ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم ٢٥ .
والاستطاعة تعني أن يدخل الشيء في طاعتي فلا يعصي ولا يتأبى على، وافرض أنني أمسكت قطعة حديد ولويتها، هنا تكون قطعة الحديد قد دخلت في طوعي، ومثال ذلك : ابنا آدم، حين قدم كل منهما قربانا لله فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، فالذي لم يتقبل الله منه القربان قال :
لأقتلنك ( من الآية ٢٧ سورة المائدة ).
فماذا كان رد الذي تلقى التهديد ؟ قال :
لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين٢٨ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ٢٩ فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ٣٠ ( سورة المائدة ).
ما معنى " طوعت له " ؟ طوعت يعني : جعلته في استطاعة، وعندما نمعن النظر في " فطوعت له نفسه " نجد أن " الهاء " تشير إليه هو، وذلك يدل على أن الإنسان فيه ملكات متعددة ؛ ملكة تقول : اقتله، وملكة أخرى تقول له : لا تقتله. ضميره يقول له : لا تفعل، والنفس الأمارة بالسوء تقول له : اقتل، ويكون هو مترددا بين الأمرين.
وقوله الحق : فطوعت له دليل على أن نفسه كانت متأبية عليه، لكن النفس الأمارة بالسوء ظلت وراءه بالإلحاح حتى أن نفسه الفاعلة طوعت له أن يقتل أخاه، ومع أن نفسه طوعت له أن يقتل أخاه إلا أنه أصبح بعد ذلك من النادمين، وبعدما أخذ شهوته من القتل ندم، ويأتي هذا الندم على لسانه :
يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين ( من الآية ٣١ سورة المائدة ).
أنت الذي قتلته، لكنك أصبحت من النادمين. لماذا ؟ لأن ملكات الخير دائما تصعد عمل الخير وتحبط عمل الشر. والإنسان قد يبدأ شريرا، وإن كانت ملكاته ملكات خير غالبة، فهو ينزل من هذا الشر العالي ويخففه، وإن كانت ملكات الشر غالبة فهو يبدأ في الشر قليلا ثم يصعده، فيقول في نفسه : فلان فعل في كذا وأريد أن أصفعه صفعة، وبعد ذلك قد يرفع من شره فيقول :" أو أضربه ضربة ". لكن إذا ما كان الإنسان خيرا، فيقول :" فلان كاد لي، أريد أن أضربه رصاصة أو أضربه صفعتين أو أوبخه " إنه ينزل من الشر ويصعد من الخير. كما في قصة سيدنا يوسف وإخوته حين قالوا :
إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين ٨ اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين ٩ قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيا بات الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين ١٠ ( سورة يوسف ).
إنهم أسباط، وأولاد النبي يعقوب، فيقللون من الشر، ويخففونه مباشرة قائلين : أو اطرحوه أرضا يعني يلقونه في أرض بعيدة، إذن فخففوا القتل في نفس واحد، كيف تم هذا الانتقال من القتل إلى اطرحوه أرضا ؟ ثم خففوا الأمر ثانية حتى لا يأكله سبع أو يتوه، فقالوا : وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة .
إذن فقوله : ومن لم يستطع منكم أي من لم يستطع دخول الشيء في طوعه أو أن تطوله يداه، وهذا هو المقصود بالطول، " فطالته يده " يعني صار في استطاعته، وفلان تطول علي، أي تفضل على بشيء، " وفلان تطاول علي " أي ما كان يصح أن يجترئ علي، وكلها من الطول، و " طولا " : تعني قدرة تطول بها الزواج بمن تحب، أي أنت لا تملك مالا ولا تستطيع الطول، فهناك مرحلة أخرى، لا داعي للحرة لأن مهرها غال غالبا ؛ فخذ من الإماء الأسيرات لأن مؤنتهن ونفقتهن خفيفة، وليس لها عصبة ولا أهل يجادلونك في المهر، فقال : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات .. والذي نلمحه في الآية. أن نكاح ما ملكت اليمين يكون لغير مالكها ؛ لأن مالكها لا يحتاج ذلك، إنه يستمتع بها ويتغشاها ؛ لأنها ملك يمينه وليست مملوكة للغير.
