تفسير سورة سورة الصافات
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي (ت 489 هـ)
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418ه- 1997م
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
نبذة عن الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورة الصافات وهي مكيةوَعَن بَعضهم: أَن المُرَاد مِنْهُ صُفُوف الْمُسلمين فِي الْجَمَاعَات، وَرُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أَلا تصفون كَمَا تصف الْمَلَائِكَة عِنْد رَبهَا).
وَأشهر الْأَقَاوِيل هُوَ القَوْل الأول، وَالْمَلَائِكَة صُفُوف فِي السَّمَاء يذكرُونَ الله تَعَالَى وَيذكرهُمْ، وَيُقَال: إِن معنى الْآيَة أَن الْمَلَائِكَة تصف أَجْنِحَتهَا إِذا نزلت إِلَى الأَرْض.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا زواجر الْقُرْآن.
وَالْقَوْل الثَّانِي: انهم الْأَنْبِيَاء يَتلون مَا أنزل الله تَعَالَى وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنَّهَا آيَات الْقُرْآن تتلى لذكر الله تَعَالَى.
فَإِن قيل: قد قَالَ فِي مَوضِع آخر ﴿رب الْمشرق وَالْمغْرب﴾ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿رب المشرقين وَرب المغربين﴾ وَقَالَ هَا هُنَا: ﴿رب الْمَشَارِق﴾ فَكيف وَجهه التَّوْفِيق بَين هَذِه الْآيَة وَأَخَوَاتهَا؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: أما قَوْله: ﴿رب الْمشرق وَالْمغْرب﴾ فَالْمُرَاد مِنْهُ الْجِهَة، وللمشرق جِهَة وَاحِدَة، وللمغرب جِهَة وَاحِدَة.
وَأما قَوْله: ﴿رب المشرقين وَرب المغربين﴾ فَالْمُرَاد من المشرقين: مشرق الشتَاء، ومشرق الصَّيف، فَأَما قَوْله: ﴿وَرب الْمَشَارِق﴾ فللشمس مَشَارِق تطلع كل يَوْم من مشرق غير الْمشرق الَّذِي طلعت فِيهِ أمس، وَكَذَلِكَ المغارب، فاستقام على هَذَا وُجُوه الْآيَات.
(مَا لَيْلَة القفير إِلَّا شَيْطَان... )
والقفير: الْبِئْر الْبَعِيدَة القعر،
وَقَوله: ﴿إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى﴾ أَي: الْمَلَائِكَة، وَمعنى الْآيَة: أَنهم لَا يَسْتَطِيعُونَ الِاسْتِمَاع إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى.
وَقَوله: ﴿ويقذفون﴾ أَي: يرجمون، وَقَوله: ﴿من كل جَانب﴾ من جَوَانِب السَّمَاء،
وَقَوله: ﴿وَلَهُم عَذَاب واصب﴾ أَي: دَائِم،
وَقَوله: ﴿فَأتبعهُ شهَاب ثاقب﴾ أَي: شهَاب مضيء، وَقيل: محرق، وَعَن يزِيد الرقاشِي قَالَ: ثاقب أَي: يثقبهم فَينفذ من جَانب آخر، والشهاب: هُوَ النَّجْم هَا هُنَا.
وَقَوله: ﴿إِنَّا خلقناهم من طين لازب﴾ أَي: لاصق، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ لَازم؛ قَالَ الشَّاعِر:
| ﴿وَلَا تحسبون الْخَيْر لَا شَرّ بعده | وَلَا تحسبون الشَّرّ ضَرْبَة لازب﴾ |
وَفِي بعض الْآثَار المسندة عَن شَقِيق بن سَلمَة أَنه قَالَ: كنت عِنْد شُرَيْح؛ فَقَرَأت " بل عجبت ويسخرون " فَقَالَ شُرَيْح: بئس الْقِرَاءَة هَكَذَا، وَالله تَعَالَى لَا يتعجب من شَيْء، وَهُوَ عَالم بالأشياء كلهَا؛ فَقَالَ شَقِيق: قد ذكرت ذَلِك لإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، فَقَالَ إِبْرَاهِيم: إِن شريحا رجل معجب بِعِلْمِهِ، وَعبد الله بن مَسْعُود أعلم مِنْهُ.
فَأَما الْقِرَاءَة بِالنّصب، فَهُوَ خطاب للنَّبِي وَمَعْنَاهُ: بل عجبت من وحينا إِلَيْك، وَقيل: من تكذيبهم إياك مَعَ وضوح الدَّلَائِل.
