المعنى الجملي : هاتان الآيتان من تتمة ما قبلهما من جهة المعنى فقد ذكر في أولاهما بقية ما يحرم من النساء وحل سوى من تقدم ووجوب إعطاء المهور وذكر في الآية الثانية حكم نكاح الإماء وحكم حدهن عند ارتكاب الفاحشة لكن من قسموا القرآن ثلاثين جزءا جعلوهما أول الجزء الخامس مراعاة للفظ دون المعنى إذ لو راعوه لجعلوا أول الخامس : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ( النساء : ٢٩ ).
تفسير المفردات :
محصنات : أي عفيفات مسافحات مستأجرات للبغاء والأخدان : واحدهم خدن وهو الصاحب ويطلق على الذكر والأنثى وهو أن يكون للمرأة خدن يزني بها سرا فلا تبذل نفسها لكل أحد والفاحشة : الفعلة القبيحة وهي الزنى والمحصنات : هنا الحرائر والعذاب : هو الحد الذي قدره الشارع وهو مائة جلدة فنصفها خمسون ولا رجم عليهن لأنه لا يتنصف العنت : الجهد والمشقة.
الإيضاح :
ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات المحصنات : هنا الحرائر خاصة بدليل مقابلتها بالإماء والحرية كانت عندهم داعية الإحصان كما كان البغاء من شأن البغاء ومن ثم قالت هند للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التعجب : أو تزني الحرة ؟ وعبر عن الإماء بالفتيات تكريما لهن وإرشادا لنا إلى ألا ننادي بالعبد والأمة بل بلفظ الفتى والفتاة وقد روى البخاري قوله صلى الله عليه وسلم :" لا يقولن أحدكم عبدي أمتي ولا يقل المملوك ربي ليقل المالك فتاي وفتاتي وليقل المملوك سيدي وسيدتي فإنكم المملوكون والرب هو الله عز وجل ".
و المعنى : ومن يستطع منكم طولا في الحال أو المآل نكاح المحصنات اللواتي أحل لكم أن تبتغوا نكاحهن بأموالكم وتقصدوا بنكاحهن الإحصان لهن ولأنفسكم فلينكح امة من الإماء المؤمنات والطول ( هو السعة المعنوية أو المادية ) تختلف باختلاف الأشخاص فقد يعجز الرجل عن التزوج بحرة وهو ذو مال بقدرته على المهر لنفور النساء منه لعيب في خلقه او خلقه وقد يعجز عن القيام بغير المهر ومن حقوق المرأة الحرة فإن لها حقوقا كثيرة من النفقة والمساواة وغير ذلك وليس للأمة مثل هذه الحقوق.
و قد قدر الحنفية المهر بدراهم معدودة فقال بعضهم : ربع دينار وقال بعضهم : عشرة دراهم.
و ليس في كتاب ولا في سنة ما يؤيد هذا التحديد فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن يريد الزواج :" التمس ولو خاتما من حديد " وروي أن بعض المسلمين تزوج امرأة وجعل المهر تعليمها شيئا من القرآن.
والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض أي فأنتم أيها المؤمنون إخوة في الإيمان بعضكم من بعض كما قال : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ( التوبة : ٧١ ) فلا ينبغي أن تعدوا نكاح الأمة عارا عند الحاجة إليه.
وفي هذا إشارة إلى أن الله قد رفع شأن الفتيات المؤمنات وساوى بينهن وبين الحرائر وهو العليم بحقيقة الإيمان ودرجة قوته وكماله فرب أمة أكمل إيمانا من حرة فتكون أفضل منها عند الله إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ( الحجرات : ١٣ ).
فانكحوهن بإذن أهلهن الأهل هنا الموالي المالكون لهن أي فإذا أحببتم نكاحهن ورغبتم فيه لأن الإيمان قد رفع من قدرهن فانكحوهن بإذن موالهن.
وقال بعض الفقهاء : المراد من الأهل من لهم عليهن ولاية التزويج ولو غير المالكين كالأب والجد والقاضي والوصي إذ لكل منهم تزويج أمة اليتيم.
وآتوهن أجورهن بالمعروف أي وأدوا إليهن مهورهن بإذن أهلهن إذ عن المهر هو حق المولى لأنه بدل عن حقه في إباحة الاستمتاع بها وقال مالك : المهر حق للزوجة على الزوج وإن كانت أمة فهو لها لا لمولاها وعن كان الرقيق لا يملك شيئا لنفسه لأن المهر حق الزوجة تصلح به شأنها ويكون تطييبا لنفسها في مقابلة رياسة الزوج عليها وسيد الأمة مخير بين أن يأخذه منها بحق الملك أو يتركه لها لتصلح به شأنها وهو الأفضل والأكمل.
و معنى قوله : بالمعروف أي بالمعروف بينكم في حسن التعامل ومهر المثل وإذن الأهل.
محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخذان أي أعطوهن أجورهن حال كونهن متزوجات منكم لا مستأجرات للبغاء جهرا وهن المسافحات ولا سرا وهن متخذات الأخذان والأصحاب.
و قد كان الزنى في الجاهلية قسمين : سري وعلني فالسري يكون خاصا فيكون للمرأة خدن يزني بها سرا ولا تبذل نفسها لكل أحد والعلني يكون عاما وهو المراد بالسفاح قاله ابن عباس.