إذن فقد أباح الله للمسلم أن ينكح مما ملكت يمين غيره على شرط أن يكون ذلك بإذن مولاها ؛ لأنها بالزواج تقتطع جزءا من وقتها وخدمتها لمن يملك رقبتها، فلا بد أن يستأذن حتى يكون أمر انقطاعها إلى الزوج في بعض خدماته مما هو معلوم لأوليائهن، وأمر أيضا سبحانه ألا نستهين بأنها مملوكة ومهينة فلا نأتيها مهرها. بل يجب أن يؤدي لهؤلاء مهورهن بما يعرف، أي بالمتعارف عليه ؛ لأن ذلك عوض البضع، فإذا كان الحق قد أمر بأن نستأذن مواليهن وأمر بأن نأتيهن أجورهن، هنا بعض الإشكال لأن المملوكة لا تملك ؛ لأن العبد وما ملكت يداه لسيده.
نقول له : نعم، ولكن إذا قلت : العبد وما ملكت يداه لسيده فلا بد أن تحقق لها ملكا أولا ثم يكون ما تملكه لسيدها.. أ ما أن تتعداها وتعطي المال لسيدها فإنها في هذه الحالة لم يتحقق لها مهر، فقولك : العبد وما ملكت يداه، أي أعطها فترة وفرصة لتكون مالكة بأن تعطى الأجر تكريما لها، أما كون مالها لسيدها فهذا موضوع آخر. وبعد ذلك تذهب لتتزوجها إن ذلك يصح، فهل نفهم من ذلك أنك إن استطعت طولا لا تنكح الإماء ؟ لا. وهل هذا يقلل من شان الإماء ؟ لا. لماذا ؟ انظر للحكم العالية التي لا يقولها إلا رب.
الله يريد أن يصفي مسألة الرق، فحين يأتي واحد ويتزوج أمة مملوكة لغيره فأولادها يتبعونها في الرق. فالأولاد في الدين تتبع خير الأبوين، وفي الحرية والرق يتبع الأولاد الأم، فإذا ما تزوج إنسان أمة مملوكة لغيره فأولادها الذين سيأتون يكونون عبيدا. وحين يتركها لسيدها ويتزوج غيرها من الحرائر، فمن تلده من سيدها يكون حرا، إذن فسبحانه يريد أن يصفي الرق، هذه واحدة، الشيء الآخر أن الزواج : التقاء الذكر بالأنثى ليكونا نواة أسرة، فإذا ما كان الزوج والزوجة أكفاء. فالزوج لا يجد في نفسه تعاليا على الزوجة، والزوجة لا تجد في نفسها تعاليا على الزوج ؛ لأن كل واحد منهما كفء للآخر، وهذه تضمن اتزان الحياة واتزان التعامل، لكن حين يتزوج واحد أمة ليس لها أهل فقد يستضعفها وقد يستعلي عليها. وقد يذلها. وقد يعيرها، وحين يكون لها أولاد قد يقولون لهم : ليس لكم خال مثلا. والمشرع يريد أن يبني حياة أسرية متزنة، ولذلك اشترط الكفاءة، وقال :
والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين ( من الآية ٢٦ سورة النور ).
وبعض من الناس تفهم عندما ترى طيبة فلا بد أن يتزوجها رجل طيب، نقول لهم : إن هذا تشريع والتشريع تكليف وعرضة أن يطاع وعرضة أن يعصى، فسبحانه حين يشرع أن الطيبات يكن للطيبين والخبيثات للخبيثين، فإن طبقتم التشريع تكون المسائل مستقيمة، وهذا يحمل الرد على من يقولون : مادام ربنا يقول : الطيبات للطيبين فكيف يتزوج فلان بفلانة وأحدهما طيب والآخر خبيث ؟.
ونقول : إن هذا الحكم ليس في قضية كونية حادثة، بل هو قضية تشريعية تقتضي منا أن نتبعه وأن نجعل الطيبين للطيبات والخبيثين للخبيثات ليتحقق التوازن. فإن كان خبيثا وقال لها : أنت كذا وكذا تقول له : أنت كذا وكذا. فلا يقول هذه كي لا تقول له مثلها، أما الإنسان الطيب فهو يلين جانبه مرة وهي طيبة وتلين جانبها مرة.
ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات كلمة " المحصنات " : تعني هنا الحرائر ؛ لأنها لو كانت متزوجة فلن تكون محل تزويج لآخر. فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات وكلمة " فتى " نطلقها في الحر على من له فتوة وشباب، ونطلق كلمة فتاة على أي أمة ولو كانت عجوزا، وعلمنا رسول الله ألا نقول : هذا عبدي وهذه أمتي. وإنما نقول :" فتاي " و " فتاتي ".