وَقَوله: ﴿ويسخرون﴾ أَي: يسخرون ويستهزءون بك، وَأما الْقِرَاءَة بِضَم التَّاء فالتعجب من الله لَيْسَ هُوَ مثل التَّعَجُّب من الْآدَمِيّين، وَقد قَالَ الله تَعَالَى فِي مَوضِع آخر: ﴿فيسخرون مِنْهُم سخر الله مِنْهُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الله يستهزئ بهم﴾ فَمَعْنَى قَوْله: ﴿عجبت﴾ أَي: عظم حلمي عَن ذنوبهم، والمتعجب هُوَ الَّذِي يرى مَا يعظم عِنْده، وَقيل: ﴿بل عجبت﴾ أَي: حل فعلهم مَحل مَا يتعجب مِنْهُم.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " عجب ربكُم من شَاب لَيْسَ لَهُ صبوة))
وروى عَن النَّبِي - أَنه قَالَ: ((عجب ربكُم من إِلِّكُمْ وَقُنُوطِكُمْ وَسُرْعَة
| ((وَلم يبْق إِلَّا داخر فِي مخيس | ومنجحر فِي غير أَرْضك فِي جحري)) |
قَوْله: ﴿فَإِذا هم ينظرُونَ﴾ أَي: ينتظرون، وَقيل: ينظر بَعضهم إِلَى بعض.
وَقَوله: ﴿وأزواجهم﴾ أَي: وأشباههم، وَقيل: وقرناءهم، وَيُقَال: وأتباعهم.
وَقَوله: ﴿وَمَا كَانُوا يعْبدُونَ من دون الله﴾ من الْأَصْنَام، وَقَوله تَعَالَى: ﴿فاهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم﴾ أَي: ارشدوهم إِلَى طَرِيق النَّار.
| (إِذا مَا راية رفعت لمجد | تلقاها عرابة بِالْيَمِينِ) |
وَقَوله: ﴿وهم مكرمون﴾ أَي: بإدخالهم الْجنَّة.
| (فَمَا زَالَت الكأس تغتالنا | وتصرع بِالْأولِ الأول) |
وَقَوله: ﴿وَلَا هم عَنْهَا ينزفون﴾ يُقَال: أنزف الرجل إِذا سكر، قَالَ الشَّاعِر:
| (لعمري لَئِن أنزفتم أَو صحوتم | لبئس الندامى كُنْتُم آل أبجرا) |
وَقَوله: ﴿عين﴾ أَي: حسان الْأَعْين، وَفِي التَّفْسِير: الْبيَاض شَدِيد الْبيَاض، والسواد شَدِيد السوَاد، يَعْنِي فِي الْعين.
| (كحلاء فِي بزخ صفراء فِي دعجٌ | كَأَنَّهَا فضَّة قد مَسهَا ذهب) |
وَقَالَ بَعضهم: فِي قَوْله ﴿بيض مَكْنُون﴾ شبههن ببياض الْبَيْضَة عِنْد خُرُوجهَا من قشرتها، وَقيل: شبه بالسحاء الَّذِي بَين القشر الْأَعْلَى وَبَين الْبيَاض.
قَالَ عَطاء الْخُرَاسَانِي: نزلت الْآيَة فِي رجلَيْنِ كَانَا فِي بني إِسْرَائِيل اكتسبا مَالا عَظِيما، وَيُقَال: ورثا مَالا عَظِيما واقتسماه، فأنفق أَحدهمَا نصِيبه على الْفُقَرَاء، وَأما الآخر فَاشْترى بِهِ عقارا ودورا وأثرى، وهما اللَّذَان ذكرهمَا الله تَعَالَى فِي سُورَة الْكَهْف، وَقَالَ بَعضهم: هما أَخَوان سواهُمَا.
وَالْآخر: أَن هَذَا الْمُؤمن يَقُول لإخوانه من أهل الْجنَّة هَل أَنْتُم مطلعون؟
فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿أذلك خير نزلا أم شَجَرَة الزقوم﴾ وَلَا خير فِي شَجَرَة الزقوم أصلا؟
الْجَواب عَنهُ قد سبق وَعَن مثل هَذَا، وَالْعرب تَقول: تعال نَنْظُر الصُّلْح خير أم الْحَرْب، والفقر خير أم الْغنى، وَالصِّحَّة خير أم السقم، وَإِنَّمَا يُرِيد تَقْرِير الْأَمر للمخاطب أَنه لَا خير إِلَّا فِي أَحدهمَا.
وَقَوله: ﴿أم شَجَرَة الزقوم﴾ اخْتلفُوا فِي هَذِه الشَّجَرَة، فالأكثرون أَنَّهَا شَجَرَة لَا يعرف لَهَا مثل فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ قطرب: هِيَ شَجَرَة مرّة خبيثة تكون بتهامة، وَقَالَ بَعضهم: نبت قَاتل.
وَفِي التَّفْسِير: أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة؛ قَالَ أَبُو جهل: هَل تعرفُون الزقوم؟ فَقَالَ عبد الله بن الزبعري: نعم نعرفه؛ هُوَ بِلِسَان البربر الزبدة وَالتَّمْر وَأورد بَعضهم: أَنه بلغَة الْيمن فَقَالَ أَبُو جهل لجاريته: ابغي لنا زبدا وَتَمْرًا، فَجَاءَت بذلك، فَقَالَ: هُوَ الزقوم الَّذِي خوفكم بِهِ مُحَمَّد، فتزقموا؛ فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿إِنَّهَا شَجَرَة تخرج فِي أصل الْجَحِيم﴾ أَي: فِي قَعْر الْجَحِيم.