و كان البغايا من الإماء ينصبن الرايات الحمر لتعرف منازلهن ولا تزال هذه العادة متبعة إلى الآن في بلاد السودان فتوجد بيوت خاصة لشراب الذرة ( المريسة ) وفيها البغاء العلني.
و روي عن ابن عباس أن اهل الجاهلية كانوا يحرمون ما ظهر من الزنى ويقولون إنه لؤم ويستحلون ما خفي ويقولون : إنه لا بأس به وقد نزل في تحريم هذين النوعين قوله تعالى : وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ( الأنعام : ١٥١ ).
و هذان النوعان الآن فاشيان في بلاد الإفرنج والبلاد التي تقلدهم في شرورهم كمصر والآستانة وبعض بلاد الهند.
و قصارى القول : إن الله فرض في نكاح الإماء مثل ما فرص في نكاح الحرائر من الإحصان والعفة لكل من الزوجين لكن جعل الإحصان وعدم السفاح في نكاح الحرائر من قبل الرجال أولا وبالذات فقال : محصنين غير مسافحين لان الحرائر ولاسيما الأبكار أبعد من الرجال عن الفاحشة وأقل انقيادا لطاعة الشهوة إلى أن الرجال هم الطالبون للنساء والقوّامون عليهن.
و جعل قيد الإحصان في جانب الإماء فاشترط على من يريد ان يتزوج أمة أن يتحرى فيها أن تكون محصنة مصونة في السر والجهر فقال : محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخذان وذلك أن الزنى كان غالبا في الجاهلية على الإماء وكانوا يشترونهن للاكتساب ببغائهن حتى إن عبد الله بن أبي كان يكره إماءه على البغاء بعد أن أسلمن فنزل في ذلك : وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ( النور : ٣٣ ).
إلى أنهن لذلهن وضعفن وكونهن مظنة للانتقال من يد إلى أخرى – لن تمرن نفوسهن على الاختصاص برجل واحد يرى لهن عليه من الحقوق ما تطمئن به نفوسهن في الحياة الزوجية التي هي كم شؤون الفطرة.
فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب أي إن الإماء إذا زنين بعد إحصانهن بالزواج فعليهن من العقاب نصف ما على المحصنات الكاملات وهن الحرائر إذا زنين وهذا العقاب ما بينه سبحانه بقوله : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ( النور : ٢ ) فتجلد الأمة المتزوجة خمسين جلدة وتجلد الحرة مائة.
و السر في هذا ما قدمناه فيما سلف وهو كون الحرة أبعد عن داعية الفاحشة والامة ضعيفة عن مقاومتها فرحم الله ضعفها وحفف العقاب عنها وقد قيدوا المحصنات هنا بكونهن أبكارا لان من تزوجت تسمى محصنة بالزواج وإن آمت بطلاق او بموت زوجها وحينئذ ترجم بالحجارة إذا زنت.
و في الصحيحين وغيرهما عن عمر رضى الله عنه : أن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان حمل او اعتراف.
و أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجم ماعز الأسلمي والغامدية لاعترافهما بالزنى لكنه أرجأ المرأة حتى وضعت وأرضعت وفطمت ولدها رواه مسلم وأبو داود.
ذلك لمن خشي العنت منكم أي ذاك الذي ذكر لكم من إباحة نكاح الإماء عند العجز عن الحرائر جائز لمن خشي عليه الضرر من مقاومة دواعي الفطرة والتزام الإحصان والعفة ففي كثير من الاحيان تفضي هذه المقاومة إلى أعراض عصبية وغير عصبية إذا طال العهد على مقاومتها كما أثبت ذلك الطب الحديث.
وأن تصبروا خير لكم أي وصبركم عن نكاح الإماء خير لكم من نكاحهن لما في ذلك من تربية قوة الإرادة وتنمية ملكة العفة وتغليب العقل على عاطفة الهوى ومن عدم تعريض الولد للرق وخوف فساد أخلاقه بإرثه منها المهانة والذلة إذ هي بمنزلة المتاع والحيوان فربما ورث شيئا من إحساسها ووجدانها وعواطفها الخسيسة.
و روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : إذا نكح العبد الحرة فقد أعتق نصفه وإذا نكح الحر الأمة فقد أرق نصفه ورحم الله القائل :
إذا لم تكن في منزل المرء حرة تدبره ضاعت مصالح داره
و سر هذا ما شرحناه من قبل من أن معنى الزوجية حقيقة واحدة مركبة من ذكر وأنثى كل منهما نصفها فهما شخصان صورة واحد اعتبارا بالإحساس والشعور والوجدان والمودة والرحمة ومن ثم ساغ أن يطلق على كل منهما لفظ ( زوج ) لاتحاده بالآخر وإن كان فردا في ذاته ومستقلا في شخصه.
والله غفور رحيم فهو غفار لمن صدرت منه الهفوات كاحتقار الإماء المؤمنات والطعن فيهن عند الحديث في نكاحهن وعدم الصبر على معاشرتهن بالمعروف وسوء الظن بهن رحيم بعباده إذ رخص لهم فيما رخص فيه ببيان أحكام شريعته فلا يؤاخذنا بما لا نستطيعه منها.
تفسير المراغي
المراغي