تفسير سورة سورة الإسراء
محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي (ت 1412 هـ)
« ذكر الأحاديث الواردة في الإسراء »
قال الإمام البخاري، عن أنس بن مالك، يقول :« ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة، إنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم : أيهم هو؟ فقال أوسطهم : هو خيرهم، فقال آخرهم : خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة فلم يرهم، حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه - وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم - فلم يكلموه حتى احتملوه، فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشو إيماناً وحكمة فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه - ثم أطبقه، ثم عرج به إلى السماء الدنيا فضرب باباً من أبوابها فناداه أهل السماء من هذا؟ فقال : جبريل، قالوا : ومن معك؟ قال : معي محمد، قالوا : وقد بعث إليه؟ قال : نعم. قالوا : فمرحباً به وأهلاً. يستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلم عليه ورد عليه، آدم، فقال : مرحباً وأهلاً بابني، نعم الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال :» ما هذان النهران يا جبريل؟ قال : هذان النيل والفرا عنصرهما، ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤل وزبرجد، فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر، فقال : ما هذا يا جبريل؟ قال : هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك، ثم عرج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الملائكة الأولى من هذا؟ قال جبريل، قالوا : ومن معك؟ قال : محمد ﷺ، قالوا : وقد بعث إليه؟ قال : نعم، قالوا : مرحباً به وأهلاً، ثم عرج به إلى السماء الثالثة فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية. ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء السادسة، فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السماء السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله تعالى، فقال موسى : رب لم أظن أن ترفع علي أحداً.
ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله عزَّ وجلَّ، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه فيما يوحي خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هب به حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى فقال : يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟ قال :« عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة ». قال إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، فعلا ربه إلى الجبار تعالى وتقدس، فقال وهو في مكانه :« يا رب خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا »، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال : يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجساداً وقلوباً وأبداناً وأبصاراً وأسماعاً، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي ﷺ إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال :« يا رب إن أمتي ضعفاء، أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم، فخفف عنا، فقال البجار تبارك وتعالى : يا محمد! قال :» لبيك وسعديك «، قال : إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب، فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى، فقال : كيف فعلت؟ فقال :» خفف عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها «، قال موسى : قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضاً، قال رسول الله ﷺ :» يا موسى قد والله استحييت من ربي عزَّ وجلَّ مما اختلف إليه «. قال فاهبط باسم الله. قال واستيقظ وهو في المسجد الحرام »
وقال قال الحافظ البيهقي : في حديث شريك زيادة تفرد بها على مذهب من زعم أنه ﷺ رأى الله عزَّ وجلَّ، يعني قوله : ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى. قال : وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل أصح. وهذا الذي قاله البيهقي رحمه الله في هذه المسألة هو الحق، فإن أبا ذر قال :« يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال :» نور أنى أراه « وفي رواية :» رأيت نوراً « أخرجه مسلم، وقوله :﴿ ثُمَّ دَنَا فتدلى ﴾ [ النجم : ٨ ] إنما هو جبريل عليه السلام كما ثبت ذلك في » الصحيحين « عن عائشة أم المؤمنين، وعن ابن مسعود، وكذلك هو في » صحيح مسلم « عن أبي هريرة، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا.
وقال الإمام أحمد، عن أنس بن مالك » أن رسول الله ﷺ قال :« أتيت بالبراق وهو دابة، أبيض، فوق الحبمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل : أصبت الفطرة، قال : ثم عرج بي إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل، فقيل له من أنت؟ قال : جبريل، قيل : ومن معك؟ قال : محمد، قيل : وقد أرسل إليه؟ قال : قد أرسل إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت؟ قال : جبريل، قيل : ومن معك؟ قال : محمد، قيل : وقد أرسل إليه؟ قال : قد أرسل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى، فرحبا بي ودعوا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل له : من أنت؟ قال : جبريل، قيل : ومن معك؟ قال : محمد، قيل : وقد أرسل إليه؟ قال : قد أرسل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف عليه السلام وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت؟ قال : جبريل، فقيل : ومن معك؟ قال : محد، فقيل : وقد أرسل إليه؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم يقول تعالى ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ﴾ [ مريم : ٥٧ ]، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت؟ قال : جبريل، فقيل : ومن معك؟ قال : محمد، فقيل : قد أرسل إليه؟ قال : قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت؟ قال : جبريل، قيل : ومن معك؟ قال : محمد، فقيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى عليه السلام، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل : من أنت؟ قال : جبريل، قيل : ومن معك؟ قال : محمد، فقيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه.
ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن يصفها من حسنها، قال : فأوحى الله إليّ ما أوحى، وقد فرض عليّ في كل يوم وليلة، خمسين صلاة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، قال : ما فرض ربك على أمتك؟ قلت : خمسين صلاة في كل يوم وليلة، قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال فرجعت إلى ربي فقلت : أي رب خفف عن أمتي، فحط عني خمساً، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فقال : ما فعلت، فقلت : قد حط عني خمساً، فقال : إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال : فلم أزل أرجع إلى ربي وبين موسى، ويحط عني خمساً خمساً حتى قال : يا محمد هن خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حنسة فإن عملها كتبت عشراً، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب فإن عملها كتبت سيئة واحدة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فقال رسول الله ﷺ :» لقد رجعت إلى ربي حتى استحييت «.
قال الإمام أحمد، عن أنَس بن مالك : إن مالك بن صعصعة حدثه، أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به قال :« » بينما أنا في الحطيم - وربما قال قتادة في الحجر - مضطجعاً إذ أتاني آت، فجعل يقول لصاحبه : الأوسط بين الثلاثة، قال : فأتاني فشقّ ما بين هذه إلى هذه «، أي من ثغرة نحره إلى شعرته، » فاستخرج قلبي، قال : فأتيت بطست من ذهب مملوء إيماناً وحكمة، فغسل قلبي ثم حشا ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض «. قال، فقال الجارود : هو البراق يا أبا حمزة؟ قال : نعم يقع خطوه عند أقصى طرفه، قال :» فحملت عليه فانطلق بي جبريل عليه السلام حتى أتى بي إلى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل : ما هذا، قال : جبريل، قيل : ومن معك؟ قال : محمد، قيل : أو قد أرسل إليه؟ قال : نعم، فقيل : مرحباً به ولنعم المجيء جاء، قال : ففتح لنا، فلما خلصت فإذا فيها آدم عليه السلام. قال : هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال : مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، فقيل : من هذا؟ فقال : جبريل، قيل : ومن معك؟ قال : محمد، قيل : أو قد أرسل إليه؟ قال : نعم، قيل : مرحباً به ولنعم المجيء جاء، قال : ففتح لنا، فلما خلصت فإذا عيسى ويحيى وهما ابنا الخالة، قال : هذان يحيى وعيسى فسلم عليهما، قال : فسلمت فردا السلام، ثم قالا : مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الثالثة فاستفتح، فقيل : من هذا؟ قال : جبريل، قيل : ومن معك؟ قال : محمد، قيل : أو قد أرسل إليه؟ قال : نعم، قيل : مرحباً به ولنعم المجيء جاء، قال : ففتح لنا، فلما خلصت إذ يوسف عليه السلام، قال : هذا يوسف، قال : فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال : مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح، فقيل : من هذا؟ قال : جبريل، قيل : ومن معك؟ قال : محمد، قيل : قد أو قد أرسل إليه؟ قال : نعم، قيل : مرحباً به ولنعم المجيء جاء، قال : ففتح لنا، فلما خلصت فإذا إدريس عليه السلام، قال : هذا إدريس، قال : فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال : ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، فقيل : من هذا؟ قال : جبريل، قيل : ومن معك؟ قال : محمد، قيل : أوقد أرسل إليه؟ قال : نعم، قال : مرحباً بك ولنعم المجيء جاء، ففتح لنا، فلما خلصت فإذا هارون عليه السلام، قال : هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال : مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال : ثم صعد حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، فقيل : من هذا؟ قال : جبريل، فقيل : ومن معك؟ قال : محمد، قيل : أوقد أرسل إليه؟ قال : نعم، قيل : مرحباً به ولنعم المجيء جاء، ففتح لنا، فلما خلصت فإذا أنا بموسى عليه السلام، قال : هذا موسى عليه السلام فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال : مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال : فلما تجاوزته بكى، قيل : ما يبكيك؟ قال : أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، قال : ثم صعد حتى أتى السماء السابعة فاستفتح، قيل : من هذا؟ قال : جبريل، قيل : ومن معك؟ قال : محمد، قيل : أو قد بعث إليه؟ قال : نعم، قيل : مرحباً به ولنعم المجيء، جاء، قال : ففتح لنا، فلما خلصت فإذا إبراهيم عليه السلام، فقال : هذا إبراهيم فسلم عليه، قال : فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال : مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، قال : ثم رفعت إلى سدرة انتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، فقال : هذه سدرة المنتهى، قال : وإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت : ما هذا يا جبريل؟ قال : أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، قال : ثم رفع إليّ البيت المعمور «.