الجواب عنه قد سبق وعن مثل هذا، والعرب تقول : تعال ننظر الصلح خير أم الحرب، والفقر خير أم الغنى، والصحة خير أم السقم، وإنما يريد تقرير الأمر للمخاطب أنه لا خير إلا في أحدهما.
وقوله :( أم شجرة الزقوم ) اختلفوا في هذه الشجرة، فالأكثرون أنها شجرة لا يعرف لها مثل في الدنيا، وقال قطرب : هي شجرة مرة خبيثة تكون بتهامة، وقال بعضهم : نبت قاتل.
وفي التفسير : أنه لما نزلت هذه الآية ؛ قال أبو جهل : هل تعرفون الزقوم ؟ فقال عبد الله بن الزبعري : نعم نعرفه ؛ هو بلسان البربر الزبدة والتمر وأورد بعضهم : أنه بلغة اليمن فقال أبو جهل لجاريته : ابغي لنا زبدا وتمرا، فجاءت بذلك، فقال : هو الزقوم الذي خوفكم به محمد، فتزقموا ؛ فأنزل الله تعالى ( إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم ) أي : في قعر الجحيم.
وقوله :( طلعها كأنه رءوس الشياطين ) فإن قيل : كيف قال :( طلعها كأنه رءوس الشياطين ) ورءوس الشياطين لم يرها أحد، ولا يجوز التعريف إلا بما يعرف ؟
والجواب عنه : أنه كان مستقرا في النفوس قبح رءوس الشياطين، وأن جميعهم على أقبح صورة ؛ فشبه بها على ما استقر في النفوس، قال الشاعر :
| يقاتلني والمشرفي مضاجعي | ومَسْنُونة زُرْق كأنياب أغوال |
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه كَانَ مُسْتَقرًّا فِي النُّفُوس قبح رُءُوس الشَّيَاطِين، وَأَن جَمِيعهم على أقبح صُورَة؛ فَشبه بهَا على مَا اسْتَقر فِي النُّفُوس، قَالَ الشَّاعِر:
| (يقاتلني والمشرفي مضاجعي | ومسنونة زرق كأنياب أغوال) |
فَشبه بأنياب الأغوال، وَلم ير الأغوال، وَلَكِن صَحَّ التَّشْبِيه لما تقرر فِي النُّفُوس قبحها، وَقَالَ بَعضهم: الشَّيْطَان هَا هُنَا حَيَّة قبيحة المنظر، فَمَعْنَاه: كَأَنَّهَا رُءُوس الْحَيَّات، وَالْعرب تسمي كل قَبِيح مَكْرُوه شَيْطَانا، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ اسْم لنبت من الثَّمر خشن اللَّمْس منتن الرّيح.
وَقَوله: ﴿إِنَّا جعلناهم فتْنَة للظالمين﴾ فتنتهم بهَا هُوَ مَا قَالَ أَبُو جهل، وَزعم أَنه الزّبد وَالتَّمْر، وَمن فتنتهم أَيْضا بهَا أَنهم قَالُوا كَيفَ تنْبت شَجَرَة فِي النَّار، وَالنَّار تحرق الشّجر؟
قَوْله تَعَالَى: { [أئفكا آلِهَة دون الله تُرِيدُونَ]
قَالَ الْخَلِيل والمبرد: تَقول الْعَرَب لكل من نظر فِي أمره وتدبر مَاذَا يفعل قد نظر فِي النُّجُوم، هَذَا قَول، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه كَانَ نجم يطلع فِي ذَلِك الزَّمَان، وَكَانَ كل من نظر إِلَيْهِ يَزْعمُونَ أَنه يُصِيبهُ الطَّاعُون، وَيُقَال: إِنَّه كَانَ زحل؛ فَقَوله: ﴿فَنظر نظرة فِي النُّجُوم﴾ أَي: نظر إِلَى النَّجْم: ﴿فَقَالَ إِنِّي سقيم﴾ أَي: أصابني الطَّاعُون على مَا تَزْعُمُونَ، وَكَانُوا يفرون من المطعون فِرَارًا عَظِيما، ويزعمون أَنه يعدي، ذكره السّديّ.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن معنى قَوْله: ﴿فَنظر نظرة فِي النُّجُوم﴾ أَي: فِيمَا نجم لَهُ من الْأَمر أَي: ظهر.
وَالْقَوْل الرَّابِع: أَن قَوْله: ﴿فَنظر نظرة فِي النُّجُوم﴾ أَي: ينظر فِي النُّجُوم على مَا ينظر فِيهِ أهل النُّجُوم، وكايدهم بذلك عَن دينه، وَكَانُوا أهل نُجُوم، ويزعمون أَن الْأَحْكَام تصدر مِنْهَا، والحوادث تكون عَنْهَا؛ فَنظر فِي النُّجُوم، وَقَالَ هَذِه الْمقَالة ليتركوه، ويتوصل بذلك إِلَى كيد أصنامهم.
وَعَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن علم النُّجُوم كَانَ حَقًا إِلَى أَن حبست الشَّمْس ليوشع بن نون فتشوش الْأَمر عَلَيْهِم، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿إِنِّي سقيم﴾ قد بَينا، سقيم أَي: سأسقم، وَلَا بُد لكل صَحِيح أَن يسقم، وَقيل: يسقم الْقلب لقبح أفعالكم، وَهَذَا هُوَ إِحْدَى الكذبات الثَّلَاث الَّتِي كذبهَا
وَقَالَ بَعضهم: كَانَ ذَلِك من معاريض الْكَلَام، وَلم يكن كذبا صَرِيحًا.
قال الخليل والمبرد : تقول العرب لكل من نظر في أمره وتدبر ماذا يفعل قد نظر في النجوم، هذا قول، والقول الثاني : أنه كان نجم يطلع في ذلك الزمان، وكان كل من نظر إليه يزعمون أنه يصيبه الطاعون، ويقال : إنه كان زحل ؛ فقوله :( فنظر نظرة في النجوم ) أي : نظر إلى النجم :( فقال إني سقيم ) أي : أصابني الطاعون على ما تزعمون، وكانوا يفرون من المطعون فرارا عظيما، ويزعمون أنه يعدي، ذكره السدي.
والقول الثالث : أن معنى قوله :( فنظر نظرة في النجوم ) أي : فيما نجم له من الأمر أي : ظهر.
والقول الرابع : أن قوله :( فنظر نظرة في النجوم ) أي : ينظر في النجوم على ما ينظر فيه أهل النجوم، وكايدهم بذلك عن دينه، وكانوا أهل نجوم، ويزعمون أن الأحكام تصدر منها، والحوادث تكون عنها ؛ فنظر في النجوم، وقال هذه المقالة ليتركوه، ويتوصل بذلك إلى كيد أصنامهم.
وعن عائشة رضي الله عنها أن علم النجوم كان حقا إلى أن حبست الشمس ليوشع بن نون فتشوش الأمر عليهم، والله أعلم.
وقوله :( إني سقيم ) قد بينا، سقيم أي : سأسقم، ولا بد لكل صحيح أن يسقم، وقيل : يسقم القلب لقبح أفعالكم، وهذا هو إحدى الكذبات الثلاث التي كذبها إبراهيم في الله(١)، والخبر في ذلك معروف صحيح، وقد روينا.
وقال بعضهم : كان ذلك من معاريض الكلام، ولم يكن كذبا صريحا.
وَقد ذكرنَا أَنهم خَرجُوا إِلَى عيد لَهُم، فَلَمَّا خَرجُوا وَبَقِي إِبْرَاهِيم وَحده عمد إِلَى بَيت أصنافهم ودخله، وَكَانَ الطَّعَام مَوْضُوعا بَين أَيْديهم؛ فَقَالَ: أَلا تَأْكُلُونَ؟ فَهُوَ معنى
وَقَوله: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ هَذَا على طَرِيق الْإِنْكَار على الْمُشْركين؛ لأَنهم كَانُوا قدمُوا الطَّعَام إِلَيْهِم ليأكلوا.
وَقَوله: ﴿بِالْيَمِينِ﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا أَن مَعْنَاهُ: يَضْرِبهُمْ بِيَمِينِهِ، وَمعنى يَضْرِبهُمْ أَي: يكسرهم، وَيُقَال بِالْيَمِينِ أَي: بِالْقُوَّةِ.
وَالْقَوْل الثَّالِث: بِالْيَمِينِ أَي: بِالْيَمِينِ الَّتِي سبقت مِنْهُ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: بنوا موضعا وَجعلُوا حوائطه من حَدِيد، طوله فِي السَّمَاء ثَلَاثُونَ ذِرَاعا، وَعرضه عشرُون ذِرَاعا.
وَقَوله: ﴿فألقوه فِي الْجَحِيم﴾ الْجَحِيم كل مَوضِع عظمت فِيهِ النَّار وَكَثُرت، وَيُقَال: الْجَحِيم نَار على نَار، وجمر على جمر.
فِي الْقِصَّة: أَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام لما ألقِي فِي النَّار؛ قَالَ حِين ألقِي: حسبي الله وَنعم الْوَكِيل؛ فَجعل الله النَّار عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا، قَالَ كَعْب: لم تحرق شَيْئا مِنْهُ إِلَّا وثَاقه، وَفِي الْقِصَّة: أَن نمروذ اطلع عَلَيْهِ فَرَآهُ فِي رَوْضَة خضراء عَن يَمِينه شخص، وَكَانَ هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَعَن يسَاره فرَاش من حَرِير أنزلهُ الله عَلَيْهِ من الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي﴾ فِيهِ قَولَانِ: أحد الْقَوْلَيْنِ: أَنه قَالَ بعد أَن خرج من النَّار، وَأمره الله بِالْهِجْرَةِ إِلَى الشَّام.