فمن ما ملكت أيمانكم . ويتساءل البعض : وهل يتزوج الإنسان ممن يملكها ؟ نقول له : لا. إنها حلال له فهي مملوكة له ملك يمين ويستطيع أن يكون له منها ولد، إذن فتكون ما ملكت أيمان غيركم، لأن الله يخاطب المؤمنين على أنهم وحدة بنيانية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضهم بعضا " (١).
ويقول الحق :
ولا تلمزوا أنفسكم ( من الآية ١١ سورة الحجرات ).
ويقول في موضع آخر :
فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ( من الآية ٦١ سورة النور ).
فهل يسلم المؤمن على نفسه أو يسلم على من دخل عليهم ؟.
إن الحق يريد بالتشريع أن يجعل المؤمنين كالجسد الواحد، ولذلك قال أيضا : ولا تقتلوا أنفسكم ( من الآية ٢٩ سورة النساء ).
أي لا تقتلوا غيركم، والمعنى هو أن الوحدة الإيمانية يجب أن تجعلنا متكاثفين في وحدة.
فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم . وقد تقول :
إن إيمان ملك اليمين ضعيف وتجعلها علة. يقول لك الحق : لا والله أعلم بإيمانكم ولعل أمة خير في الإيمان منك ؛ لأن هذه مسألة دخائل قلوب، وأنت يكفيك أن تعلم الظاهر.
والحق سبحانه وتعالى حين يعالج الأمر يعالجه معالجة رب. يعلم واقع ما خلق ويعطي كل مطلوبات المخلوق، هو أولا أوضح : أنتم إن كنتم لا تستطيعون طولا أن تنكحوا المحصنات فانكحوا الإماء، وهذا من أجل مزيد من تصفية الرق.
بعد ذلك يقول : والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فإن كنت ستتزوج يجب أن تجعل نصب عينيك أمرا هو : أن بعضكم من بعض . أي أنكم جميعا من آدم. وما دمت قد آمنت، فالإيمان سوى بينكم، فإذا ذهبت لتتزوج فلا بد أن تضع هذا نصب عينيك، إنه سبحانه يعالج واقعا.
ويقول بعد ذلك : فانكحوهن بإذن أهلهن . وهذا إشعار بأن من تحت يده فتاة بملك يمينه فعليه أن يعاملها معاملة الأهل ليعوضها عما فقدته عند أهلها هناك، ولتشعر أنها في حضانة الإسلام مثلما كانت في حضانة أهلها وآبائها أو أكثر.
إذن فالذي يملك لا بد أن يجعل نفسه من الأهل، وبذلك يزيد الحق سبحانه وتعالى من أبواب تصفية الرق، وأوضح : فإن لم يدخل واحد منكم من يملكه في هذه المصافي فسوف يبقيه رقيقا، وإذن فعليه أن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه ما لا يطيق، فإن كلفه ما لا يطيق فيدك بيده. وعندما يوجد معك إنسان تلبسه من لبسك وتطعمه من أكلك، وعندما يعمل عملا يصعب عليه فأنت تساعده، فأي معاملة هذه ؟ إنها معاملة أهل.
انظر كم مسألة يعالجها الحق : يعالج طالب الزواج ويعالج المملوكة، ويعالج السادة، إنه تشريع رب الجميع. فلا يشرع لواحد على حساب آخر. ومادامت ملك يمين ولها سيد فهذا السيد له مصالح لا بد أن تستأذنه، فقد لا يستطيع أن يستغني عنها لأنها تخدمه، فقال : بإذن أهلهن ، لكن في المهور قال " فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف فالأمة تنكح بإذن من يملكها كي يعرف أن هناك من دخل شريكا له في العملية ويأخذ البضع وهو الزوج، وحين يستأذن السيد ويزوجها فهو يعلم أنها لم تعد له، وبذلك لن يأخذها أحد من خلف ظهره، وهو بالاستئذان والتزويج يرتب نفسه على أن البضع قد أغلق بالنسبة له، وبقيت له ملكية الرقبة. أما ملك البضع فهو للزوج.
وآتوهن أجورهن بالمعروف فإياكم أن تقولوا
تفسير الشعراوي
الشعراوي