قال البخاري، عن أنس بن مالك قال : كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال :« فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا، فلما جئت إلى السماء قال جبريل لخازن السماء : افتح، قال : من هذا؟ قال : جبريل، قال : هل معك أحد؟ قال : نعم معي محمد ﷺ، فقال : أرسل إليه؟ قال : نعم، فلما فتح علونا السماء الدنيا فإذا رحل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال : مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح. قال : قلت لجبريل : من هذا؟ قال : هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه. فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضك، وإذا نظر عن شماله بكى، ثم عرج بي إلى السماء الثانية، فقال لخازنها : افتح، فقال له خازنها مثل ما قاله له لالأول ففتح »، قال أنس : فذكر أنه قد وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة. قال أنس : فلما مر جبريل والنبي ﷺ بإدريس، قال : مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، فقلت من هذا؟ قال : إدريس، ثم مر بموسى فقال : مرحباً : بالنبي الصالح والأخ الصالح، فقلت : من هذا، قال : هذا موسى، ثم مررت بعيسى، فقال : مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت : من هذا؟ قال : هذا عيسى، ثم مررت بإبراهيم، فقال : مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت : من هذا؟ قال : هذا إبراهيم، قال الزهري : فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حية الأنصاري كانا يقولان، قال النبي ﷺ :« ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام ». قال ابن حزم وأنس بن مالك، قال رسول الله ﷺ :« ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى عليه السلام، فقال : ما فرض الله على أمتك؟ قلت : فرض خمسين صلاة، قال موسى : فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت فوضع شطرها فرجعت إلى موسى قلت : وضع شطرها، فقال أرجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت فوضع شطرها فرجعت إليه، فقال : ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجعته فقال : هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى فقال : ارجع إلى ربك، قلت قد استحييت من ربي، ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبائل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك ».
روى الإمام الترمذي، عن جبير بن نفير، عن شداد بن أوس قال، يا رسول الله، كيف أسري بك؟ قال :« صليت لأصحابي صلاة العتمة بمكة معتماً، فأتاني جبريل عليه السلام بدابة أبيض - أو قال بيضاء - فوق الحمار ودون البغل، فقال : اركب، فاستصعب علي، فرازها بأذنها. ثم حملني عليها. فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث انتهى طرفها حتى بلغنا أرضاً ذات نخل فأنزلني. فقال : صلِّ، فصليت، ثم ركبت، فقال : أتدري أين صليت؟ قلت : الله أعلم، قال : صليت بيثرب، وصليت بطيبة، فانطلقت تهوي بنا، يقع حافرها عند منتهى طرفها، ثم بلغنا أرضاً، قال : انزل، ثم قال : صلِّ، فصلَّيت، ثم ركبنا، فقال : أتدري أين صليت؟ قلت : الله أعلم، قال : صليت بمدين عند شجرة موسى، ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضاً بدت لنا قصور، فقال : انزل فنزلت، فقال : صلِّ، فصلَّيت، ثم ركبنا، فقال : أتدري أين صليت؟ قلت : الله أعلم، قال : صليت ببيت لحم، حيث ولد عيسى ابن مريم، ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني، فأتى قبلة المسجد فربط فيه دابته ودخلنا المسجد من باب تميل فيه الشمس والقمر، فصليت من المسجد حيث شاء الله، وأخذني من العطش أشد ما أخذني، فأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر عسل أرسل إليّ بهما جميعاً، فعدلت بينهما ثم هداني الله عزَّ وجلَّ فأخذت اللبن فشربت حتى عرقت به جبيني، وبين يدي شيخُ متكئ على مثوات له، فقال : أخذ صاحبك الفطرة إنه ليهدى، ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي فيه المدينة فإذا جهنم تنكشف عن مثل الروابي، قلت : يا رسول الله كيف وجدتها؟ قال : وجدتها مثل الحمة السنخة، ثم انصرف بين فمررنا بعير لقريش بمكان كذا وكذا قد أضلوا بعيراً لهم قد جمه فلان فسلمت عليهم، فقال بعضهم : هذا صوت محمد، ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة، فأتاني أبو بكر رضي الله عنه، فقال : يا رسول الله أي كنت الليلة فقد التمستك في منامك، فقد علمت أنك أتيت بيت المقدس الليلة، فقال يا رسول الله إنه مسيرة شهر فصفه لي. قال : ففتح لي صراط كأني أنظر إليه لا يسألني عن شيء إلاّ أنبأته. فقال أبو بكر : أشهد أنك لرسول الله، وقال المشركون : انظروا إلى ابن أبي كبشه يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة! قال : فقال : إن من آية ما أقول لكم أني مررت بعير لكم في مكان كذا وكذا، وقد أضلوا بعيراً لهم فجمعه لهم فلان، وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم بكذا، ويأتونكم يوك كذا وكذا، يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود وغرارتان سوداوان، فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حين كان قريباً من نصف النهار، حتى أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله ﷺ ».
« رأيت ليلة أسري بي لما انتهيت إلى السماء السابعة، فنظرت فوق، فإذا رعد وبرق وصواعق، قال : وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فقلت : من هؤلاء يا جبريل؟ قال : هؤلاء آكلوا الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا نظرت أسفل مني فذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت : من هؤلاء يا جبريل؟ قال : هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم لا يتفكرون في ملكوت السماوات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب »
فصل
وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، وأنه مرة واحدة، قال الزهري : كان الإسراء قبل الهجرة والحق أنه عليه السلام أسري به ( يقظة ) لا ( مناماً ) من مكة إلى بيت المقدس راكباً على البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتي بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مرّ بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتيهما ﷺ وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام. أي أقلام القدر، بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة. وغشيتها الملائكة، ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح، ورأى رفرفاً أخضر قد سد الأفق. ورأى البيت المعمور وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسنداً ظهره إليه لأنه الكعبة السماوية، يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. ورأى الجنة والنار وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفاً بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح يومئذٍ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه لأنه لما مرّ بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحداً واحداً وهو يخبره بهم. وهذا هو اللائق، لأنه كان أولاً مطلوباً إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به هو وإخوته من النبيين، ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام له في ذلك. ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس والله سبحانه وتعالى أعلم.
ثم اختلف الناس هل كان الإسراء ببدنه عليه السلام وروحه أو بروحه فقط؟ على قولين، فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظه لا مناماً. ولا ينكرون أن رسول الله ﷺ رأى قبل ذلك مناماً ثم رآه بعد ذلك يقظه لأنه كان عليه السلام لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، والدليل على هذا قوله تعالى :﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾.
فائدة :
وقد ذكر حديث الإسراء، من طريق أنس، وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء، عن عمر بن الخطاب، وعلي، وابن مسعود، وأبي ذر، ومالك بن صعصعة، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وشداد بن أوس، وأُبي بن كعب وعبد الله بن عمرو، وجابر، وحذيفة، وأبي أيوب، وأبي أمامة، وسمرة بن جندب، وصهيب الرومي، وأم هانئ، وعائشة، وأسماء رضي الله عنهم أجمعين، منهم من ساقه بطوله ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد. وإن لم تكن الرواية بعضهم على شرط الصحة، فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون وأعرض عن الزنادقة والملحدون ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ والله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ [ الصف : ٨ ].
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
مسألة
بقي هاهنا قد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى فيها قديماً وحديثاً، هي الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار ماذا حكمهم! وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف، ومن مات في الفترة ولم تبلغه دعوته. وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا أذكرها لك بعون الله وتوفيقه، ثم نذكر فصلاً ملخصاً من كلام الأئمة في ذلك والله المستعان. ( فالحديث الأول ) : رواه الإمام أحمد عن الأسود بن سريع أن رسول الله ﷺ قال :« أربعة يحتجون يوم القيامة : رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول رب قد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول : رب قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر. وأما الهرم فيقول لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول : رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً ».
( الحديث الثاني ) : عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال :« سئل رسول الله ﷺ عن أطفال المسلمين، قال :» هم مع أبائهم «، وسئل عن أولاد المشركين. فقال :» هم مع آبائهم «، فقيل : يا رسول الله ما يعملون؟ قال :» الله أعلم بهم «.
( والجواب ) عما قال : إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثيرر من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها. وأما قوله : إن الدار الآخرة دار جزاء فلا شك أنها دار جزاء ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنّة والجماعة من أمتحان الأطفال. وقد قال تعالى :﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود ﴾ [ القلم : ٤٢ ] الآية. وقد ثبت في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأن المنافق لا يستطيع ذلك ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقاً واحداً، كلما أراد السجود خر لقفاه. وفي « الصحيحين » في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجاً منها، أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مراراً، ويقول الله تعالى : يا ابن آدم ما أغدرك! ثم يأذن له في دخول الجنة، وأما قوله : فكيف يكلفهم الله دخول النار وليس ذلك في وسعهم، فليس هذا بمانع من صحة الحديث، فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحد من السيف وأدق من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق وكالريح، وكأجاويد الخيل، والركاب، ومنهم الساعي ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم المكدوش على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظ ممن هذا بل هذا أطم وأعظم. وأيضاً فقد ثبتت السنّة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار فإنه يكون عليه برداً وسلاماً، فهذا نظير ذاك، وأيضاً فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فقتل بعضهم بعضاً حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفاً، يقتل الرجل أباه وأخاه وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل، وهذا أيضاً شاق على النفوس جداً لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم.
فصل
إذا تقرر هذا، فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال، ( أحدها ) : أنهم في الجنة، واحتجوا بحديث سمرة أنه عليه السلام رأى مع إبراهيم عليه السلام أولاد المسلمين وأولاد المشركين، ( والقول الثاني ) : أنهم مع آبائهم في النار : واستدل عليه بما روي « عن عبد الله بن أبي قيس، أنه أتى عائشة فسألها عن ذراري الكفار فقالت، قال رسول الله ﷺ :» هم تبع لآبائهم «. فقلت : يا رسول الله بلا أعمال؟ فقال :» الله أعلم بما كانوا عاملين « ( والقول الثالث ) : التوقف فيهم، واعتمدوا على قوله ﷺ :» الله أعلم بما كانوا عاملين « وهو في » الصحيحين «، ومنهم من جعلهم من أهل الأعراف، وهذا القول يرجع إلى من ذهب إلى أنهم من أهل الجنة، لأن الأعراف ليس دار قرار، ومآل أهلها إلى الجنة، كما تقدم تقرير ذلك في سورة الأعراف، والله أعلم، وليعلم أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين، فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء أنهم من أهل الجنة، وهذا هو المشهور بين الناس وهو الذي يقطع به إن شاء الله عزَّ وجلَّ.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
ففي كل شيء له آية... تدل على أنه واحد
﴿ تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً * أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً ﴾ [ مريم : ٩٠-٩١ ]. وقوله :﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ أي وما من شيء من المخلوقات إلاّ يسبح بحمد الله ﴿ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ أي لا تفهمون تسبيحهم لأنها بخلاف لغاتكم، وهذا عام في الحيوانات والجمادات والنباتات، كما ثبت في « صحيح البخاري » عن ابن مسعود أنه قال : كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل، وفي حديث أبي ذر « أن النبي ﷺ أخذ في يده حصيات فسمع لهن تسبيح كحنين النحل »، وكذا في يد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم. وقال الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه دخل على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم :« اركبوها سالمة ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكراً لله منه » وفي « سنن النسائي » عن عبد الله بن عمرو قال :« نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع، وقال : نقيقها تسبيح » وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ :« ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً عليه السلام قال لابنه : يا بني آمرك أن تقول سبحان الله فإنها صلاة الخلق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق »، قال الله تعالى :﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾. وقال عكرمة في قوله تعالى :﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ قال : الأسطوانة تسبح. والشجرة تسبح. وقال بعض السلف : صرير الباب تسبيحه، وخرير الماء تسبيحه.
وقال آخرون : إنما يسبح من كان فيه روح من حيوان ونبات. قال قتادة في قوله :﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ قال : كل شيء فيه روح يسبح من شجر أو شيء فيه، وقال الحسن والضحّاك : كل شيء فيه الروح وقد يستأنس لهذا القول بحديث ابن عباس. أن رسول الله ﷺ مرّ بقبرين فقال :« إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة »، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين. ثم غرز في كل قبر واحدة ثم قال « لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا »
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقوله :﴿ وَيَقُولُونَ متى هُو ﴾ إخبار عنهم بالاستبعاد منهم لوقوع ذلك كما قال تعالى :﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [ يونس : ٤٨ ]، وقال تعالى :﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا ﴾ [ الشورى : ١٨ ]، وقوله :﴿ قُلْ عسى أَن يَكُونَ قَرِيباً ﴾ أي احذروا ذلك فإنه قريب إليكم سيأتيكم لا محالة، فكل ما هو آت قريب، وقوله تعالى :﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ ﴾ أي الرب تبارك وتعالى، ﴿ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأرض إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ [ الروم : ٢٥ ] : أي إذا أمركم بالخروج منها فإنه لا يخالف ولا يمانع، بل كما قال تعالى :﴿ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بالبصر ﴾ [ القمر : ٥٠ ] ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [ النحل : ٤٠ ]. وقوله :﴿ فَإِذَا هُم بالساهرة ﴾ [ النازعات : ١٤ ] : أي إنما هو أمر واحد بانتهار، فإذا الناس قد خرجوا من باطن الأرض إلى ظاهرها، كما قال تعالى :﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ﴾ : أي تقومون كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته، قال ابن عباس ﴿ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ﴾ : أي بأمره، وقال قتادة : بمعرفته وطاعته، وقال بعضهم ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ﴾ : أي وله الحمد في كل حال، وقد جاء في الحديث :
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقال الحافظ أبو يعلى في » مسنده « :» لما نزلت ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين ﴾ [ الشعراء : ٢١٤ ] صاح رسول الله ﷺ على أبي قبيس :« يا آل عبد مناف إني نذير » فجاءته قريش فحذرهم وأنذرهم، فقالوا : تزعم أنك نبي يوحى إليك وإن سليمان سخر له الريح والجبال، وإن موسى سخر له البحر، وإن عيسى كان يحيى الموتى، فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال، ويفجر لنا الأرض أنهاراً فتتخذ محارث فنزرع ونأكل، وإلاّ فادع الله أن يحيي لنا موتانا لنكلمهم ويكلمونا، وإلاّ فادع الله أن يصير لنا هذه الصخرة التي تحتك ذهباً فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم. قال : فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي فلما سري عنه قال :« والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم، ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة فلا يؤمن منكم أحد. فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنه يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين »، ونزلت :﴿ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون ﴾، وقرأ ثلاث آيات، ولهذا قال تعالى :﴿ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات ﴾ أي نبعث الآيات ونأتي بها على ما سأل قومك منك، فإنه سهل علينا يسير لدينا، إلاّ أنه قد كذب بها الأولون بعد ما سألوها، وجرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إن كذبوا بها بعد نزولها، كما قال تعالى في المائدة :﴿ قَالَ الله إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فإني أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ العالمين ﴾
وقوله تعالى :﴿ وَمَا نُرْسِلُ بالآيات إِلاَّ تَخْوِيفاً ﴾ قال قتادة : إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون، ويذكرون ويرجعون، ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود رضي الله عنه، فقال : يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه، وهكذا روي أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرات، فقال عمر أحدثتم والله لئن عادت لأفعلن ولأفعلن، وفي الحديث المتفق عليه :« إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله عزَّ وجلَّ يخوف بهما عباده؛ فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره - ثم قال - يا أمة محمد والله ما أحد أغيرَ من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ».
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قال ابن جرير : وأولى الأقوال بالصواب أن يقال كل مولود ولدته أنثى عصي الله فيه بتسميته بما يكرهه الله، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، أو بقتله أو وأده، أو غير ذلك من الأمور التي يعصى الله بفعله بهن فقد دخل في مشاركة إبليس فيه لأن الله لم يخصص بقوله :﴿ وَشَارِكْهُمْ فِي الأموال والأولاد ﴾ معنى الشركة فيه، بمعنى دون معنى، فكل ما عصي الله فيه أو به، أو أطيع الشيطان فيه أو به فهو مشاركة. وهذ الذي قال متجه. وكل من السلف رحمهم الله فسر بعض المشاركة، وفي « الصحيحين » أن رسول الله ﷺ قال :« لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبداً »
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً ﴾ [ النساء : ٤١ ]، ولكن المراد هاهنا بالإمام هو كتاب الأعمال، ولهذا قال تعالى :﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فأولئك يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ ﴾ أي من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح يقرؤه ويحب قراءته، كقوله :﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ ﴾ [ الحاقة : ١٩ ] الآيات، وقوله تعالى :﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ الفتيل : هو الخيط المستطيل في شق النواة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ في قول الله تعالى :﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ﴾، قال :« يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤة يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون : اللهم أتنا بهذا، وبارك لنا في هذا، فيأتيهم فيقول لهم : أبشروا فإن لكل رجل منكم مثل هذا، وأما الكافرون فيسود وجهه ويمد له في جسمه، ويراه أصحابه فيقولون : نعوذ بالله من هذا أو من شر هذا، اللهم لا تأتنا به، فيأتيهم فيقولون : اللهم اخزه، فيقول : أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا » وقوله تعالى :﴿ وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى ﴾ أي في الحياة الدنيا ﴿ أعمى ﴾ أي عن حجة الله وآياته وبيناته، ﴿ فَهُوَ فِي الآخرة أعمى ﴾ أي كذلك يكون ﴿ وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ أي وأضل منه كما كان في الدنيا، عياذاً بالله من ذلك.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ أي افعل هذا الذي أمرتك به لنقيمك يوم القيامة مقاماً محموداً، يحمدك فيه الخلائق كلهم، وخالفهم تبارك وتعالى، قال ابن جرير : قال أكثر أهل التأويل، ذلك هو المقام الذي يقومه محمد ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس، ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم، عن حذيفة قال : يجمع الناس على صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، قياماً لا تكلم نفس إلا بإذنه، ينادى : يا محمد
روى البخاري عن ابن عمر قال : إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاء، كل أمة تتبع نبيها يقولون : يا فلان اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى محمد ﷺ، فذلك يوم يبعثه الله مقاماً محموداً، وفي رواية :« إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، فيقول : لست بصاحب ذلك، ثم بموسى فيقول كذلك، ثم بمحمد ﷺ فيشفع بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقه باب الجنة، فيومئذٍ يبعثه الله مقاماً محموداً، يحمده أهل الجمع كلهم »
حديث أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال :« يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيلهمون ذلك، فيقولون : لو شفعنا إلى ربنا فأراحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون : يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول لهم آدم : لست هناكم، ويذكر ذنبه الذي أصاب، فيستحيي ربه عزّ وجلّ من ذلك، ويقول ولكن ائتوا نوحاً فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحاً، فيقول : ليست هناكم، ويذكر خطيئة سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحيي ربه من ذلك، ويقول : ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن فيأتوه، فيقول : ليست هناكم، ولكن ائتوا موسى عبداً كلمه الله وأعطاه التوراة، فيأتون موسى فيقول : لست هناكم، ويذكر لهم النفس التي قتل بغير نفس، فيستحيي ربه من ذلك، ويقول : ولكن ائتوا عيسى، عبد الله وكلمته وروحه، فيأتون عيسى فيقول : لست هناكم، ولكن ائتوا محمداً غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني - قال الحسن هذا الحرف - فأقوم فأمشي بين سماطين من المؤمنين، قال أنَس : حتى استأذن على ربي، فإذا رأيت ربي وقعت له - أو خررت - ساجداً لربي، فيدعني ما يشاء الله أن يدعني، قال، ثم يقال : ارفع محمد، قل تسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه؛ فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه ثانية، فإذا رأيت ربي وقعت له - أو خررت - ساجداً لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال : ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة، قال : ثم أعود الثالثة، فإذا رأيت ربي وقعت - أو خررت - ساجداً لربي فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال : أرفع محمد قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم اجنة ثم أعود الثالثة، فإذا رأيت ربّي وقعت - أو خررت - ساجداً لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال : ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطيه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الرابعة فقال : يا رب ما بقي إلاّ من حبسه القرآن »
( الثاني ) حديث كعب بن مالك رضي الله عنه : عن كعب بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال :« يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي عزّ وجلّ حلة خضراء، ثم يؤذن لي، فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود ».
( الثالث ) حديث أبي الدرداء رضي الله عنه : عن أبي الدرداء. قال : قال رسول الله ﷺ :« أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة. وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه. فأنظر إلى ما بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم. ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك »، فقال رجل : يا رسول الله، كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال :« هم غير محجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى من بين أيديهم ذريتهم ».
( الرابع ) حديث أبي هريرة رضي الله عنه : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتي رسول الله ﷺ بلحم فرفع إليه الذراع. وكانت تعجبه فنهش منها نشهة ثم قال :« أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون ممَّ ذاك؟ فيجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض : ألا ترون ما أنتم فيه مما قد بلغكم. ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض : عليكم بآدم عليه السلام، فيقولون : يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم : ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً فيقولون : يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبداً شكوراً، أشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول نوح : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله قط، وإنه قد كان لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم؛ فيأتون إبراهيم فيقولون : يا إبراهيم أنت نبي اله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قلبه مثله، ولن يغضب بعده مثله، فذكر كذباته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى عليه السلام فيقولون : يا موسى أنت رسول الله، اصطفاك الله برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى، فيقولون : يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبياً، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعد مثله، ولم يذكر ذنباً، نفسي نفسي نفسي، ذاهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ ؛ فيأتون محمداً ﷺ، فيقولون : يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترة ما قد بلغنا؟ فأقوم فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي عزّ وجلّ، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه ما لم يفتح، على أحد قبلي، فيقال : يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول : أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب؟ فيقال : يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال : والذي نفس محمد بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى ».
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقال محمد بن إسحاق، « عن عطاء بن يسار قال : نزلت بمكة ﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً ﴾، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، أتاه أحبار يهود، وقالوا : يا محمد! ألم يبلغنا عنك أنك تقول ﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ أفعنيتنا أم عنيت قومك؟ فقال :» كلاً قد عنيت «، فقالوا : إنك تتلوا أنا أوتينا التوراة، وفيها تبيان كل شيء فقال رسول الله ﷺ :» هي في علم الله قليل وقد أتاكم الله ما إن عملتم به انتفعتم « وأنزل الله :﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
وقوله تعالى :﴿ قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ : أي من شأنه، ومما استأثر بعلمه دونكم، ولهذا قال :﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ أي وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلاّ بما شاء تبارك وتعالى، والمعنى أن علمكم في علم الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من عمله تعالى. وسيأتي إن شاء الله في قصة موسى والخضر، أن الخضر قال : يا موسى ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلاّ كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر، ولهذا قال تعالى :﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً ﴾. وقال السهيلي : قال بعض الناس : لم يجبهم عما سألوا لأنهم سألوا على وجه التعنت، وقيل أجابهم، ثم ذكر السهيلي : الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس أو غيرها، وقرر : أنها ذات لطيفة كالهواء سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وحاصل القول : أن الروح هي أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهي هي من وجه، لا من كل وجه، وهذا معنى حسن والله أعلم.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
فلما قالوا ذلك، قام رسول الله ﷺ عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته عاتكة ابنة عبد المطلب، فقال : يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوفهم به من العذاب، فوالله لا أومن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معي بصحيفة منشورة، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك ». ثم انصرف عن رسول الله ﷺ وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزيناً أسفاً، لما فاته مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه. ولو علم الله منهم أنهم يسألون ذلك استرشاداً لأجيبوا إليه، ولكن علم أنهم إنما يطلبون ذلك كفراً وعناداً، فقيل لرسول الله ﷺ : إن شئت أعطيناهم ما سألوا، فإن كفروا عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال :« بل تفتح عليهم باب التوبة والرحمة » «.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
ولهذا قال موسى لفرعون :﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هؤلاء إِلاَّ رَبُّ السماوات والأرض بَصَآئِرَ ﴾ أي حججاً وأدلة على صدق ما جئتك به، ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يافرعون مَثْبُوراً ﴾ أي هالكاً، قاله مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس : ملعوناً، وقال الضحّاك ﴿ مَثْبُوراً ﴾ : أي مغلوباً، والهالك كما قال مجاهد، شمل هذا كله. ويدل على أن المراد بالتسع الآيات إنما هي ما تقدم ذكره من العصا واليد والسنين ونقص من الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، التي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه، وخوارق ودلائل على صدق موسى ووجود الفاعل المختار الذي أرسله، وقوله :﴿ فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأرض ﴾ أي يخليهم منها ويزيلهم عنها ﴿ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً * وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسكنوا الأرض ﴾، وفي هذا بشارة لمحمد ﷺ بفتح مكة مع أن السورة مكية، نزلت قبل الهجرة وكذلك وقع فإن أهل مكة همّوا بإخراج الرسول منها كما قال تعالى :﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا ﴾ [ الإسراء : ٧٦ ] الآيتين، ولهذا أورث الله رسوله مكة فدخلها عنوة وقهر أهلها ثم أطلقهم حلماً وكرماً، كما أورث الله القوم الذين كانوا يستضعفون من بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها، وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم، كما قال : كذلك وأورثناها بني إسرائيل، وقال هاهنا ﴿ وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسكنوا الأرض فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً ﴾ أي جميعكم أنتم وعدوكم، قال ابن عباس ﴿ لَفِيفاً ﴾ أي جميعاً.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قال ابن جرير، عن محمد بن سيرين، قال : نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر لم تصنع هذا؟ قال : أناجي ربي عزّ وجلّ وقد علم حاجتي، فقيل : أحسنت، وقيل لعمر : لم تصنع هذا؟ قال : أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، قيل : أحسنت، فلما نزلت :﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً ﴾ قيل لأبي بكر : ارفع شيئاً، وقيل لعمر : اخفض شيئاً. وقال عكرمة، عن ابن عباس : نزلت في الدعاء، وقوله :﴿ وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ﴾ لما أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى نزه نفسه عن النقائص، فقال :﴿ وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك ﴾، بل هو الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذل ﴾ أي ليس بذليل فيحتاج إلى أن يكون له ولي، أو وزير أو مشير، بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له، ومدبرها ومقدرها بمشيئته وحده لا شريك له، قال مجاهد في قوله :﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذل ﴾ لم يخالف أحداً، ولم يبتغ نصر أحد، ﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ﴾ أي عظمه وأجلّه عما يقول الظالمون المعتدون علواً كبيراً.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
تم عرض جميع الآيات
95 مقطع من التفسير