وَالْقَوْل الآخر: أَنه قَالَ هَذَا قبل أَن [يلقى] فِي النَّار، وَكَانَ عِنْده أَنه إِذا ألقِي فِي النَّار هلك، وَلم يتَخَلَّص مِنْهَا؛ فَقَالَ هَذَا القَوْل إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي.
وَقَوله: ﴿سيهدين﴾ على هَذَا القَوْل مَعْنَاهُ: إِلَى طَرِيق الْجنَّة، وعَلى القَوْل الأول سيهدين أَي: سيرشدني إِلَى الْموضع الَّذِي أمرت بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهِ.
وَاخْتلفُوا أَن هَذَا الْغُلَام كَانَ إِسْمَاعِيل أَو إِسْحَاق.
فَذهب قوم إِلَى أَنه إِسْحَاق عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود وَكَعب وَقَتَادَة وَجَمَاعَة، وَذهب جمَاعَة إِلَى أَنه إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن وَغَيرهم.
وَقَوله: ﴿قَالَ يَا بني إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك﴾ أَي: أمرت بذبحك، قَالَ ابْن عَبَّاس: رُؤْيا الْأَنْبِيَاء وَحي، وَيُقَال: رَأَيْت فِي الْمَنَام مَا يدل على أَنِّي أمرت بذبحك.
وَقَوله: ﴿فَانْظُر مَاذَا ترى﴾ وَقَرَأَ حَمْزَة: " مَاذَا ترى " أما قَوْله: ﴿مَاذَا ترى﴾ أَي: مَاذَا ترى فِيمَا أَمر الله بِهِ، فَإِن قيل: كَيفَ يشاوره فِيمَا أمره الله بِهِ، وَهُوَ أَمر حتم لَا يجوز تَركه؟
وَالْجَوَاب عَنهُ على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن المُرَاد مِنْهُ إخْبَاره.
وَالْآخر: أَنه أَرَادَ امتحانه فِي التَّسْلِيم بِحكم الله.
وَأما الْقِرَاءَة الْأُخْرَى، وَهِي قَوْله: ﴿مَاذَا ترى﴾ فِيهِ مَعْنيانِ أَحدهمَا: مَاذَا تُشِير؟ وَالْآخر: مَاذَا ترى من صبرك؟ ذكره الْفراء.
وَقَوله: ﴿قَالَ يَا أَبَت افْعَل مَا تُؤمر﴾ قَالَ ذَلِك انقيادا لأمر ربه وطواعية، وَقَوله:
وَقَوله: ﴿أسلما﴾ أَي: استسلما، وَمَعْنَاهُ: أَن إِبْرَاهِيم سلم ابْنه للذبح، وَالْولد سلم روحه.
وَقَوله: ﴿وتله للجبين﴾ أَي: صرعه للجبين، والجبهة بَين الجبينين، قَالَ الشَّاعِر:
| (شَككت لَهُ بِالرُّمْحِ جَنْبي قَمِيصه | فَخر تليلا الْيَدَيْنِ للفم) |
| (فتله للجبينمنعفرا | مِنْهُ منَاط الوتين منتصب) |
وَفِي التَّفْسِير: أَن إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لإِبْرَاهِيم: اقذفني على جبيني؛ لِئَلَّا ترى وَجْهي فترحمني، وَحَتَّى لَا أرى الشَّفْرَة فأجزع مِنْهَا، وَفِي الْقِصَّة: أَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام خرج إِلَى جَانب منى، وَأمر إِسْمَاعِيل أَن يتبعهُ بالشفرة وَالْحَبل، فرفعهما وَاتبعهُ؛ فجَاء إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة وَقَالَ لإسماعيل: هَل تَدْرِي مَا يُرِيد بك أَبوك؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ: إِنَّه يُرِيد أَن يذبحك؛ فَقَالَ: وَلم؟ قَالَ: يزْعم أَن الله أمره بِهِ. فَقَالَ: هُوَ أهل أَن يطاع، ثمَّ جَاءَ إِلَى أمه ووسوس كَذَلِك؛ فأجابت كَمَا قُلْنَا، يَعْنِي: كَمَا قَالَ إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام.
وَفِي التَّفْسِير: أَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام جعل يحز وَلَا يقطع، وروى أَن الله تَعَالَى ضرب على عنق إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام صفيحة من نُحَاس؛ فَجعل لَا يقطع، وَأورد بَعضهم: أَنه كَانَ يقطع ويلتئم.
الْجَواب: أَن جَوَابه قَوْله ﴿وناديناه﴾ وَالْوَاو صلَة، وَجعل بَعضهم الْجَواب محذوفا، وَقَوله: {وناديناه أَن يَا إِبْرَاهِيم
وَالْجَوَاب: أَنه قد أَتَى بِمَا قدر عَلَيْهِ من الذّبْح؛ فَجعله مُصدقا بِهَذَا الْمَعْنى، وَالْآخر: أَن الْمَقْصُود من الْأَمر وَالْمَطْلُوب مِنْهُ كَانَ هُوَ استسلامهما، هَذَا لوَلَده، وَهَذَا لروحه، فَلَمَّا فعلا ذَلِك سماهما مُصدقين.
وَاخْتلفُوا فِي سنّ إِسْمَاعِيل فِي ذَلِك الْوَقْت، مِنْهُم من قَالَ: كَانَ سنه [ثَلَاث] عشرَة سنة، وَمِنْهُم من قَالَ: كَانَ سنه سبع سِنِين.
وَقَوله: ﴿عَظِيم﴾ مِنْهُم من قَالَ: المُرَاد مِنْهُ الْعَظِيم فِي الشَّخْص، وَقيل: عَظِيم فِي الثَّوَاب، وَقَالَ مُجَاهِد: عَظِيم؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَقْبُولًا من الله.
وَفِي التَّفْسِير: أَن الْكَبْش نزل عَلَيْهِ من جبل منى؛ فَقَالَ لإسماعيل: قُم فَإِن الله تَعَالَى أرسل فدَاك، وَفِي الْقِصَّة: أَن الْكَبْش هرب؛ فَتَبِعَهُ إِبْرَاهِيم حَتَّى أَخذه، فَلَمَّا
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَقَوله: ﴿وَمن ذريتهما محسن وظالم لنَفسِهِ مُبين﴾ أَي: موحد ومشرك.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وروى عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ جَالِسا، فَسئلَ عَن هَذِه الْآيَة؛ فَسكت؛ فَمر رجل من الأزد وَمَعَهُ بقرة؛ فَقَالَ لَهُ رجل: أتبيعها؟ قَالَ: إِنَّمَا يَبِيعهَا بَعْلهَا أَي: رَبهَا؛ فَعرف ابْن عَبَّاس أَن البعل هُوَ الرب، وَكَانَ الأزد من أفْصح الْيمن، وَسمي الزَّوْج بعلا من هَذَا، قَالَ الشَّاعِر:
| (وَرَأَيْت بعلك فِي الوغى | مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا) |
وَأما قَوْله: ﴿إلياسين﴾ أَي: إلْيَاس وَأَتْبَاعه وذووه؛ فَسُمي الْجَمِيع باسم وَاحِد، مثل قَول الرجل: رَأَيْت المحمدين، أَي: مُحَمَّدًا وَأَتْبَاعه وَأَتْبَاعه.
وَأما قَوْله: ﴿سَلام على إل ياسين﴾ وَقيل فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الرَّسُول وَآله، وَهَذَا قَول ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ لم يسْبق لَهُم ذكر.
وَالثَّانِي: إِن معنى قَوْله: ﴿إل ياسين﴾ هُوَ قَوْله ((إلياسين)) كَأَنَّهُ قَالَ: آل إلْيَاس، فَعبر بياسين عَن إلْيَاس، وَبَاقِي الْآيَتَيْنِ قد بَينا.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وَقَوله: ﴿فَكَانَ من المدحضين﴾ أَي: من المقروعين، وَقيل: من المغلوبين، يُقَال: دحضت حجَّة فلَان إِذا بطلت، وأدحض الله حجَّته إِذا أبطلها، والدحض الزلق، قَالَ الشَّاعِر:
| (أَبَا مُنْذر رمت الْوَفَاء فهبته | وحدت كَمَا حاد الْبَعِير عَن الدحض) |
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أبق﴾ أَي: ذهب وتباعد، وَيُقَال: شبه بآبق، فعتب الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِك، وابتلاه بِبَطن الْحُوت وسجنه فِيهِ.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه لما وصل إِلَى الْبَحْر كَانَ مَعَه امْرَأَته وابنان لَهُ؛ فجَاء مركب وَأَرَادَ أَن يركب مَعَهم فِي السَّفِينَة، قدم امْرَأَته فِي الْمركب ليركب بعْدهَا؛ فَجَاءَت موجة وحالت بَينه وَبَين الْمركب، وَمر الْمركب، ثمَّ جَاءَت موجة أُخْرَى وَأخذت ابْنه الْأَكْبَر، وَجَاء ذِئْب وَأخذ ابْنه الْأَصْغَر وَبَقِي فريدا وحيدا، فَظهر مركب آخر فلوح لَهُم ليحملوه فجَاء الْمركب وَركب فِيهِ، وَقعد نَاحيَة من الْقَوْم، فَلَمَّا مرت السَّفِينَة فِي الْبَحْر ركدت وَلم تسر، واضطرب الْبَحْر، وخافوا الْغَرق، فَقَالَ صَاحب السَّفِينَة: إِن فِيكُم رجلا مشئوما وَفِي رِوَايَة: مذنبا وَقَالَ: لَا بُد أَن نلقيه فِي الْبَحْر حَتَّى يسكن الْبَحْر وننجو وَفِي رِوَايَة قَالَ: إِن فِيكُم عبدا آبقا؛ فَقَامَ يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ: أَنا العَبْد المذنب، وَأَنا الْآبِق، فَقَالُوا: من أَنْت؟ قَالَ: أَنا يُونُس بن متي؛ فعرفوه، وَقَالُوا: لَا نلقيك يَا رَسُول الله، وَلَكِن نتساهم؛ فتساهموا ثَلَاث مَرَّات، وَخرجت الْقرعَة عَلَيْهِ، وروى أَنهم قَالُوا: نكتب اسْم كل وَاحِد منا على خَشَبَة؛ فَمن غرق اسْمه فَهُوَ الْمَطْلُوب؛ فغرق اسْم يُونُس من بَينهم، وَأوحى الله إِلَى حوت عَظِيم حَتَّى قصد السَّفِينَة، قَالُوا: فَلَمَّا رَآهُ أهل السَّفِينَة وَقد فغر فَاه، وَهُوَ مثل الْجَبَل عَظِيما؛ خَافُوا الْهَلَاك، وَجعل الْحُوت ينظر إِلَى من فِي السَّفِينَة، كَأَنَّهُ يطْلب شَيْئا، ثمَّ إِن يُونُس لما رأى ذَلِك زج نَفسه فِي المَاء، وروى أَن الْقَوْم ألقوه بِرِضَاهُ فالتقمه الْحُوت وَمر بِهِ، وَسكن الْبَحْر وسارت السَّفِينَة.
وَفِي بعض الْآثَار: أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى الْحُوت: إِنِّي لم أجعله لَك رزقا، فإياك أَن تكسر لَهُ عظما أَو تخدش لَهُ لَحْمًا، وَإِنَّمَا جعلت بَطْنك لَهُ حرْزا ومسجدا.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ مليم﴾ أَي: أَتَى بِمَا يلام عَلَيْهِ.
قَالَ الضَّحَّاك: شكر الله تَعَالَى لَهُ طَاعَته الْقَدِيم، وَعَن بَعضهم قَالَ: الْعَمَل الصَّالح يرفع صَاحبه إِذا عثر، وَيَأْخُذ بِيَدِهِ إِذا صرع.
وَفِي بعض الْآثَار: أَن يُونُس صلوَات الله عَلَيْهِ لما دَعَا الله تَعَالَى فِي بطن الْحُوت، قَالَت الْمَلَائِكَة: صَوت مَعْرُوف من بِلَاد غَرِيبَة؛ فَقَالَت الْمَلَائِكَة: يَا رَبنَا من هُوَ؟ قَالَ: عَبدِي يُونُس عَصَانِي؛ فسجنته فِي بطن الْحُوت.
وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن يُونُس صلوَات الله عَلَيْهِ دَعَا ربه فِي بطن الْحُوت، وَقَالَ: إلهي من الْبيُوت أخرجتني، وَفِي الْبحار سترتني، وَفِي بطن الْحُوت حبستني، فَإِن كنت عملت لَك عملا صَالحا فَفرج عني.
وَذكر أَيْضا: أَنه لَقِي قَارون فِي لجج الْبحار؛ فَسمع قَارون صَوت يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام فَكَانَ فِي عَذَاب شَدِيد؛ فَطلب أَن يمسك عَنهُ الْعَذَاب، حَتَّى يسْأَل يُونُس؛ فَأمر الله تَعَالَى بإمساك الْعَذَاب عَنهُ، فَسَأَلَ قَارون يُونُس عَن ابْن عَمه مُوسَى؛ فَقَالَ: قد توفّي، وَسَأَلَ عَن هَارُون؛ فَقَالَ: قد توفّي قبله؛ فَقَالَ: واحزناه فَأمر الله تَعَالَى أَن يرد عَنهُ الْعَذَاب إِلَى يَوْم القيانة لما سَأَلَ عَن ابْن عَمه.
وَذكر أَيْضا: أَن الْحُوت قر بِهِ فِي لجج الْبحار مسيرَة سِتَّة آلَاف سنة، وَذكر أَنه بلغ بِهِ نُجُوم الْأَرْضين السَّابِعَة؛ فَسمع من تَسْبِيح الْحَصَى وَمَا فِي قَعْر الْبَحْر شَيْئا عَظِيما، وَذكر أَن الْبَحْر تكلم مَعَه، وَقَالَ: إِلَى أَيْن كنت تُرِيدُ أَن تهرب من مولَايَ أَيهَا العَبْد الخاطئ؟ ﴿إِلَى الأَرْض، أم إِلَى السَّمَاء، أم إِلَى الْبحار، أم إِلَى الْجبَال﴾ وَإِنَّا نُسَبِّح الله تَعَالَى مُنْذُ خلقنَا ونعبده، ونخاف أَن يعذبنا، وَالله أعلم.
وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ: أَلْقَاهُ الْحُوت، وَهُوَ مثل الفرخ، وَفِي التَّفْسِير: أَنه أَلْقَاهُ الْحُوت وَقد بلي لَحْمه، ورق عظمه، وَلم يبْق لَهُ قُوَّة.
وَقَوله: ﴿بالعراء﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن العراء وَجه الأَرْض، وَالْآخر: أَنه الْموضع الْخَالِي، ذكره أَبُو عُبَيْدَة، قَالَ الشَّاعِر:
| (وَرفعت رجْلي لَا أَخَاف عثارها | ونبذت بِالْبَلَدِ العراء ثِيَابِي) |
وَذكر النقاش: أَن ذَلِك [الدُّبَّاء] كَانَ من بذر الْجنَّة، وَكَانَ عَلَيْهِ ألف ورقة.
قَالَ سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس: كَانَت نبوته بعد أَن أخرجه الله تَعَالَى من بطن الْحُوت، وَالأَصَح أَنه كَانَ نَبيا من قبل، وَقد دلّ على هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن يُونُس لمن الْمُرْسلين إِذْ أبق﴾.
وَقَوله: ﴿إِلَى مائَة ألف أَو يزِيدُونَ﴾ قَالَ الْفراء: بل يزِيدُونَ، وَقيل: يزِيدُونَ، وَقَالَ الْمبرد: كلمة " أَو " هَا هُنَا على بَابهَا، وَمَعْنَاهُ: أَو يزِيدُونَ على تقديركم وظنكم، وَهُوَ كَالرّجلِ يرى فوما؛ فَيَقُول: هَؤُلَاءِ ألف ثمَّ يَقُول: ألف أَو يزِيدُونَ؛ فَيكون الشَّك رَاجع إِلَى من رَآهُمْ لَا إِلَى الله تَعَالَى، وَأما قدر الزِّيَادَة فأشهر الْأَقَاوِيل: أَنَّهَا عشرُون ألفا، وَذكره أَبُو عِيسَى فِي جَامعه مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي.
وَالْقَوْل الثَّانِي: خَمْسَة وَثَلَاثُونَ ألفا، وَالْقَوْل الثَّالِث: سَبْعُونَ ألفا.
وَأما الْبَلَد الَّذِي أرسل إِلَيْهِ فَهُوَ " نينوي) من بِلَاد الْموصل.
فَإِن قيل: قَالَ هَا هُنَا: ﴿فنبذناه بالعراء وَهُوَ سقيم﴾ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر ﴿لَوْلَا أَن تَدَارُكه نعْمَة من ربه لنبذ بالعراء﴾ وَهُوَ يدل على أَنه لم ينْبذ، فَكيف وَجه التَّوْفِيق بَين الْآيَتَيْنِ؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن الله تَعَالَى قَالَ فِي تِلْكَ الْآيَة: ﴿لنبذ بالعراء وَهُوَ مَذْمُوم﴾ أَي: لَوْلَا رَحْمَتنَا ونعمتنا لنبذ بالعراء وَهُوَ مَذْمُوم، وَلَكِن تداركته النِّعْمَة؛ فنبذ وَهُوَ غير مَذْمُوم، وَأنْشد " أَو " بِمَعْنى بل.
| (بَدَت مثل عين الشَّمْس فِي رونق | الضُّحَى وَصورتهَا أَو أَنْت فِي الْعين أَمْلَح) |
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَقَوله: ﴿وَلَقَد علمت الْجنَّة إِنَّهُم لمحضرون﴾ أَي: محضرون الْحساب، وَقيل: محضرون الْعَذَاب،
وَقَوله: ﴿إِلَّا عباد الله المخلصين﴾ قد ذكرنَا من قبل، فَإِن قيل: أَي: اتِّصَال
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن فِي الْآيَة تَقْدِيمًا وتأخيرا، فَكَأَن الله تَعَالَى قَالَ: وَلَقَد علمت الْجنَّة إِنَّهُم لمحضرون الْعَذَاب إِلَّا عباد الله المخلصين فَإِنَّهُم لَا يحْضرُون، ثمَّ قَالَ سُبْحَانَ الله عَمَّا يصفونَ؛ فَهَذَا هُوَ التَّقْدِير فِي الْآيَة.
قَالَ الشَّاعِر:
| (فَرد بنعمته كَيده | عَلَيْهِ وَكَانَ لنا فاتنا) |
وَيُقَال: إِن مقَام جِبْرِيل عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى وَلَا مُجَاوزَة لَهُ إِلَى مأواها.
أَي: كتابا ككتاب الْأَوَّلين.
وَفِي بعض الْأَخْبَار بِرِوَايَة أبي سعيد الْخُدْرِيّ ((أَن النَّبِي كَانَ إِذا صلى أَو انْصَرف من مَجْلِسه قَالَ ﴿سُبْحَانَ رَبك رب الْعِزَّة عَمَّا يصفونَ﴾ إِلَى ى خر السُّورَة)) (١).
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
﴿ص وَالْقُرْآن ذِي الذّكر (١) بل الَّذين كفرُوا فِي عزة وشقاق (٢) كم أهلكنا من﴾تَفْسِير سُورَة ص
وَهِي مَكِّيَّة
تم عرض جميع الآيات
180 مقطع من التفسير