة المشركة. ويدل عليه من طريق النظر أن القدرة على نكاح امرأة لا تحرم نكاح أخرى، كالقدرة على تزويج البنت لا يحرّم تزويج الأم، والقدرة على نكاح المرأة لا يحرم نكاح أختها، فوجب على هذا أن لا تمنع قدرته على نكاح الحرة من تزويج الأمة بل الأمةُ أيسر أمراً في ذلك من الأختين والأم والبنت ؛ والدليل عليه جواز اجتماع الحرة والأمة تحته عند جميع فقهاء الأمصار وامتناع اجتماع الأم والبنت والأختين تحته، فلما لم يكن إمكان تزويج البنت الذي هو أغلظ حكماً مانعاً من الأم الحرة والأمة وجب أن لا يكون لإمكان تزوج الحرة تأثير في منع نكاح الأمة.
واحتج من خالف في ذلك بقوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ إلى قوله تعالى : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العَنَتَ مِنْكُمْ وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ، وأنه أباح نكاح الأمة بشرط عدم الطَّوْلِ إلى الحرة وخشية العَنَتِ، فلا تجوز استباحته إلا بوجود الشرطين جميعاً ؛ وهذه الآية قاضية على ما تلوت من الآي لما فيها من بيان حكم الأمة في التزويج. قيل له : ليس في هذه الآية حَظْرُ نكاح الأمة في حال وجود الطَّوْلِ إلى الحرة، وإنما فيها إباحته في حال عدم الطّوْل إليها، وسائر الآي التي تَلَوْنا يقتضي إباحة نكاحها في سائر الأحوال، فليس في أحدهما ما يوجب تخصيص الأخرى لورودهما جميعاً في حكم الإباحة، وليس في واحدة منهما حظر، فلا يجوز أن يقال إن هذه مخصصة لها ؛ والجميع وارد في حكم واحد.
فإن قيل : هذا كقوله تعالى : فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً [ المجادلة : ٤ ] فكان مقتضى جميع ذلك امتن

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير