تفسير سورة سورة الدخان

الشعراوي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تفسير الشعراوي

الشعراوي (ت 1419 هـ)

آية رقم ١
سورة الدخان من سور الحواميم. أي: التي تبدأ بالحروف المقطَّعة (حَم) وقد تحدَّثنا في هذه الحروف بما يُغني عن الإعادة هنا، وهذه الحروف تقف العقول عند حدِّ النطق بها كما هي، وكما نطق بها رسول الله، ولا نسأل أنفسنا عن معانيها، ولا حَجْرَ على العقول أنْ تحوم حولها محاولة استنباطَ بعض المعاني، ولو لنقنعَ أنفسنا بشيء من الصواب حول معانيها ثم نقول والله أعلم بمراده منها.
ذلك لأن الدين منه أمور تتصل بالعقيدة، وأمور تتصل بالأحكام، وأمور تتصل بالقرآن المعبِّر عن العقيدة والأحكام.
وفي كل واحدة من هذه الثلاثة غَيْبٌ ومَشْهَد، الغيب ويُوكل العلم به إلى الله تعالى حتى يظلَّ الإنسانُ عاجزاً أمام علم الله وأمام مسائل لا يفهمها، ولكن يؤمن بها لمجرد أن الله أخبر بها في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو لا ينطق عن الهوى.
ففي العقائد مثلاً مسألة الإيمان بإله واحد، هذا غيْب لكن يمكن للعقل أنْ يُدلِّلَ عليها لأنه لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لفسدتا، ولو كانت آلهةً متعددةً يختصُّ كلّ واحد منها بشيء من الخَلْق لَكانَ كل واحد منها محتاجاً إلى الآخرين ولا يصلح لأن يكون إلهاً.
إذن: يمكن بالعقل أنْ نثبتَ أن الله إله واحد. لكن هناك في العقائد أمور غيبية لا يمكن للعقل التدخّل فيها، ويقف فيها عند ما سمعه مثل أمور: القبر والبرزخ والحساب والآخرة.
وكذلك في الأحكام غَيْب ومشهد، فالصلاة في ظاهرها المشَاهد أنها تُحدث استطراقاً عبودياً في الكون، فساعة نسمع الله أكبر نذهب إلى المساجد، ونُقيم أنفسنا بين يدي ربنا رُكعاً وسُجَّداً يستوي في ذلك الرئيس والمرؤوس، الغني والفقير، القوي والضعيف، الكل ضارع لله.
هذا جانب مُشاهد في الصلاة، وفيها أيضاً غَيْب لا دخْلَ للعقل فيه، فالصلاة من حيث عدد ركعاتها غيْب لا نعرف له تفسيراً، لماذا كان الصبح ركعتين، والظهر أربعاً، والمغرب ثلاثاً؟ لذلك فالسؤال الذي يدور حول عدد الركعات سؤال باطل.
كذلك الحال في القرآن، فيه غَيْبُ لا مجالَ للعقل فيه، وهو هذه الحروف المقطَّعة التي نَكِلُ العلم فيها إلى قائلها سبحانه وتعالى.
وقوله سبحانه: وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الدخان: ٢] أي: الظاهر الواضح المحيط بكل شيء، وهذا يُمثِّل المشهد أي الذي نعرفه ويتدخَّل فيه العقل. إذن: جمع الحق سبحانه في صدر هذه السورة بين الغيب في (حم) والمشهد في وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الدخان: ٢] كلاهما من الله؛ فلا قسم على هذا.
أو أن الأسلوبَ هنا أسلوبُ قسم، أقسم بحم، وأقسم بالكتاب المبين الظاهر الذي تفهمه العقول، وهما الاثنان من الله. والمقسم عليه:
إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا... .
آية رقم ٢
سورة الدخان من سور الحواميم. أي: التي تبدأ بالحروف المقطَّعة (حَم) وقد تحدَّثنا في هذه الحروف بما يُغني عن الإعادة هنا، وهذه الحروف تقف العقول عند حدِّ النطق بها كما هي، وكما نطق بها رسول الله، ولا نسأل أنفسنا عن معانيها، ولا حَجْرَ على العقول أنْ تحوم حولها محاولة استنباطَ بعض المعاني، ولو لنقنعَ أنفسنا بشيء من الصواب حول معانيها ثم نقول والله أعلم بمراده منها.
ذلك لأن الدين منه أمور تتصل بالعقيدة، وأمور تتصل بالأحكام، وأمور تتصل بالقرآن المعبِّر عن العقيدة والأحكام.
وفي كل واحدة من هذه الثلاثة غَيْبٌ ومَشْهَد، الغيب ويُوكل العلم به إلى الله تعالى حتى يظلَّ الإنسانُ عاجزاً أمام علم الله وأمام مسائل لا يفهمها، ولكن يؤمن بها لمجرد أن الله أخبر بها في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو لا ينطق عن الهوى.
ففي العقائد مثلاً مسألة الإيمان بإله واحد، هذا غيْب لكن يمكن للعقل أنْ يُدلِّلَ عليها لأنه لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لفسدتا، ولو كانت آلهةً متعددةً يختصُّ كلّ واحد منها بشيء من الخَلْق لَكانَ كل واحد منها محتاجاً إلى الآخرين ولا يصلح لأن يكون إلهاً.
إذن: يمكن بالعقل أنْ نثبتَ أن الله إله واحد. لكن هناك في العقائد أمور غيبية لا يمكن للعقل التدخّل فيها، ويقف فيها عند ما سمعه مثل أمور: القبر والبرزخ والحساب والآخرة.
وكذلك في الأحكام غَيْب ومشهد، فالصلاة في ظاهرها المشَاهد أنها تُحدث استطراقاً عبودياً في الكون، فساعة نسمع الله أكبر نذهب إلى المساجد، ونُقيم أنفسنا بين يدي ربنا رُكعاً وسُجَّداً يستوي في ذلك الرئيس والمرؤوس، الغني والفقير، القوي والضعيف، الكل ضارع لله.
هذا جانب مُشاهد في الصلاة، وفيها أيضاً غَيْب لا دخْلَ للعقل فيه، فالصلاة من حيث عدد ركعاتها غيْب لا نعرف له تفسيراً، لماذا كان الصبح ركعتين، والظهر أربعاً، والمغرب ثلاثاً؟ لذلك فالسؤال الذي يدور حول عدد الركعات سؤال باطل.
كذلك الحال في القرآن، فيه غَيْبُ لا مجالَ للعقل فيه، وهو هذه الحروف المقطَّعة التي نَكِلُ العلم فيها إلى قائلها سبحانه وتعالى.
وقوله سبحانه: وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الدخان: ٢] أي: الظاهر الواضح المحيط بكل شيء، وهذا يُمثِّل المشهد أي الذي نعرفه ويتدخَّل فيه العقل. إذن: جمع الحق سبحانه في صدر هذه السورة بين الغيب في (حم) والمشهد في وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ [الدخان: ٢] كلاهما من الله؛ فلا قسم على هذا.
أو أن الأسلوبَ هنا أسلوبُ قسم، أقسم بحم، وأقسم بالكتاب المبين الظاهر الذي تفهمه العقول، وهما الاثنان من الله. والمقسم عليه:
إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا... .
مسألة الإنزال تعني إنزال شيء من أعلى إلى أسفل، وتقتضي: مُنزِل، ومُنزَل، ومُنزَل إليه، فالذي أنزل هو الله، وما دام أنْ المنزِلَ هو الله فالإنزال من جهة العلو بصرف النظر عن المكانية، لأنه قال عن الحديد: وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد: ٢٥] والحديد في باطن الأرض، والإنزال يُشْعِر بعلُوّ المنزل.
ثم الشيء المنزَل هو القرآن الكريم أَنزَلْنَاهُ [الدخان: ٣] إلىَ مَنْ أنزل إلى الناس فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ [الدخان: ٣] هي ليلة القدر يعني: زمنَ النزول العام للقرآن.
وقال فِي لَيْلَةٍ [الدخان: ٣] لأن الليل محل السكون والهدوء، حيث لا لَغَطَ ولا ضوضاء ولا صَخَب يُمكن أنْ يُشوّش على المنزَل، كذلك يكون الإنسان ساكناً غيرَ منشغل الجوارح بشيء.
إذن: في الليل يتوفر للعقل كُلُّ مُقوِّمات الانتباه والاستيعاب وصفاء النفس، لذلك اقرأ في أول سورة المزمل: يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً [المزمل: ١-٦].
إذن: نزل القرآن ليلاً لأنه أنسبُ وقت لنزوله، ونزل على قلب رسول الله بمكة، فهي ليلة مكة لا غيرها، ومكة وسط العالم ومركزه، لذلك قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ١٤٣].
البعض قال عن هذه الليلة: هي ليلة القدر لقوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ [القدر: ١] وآخرون قالوا: بل هي ليلة النصف من شعبان، والمسألة هذه تحتاج منا إلى تمحيص لأنه نزل في واحدة منها.
نقول: القرآن قبل أنْ ينزل ويباشر مهمته في الوجود كان في أيِّ مكان؟ كان في اللوح المحفوظ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٧-٧٩] وقال: وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤].
فالنزول الأول للقرآن كان جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، لكن هل نزل ما سُجِّل في اللوح المحفوظ أو نسخة منه؟ قالوا: بل نسخة منه بعد استنساخه.
ثم بعد ذلك نزل مُنجَّماً حسْب الأحوال والأحداث، نزل به الملَكُ جبريل على قلب سيدنا رسول الله، كل نَجْم منه في مناسبة.
إذن: عندنا مراحل ثلاث لنزول القرآن: الأولى استنساخه من اللوح المحفوظ، وهذا له زمن، ثم نزوله جملةً واحدة إلى سماء الدنيا وله زمن، ثم نزوله مُنجماً حسْب الأحوال، وهذا النزول له زمن ممتدّ على مدى الأحداث استغرق عدة سنوات.
ومن الممكن أنْ نجد في هذه المراحل الثلاث مخرجاً من إشكال: أهو في ليلة القدر أم في النصف من شعبان؟ ولا مانع من اشتراك الليلتين في هذا الفضل في أيِّ مرحلة من مراحله.
ثم إن ليلة النصف من شعبان لها شرفها وكرامتها الخاصة بها، وهي مسألة تحويل القبلة التي هي متجه المسلمين جميعاً في كلِّ بقاع الأرض، ثم إن الاتجاه إلى بيت المقدس كان له زمن وله حكمة، ثم التحول إلى الكعبة كان أيضاً له زمن وله حكمة.
فليستْ المقارنة هنا بين حَقٍّ وباطل، بل الفرق بين أمرين حكيمين، لكن هذا له زمن وهذا له زمن، لذلك الحق سبحانه لم يشأ أنْ يجعل تحويل القبلة في فرض من أوله، إنما في أثناء الفرض قسمه الأمر بالتحويل قسمين، فصلى نصف الصلاة الأولى إلى بيت المقدس، ونصفها الآخر إلى الكعبة.
وهذا إنْ دَلَّ فإنما يدلّ على أن بيتَ المقدس داخلٌ في مقدسات المسلمين كالكعبة تماماً، وحادثة الإسراء من بيت المقدس تؤكد ذلك.
إذن: شاء الله تعالى أنْ يكون متجه الصلاة مرة إلى بيت المقدس، ومرة إلى الكعبة لحكمة في كليهما. الأولى: أنْ يكون بيتُ المقدس من مقدَّسات المسلمين. الثانية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له أُلفة بقبلة إبراهيم عليه السلام.
لذلك قال تعالى: قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ.. [البقرة: ١٤٤].
والصلاة فُرضَتْ على رسول الله بعد معراجه إلى السماء من بيت المقدس، والصلاة هذه بها متجه القبلة، فالقبلة لابدّ أنْ تأخذَ الاثنين مبدأ التشريعي ومبدأ الاستبقائي، وهذا جعله الله فتنةً للمسلمين ولغير المسلمين، لأن القِبْلَة لما كانت إلى بيت المقدس قالوا: ما الذي حوَّله عن قبلة إبراهيم إلى قبلة داود وسليمان، وقلنا: لكي تدخل في مقدسات الإسلام ولا يستبدوا بها.
واليهود التقطوا هذه المسألة وجعلوها شبهة وقالوا: إذا كان محمد رافضاً لديننا فكيف يتبع قبلتنا؟ إذن: كانت فتنةً للطرفين لكي يلتزم الإنسانُ التوجيهات الإلهية بدون تدخُّل للعقل فيها.
وقالوا في الليلة المباركة: إنها ليلة البراءة وليلة الصّك وليلة الرحمة، ليلة البراءة مأخوذة من البراءة التي كان يُعطيها العامل على الزكاة للمموِّل حين يعطيه حَقَّ الله في المال وهو الزكاة، فيعطيه العامل صَك البراءة الذي يدلّ على أدائه للزكاة وبراءة ذمته منها، والصَّك بنفس المعنى.
وليلة الرحمة، قالوا: رحمة برسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً، لأن نفسه كانت تتُوق للتوجُّه نحو قِبْلة إبراهيم.
وقوله سبحانه: إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ [الدخان: ٣] بعد أنْ ذكر الإنزال ذكر الإنذار، فالإنزال للإنذار، لأن القاعدةَ الشرعية أنَّ درْءَ المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة فذكر (منذرين) قبل مبشِّرين.
وسبق أنْ قلنا: هَبْ أن واحداً يرمي لك تفاحة، وفي ذات الوقت آخر يرميك بحجر، فبأيِّهما تنشغل؟ لا شكَّ أنك تحرص أولاً على دَفْع الحجر عنك وتُقدِّمه على استقبال التفاحة.
كذلك الحال في هذا الأسلوب القرآني إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ [الدخان: ٣] كلمة (كُنَّا) دلتْ على الماضي مع أن الإنذار مستمر ولا يزال، لأن الحق سبحانه لا يحكمه زمن معين، لأنه سبحانه خالق الزمن، وما دام الزمن من خَلْق الله فالمخلوق لا يتحكم في الخالق.
فالماضي والحاضر والمستقبل في حقنا نحن البشر، أمَّا في حَقِّ الله تعالى فالزمن كله سواء، فحين تقرأ مثلاً وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً [الأحزاب: ٥٠] تقول: كان ولا يزال وسيكون في المستقبل، لأنه ما دام كان في الأزل، وهو سبحانه لا يعتريه تغيير فهو من الأزل إلى الأبد غفور رحيم.
وقوله تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان: ٤] أي: في هذه الليلة يُفْرَقُ [الدخان: ٤] بمعنى يُوضَّح ويُفصَّل ويُبيَّن، والفرق هنا ليس بين حق وباطل، إنما بين أمرين كلاهما حق، وله حكمة في زمنه.
وتأمل وصف الأمر ذاته بأنه (حكيم) لأنه أمر الله أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ [الدخان: ٥] يعني: ليس هناك حكمة ترتقي إلى هذا الأمر الذي يأتي من قِبَل الحق سبحانه إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان: ٥] يعني: لم نترك خَلْقنا هملاً إنما خلقناهم وأرسلْنا لهم مَنْ يأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم ويدلُّهم على الهدى ويُبيِّن لهم.
فالحقّ أول ما خلق الخَلْق أرسل الرسل لهدايتهم، لذلك كان آدم عليه السلام وهو أول البشر رسولاً، لأن الخالق سبحانه خلق الإنسانَ، لماذا؟
لأنه خلقه لعمارة الأرض هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا.. [هود: ٦١] يعني: طلب منكم عمارتها، والعمارة تقتضي الصلاح وتمنع الفساد ولا أقلَّ من أنْ نترك الصالح على صلاحه إذا لم نَزد في الصلاح.
وقد أوضحنا هذه المسألة بالبئر في الصحراء. وقلنا: إذا لم تَرْتَق به بأنْ تبني حوله سوراً وحافَّة تحميه من زَحْف التراب عليه، أو تجعل عليه آلة لرفْع الماء، فلا أقلَّ من أنْ تتركه على حاله ولا تهدمه.
كذلك حالُ الإنسان في عمارة الأرض عليه أنْ يُعمِلَ عقله في البدهيات ليصل منها إلى نظريات ترتقي بها حياته، عندنا مثلاً الصوف والوبر والشعر، لكلٍّ منها صفاته الخاصة وما يصلح له، لذلك قال القرآن وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ [النحل: ٨٠].
ومعلوم أن الوبر للجمال، والصوف للغنم، والشعر للماعز، ولكل نوع منها خصائصُ يستخدمه الإنسان في ثيابه ومسكنه، وهذا من عمارة الأرض، حتى لو نظرنا إلى القواعد الهندسية والنظريات نجدها تعتمد في بدايتها على أمر بديهي موجود في الكون.
إذن: كلُّ ارتقاء في الكون أتى من أمر بديهي موهوب من الله، وعمل العقول في البدهيات من عمارة الأرض.
لذلك عندما تتأمل أسلوبَ القرآن في مخاطبة الناس تجده يبدأ بأمور بسيطة بعيدة عن التعقيد الفكري، فيُحدِّثهم أولاً عن أصل المنهج وما به تستقيم حياتهم وتنسجم حركاتهم في الحياة، ويُحدِّث العقول بما يناسب ارتقاءها الفكري.
فإذا ما نضج الفكر الإنساني وتمكّن المنهج في الناس سلوكاً وتطبيقاً بدأ يُحدِّثهم عن نظريات عقلية ويقول لهم: إن الأرض كروية، وأنها تدور حول الشمس لأن العقول أصبح عندها استعداد للبحث والتقصِّي.
انظر مثلاً إلى الطرق، وكيف كانت بدائية، مجرد مدقّ في الصحراء يسع البعير الواحد؟ وكيف تطورتْ الآن وما توفّر لها من أسباب الراحة والأمان والسرعة والسلامة وغيرها، إنه العقل حينما يعمل ليرتقي.
ألم يتعلّم الإنسان من الغراب كيف يدفن الموتى؟ ألم نتعلم من الكلاب ونستخدمها الآن رغم التطور العلمي في تقصِّي الأثر والتعرف على المجرمين باستخدام حاسة الشم؟ إذن: أخذنا الأمور الفطرية التي وهبها الله لنا وبنيْنَا عليها، وطوَّرناها لعمارة الأرض.
وعمارة الأرض لا تقوم إلا إذا استقام المنهجُ أولاً، فهو أساس الارتقاء وأساس الإصلاح، لأن الخالق سبحانه لما خلق الخَلْق جعل له منهجاً يحكمه ويُنظم حركته في الحياة بافعل كذا ولا تفعل كذا.
فإن استقام على منهج ربه وخالقه استقامتْ حياته، وإنْ شذَّ وانحرف ظهرتْ عورة المجتمع وبدَتْ مظاهر الفساد تدبْ في أوصاله.
وسبق أنْ مثَّلنا ذلك (بالكتالوج) الذي يضعه الصانع لحماية صنعته وصيانتها، كذلك أنت إنْ سِرْتَ على منهج خالقك لا يصيبك عَطَبٌ أبداً. ومن هنا كانت مهمة الرسل، للبيان وللتذكير بالمنهج (افعل كذا) و (لا تفعل كذا)، حتى سيدنا آدم ماذا حدث له لما خالف المنهج؟ ربنا قال له: كل من الجنة كما شئت إلا هذه الشجرة فأكلا منها، ماذا حدث؟
لما خالف حدث له العطب، وظهرت عورته لمَّا أكل من الشجرة واضطر لما لم يعهده من قبل من خروج الريح والغائط واضطراب البطن، وهذه أمور لم يكن يشعر بها قبل المخالفة.
وقوله سبحانه: إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان: ٥] يعني: مرسلين رسلاً إلى مَنِ استخلفناه في الأرض حتى تسْلَم حركةُ الحياة من العطب، وحتى يسلَمَ المجتمعُ من الشرور، ويتساند ولا يتعارض.
آية رقم ٤
مسألة الإنزال تعني إنزال شيء من أعلى إلى أسفل، وتقتضي: مُنزِل، ومُنزَل، ومُنزَل إليه، فالذي أنزل هو الله، وما دام أنْ المنزِلَ هو الله فالإنزال من جهة العلو بصرف النظر عن المكانية، لأنه قال عن الحديد: وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد: ٢٥] والحديد في باطن الأرض، والإنزال يُشْعِر بعلُوّ المنزل.
ثم الشيء المنزَل هو القرآن الكريم أَنزَلْنَاهُ [الدخان: ٣] إلىَ مَنْ أنزل إلى الناس فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ [الدخان: ٣] هي ليلة القدر يعني: زمنَ النزول العام للقرآن.
وقال فِي لَيْلَةٍ [الدخان: ٣] لأن الليل محل السكون والهدوء، حيث لا لَغَطَ ولا ضوضاء ولا صَخَب يُمكن أنْ يُشوّش على المنزَل، كذلك يكون الإنسان ساكناً غيرَ منشغل الجوارح بشيء.
إذن: في الليل يتوفر للعقل كُلُّ مُقوِّمات الانتباه والاستيعاب وصفاء النفس، لذلك اقرأ في أول سورة المزمل: يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً [المزمل: ١-٦].
إذن: نزل القرآن ليلاً لأنه أنسبُ وقت لنزوله، ونزل على قلب رسول الله بمكة، فهي ليلة مكة لا غيرها، ومكة وسط العالم ومركزه، لذلك قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ١٤٣].
البعض قال عن هذه الليلة: هي ليلة القدر لقوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ [القدر: ١] وآخرون قالوا: بل هي ليلة النصف من شعبان، والمسألة هذه تحتاج منا إلى تمحيص لأنه نزل في واحدة منها.
نقول: القرآن قبل أنْ ينزل ويباشر مهمته في الوجود كان في أيِّ مكان؟ كان في اللوح المحفوظ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٧-٧٩] وقال: وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤].
فالنزول الأول للقرآن كان جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، لكن هل نزل ما سُجِّل في اللوح المحفوظ أو نسخة منه؟ قالوا: بل نسخة منه بعد استنساخه.
ثم بعد ذلك نزل مُنجَّماً حسْب الأحوال والأحداث، نزل به الملَكُ جبريل على قلب سيدنا رسول الله، كل نَجْم منه في مناسبة.
إذن: عندنا مراحل ثلاث لنزول القرآن: الأولى استنساخه من اللوح المحفوظ، وهذا له زمن، ثم نزوله جملةً واحدة إلى سماء الدنيا وله زمن، ثم نزوله مُنجماً حسْب الأحوال، وهذا النزول له زمن ممتدّ على مدى الأحداث استغرق عدة سنوات.
ومن الممكن أنْ نجد في هذه المراحل الثلاث مخرجاً من إشكال: أهو في ليلة القدر أم في النصف من شعبان؟ ولا مانع من اشتراك الليلتين في هذا الفضل في أيِّ مرحلة من مراحله.
ثم إن ليلة النصف من شعبان لها شرفها وكرامتها الخاصة بها، وهي مسألة تحويل القبلة التي هي متجه المسلمين جميعاً في كلِّ بقاع الأرض، ثم إن الاتجاه إلى بيت المقدس كان له زمن وله حكمة، ثم التحول إلى الكعبة كان أيضاً له زمن وله حكمة.
فليستْ المقارنة هنا بين حَقٍّ وباطل، بل الفرق بين أمرين حكيمين، لكن هذا له زمن وهذا له زمن، لذلك الحق سبحانه لم يشأ أنْ يجعل تحويل القبلة في فرض من أوله، إنما في أثناء الفرض قسمه الأمر بالتحويل قسمين، فصلى نصف الصلاة الأولى إلى بيت المقدس، ونصفها الآخر إلى الكعبة.
وهذا إنْ دَلَّ فإنما يدلّ على أن بيتَ المقدس داخلٌ في مقدسات المسلمين كالكعبة تماماً، وحادثة الإسراء من بيت المقدس تؤكد ذلك.
إذن: شاء الله تعالى أنْ يكون متجه الصلاة مرة إلى بيت المقدس، ومرة إلى الكعبة لحكمة في كليهما. الأولى: أنْ يكون بيتُ المقدس من مقدَّسات المسلمين. الثانية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له أُلفة بقبلة إبراهيم عليه السلام.
لذلك قال تعالى: قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ.. [البقرة: ١٤٤].
والصلاة فُرضَتْ على رسول الله بعد معراجه إلى السماء من بيت المقدس، والصلاة هذه بها متجه القبلة، فالقبلة لابدّ أنْ تأخذَ الاثنين مبدأ التشريعي ومبدأ الاستبقائي، وهذا جعله الله فتنةً للمسلمين ولغير المسلمين، لأن القِبْلَة لما كانت إلى بيت المقدس قالوا: ما الذي حوَّله عن قبلة إبراهيم إلى قبلة داود وسليمان، وقلنا: لكي تدخل في مقدسات الإسلام ولا يستبدوا بها.
واليهود التقطوا هذه المسألة وجعلوها شبهة وقالوا: إذا كان محمد رافضاً لديننا فكيف يتبع قبلتنا؟ إذن: كانت فتنةً للطرفين لكي يلتزم الإنسانُ التوجيهات الإلهية بدون تدخُّل للعقل فيها.
وقالوا في الليلة المباركة: إنها ليلة البراءة وليلة الصّك وليلة الرحمة، ليلة البراءة مأخوذة من البراءة التي كان يُعطيها العامل على الزكاة للمموِّل حين يعطيه حَقَّ الله في المال وهو الزكاة، فيعطيه العامل صَك البراءة الذي يدلّ على أدائه للزكاة وبراءة ذمته منها، والصَّك بنفس المعنى.
وليلة الرحمة، قالوا: رحمة برسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً، لأن نفسه كانت تتُوق للتوجُّه نحو قِبْلة إبراهيم.
وقوله سبحانه: إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ [الدخان: ٣] بعد أنْ ذكر الإنزال ذكر الإنذار، فالإنزال للإنذار، لأن القاعدةَ الشرعية أنَّ درْءَ المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة فذكر (منذرين) قبل مبشِّرين.
وسبق أنْ قلنا: هَبْ أن واحداً يرمي لك تفاحة، وفي ذات الوقت آخر يرميك بحجر، فبأيِّهما تنشغل؟ لا شكَّ أنك تحرص أولاً على دَفْع الحجر عنك وتُقدِّمه على استقبال التفاحة.
كذلك الحال في هذا الأسلوب القرآني إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ [الدخان: ٣] كلمة (كُنَّا) دلتْ على الماضي مع أن الإنذار مستمر ولا يزال، لأن الحق سبحانه لا يحكمه زمن معين، لأنه سبحانه خالق الزمن، وما دام الزمن من خَلْق الله فالمخلوق لا يتحكم في الخالق.
فالماضي والحاضر والمستقبل في حقنا نحن البشر، أمَّا في حَقِّ الله تعالى فالزمن كله سواء، فحين تقرأ مثلاً وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً [الأحزاب: ٥٠] تقول: كان ولا يزال وسيكون في المستقبل، لأنه ما دام كان في الأزل، وهو سبحانه لا يعتريه تغيير فهو من الأزل إلى الأبد غفور رحيم.
وقوله تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان: ٤] أي: في هذه الليلة يُفْرَقُ [الدخان: ٤] بمعنى يُوضَّح ويُفصَّل ويُبيَّن، والفرق هنا ليس بين حق وباطل، إنما بين أمرين كلاهما حق، وله حكمة في زمنه.
وتأمل وصف الأمر ذاته بأنه (حكيم) لأنه أمر الله أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ [الدخان: ٥] يعني: ليس هناك حكمة ترتقي إلى هذا الأمر الذي يأتي من قِبَل الحق سبحانه إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان: ٥] يعني: لم نترك خَلْقنا هملاً إنما خلقناهم وأرسلْنا لهم مَنْ يأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم ويدلُّهم على الهدى ويُبيِّن لهم.
فالحقّ أول ما خلق الخَلْق أرسل الرسل لهدايتهم، لذلك كان آدم عليه السلام وهو أول البشر رسولاً، لأن الخالق سبحانه خلق الإنسانَ، لماذا؟
لأنه خلقه لعمارة الأرض هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا.. [هود: ٦١] يعني: طلب منكم عمارتها، والعمارة تقتضي الصلاح وتمنع الفساد ولا أقلَّ من أنْ نترك الصالح على صلاحه إذا لم نَزد في الصلاح.
وقد أوضحنا هذه المسألة بالبئر في الصحراء. وقلنا: إذا لم تَرْتَق به بأنْ تبني حوله سوراً وحافَّة تحميه من زَحْف التراب عليه، أو تجعل عليه آلة لرفْع الماء، فلا أقلَّ من أنْ تتركه على حاله ولا تهدمه.
كذلك حالُ الإنسان في عمارة الأرض عليه أنْ يُعمِلَ عقله في البدهيات ليصل منها إلى نظريات ترتقي بها حياته، عندنا مثلاً الصوف والوبر والشعر، لكلٍّ منها صفاته الخاصة وما يصلح له، لذلك قال القرآن وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ [النحل: ٨٠].
ومعلوم أن الوبر للجمال، والصوف للغنم، والشعر للماعز، ولكل نوع منها خصائصُ يستخدمه الإنسان في ثيابه ومسكنه، وهذا من عمارة الأرض، حتى لو نظرنا إلى القواعد الهندسية والنظريات نجدها تعتمد في بدايتها على أمر بديهي موجود في الكون.
إذن: كلُّ ارتقاء في الكون أتى من أمر بديهي موهوب من الله، وعمل العقول في البدهيات من عمارة الأرض.
لذلك عندما تتأمل أسلوبَ القرآن في مخاطبة الناس تجده يبدأ بأمور بسيطة بعيدة عن التعقيد الفكري، فيُحدِّثهم أولاً عن أصل المنهج وما به تستقيم حياتهم وتنسجم حركاتهم في الحياة، ويُحدِّث العقول بما يناسب ارتقاءها الفكري.
فإذا ما نضج الفكر الإنساني وتمكّن المنهج في الناس سلوكاً وتطبيقاً بدأ يُحدِّثهم عن نظريات عقلية ويقول لهم: إن الأرض كروية، وأنها تدور حول الشمس لأن العقول أصبح عندها استعداد للبحث والتقصِّي.
انظر مثلاً إلى الطرق، وكيف كانت بدائية، مجرد مدقّ في الصحراء يسع البعير الواحد؟ وكيف تطورتْ الآن وما توفّر لها من أسباب الراحة والأمان والسرعة والسلامة وغيرها، إنه العقل حينما يعمل ليرتقي.
ألم يتعلّم الإنسان من الغراب كيف يدفن الموتى؟ ألم نتعلم من الكلاب ونستخدمها الآن رغم التطور العلمي في تقصِّي الأثر والتعرف على المجرمين باستخدام حاسة الشم؟ إذن: أخذنا الأمور الفطرية التي وهبها الله لنا وبنيْنَا عليها، وطوَّرناها لعمارة الأرض.
وعمارة الأرض لا تقوم إلا إذا استقام المنهجُ أولاً، فهو أساس الارتقاء وأساس الإصلاح، لأن الخالق سبحانه لما خلق الخَلْق جعل له منهجاً يحكمه ويُنظم حركته في الحياة بافعل كذا ولا تفعل كذا.
فإن استقام على منهج ربه وخالقه استقامتْ حياته، وإنْ شذَّ وانحرف ظهرتْ عورة المجتمع وبدَتْ مظاهر الفساد تدبْ في أوصاله.
وسبق أنْ مثَّلنا ذلك (بالكتالوج) الذي يضعه الصانع لحماية صنعته وصيانتها، كذلك أنت إنْ سِرْتَ على منهج خالقك لا يصيبك عَطَبٌ أبداً. ومن هنا كانت مهمة الرسل، للبيان وللتذكير بالمنهج (افعل كذا) و (لا تفعل كذا)، حتى سيدنا آدم ماذا حدث له لما خالف المنهج؟ ربنا قال له: كل من الجنة كما شئت إلا هذه الشجرة فأكلا منها، ماذا حدث؟
لما خالف حدث له العطب، وظهرت عورته لمَّا أكل من الشجرة واضطر لما لم يعهده من قبل من خروج الريح والغائط واضطراب البطن، وهذه أمور لم يكن يشعر بها قبل المخالفة.
وقوله سبحانه: إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان: ٥] يعني: مرسلين رسلاً إلى مَنِ استخلفناه في الأرض حتى تسْلَم حركةُ الحياة من العطب، وحتى يسلَمَ المجتمعُ من الشرور، ويتساند ولا يتعارض.
آية رقم ٥
مسألة الإنزال تعني إنزال شيء من أعلى إلى أسفل، وتقتضي: مُنزِل، ومُنزَل، ومُنزَل إليه، فالذي أنزل هو الله، وما دام أنْ المنزِلَ هو الله فالإنزال من جهة العلو بصرف النظر عن المكانية، لأنه قال عن الحديد: وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد: ٢٥] والحديد في باطن الأرض، والإنزال يُشْعِر بعلُوّ المنزل.
ثم الشيء المنزَل هو القرآن الكريم أَنزَلْنَاهُ [الدخان: ٣] إلىَ مَنْ أنزل إلى الناس فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ [الدخان: ٣] هي ليلة القدر يعني: زمنَ النزول العام للقرآن.
وقال فِي لَيْلَةٍ [الدخان: ٣] لأن الليل محل السكون والهدوء، حيث لا لَغَطَ ولا ضوضاء ولا صَخَب يُمكن أنْ يُشوّش على المنزَل، كذلك يكون الإنسان ساكناً غيرَ منشغل الجوارح بشيء.
إذن: في الليل يتوفر للعقل كُلُّ مُقوِّمات الانتباه والاستيعاب وصفاء النفس، لذلك اقرأ في أول سورة المزمل: يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً [المزمل: ١-٦].
إذن: نزل القرآن ليلاً لأنه أنسبُ وقت لنزوله، ونزل على قلب رسول الله بمكة، فهي ليلة مكة لا غيرها، ومكة وسط العالم ومركزه، لذلك قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ١٤٣].
البعض قال عن هذه الليلة: هي ليلة القدر لقوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ [القدر: ١] وآخرون قالوا: بل هي ليلة النصف من شعبان، والمسألة هذه تحتاج منا إلى تمحيص لأنه نزل في واحدة منها.
نقول: القرآن قبل أنْ ينزل ويباشر مهمته في الوجود كان في أيِّ مكان؟ كان في اللوح المحفوظ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٧-٧٩] وقال: وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤].
فالنزول الأول للقرآن كان جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، لكن هل نزل ما سُجِّل في اللوح المحفوظ أو نسخة منه؟ قالوا: بل نسخة منه بعد استنساخه.
ثم بعد ذلك نزل مُنجَّماً حسْب الأحوال والأحداث، نزل به الملَكُ جبريل على قلب سيدنا رسول الله، كل نَجْم منه في مناسبة.
إذن: عندنا مراحل ثلاث لنزول القرآن: الأولى استنساخه من اللوح المحفوظ، وهذا له زمن، ثم نزوله جملةً واحدة إلى سماء الدنيا وله زمن، ثم نزوله مُنجماً حسْب الأحوال، وهذا النزول له زمن ممتدّ على مدى الأحداث استغرق عدة سنوات.
ومن الممكن أنْ نجد في هذه المراحل الثلاث مخرجاً من إشكال: أهو في ليلة القدر أم في النصف من شعبان؟ ولا مانع من اشتراك الليلتين في هذا الفضل في أيِّ مرحلة من مراحله.
ثم إن ليلة النصف من شعبان لها شرفها وكرامتها الخاصة بها، وهي مسألة تحويل القبلة التي هي متجه المسلمين جميعاً في كلِّ بقاع الأرض، ثم إن الاتجاه إلى بيت المقدس كان له زمن وله حكمة، ثم التحول إلى الكعبة كان أيضاً له زمن وله حكمة.
فليستْ المقارنة هنا بين حَقٍّ وباطل، بل الفرق بين أمرين حكيمين، لكن هذا له زمن وهذا له زمن، لذلك الحق سبحانه لم يشأ أنْ يجعل تحويل القبلة في فرض من أوله، إنما في أثناء الفرض قسمه الأمر بالتحويل قسمين، فصلى نصف الصلاة الأولى إلى بيت المقدس، ونصفها الآخر إلى الكعبة.
وهذا إنْ دَلَّ فإنما يدلّ على أن بيتَ المقدس داخلٌ في مقدسات المسلمين كالكعبة تماماً، وحادثة الإسراء من بيت المقدس تؤكد ذلك.
إذن: شاء الله تعالى أنْ يكون متجه الصلاة مرة إلى بيت المقدس، ومرة إلى الكعبة لحكمة في كليهما. الأولى: أنْ يكون بيتُ المقدس من مقدَّسات المسلمين. الثانية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له أُلفة بقبلة إبراهيم عليه السلام.
لذلك قال تعالى: قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ.. [البقرة: ١٤٤].
والصلاة فُرضَتْ على رسول الله بعد معراجه إلى السماء من بيت المقدس، والصلاة هذه بها متجه القبلة، فالقبلة لابدّ أنْ تأخذَ الاثنين مبدأ التشريعي ومبدأ الاستبقائي، وهذا جعله الله فتنةً للمسلمين ولغير المسلمين، لأن القِبْلَة لما كانت إلى بيت المقدس قالوا: ما الذي حوَّله عن قبلة إبراهيم إلى قبلة داود وسليمان، وقلنا: لكي تدخل في مقدسات الإسلام ولا يستبدوا بها.
واليهود التقطوا هذه المسألة وجعلوها شبهة وقالوا: إذا كان محمد رافضاً لديننا فكيف يتبع قبلتنا؟ إذن: كانت فتنةً للطرفين لكي يلتزم الإنسانُ التوجيهات الإلهية بدون تدخُّل للعقل فيها.
وقالوا في الليلة المباركة: إنها ليلة البراءة وليلة الصّك وليلة الرحمة، ليلة البراءة مأخوذة من البراءة التي كان يُعطيها العامل على الزكاة للمموِّل حين يعطيه حَقَّ الله في المال وهو الزكاة، فيعطيه العامل صَك البراءة الذي يدلّ على أدائه للزكاة وبراءة ذمته منها، والصَّك بنفس المعنى.
وليلة الرحمة، قالوا: رحمة برسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً، لأن نفسه كانت تتُوق للتوجُّه نحو قِبْلة إبراهيم.
وقوله سبحانه: إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ [الدخان: ٣] بعد أنْ ذكر الإنزال ذكر الإنذار، فالإنزال للإنذار، لأن القاعدةَ الشرعية أنَّ درْءَ المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة فذكر (منذرين) قبل مبشِّرين.
وسبق أنْ قلنا: هَبْ أن واحداً يرمي لك تفاحة، وفي ذات الوقت آخر يرميك بحجر، فبأيِّهما تنشغل؟ لا شكَّ أنك تحرص أولاً على دَفْع الحجر عنك وتُقدِّمه على استقبال التفاحة.
كذلك الحال في هذا الأسلوب القرآني إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ [الدخان: ٣] كلمة (كُنَّا) دلتْ على الماضي مع أن الإنذار مستمر ولا يزال، لأن الحق سبحانه لا يحكمه زمن معين، لأنه سبحانه خالق الزمن، وما دام الزمن من خَلْق الله فالمخلوق لا يتحكم في الخالق.
فالماضي والحاضر والمستقبل في حقنا نحن البشر، أمَّا في حَقِّ الله تعالى فالزمن كله سواء، فحين تقرأ مثلاً وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً [الأحزاب: ٥٠] تقول: كان ولا يزال وسيكون في المستقبل، لأنه ما دام كان في الأزل، وهو سبحانه لا يعتريه تغيير فهو من الأزل إلى الأبد غفور رحيم.
وقوله تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان: ٤] أي: في هذه الليلة يُفْرَقُ [الدخان: ٤] بمعنى يُوضَّح ويُفصَّل ويُبيَّن، والفرق هنا ليس بين حق وباطل، إنما بين أمرين كلاهما حق، وله حكمة في زمنه.
وتأمل وصف الأمر ذاته بأنه (حكيم) لأنه أمر الله أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ [الدخان: ٥] يعني: ليس هناك حكمة ترتقي إلى هذا الأمر الذي يأتي من قِبَل الحق سبحانه إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان: ٥] يعني: لم نترك خَلْقنا هملاً إنما خلقناهم وأرسلْنا لهم مَنْ يأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم ويدلُّهم على الهدى ويُبيِّن لهم.
فالحقّ أول ما خلق الخَلْق أرسل الرسل لهدايتهم، لذلك كان آدم عليه السلام وهو أول البشر رسولاً، لأن الخالق سبحانه خلق الإنسانَ، لماذا؟
لأنه خلقه لعمارة الأرض هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا.. [هود: ٦١] يعني: طلب منكم عمارتها، والعمارة تقتضي الصلاح وتمنع الفساد ولا أقلَّ من أنْ نترك الصالح على صلاحه إذا لم نَزد في الصلاح.
وقد أوضحنا هذه المسألة بالبئر في الصحراء. وقلنا: إذا لم تَرْتَق به بأنْ تبني حوله سوراً وحافَّة تحميه من زَحْف التراب عليه، أو تجعل عليه آلة لرفْع الماء، فلا أقلَّ من أنْ تتركه على حاله ولا تهدمه.
كذلك حالُ الإنسان في عمارة الأرض عليه أنْ يُعمِلَ عقله في البدهيات ليصل منها إلى نظريات ترتقي بها حياته، عندنا مثلاً الصوف والوبر والشعر، لكلٍّ منها صفاته الخاصة وما يصلح له، لذلك قال القرآن وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ [النحل: ٨٠].
ومعلوم أن الوبر للجمال، والصوف للغنم، والشعر للماعز، ولكل نوع منها خصائصُ يستخدمه الإنسان في ثيابه ومسكنه، وهذا من عمارة الأرض، حتى لو نظرنا إلى القواعد الهندسية والنظريات نجدها تعتمد في بدايتها على أمر بديهي موجود في الكون.
إذن: كلُّ ارتقاء في الكون أتى من أمر بديهي موهوب من الله، وعمل العقول في البدهيات من عمارة الأرض.
لذلك عندما تتأمل أسلوبَ القرآن في مخاطبة الناس تجده يبدأ بأمور بسيطة بعيدة عن التعقيد الفكري، فيُحدِّثهم أولاً عن أصل المنهج وما به تستقيم حياتهم وتنسجم حركاتهم في الحياة، ويُحدِّث العقول بما يناسب ارتقاءها الفكري.
فإذا ما نضج الفكر الإنساني وتمكّن المنهج في الناس سلوكاً وتطبيقاً بدأ يُحدِّثهم عن نظريات عقلية ويقول لهم: إن الأرض كروية، وأنها تدور حول الشمس لأن العقول أصبح عندها استعداد للبحث والتقصِّي.
انظر مثلاً إلى الطرق، وكيف كانت بدائية، مجرد مدقّ في الصحراء يسع البعير الواحد؟ وكيف تطورتْ الآن وما توفّر لها من أسباب الراحة والأمان والسرعة والسلامة وغيرها، إنه العقل حينما يعمل ليرتقي.
ألم يتعلّم الإنسان من الغراب كيف يدفن الموتى؟ ألم نتعلم من الكلاب ونستخدمها الآن رغم التطور العلمي في تقصِّي الأثر والتعرف على المجرمين باستخدام حاسة الشم؟ إذن: أخذنا الأمور الفطرية التي وهبها الله لنا وبنيْنَا عليها، وطوَّرناها لعمارة الأرض.
وعمارة الأرض لا تقوم إلا إذا استقام المنهجُ أولاً، فهو أساس الارتقاء وأساس الإصلاح، لأن الخالق سبحانه لما خلق الخَلْق جعل له منهجاً يحكمه ويُنظم حركته في الحياة بافعل كذا ولا تفعل كذا.
فإن استقام على منهج ربه وخالقه استقامتْ حياته، وإنْ شذَّ وانحرف ظهرتْ عورة المجتمع وبدَتْ مظاهر الفساد تدبْ في أوصاله.
وسبق أنْ مثَّلنا ذلك (بالكتالوج) الذي يضعه الصانع لحماية صنعته وصيانتها، كذلك أنت إنْ سِرْتَ على منهج خالقك لا يصيبك عَطَبٌ أبداً. ومن هنا كانت مهمة الرسل، للبيان وللتذكير بالمنهج (افعل كذا) و (لا تفعل كذا)، حتى سيدنا آدم ماذا حدث له لما خالف المنهج؟ ربنا قال له: كل من الجنة كما شئت إلا هذه الشجرة فأكلا منها، ماذا حدث؟
لما خالف حدث له العطب، وظهرت عورته لمَّا أكل من الشجرة واضطر لما لم يعهده من قبل من خروج الريح والغائط واضطراب البطن، وهذه أمور لم يكن يشعر بها قبل المخالفة.
وقوله سبحانه: إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان: ٥] يعني: مرسلين رسلاً إلى مَنِ استخلفناه في الأرض حتى تسْلَم حركةُ الحياة من العطب، وحتى يسلَمَ المجتمعُ من الشرور، ويتساند ولا يتعارض.
آية رقم ٦
أي: أن الإرسال رحمة من الله بالعباد، لأنه أمر لنا أنا وأنت من أعلى منا، لا نجد غضاضة في ذلك، فلا أحدَّ منَّا يتعالى على الآخر، لأننا نتلقى أوامرنا من الله...
إذن: تستقيم بنا الحياةُ حين نسير على المنهج، لذلك سماه (الصراط المستقيم) وسماه (سواء السبيل) يعني: في الوسط لا يميل هنا ولا هنا، لأنه يريد أنْ يُوفر عليك المجهود ويوفر الوقت، كل هذا ثمرة المنهج والسير على الصراط المستقيم.
وهذه رحمة من الله بنا، نعم رحمة بنا ألاَّ يتركنا للتجربة يموج بعضُنا في بعض حتى نصلَ إلى الصواب وإلى الحق وإلى الصراط المستقيم، من رحمته بنا ألاَّ يتركنا نتعاند ونتصادم بعضُنا ببعض، بل جعل لنا قوانين، وجعل لنا منهجاً نسير عليه من بداية الطريق.
وفرْق بين أمر يُلجئك إلى أنْ تُعدِّل مسارك وبين أمر معتدل من البداية، من رحمة الله بنا أنْ يجعلنا نسير في اتجاه واحد بحيث تكون كُلُّ الحركات في اتجاه البناء، وكل المجهودات إلى غاية واحدة، يتعاون فيها كل الأفراد، ويتساند فيها كل الأفراد.
وإلاَّ لو كانتْ الحركاتُ متصادمة فهي تهدم وتدمر، وما فائدة أنْ تبني وغيرُك يهدم... وتأمل لفظ القرآن رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ [الدخان: ٦] ولم يقُلْ رحمة من الله، لأن الربّ هَو مُتولِّي التربية والرعاية، وسبق أنْ قلنا إن الألوهية تكليف والربوبية عطاء، فهذه الرحمة رحمة الرب الراعي الرحيم كالأم تربي طفلها الصغير وتحنو عليه وتُقوِّيه.
وما دام هو سبحانه ربكم ومُربِّيكم وخالقكم كان يجب عليكم أنْ تطيعوه وألاَّ تخرجوا عن منهجه إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ السميع لكل آلام الناس وشكاواهم إنْ جهروا بها، وهو (العليم) بأحوالهم وما يختلج في صدورهم إنْ كتموها في أنفسهم، وإنْ كان الخطاب هنا بصيغة المفرد ومُوجهاً إلى سيدنا رسول الله.
رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ أي: يا محمد. وهذه عناية خاصة من الله برسوله وبيان لمنزلته صلى الله عليه وسلم من الله، فعيْنُ الله تحرسه، وعزيزٌ عليه أنْ يصيبه أذىً أو ألم من قومه، فهو أغلى البشر عنده، لذلك ربَّاه التربيةَ التي تجعله لا مهدياً في نفسه فحسب، إنما وهادياً للناس.
بعد أنْ قال سبحانه رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ [الدخان: ٦] أكدَّها بقوله رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ [الدخان: ٧] ثم ردَّ الأمر إلى يقينهم إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ [الدخان: ٧] كأنه واثقٌ أنهم عندما يُسألون لن يقولوا إلا هذا، فما دُمتم موقنين بأن الله هو خالق السماوات والأرض وما بينهما، فلماذا كذَّبتم رسوله؟!
إن الآيات الكونية واضحة الدلالة على خالقها عز وجل، هذه السماء التي تُظلكم، وهذه الأرض التي تُقلكم وما بينهما من خيرات وأسرار، بل وما تحت الثرى من ثروات كلها تدل على الله. وإذا كان هذا الذي نراه في الأرض والسماء عالم الملك، فما بالك بعالم الملكوت؟
عالم الملك تستطيع أن تقف عليه بحواسِّك، أما عالم الملكوت فغيْبٌ لا نعرف منه إلا ما أخبرنا الله به، كما قال تعالى في شأن سيدنا إبراهيم: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ.. [الأنعام: ٧٥].
وقوله إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ [الدخان: ٧] اليقين استقبال القضية بدون شك علماً أو عَيْناً أو حقيقة، كما سبق أنْ أوضحنا علم اليقين، ثم عين اليقين، ثم حقيقة اليقين، فاليقين هو الاعتقاد الثابت الذي لا يتغيَّر بالحكم عليه في الوجود علماً وعَيناً وحقيقة.
وهذه المراحل الثلاث ذُكِرَتْ في قوله تعالى: كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ [التكاثر: ٥-٨].
وقال في سورة الواقعة: وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ [الواقعة: ٩٢-٩٦].
لكن أكان هؤلاء القوم فعلاً موقنين بأن الله رَبُّ السماوات والأرض وما بينهما؟ القرآن يقول لهم: إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ [الدخان: ٧] وإنْ هنا أفادت الشكَّ في يقينهم، لأنهم لو كانوا موقنين لآمنوا برسول الله وصدَّقوه، فهم يعترفون بأن الله خالقهم وخالق الكون كله، ومع ذلك صادموا دين الله، لماذا؟
لأن الدين يُقيِّد حركتهم ويحرمهم من الشهوات ومن الاستفادة بالفساد الموجود في مجتمعهم الدين الحق يحرمهم من السيادة، ويُسوِّي بينهم بين السادة والعبيد، إذن: كرهوا الدين الحق للمنهج الذي جاء به، ومالوا لدين باطل لأنه خَالٍ من المنهج، ليس فيه أوامر ولا نَواهٍ.
الحق سبحانه وتعالى يريد منا أنْ تنسحب مقولتنا على أفعالنا، كلمة لاَ إِلَـٰهَ [الدخان: ٨] الإله هو المعبود الحق، لأنهم لما عبدوا الأصنام سمَّوْها آلهة، نعم آلهة بزعمهم وفي تصورهم هم، لكنها آلهة باطلة وتسمية باطلة، لأن الإله هو المعبود بحقٍّ والذي له منهج ويقوم على ذلك الدليل.
أما دعواهم فدعوى ليس لها دليل، اللهم إلا أنها عبادةٌ تُرضي ما في نفوسهم من ميْل للتدين حتى لو كان المعبودُ صنماً لا تكاليفَ له ولا منهجَ عنده.
فالتدين كما قلنا فطرة في الإنسان، والواقع والتجربة تُثبت ذلك، فلما تضيق الأسباب بالإنسان حتى الكافر يقول: يا رب ويلجأ إلى المعبود الحق ولا يخدع نفسه، لأن الشدة التي نزلت به يعرف أنها لا كاشفَ لها إلا الله.
لذلك لم يقُلْ أحدٌ يا لات ولا يا عزى، لكن للأسف حين يكشف الله عنهم ويُفرج كربهم يعودون إلى ما كانوا عليه، وكثيراً ما تحدَّث القرآن حول هذا المعنى، قال تعالى: وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [يونس: ١٢].
ويغيب عن أذهان الناس أن الدين عندما يُقيد حركتك فيما لا يجوز وأنت فرد يُقيد حركة الناس جميعاً من أجلك. فقال لك: لا تسرق من الناس. وقال للناس جميعاً أن لا يسرقوا منك. إذن: أنت المستفيد الأول من تطبيق منهج الله.
وبعد أن قال: لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ.. [الدخان: ٨] أتى بالدليل عليها يُحْيِـي وَيُمِيتُ.. [الدخان: ٨] لأن مسألة الإحياء والإماتة لله وحده لا منازع له فيها، والذين يتمتعون بالحياة لا يعكر عليهم صفو هذه المتعة إلا أنهم يروْنَ الموت حولهم يحوم ويوشك أنْ يصيبهم.
إذن: الحق سبحانه وتعالى أتى هنا في الشيء الذي يحبه، فالذي يملك حياتك ويملك موتك هو الله، فلا يليق بك أنْ تغفلَ عنه، أو أنْ تنصرفَ عن منهجه وسبيله إلى سبيل غيره.
وقوله يُحْيِـي وَيُمِيتُ.. [الدخان: ٨] واقع بالفعل على الغير وإنْ كان من صفاته أنه حَيٌّ قيوم، كما في آية الكرسي: ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ.. [البقرة: ٢٥٥] والبعض يقول: الحي اسم الله الأعظم لأنه أصْلٌ، وكل صفة أخرى أو اسم آخر فرع منه.
قالوا: الحي هو الاسم الأعظم في العطاء، والله الاسم الأعظم في العبودية، لأن معنى كلمة الله المعبود المطاع في كُلِّ أوامره.
وما دام مطاعاً في كل أوامره. إذن: أنت عندما تسأل الله تقول: بسم الله، يعني: بسم الله أقبل على هذا العمل، لأن العمل يحتاج إلى طاقة، ويحتاج إلى عقل يفكر قبل أنْ تشرعَ في العمل، ويحتاج إلى حكمة.
وهذه الأشياء ممَّن تستمدها؟ من الله، لأنه وحده الذي يجمع كلَّ صفات الكمال ويفيض عليك من صفاته فوجبَ الاستعانة به والتوكل عليه، فالذي قال: إن الاسم الأعظم (الحي) نظر إلى العطاء، والذي قال (الله) نظر إلى التكليف.
وقوله سبحانه: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ [الدخان: ٨] أراد سبحانه أنْ يجادل الكفار المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ [الزخرف: ٢٣] فأراد أنْ يُبيِّن كذبهم في هذه المقولة، فلو أنهم مقتدون فعلاً بالآباء لسَاروا على منهج آدم عليه السلام، لكنهم شذُّوا عنه وانحرفوا عن هديه حتى تغيَّر منطق الدين، وتعددتْ رسُل الله لهدايتهم.
آية رقم ٩
الحق سبحانه وتعالى هنا جمع لهم وصفين: أنهم في شَكٍّ من دين الله، وأنهم يلعبون يعني: غير جادين في هذه المسألة، ولو كان وصف واحد منهما لكان كافياً لإبعادهم عن ساحة الإيمان.
هُمْ فِي شَكٍّ.. لنعرف معنى الشك نقول: إن النسب العقلية في القضايا ستُّ نسب. منها: العلم: وهو أن تعتقد قضية يُؤيدها الواقع. والجهل: أنْ تعتقد قضية مخالفة للواقع. والتقليد: وهو أنْ تعتقد قضية ولا تستطيع التدليلَ عليها كالطفل يُقلّد أباه فيقول: الله أحد لكنه لا يقيم الدليل عليها، ثم الشك وهو أنْ يستوي عندك أمران لا ترجح أحدهما على الآخر، فإنْ رجحت أحدهما فالراجح ظنّ، والمرجوح وَهْم.
فالشك إذن أنْ يستويَ عندهم الكفر والإيمان، وليتهم في شَكٍّ فقط، إنما أيضاً يَلْعَبُونَ فلو كانوا في شَكٍّ وجادِّين في البحث والتأمل لوصلوا إلى الحق، لكنهم هازلون لاعبون، لا حرصَ عندهم للوصول إلى الحق.
آية رقم ١٠
الحق سبحانه يُبيِّن أنه لن يترك هؤلاء الشَّاكِّينَ المكذِّبين لرسوله، اللاهين اللاعبين وأن لهم يوماً يقتصّ فيه منهم، فيقول صلى الله عليه وسلم فَٱرْتَقِبْ [الدخان: ١٠] انتظر يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ [الدخان: ١٠] أي: دخان ظاهر وكثيف.
والدخان: غازات تتداخل وتملأ الجو مثل الشبورة التي نراها في الصباح، ولكثافتها تؤدي إلى حَجْب الرؤية، لأن تداخلَ الذرات يسُد الفجوات التي ينفذ منها البصر، ثم تُسبب ضيقاً في الهواء وفي التنفس، فإذا جمعتَ عدم الرؤية مع ضيق التنفس تجد أن الكرْبَ عظيم لا يتحمله الإنسان.
قالوا: إن الدخانَ هنا دلالةٌ على الجدب الذي أصابهم والقحط الذي نزل بهم، لأنهم لما بالغوا في تكذيب رسول الله واشتدُّوا في إيذائه وإيذاء أصحابه دعا عليهم وقالفأصابهم القحط والجدب حتى أكلوا الجِيفَ والكلاب الميتة، حتى أكلوا العلهز وهو الصوف أو الوبر المخلوط بالدم الجاف. إلى أنْ ضجُّوا وذهبوا إلى رسول الله يطلبون منه أنْ يدعوَ الله لهم أنْ يكشف عنهم ما نزل بهم.
وقد بيَّنَ الله لرسوله كذبهم، فلو كشفنا عنهم العذابَ فلسوف يعودون إلى ما كانوا عليه من الكفر والتكذيب.
ومعنى يَغْشَى ٱلنَّاسَ [الدخان: ١١] يعني: يحيط بهم ويُغطيهم هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الدخان: ١١] لأنه يمنع عنهم الرؤية ويُضيق التنفس فيجأرون رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ [الدخان: ١٢] والله يعلم أنهم كاذبون في هذه المقولة.

لذلك يقول بعدها:

أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ... .
آية رقم ١١
الحق سبحانه يُبيِّن أنه لن يترك هؤلاء الشَّاكِّينَ المكذِّبين لرسوله، اللاهين اللاعبين وأن لهم يوماً يقتصّ فيه منهم، فيقول صلى الله عليه وسلم فَٱرْتَقِبْ [الدخان: ١٠] انتظر يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ [الدخان: ١٠] أي: دخان ظاهر وكثيف.
والدخان: غازات تتداخل وتملأ الجو مثل الشبورة التي نراها في الصباح، ولكثافتها تؤدي إلى حَجْب الرؤية، لأن تداخلَ الذرات يسُد الفجوات التي ينفذ منها البصر، ثم تُسبب ضيقاً في الهواء وفي التنفس، فإذا جمعتَ عدم الرؤية مع ضيق التنفس تجد أن الكرْبَ عظيم لا يتحمله الإنسان.
قالوا: إن الدخانَ هنا دلالةٌ على الجدب الذي أصابهم والقحط الذي نزل بهم، لأنهم لما بالغوا في تكذيب رسول الله واشتدُّوا في إيذائه وإيذاء أصحابه دعا عليهم وقالفأصابهم القحط والجدب حتى أكلوا الجِيفَ والكلاب الميتة، حتى أكلوا العلهز وهو الصوف أو الوبر المخلوط بالدم الجاف. إلى أنْ ضجُّوا وذهبوا إلى رسول الله يطلبون منه أنْ يدعوَ الله لهم أنْ يكشف عنهم ما نزل بهم.
وقد بيَّنَ الله لرسوله كذبهم، فلو كشفنا عنهم العذابَ فلسوف يعودون إلى ما كانوا عليه من الكفر والتكذيب.
ومعنى يَغْشَى ٱلنَّاسَ [الدخان: ١١] يعني: يحيط بهم ويُغطيهم هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الدخان: ١١] لأنه يمنع عنهم الرؤية ويُضيق التنفس فيجأرون رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ [الدخان: ١٢] والله يعلم أنهم كاذبون في هذه المقولة.

لذلك يقول بعدها:

أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ... .
آية رقم ١٢
الحق سبحانه يُبيِّن أنه لن يترك هؤلاء الشَّاكِّينَ المكذِّبين لرسوله، اللاهين اللاعبين وأن لهم يوماً يقتصّ فيه منهم، فيقول صلى الله عليه وسلم فَٱرْتَقِبْ [الدخان: ١٠] انتظر يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ [الدخان: ١٠] أي: دخان ظاهر وكثيف.
والدخان: غازات تتداخل وتملأ الجو مثل الشبورة التي نراها في الصباح، ولكثافتها تؤدي إلى حَجْب الرؤية، لأن تداخلَ الذرات يسُد الفجوات التي ينفذ منها البصر، ثم تُسبب ضيقاً في الهواء وفي التنفس، فإذا جمعتَ عدم الرؤية مع ضيق التنفس تجد أن الكرْبَ عظيم لا يتحمله الإنسان.
قالوا: إن الدخانَ هنا دلالةٌ على الجدب الذي أصابهم والقحط الذي نزل بهم، لأنهم لما بالغوا في تكذيب رسول الله واشتدُّوا في إيذائه وإيذاء أصحابه دعا عليهم وقالفأصابهم القحط والجدب حتى أكلوا الجِيفَ والكلاب الميتة، حتى أكلوا العلهز وهو الصوف أو الوبر المخلوط بالدم الجاف. إلى أنْ ضجُّوا وذهبوا إلى رسول الله يطلبون منه أنْ يدعوَ الله لهم أنْ يكشف عنهم ما نزل بهم.
وقد بيَّنَ الله لرسوله كذبهم، فلو كشفنا عنهم العذابَ فلسوف يعودون إلى ما كانوا عليه من الكفر والتكذيب.
ومعنى يَغْشَى ٱلنَّاسَ [الدخان: ١١] يعني: يحيط بهم ويُغطيهم هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الدخان: ١١] لأنه يمنع عنهم الرؤية ويُضيق التنفس فيجأرون رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ [الدخان: ١٢] والله يعلم أنهم كاذبون في هذه المقولة.

لذلك يقول بعدها:

أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ... .
آية رقم ١٣
قوله: أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ [الدخان: ١٣] من أين لهم التذكُّر والاتعاظ؟ ومن أين لهم الإيمان الذي يدَّعونه وقد جاءهم رَسُولٌ مُّبِينٌ [الدخان: ١٣] بأكبر من هذا الدخان: بينات معجزات قائمة، كتاب حكيم معجز، حكمة تسيّر الكون على نظام بديع، يسعد الفرد والمجتمع واضح الحجة، واضح البيان، كثير الخيرات، محيط بكل وجوه الخير التي تعود عليهم، فما كان منهم إلا الإعراض والتكذيب.
تَوَلَّوْاْ عَنْهُ [الدخان: ١٤] أعرضوا وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ [الدخان: ١٤] يعني لم يُعرضوا عنه ويتركوه في حاله، إنما تعدَّوْا عليه بالقول والاتهام الكاذب مُعَلَّمٌ.. [الدخان: ١٤] أي: يعلمه غيره.
كما قال سبحانه في موضع آخر: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: ١٠٣] فيردّ الله عليهم ويُبطل اتهاماتهم لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [النحل: ١٠٣].
وقد قالوا أنه صلى الله عليه وسلم يختلف إلى رجل فارسي يُعلّمه القرآن، وردّ عليهم في قولهم (مجنون) فقال سبحانه وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير: ٢٢]. وقال: نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ١-٤].
وما دام على خُلُق عظيم فهو لا يتعدى مقاييس الفضيلة، ولا تصدر عنه الأفعال إلا عن تدبّر وتعقّل وأدب، وما أبعد هذا عن الجنون!!.
آية رقم ١٤
قوله: أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ [الدخان: ١٣] من أين لهم التذكُّر والاتعاظ؟ ومن أين لهم الإيمان الذي يدَّعونه وقد جاءهم رَسُولٌ مُّبِينٌ [الدخان: ١٣] بأكبر من هذا الدخان: بينات معجزات قائمة، كتاب حكيم معجز، حكمة تسيّر الكون على نظام بديع، يسعد الفرد والمجتمع واضح الحجة، واضح البيان، كثير الخيرات، محيط بكل وجوه الخير التي تعود عليهم، فما كان منهم إلا الإعراض والتكذيب.
تَوَلَّوْاْ عَنْهُ [الدخان: ١٤] أعرضوا وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ [الدخان: ١٤] يعني لم يُعرضوا عنه ويتركوه في حاله، إنما تعدَّوْا عليه بالقول والاتهام الكاذب مُعَلَّمٌ.. [الدخان: ١٤] أي: يعلمه غيره.
كما قال سبحانه في موضع آخر: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: ١٠٣] فيردّ الله عليهم ويُبطل اتهاماتهم لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [النحل: ١٠٣].
وقد قالوا أنه صلى الله عليه وسلم يختلف إلى رجل فارسي يُعلّمه القرآن، وردّ عليهم في قولهم (مجنون) فقال سبحانه وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير: ٢٢]. وقال: نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ١-٤].
وما دام على خُلُق عظيم فهو لا يتعدى مقاييس الفضيلة، ولا تصدر عنه الأفعال إلا عن تدبّر وتعقّل وأدب، وما أبعد هذا عن الجنون!!.
آية رقم ١٥
إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ
أي: عذاب الدنيا الذي نزل بهم، والذي سمَّاه القرآن العذاب الأدنى وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ الْعَذَابِ الأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [السجدة: ٢١] سنكشف عنهم عذاب الدخان والقحط والجوع الذي اضطرهم لأنْ يأكلوا الميتة، سنكشفه عنكم قليلاً لنثبتَ لكم أنكم كاذبون ولو أمام أنفسكم لتقتنعوا بهذه الحقيقة؛ لأن المؤمنين بي يعرفونها ويشهدون بها، أما أنتم فتنكرونها.
أو يكشف كذبهم أمام الناشئة، منهم الذين لم يتمكن منهم الكفر فيحدث خلخلة في صفوفهم، ويظهر الكافرون على حقيقتهم فلا يُقلدهم أبناؤهم الذين يتابعون هذه المواقف، ويشاهدون كذبَ الآباء والأجداد.
وفعلاً رأينا من أبناء الكافرين مَنْ أسلم وأبلى في الإسلام بلاءً حسناً أمثال عكرمة بن أبي جهل وغيره، ممَّنْ عاينوا كذب الآباء وعدم وفائهم مع الله.
آية رقم ١٦
يعني: اذكروا هذا اليوم ولا تغفلوا عنه يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ [الدخان: ١٦] البطش: الأخْذ بقوة والضربة القوية التي تستوعب كلَّ جوارح الجسم ولا تبالي على أيِّ عضو وقعتْ، نقول: فلان بطش بفلان يعني: ضربه بقسوة وعنف دون أنْ يراعي على أيِّ عضو وقع الضرب، وبعد هذا الوصف سماها (الكبرى) تأكيداً على قسوتها وشدَّتها على الكافرين.
إِنَّا مُنتَقِمُونَ [الدخان: ١٦] والانتقام يدل على التكافؤ، فالبطشة ليستْ اعتداءً منا، بل جزاءَ ما قدَّمتم من تكذيب وإيذاء لرسول الله.
فالبطشة إذن جزاءٌ من جنس العمل، ولولا هذه البطشة لم تتحقق عدالة السماء بين المؤمنين والكافرين، ولكانتْ مساواة بين المؤمنين الذين تحمَّلوا الإيذاء والعَنت والاضطهاد، وبين الكافرين الظالمين المعتدين.
كان لا بدَّ أنْ تحدثَ هذه البطشةُ بالكافرين ليرى المؤمنون ثمرةَ إيمانهم، وكيف أن الله نجَّاهم بالإيمان فيفرحون، ويرى الكافرون ثمرةَ كفرهم وعنادهم فيتحسَّرون ويندمون ويتألمون.
وفي أكثر من موضع حكى لنا القرآن الكريم حواراً بين أهل الجنة وأهل النار يُوضِّح فرح المؤمنين وندم الكافرين وتحسُّرهم: وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ [الأعراف: ٥٠].
فقوله تعالى إِنَّا مُنتَقِمُونَ [الدخان: ١٦] إشارة إلى عدالة السماء وكأن الله تعالى يقول لهم: لا تلومونا على أنْ أخذناكم هذه الأخْذةَ، فأنتم صَنْعتنا، ونحن أرأفُ بكم من الوالدة بولدها، لكن لا بدَّ من الانتقام لتستوي الكفة، وحتى لا تكون فتنةٌ.
آية رقم ١٧
كأنه يقول لهم: لسْتم بدعاً في ذلك، فقد سبقكم أمم كذَّبوا الرسول فنزل بهم مثلُ ما نزل بكم، كلمة فَتَنَّا [الدخان: ١٧] يعني: ابتلينا واختبرنا، والفتنة لا تُذمُّ لذاتها، وإنما تُذم لنتيجتها مثل الامتحان لا يُمدح ولا يُذم لذاته، إنما حسْب ما يترتب وما ينتج عنه.
وتعرفون قصة قوم فرعون وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ [الدخان: ١٧] هو سيدنا موسى عليه السلام، فهو كريم على الله الذي أرسله، ومن كرامته جعله كليماً يُكلِّمه من وراء حجاب، ذلك لأنه سيتعرَّض لا لفساد خُلُقي ولا لفساد اجتماعي، إنما لفساد عَقَديّ.
وكأنَّ الله تعالى يُعد للقائه مع رأس الكفر، وهو فرعون الذي وصل به الضلال إلى أنْ يدَّعي الألوهية، ويقول للناس: أنا ربكم الأعلى.
ومن هنا كانت مهمة موسى عليه السلام مهمة صعبة وشاقة، لذلك درَّبه ربه عز وجل على استخدام الآيات والمعجزات قبل أنْ يُظهرها أمام فرعون.
اقرأ: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ * قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ [طه: ١٧-٢٠].
فالحق سبحانه عرَّف موسى مهمة العصا في المعركة العقدية التي سيخوضها مع فرعون ودربه على التعامل معها، حتى إذا واجه فرعون واجهه بثقة وثبات واطمئنان إلى نصر الله وتأييده له، لذلك قلنا: إن المستشرقين تصيَّدوا هذه القصة، واتهموا القرآن بالتكرار.
وهذا يدل على عدم فهمهم للآيات في سياقها، فقصة العصا فعلاً وردتْ ثلاث مرات، مرة بين موسى وربه عز وجل كتدريب ومران على هذه المسألة، والمرة الثانية كانت أمام فرعون، والمرَّة الثالثة كانت أمام سحرة فرعون.
إذن: كان لكلِّ مرحلة حكمة، والمسألة ليستْ فيها تكرار، إنما هي مواقف مختلفة، كلٌّ في موعدها.
وقوله سبحانه: أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ [الدخان: ١٨] ساعة تسمع أَدُّوۤاْ إِلَيَّ [الدخان: ١٨] تعرف أن هناك أمانة يجب تأديتها، فما الأمانة التي يطلب موسى من قومه أنْ يؤدوها إليه؟
قالوا: الحق الذي طالب به موسى قوم فرعون هو أنْ يأخذ بني إسرائيل، وأنْ يخرجهم من العذاب المهين الذي يُلاقونه من قوم فرعون وهذه هي مهمة موسى الأولى، أما دعوته لفرعون فكانت على هامش المهمة الأساسية، وكلامه مع فرعون زائد على مهمته وعن التشريع الذي أتى به بني إسرائيل.
وسبب اضطهاد قوم فرعون لبني إسرائيل أن الهكسوس لما دخلوا مصر عاثوا فيها فساداً، وكان بنو إسرائيل يعاونون الهكسوس ويساعدونهم، فلما خرج الهكسوس من مصر لم يَعُدْ لهم عدو إلا بني إسرائيل لذلك اضطهدوهم.
وكما حكى القرآن: يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ [البقرة: ٤٩] فجاء سيدنا موسى أصلاً لإنقاذ بني إسرائيل من العذاب وليُخرجهم من مصر.
فالحق سبحانه وتعالى لطف ببني إسرائيل لأنهم كانوا هم المؤمنين في هذا الوقت وكان الآخرون وثنيين.
إذن معنى: أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ [الدخان: ١٨] يعني: اعطوني بني إسرائيل الذين تُعذِّبونهم واتركُوني وشأني.
ومن إعجاز القرآن أنه لما تكلَّم عن حاكم مصر سمَّاه فرعون، إلا في فترة سيدنا يوسف عليه السلام سماه الملك: وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ [يوسف: ٤٣].
وقد ثبت أن الهكسوس أثناء وجودهم في مصر غيَّروا اسم الفرعون وقالوا (الملك) وكان وجودهم في مصر أيام سيدنا يوسف عليه السلام.
وقوله: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الدخان: ١٨] يعني: مؤتمن على رسالتي من الله أؤديها كما يجب أن يكون الأداء.
كأنه يقول لهم: لسْتم بدعاً في ذلك، فقد سبقكم أمم كذَّبوا الرسول فنزل بهم مثلُ ما نزل بكم، كلمة فَتَنَّا [الدخان: ١٧] يعني: ابتلينا واختبرنا، والفتنة لا تُذمُّ لذاتها، وإنما تُذم لنتيجتها مثل الامتحان لا يُمدح ولا يُذم لذاته، إنما حسْب ما يترتب وما ينتج عنه.
وتعرفون قصة قوم فرعون وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ [الدخان: ١٧] هو سيدنا موسى عليه السلام، فهو كريم على الله الذي أرسله، ومن كرامته جعله كليماً يُكلِّمه من وراء حجاب، ذلك لأنه سيتعرَّض لا لفساد خُلُقي ولا لفساد اجتماعي، إنما لفساد عَقَديّ.
وكأنَّ الله تعالى يُعد للقائه مع رأس الكفر، وهو فرعون الذي وصل به الضلال إلى أنْ يدَّعي الألوهية، ويقول للناس: أنا ربكم الأعلى.
ومن هنا كانت مهمة موسى عليه السلام مهمة صعبة وشاقة، لذلك درَّبه ربه عز وجل على استخدام الآيات والمعجزات قبل أنْ يُظهرها أمام فرعون.
اقرأ: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ * قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ [طه: ١٧-٢٠].
فالحق سبحانه عرَّف موسى مهمة العصا في المعركة العقدية التي سيخوضها مع فرعون ودربه على التعامل معها، حتى إذا واجه فرعون واجهه بثقة وثبات واطمئنان إلى نصر الله وتأييده له، لذلك قلنا: إن المستشرقين تصيَّدوا هذه القصة، واتهموا القرآن بالتكرار.
وهذا يدل على عدم فهمهم للآيات في سياقها، فقصة العصا فعلاً وردتْ ثلاث مرات، مرة بين موسى وربه عز وجل كتدريب ومران على هذه المسألة، والمرة الثانية كانت أمام فرعون، والمرَّة الثالثة كانت أمام سحرة فرعون.
إذن: كان لكلِّ مرحلة حكمة، والمسألة ليستْ فيها تكرار، إنما هي مواقف مختلفة، كلٌّ في موعدها.
وقوله سبحانه: أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ [الدخان: ١٨] ساعة تسمع أَدُّوۤاْ إِلَيَّ [الدخان: ١٨] تعرف أن هناك أمانة يجب تأديتها، فما الأمانة التي يطلب موسى من قومه أنْ يؤدوها إليه؟
قالوا: الحق الذي طالب به موسى قوم فرعون هو أنْ يأخذ بني إسرائيل، وأنْ يخرجهم من العذاب المهين الذي يُلاقونه من قوم فرعون وهذه هي مهمة موسى الأولى، أما دعوته لفرعون فكانت على هامش المهمة الأساسية، وكلامه مع فرعون زائد على مهمته وعن التشريع الذي أتى به بني إسرائيل.
وسبب اضطهاد قوم فرعون لبني إسرائيل أن الهكسوس لما دخلوا مصر عاثوا فيها فساداً، وكان بنو إسرائيل يعاونون الهكسوس ويساعدونهم، فلما خرج الهكسوس من مصر لم يَعُدْ لهم عدو إلا بني إسرائيل لذلك اضطهدوهم.
وكما حكى القرآن: يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ [البقرة: ٤٩] فجاء سيدنا موسى أصلاً لإنقاذ بني إسرائيل من العذاب وليُخرجهم من مصر.
فالحق سبحانه وتعالى لطف ببني إسرائيل لأنهم كانوا هم المؤمنين في هذا الوقت وكان الآخرون وثنيين.
إذن معنى: أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ [الدخان: ١٨] يعني: اعطوني بني إسرائيل الذين تُعذِّبونهم واتركُوني وشأني.
ومن إعجاز القرآن أنه لما تكلَّم عن حاكم مصر سمَّاه فرعون، إلا في فترة سيدنا يوسف عليه السلام سماه الملك: وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ [يوسف: ٤٣].
وقد ثبت أن الهكسوس أثناء وجودهم في مصر غيَّروا اسم الفرعون وقالوا (الملك) وكان وجودهم في مصر أيام سيدنا يوسف عليه السلام.
وقوله: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الدخان: ١٨] يعني: مؤتمن على رسالتي من الله أؤديها كما يجب أن يكون الأداء.
قوله: وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ [الدخان: ١٩] أرجع الأمر إلى مصدره الأول، فلم يقُلْ أنْ لا تعلوا عليَّ إنما على الله، يعني: افهموا أن المعركة ليست بيني وبينكم، بل بينكم وبين الله الذي أرسلني، فحين تعلون وتعاندون لا تعلون عليَّ، إنما على الله الذي كلَّفني وأرسلني إليكم.
إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ [الدخان: ١٨] بحجة واضحة وآية بينة وهي العصا، والعصا آية من جنس السحر الذي نبغ فيه قومُ فرعون، ولكنها ليستْ من نوعه؛ لأن السحر في حقيقته تخييلٌ للأعين كما قال سبحانه: سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ [الأعراف: ١١٦].
لذلك لما رأى السَّحرةُ عصا موسى تلقَفُ ما صنعوا خرُّوا ساجدين لا لموسى، بل لربه دون أنْ ينتظروا إذناً من فرعون؛ لماذا؟
لأنهم رأوا شيئاً غير السِّحْر ليس تخييلاً للأعين، إنما حقيقة واقعة، وهم أدرى الناس بماهية السحر.
وقوله وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ [الدخان: ١٩] يعني: لا أتكلم من عند نفسي إنما بأمر السماء، وفيه إشارةٌ أيضاً إلى إبطال ألوهيتهم المدّعاة، يعني: أنتم بينكم وبين أنفسكم تعلمون أنكم لستم آلهة، وأن هذا ادعاء كاذب، لذلك خوَّفهم بالإله الحق.
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ [الدخان: ٢٠] يعني: لجأتُ إليه وتحصَّنتُ به من أذاكم، وتأمل ساعة قالها موسى وكيف أنه استعاذ بمعاذ، ولجأ إلى ركن شديد لا يُضام مَنْ التجأ إليه.
ماذا حدث بعد أن استعاذ بالله؟ سخَّر الله له رجلاً من قوم فرعون يُصدق موسى ويدافع عنه.
وهذه الاستعاذة أيضاً ستنفعه في المستقبل في قضية انفلاق البحر، لما أدركه فرعون وجنوده عند شاطئ البحر، حتى قال أصحاب موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] حيث لا أمل في النجاة.
أما موسى فلديه رصيدٌ من الثقة بربه، فقال: قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] قالها وهو واثق بها لأنه جرَّبها قبل ذلك وأفلح بها.
إذن: لمَّا حزبه الأمر وضاقتْ به أسبابه لجأ إلى الله لجوءَ الواثق المطمئن فأوحى الله إليه أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ [الشعراء: ٦٣] لم يُكذِّب موسى الأمر ولم يتردد فيه مع أنها كانت شيئاً عجيباً يفوق تخيُّل العقل، لكنّ صِدْقَ الله معه في الأولى، شجَّعه أنْ يطيع الأمر وألاَّ يتردد فيه. ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ [الشعراء: ٦٣] فكانت المعجزة أن انفلق البحرُ، فكان كل فِرْق كالطوْد العظيم، ونجَّى الله موسى ومَنْ معه، وأهلك فرعون وجنوده، وهذا من طلاقة القدرة أنْ يهلك، وأنْ ينجي بالشيء الواحد، لأن الأشياء لا تنفعل لذاتها، إنما لإرادة الله.
وقوله أَن تَرْجُمُونِ [الدخان: ٢٠] دلَّ على أن الرجم كان موجوداً في الأمم السابقة التي كانت تكذِّب رسولها.
آية رقم ٢٠
قوله: وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ [الدخان: ١٩] أرجع الأمر إلى مصدره الأول، فلم يقُلْ أنْ لا تعلوا عليَّ إنما على الله، يعني: افهموا أن المعركة ليست بيني وبينكم، بل بينكم وبين الله الذي أرسلني، فحين تعلون وتعاندون لا تعلون عليَّ، إنما على الله الذي كلَّفني وأرسلني إليكم.
إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ [الدخان: ١٨] بحجة واضحة وآية بينة وهي العصا، والعصا آية من جنس السحر الذي نبغ فيه قومُ فرعون، ولكنها ليستْ من نوعه؛ لأن السحر في حقيقته تخييلٌ للأعين كما قال سبحانه: سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ [الأعراف: ١١٦].
لذلك لما رأى السَّحرةُ عصا موسى تلقَفُ ما صنعوا خرُّوا ساجدين لا لموسى، بل لربه دون أنْ ينتظروا إذناً من فرعون؛ لماذا؟
لأنهم رأوا شيئاً غير السِّحْر ليس تخييلاً للأعين، إنما حقيقة واقعة، وهم أدرى الناس بماهية السحر.
وقوله وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ [الدخان: ١٩] يعني: لا أتكلم من عند نفسي إنما بأمر السماء، وفيه إشارةٌ أيضاً إلى إبطال ألوهيتهم المدّعاة، يعني: أنتم بينكم وبين أنفسكم تعلمون أنكم لستم آلهة، وأن هذا ادعاء كاذب، لذلك خوَّفهم بالإله الحق.
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ [الدخان: ٢٠] يعني: لجأتُ إليه وتحصَّنتُ به من أذاكم، وتأمل ساعة قالها موسى وكيف أنه استعاذ بمعاذ، ولجأ إلى ركن شديد لا يُضام مَنْ التجأ إليه.
ماذا حدث بعد أن استعاذ بالله؟ سخَّر الله له رجلاً من قوم فرعون يُصدق موسى ويدافع عنه.
وهذه الاستعاذة أيضاً ستنفعه في المستقبل في قضية انفلاق البحر، لما أدركه فرعون وجنوده عند شاطئ البحر، حتى قال أصحاب موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] حيث لا أمل في النجاة.
أما موسى فلديه رصيدٌ من الثقة بربه، فقال: قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] قالها وهو واثق بها لأنه جرَّبها قبل ذلك وأفلح بها.
إذن: لمَّا حزبه الأمر وضاقتْ به أسبابه لجأ إلى الله لجوءَ الواثق المطمئن فأوحى الله إليه أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ [الشعراء: ٦٣] لم يُكذِّب موسى الأمر ولم يتردد فيه مع أنها كانت شيئاً عجيباً يفوق تخيُّل العقل، لكنّ صِدْقَ الله معه في الأولى، شجَّعه أنْ يطيع الأمر وألاَّ يتردد فيه. ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ [الشعراء: ٦٣] فكانت المعجزة أن انفلق البحرُ، فكان كل فِرْق كالطوْد العظيم، ونجَّى الله موسى ومَنْ معه، وأهلك فرعون وجنوده، وهذا من طلاقة القدرة أنْ يهلك، وأنْ ينجي بالشيء الواحد، لأن الأشياء لا تنفعل لذاتها، إنما لإرادة الله.
وقوله أَن تَرْجُمُونِ [الدخان: ٢٠] دلَّ على أن الرجم كان موجوداً في الأمم السابقة التي كانت تكذِّب رسولها.
آية رقم ٢١
يعني: إنْ لم تُصدِّقوني فيما أقول؛ فلا أقلَّ من أن تعتزلوني وتتركوني وشأني فلا تؤذونني.
وقوله فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ [الدخان: ٢٢] فيه إشارة إلى يأسه من صلاحهم حتى شكاهم إلى الله، وطلب الخلاصَ منهم.
آية رقم ٢٢
وقوله فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ فيه إشارة إلى يأسه من صلاحهم حتى شكاهم إلى الله، وطلب الخلاصَ منهم.
آية رقم ٢٣
الحق سبحانه وتعالى يقي أولياءه ويعطيهم الحصانة اللازمة، فالأمر لموسى أنْ يخرج ببني إسرائيل ليلاً، ويخبره بما سيحدث من فرعون وقومه، وأنهم سيتبعونهم فلم يتركه للمفاجأة بل أعطاه حقنة وقاية بالعلم بالشيء، وهذه من أسباب النصرة والتأييد.
وهذا هو الذي شجَّعه أنْ يقول (كلا) لن يدركونا ولن ينتصروا علينا، ونحن مُؤيَّدون من الله، والذي أمرني أنْ أسري بعباده، وأخبرني ما سيكون من عدوي لن يخذلني.
إذن: كل لقطة في هذه القصة دلَّتْ على طلاقة القدرة التي تعمل في الأشياء كلها، وتنقل الشيء إلى ضده. وقوله: وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً [الدخان: ٢٤] هذا الأمر جاء بعد الأمر بضرب البحر بالعصا في موضع آخر.
إذن: هي لقطات متفرقة بين الآيات تتكامل لتخدم فكرة واحدة، وتكون نسيجاً واحداً للقصة، فهناك قال له ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ [الشعراء: ٦٣] وهنا أمره وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً [الدخان: ٢٤] كلمة (رَهْواً) مصدر من رها يرهو رهوا. مثل: عدا يعدو عدواً. عدا يعني: جاوز المكان جرياً. وضده رها يعني: سكن في مكانه.
فموسى حين ضرب البحر تجمَّد الماء وسكن في مكانه على شكل جبلين كبيرين بينهما يابس، ورأى موسى هذا اليابس طريقاً مُمهداً فعبره إلى الجانب الآخر.
وطبيعي وحسْب تفكير العقل أنْ يفكر أنْ يضرب البحر مرة أخرى ليعود في سيولته، ويمنع فرعون وجنوده من اللحاق به، لكن لله تعالى في الأمر تدبير آخر، فقال له: وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً [الدخان: ٢٤] أي: على سكونه.
موسى يفكر ببشريته، والحق سبحانه يأمر بحكمته، وهذه ليس فيها غضاضة على موسى، لأن الذي يُصوِّب له هو ربُّه عز وجل، وهذا شرف لموسى وعظمة.
وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نقل لنا هذا التصويب حين يُخطئ الرسل في أمر لم يردْ فيه نصّ، كذلك صوَّب الله له في قوله: يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ [التحريم: ١] وعاتبه ربه بقوله: عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ [التوبة: ٤٣] فمَنِ الذي أخبرنا بهذا التصويب وبهذا العتاب؟ إنه رسول الله الصادق في البلاغ عن ربه.
إذن: الحق سبحانه صوَّب لنبيه موسى عليه السلام وقال له وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً [الدخان: ٢٤] لأنِّي أريد أنْ أُهلك فرعون وجنوده بنفس الشيء الذي نجَّيتك به، وهذه من طلاقة قدرة الله، ففرعون لا بدّ أنْ يغترّ بهذا الطريق اليابس الذي يراه وسوف يعبره خلفك.
وفعلاً ما أنْ وصل موسى إلى الناحية الأخرى من البحر حتى كان فرعونُ في وسطه، وعندها أمر الله الماء أنْ يعود إلى استطراقه وسيولته، وأغرقَ فرعونَ وجنوده إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ [الدخان: ٢٤]؛ فبطلاقة القدرة أنجى الله سبحانه وأهلك بالشيء الواحد.
ثم يُبيِّن لنا الحق سبحانه ما كان فيه هؤلاء من النعمة، وما آلوا إليه من النقمة والعذاب:
كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ... .
آية رقم ٢٤
الحق سبحانه وتعالى يقي أولياءه ويعطيهم الحصانة اللازمة، فالأمر لموسى أنْ يخرج ببني إسرائيل ليلاً، ويخبره بما سيحدث من فرعون وقومه، وأنهم سيتبعونهم فلم يتركه للمفاجأة بل أعطاه حقنة وقاية بالعلم بالشيء، وهذه من أسباب النصرة والتأييد.
وهذا هو الذي شجَّعه أنْ يقول (كلا) لن يدركونا ولن ينتصروا علينا، ونحن مُؤيَّدون من الله، والذي أمرني أنْ أسري بعباده، وأخبرني ما سيكون من عدوي لن يخذلني.
إذن: كل لقطة في هذه القصة دلَّتْ على طلاقة القدرة التي تعمل في الأشياء كلها، وتنقل الشيء إلى ضده. وقوله: وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً [الدخان: ٢٤] هذا الأمر جاء بعد الأمر بضرب البحر بالعصا في موضع آخر.
إذن: هي لقطات متفرقة بين الآيات تتكامل لتخدم فكرة واحدة، وتكون نسيجاً واحداً للقصة، فهناك قال له ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ [الشعراء: ٦٣] وهنا أمره وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً [الدخان: ٢٤] كلمة (رَهْواً) مصدر من رها يرهو رهوا. مثل: عدا يعدو عدواً. عدا يعني: جاوز المكان جرياً. وضده رها يعني: سكن في مكانه.
فموسى حين ضرب البحر تجمَّد الماء وسكن في مكانه على شكل جبلين كبيرين بينهما يابس، ورأى موسى هذا اليابس طريقاً مُمهداً فعبره إلى الجانب الآخر.
وطبيعي وحسْب تفكير العقل أنْ يفكر أنْ يضرب البحر مرة أخرى ليعود في سيولته، ويمنع فرعون وجنوده من اللحاق به، لكن لله تعالى في الأمر تدبير آخر، فقال له: وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً [الدخان: ٢٤] أي: على سكونه.
موسى يفكر ببشريته، والحق سبحانه يأمر بحكمته، وهذه ليس فيها غضاضة على موسى، لأن الذي يُصوِّب له هو ربُّه عز وجل، وهذا شرف لموسى وعظمة.
وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نقل لنا هذا التصويب حين يُخطئ الرسل في أمر لم يردْ فيه نصّ، كذلك صوَّب الله له في قوله: يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ [التحريم: ١] وعاتبه ربه بقوله: عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ [التوبة: ٤٣] فمَنِ الذي أخبرنا بهذا التصويب وبهذا العتاب؟ إنه رسول الله الصادق في البلاغ عن ربه.
إذن: الحق سبحانه صوَّب لنبيه موسى عليه السلام وقال له وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً [الدخان: ٢٤] لأنِّي أريد أنْ أُهلك فرعون وجنوده بنفس الشيء الذي نجَّيتك به، وهذه من طلاقة قدرة الله، ففرعون لا بدّ أنْ يغترّ بهذا الطريق اليابس الذي يراه وسوف يعبره خلفك.
وفعلاً ما أنْ وصل موسى إلى الناحية الأخرى من البحر حتى كان فرعونُ في وسطه، وعندها أمر الله الماء أنْ يعود إلى استطراقه وسيولته، وأغرقَ فرعونَ وجنوده إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ [الدخان: ٢٤]؛ فبطلاقة القدرة أنجى الله سبحانه وأهلك بالشيء الواحد.
ثم يُبيِّن لنا الحق سبحانه ما كان فيه هؤلاء من النعمة، وما آلوا إليه من النقمة والعذاب:
كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ... .
آية رقم ٢٥
يعني: بعد أنْ أغرقهم الله تركوا هذا النعيم، (كَمْ) خبرية تفيد الكثرة مِن جَنَّاتٍ [الدخان: ٢٥] حدائق وبساتين نضرة وَعُيُونٍ [الدخان: ٢٥] يعني: عيون الماء العذب الذي يجري خلال هذه البساتين.
وَمَقَامٍ كَرِيمٍ [الدخان: ٢٦] مَقام بفتح الميم اسم مكان القيام إذا كنت جالساً، قمت، واسم مكان الإقامة مُقام بضم الميم لموضع الإقامة، والمُقام لا يُوصف بأنه كريم إلا إذا توفرتْ لمن يقيم فيه سُبل الراحة والرفاهية، فالمقام نفسه فيه كرم. يعني: يجمع لصاحبه كلَّ وسائل الخير حين يقوم وحين يجلس.
وكأن الخير تابع له مطيع لأوامره، ولا يكون ذلك إلا إذا كان له تابعون وهو متبوع، وهؤلاء التابعون يؤدون له أوامره في قيامه وفي قعوده.
والإنسان حينما يكون قاعداً أو نائماً أو مضطجعاً ما الذي يجعله يقوم؟ أمر جَدَّ عليه فأقامه، وهذا الأمر نوعان: إما خير يُفرحه ويهشّ إليه فيقوم له مثل حبيب أو صديق غائب وهو يعود، أو أمر يُحزنه ويفزعه فيقوم له.
كما وردتْ كلمة (مُقام) بضم الميم، وهي بمعنى مكان الإقامة في قوله تعالى: إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً [الفرقان: ٦٦]، وفي قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً [الفرقان: ٧٦].
وقوله: وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ [الدخان: ٢٧] كلمة (نعمة) أيضاً وردتْ بفتح النون مرتين كما هنا، ووردت بكسر النون مثل ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ.. [البقرة: ٤٠] في ٣٤ موضعاً إما مُفردةً وإما مُضافةً إلى الله، ووردتْ نعمتي ونعمتك ونعمته للغائب.
والفرق بينهما أن نعمة بالكسر تعني: ما يتنعَّم به، ولكن يلاحظ أن المتنعم به أشياء خارجة عن الذات، فمرة توجد النِّعمة وتُوجد القدرة على التنعُّم بها. ومرة توجد النِّعمة ولا توجد القدرة على التنعّم بها. أما النَّعمة بالفتح فتعني وجود النِّعمة، ووجود القدرة على التنعُّم بها.
وقوله كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ [الدخان: ٢٧] من التفكُّه والتلذُّذ، مأخوذة من الفاكهة وهي تدلُّ على الرفاهية، لأن الطعام منه أشياء ضرورية أساسية، وهي التي بها قِوَام الحياة واستبقاؤها، وطعام آخر للترف والمتعة كالفاكهة تُؤكل بعد الطعام.
وهذه الأشياء التي تؤكل للترف والمتعة يمكن الاستغناء عنها لأنها ليستْ من الضروريات، بدليل أن كثيراً من الناس لا يعرفون أكل الفاكهة وهم أحياء يُرزقون. إذن: كانوا في رفاهية من العيش وفي متعة فضلاً عن الضروريات.
آية رقم ٢٦
يعني: بعد أنْ أغرقهم الله تركوا هذا النعيم، (كَمْ) خبرية تفيد الكثرة مِن جَنَّاتٍ [الدخان: ٢٥] حدائق وبساتين نضرة وَعُيُونٍ [الدخان: ٢٥] يعني: عيون الماء العذب الذي يجري خلال هذه البساتين.
وَمَقَامٍ كَرِيمٍ [الدخان: ٢٦] مَقام بفتح الميم اسم مكان القيام إذا كنت جالساً، قمت، واسم مكان الإقامة مُقام بضم الميم لموضع الإقامة، والمُقام لا يُوصف بأنه كريم إلا إذا توفرتْ لمن يقيم فيه سُبل الراحة والرفاهية، فالمقام نفسه فيه كرم. يعني: يجمع لصاحبه كلَّ وسائل الخير حين يقوم وحين يجلس.
وكأن الخير تابع له مطيع لأوامره، ولا يكون ذلك إلا إذا كان له تابعون وهو متبوع، وهؤلاء التابعون يؤدون له أوامره في قيامه وفي قعوده.
والإنسان حينما يكون قاعداً أو نائماً أو مضطجعاً ما الذي يجعله يقوم؟ أمر جَدَّ عليه فأقامه، وهذا الأمر نوعان: إما خير يُفرحه ويهشّ إليه فيقوم له مثل حبيب أو صديق غائب وهو يعود، أو أمر يُحزنه ويفزعه فيقوم له.
كما وردتْ كلمة (مُقام) بضم الميم، وهي بمعنى مكان الإقامة في قوله تعالى: إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً [الفرقان: ٦٦]، وفي قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً [الفرقان: ٧٦].
وقوله: وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ [الدخان: ٢٧] كلمة (نعمة) أيضاً وردتْ بفتح النون مرتين كما هنا، ووردت بكسر النون مثل ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ.. [البقرة: ٤٠] في ٣٤ موضعاً إما مُفردةً وإما مُضافةً إلى الله، ووردتْ نعمتي ونعمتك ونعمته للغائب.
والفرق بينهما أن نعمة بالكسر تعني: ما يتنعَّم به، ولكن يلاحظ أن المتنعم به أشياء خارجة عن الذات، فمرة توجد النِّعمة وتُوجد القدرة على التنعُّم بها. ومرة توجد النِّعمة ولا توجد القدرة على التنعّم بها. أما النَّعمة بالفتح فتعني وجود النِّعمة، ووجود القدرة على التنعُّم بها.
وقوله كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ [الدخان: ٢٧] من التفكُّه والتلذُّذ، مأخوذة من الفاكهة وهي تدلُّ على الرفاهية، لأن الطعام منه أشياء ضرورية أساسية، وهي التي بها قِوَام الحياة واستبقاؤها، وطعام آخر للترف والمتعة كالفاكهة تُؤكل بعد الطعام.
وهذه الأشياء التي تؤكل للترف والمتعة يمكن الاستغناء عنها لأنها ليستْ من الضروريات، بدليل أن كثيراً من الناس لا يعرفون أكل الفاكهة وهم أحياء يُرزقون. إذن: كانوا في رفاهية من العيش وفي متعة فضلاً عن الضروريات.
آية رقم ٢٧
يعني: بعد أنْ أغرقهم الله تركوا هذا النعيم، (كَمْ) خبرية تفيد الكثرة مِن جَنَّاتٍ [الدخان: ٢٥] حدائق وبساتين نضرة وَعُيُونٍ [الدخان: ٢٥] يعني: عيون الماء العذب الذي يجري خلال هذه البساتين.
وَمَقَامٍ كَرِيمٍ [الدخان: ٢٦] مَقام بفتح الميم اسم مكان القيام إذا كنت جالساً، قمت، واسم مكان الإقامة مُقام بضم الميم لموضع الإقامة، والمُقام لا يُوصف بأنه كريم إلا إذا توفرتْ لمن يقيم فيه سُبل الراحة والرفاهية، فالمقام نفسه فيه كرم. يعني: يجمع لصاحبه كلَّ وسائل الخير حين يقوم وحين يجلس.
وكأن الخير تابع له مطيع لأوامره، ولا يكون ذلك إلا إذا كان له تابعون وهو متبوع، وهؤلاء التابعون يؤدون له أوامره في قيامه وفي قعوده.
والإنسان حينما يكون قاعداً أو نائماً أو مضطجعاً ما الذي يجعله يقوم؟ أمر جَدَّ عليه فأقامه، وهذا الأمر نوعان: إما خير يُفرحه ويهشّ إليه فيقوم له مثل حبيب أو صديق غائب وهو يعود، أو أمر يُحزنه ويفزعه فيقوم له.
كما وردتْ كلمة (مُقام) بضم الميم، وهي بمعنى مكان الإقامة في قوله تعالى: إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً [الفرقان: ٦٦]، وفي قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً [الفرقان: ٧٦].
وقوله: وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ [الدخان: ٢٧] كلمة (نعمة) أيضاً وردتْ بفتح النون مرتين كما هنا، ووردت بكسر النون مثل ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ.. [البقرة: ٤٠] في ٣٤ موضعاً إما مُفردةً وإما مُضافةً إلى الله، ووردتْ نعمتي ونعمتك ونعمته للغائب.
والفرق بينهما أن نعمة بالكسر تعني: ما يتنعَّم به، ولكن يلاحظ أن المتنعم به أشياء خارجة عن الذات، فمرة توجد النِّعمة وتُوجد القدرة على التنعُّم بها. ومرة توجد النِّعمة ولا توجد القدرة على التنعّم بها. أما النَّعمة بالفتح فتعني وجود النِّعمة، ووجود القدرة على التنعُّم بها.
وقوله كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ [الدخان: ٢٧] من التفكُّه والتلذُّذ، مأخوذة من الفاكهة وهي تدلُّ على الرفاهية، لأن الطعام منه أشياء ضرورية أساسية، وهي التي بها قِوَام الحياة واستبقاؤها، وطعام آخر للترف والمتعة كالفاكهة تُؤكل بعد الطعام.
وهذه الأشياء التي تؤكل للترف والمتعة يمكن الاستغناء عنها لأنها ليستْ من الضروريات، بدليل أن كثيراً من الناس لا يعرفون أكل الفاكهة وهم أحياء يُرزقون. إذن: كانوا في رفاهية من العيش وفي متعة فضلاً عن الضروريات.
آية رقم ٢٨
كَذَلِكَ يعني: مثل هذا، سلبها الله منهم وأعطاها لغيرهم، ولو سُلِبَتْ منهم فقط لكانتْ أخفَّ عليهم، إنما سُلِبَتْ منهم وأُعطيَتْ لغيرهم فهذا أنكى.
آية رقم ٢٩
تثبت هذه الآية أن للجمادات عاطفةً، وأنها تحب وتكره، وتبكي وتفرح، فالعاطفة إذن موجودة في كُلِّ المخلوقات على قدْر الحاجة، فالعاطفة في الإنسان باقية، فتراه مثلاً يحب ولده، حتى لو كان الولد غبياً أو مشاغباً، ويستمر معه هذا الحب، وربما يعطف عليه أكثر من السَّويِّ.
لذلك لما سألوا الأعرابي: منْ أحبّ بنيك إليك؟ قال: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يعود، والمريض حتى يشفى.
أما الحيوان فعاطفته على قدْر الحاجة، فترى الحيوان يعطف على ولده الصغير ويدافع عنه، فإذا ما كبر تركه وكأنه لا يعرف عنه شيئاً، ولو ذُبح أمامه ما شعر نحوه بشيء، لأن عاطفته بقدر حاجة الصغير للتربية.
كذلك الجماد، الحق سبحانه يرتقي به ويجعل له عاطفة، ومن هذه العاطفة أن السماء والأرض ما بكتْ على هؤلاء المهلكين لأنهم خالفوا منهج الله.
لذلك خاطب اللهُ الجمادات، وجعلها في منزلة أُولي الألباب المستنيرين الذين يفهمون ويعقلون، بدليل أن الله تعالى خيَّر السماوات والأرض والجبال في مسألة حَمْل الأمانة: إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا.. [الأحزاب: ٧٢].
فدلَّ ذلك على أن لها اختياراً وتعقلاً، وبعضهم قال: إن السماء والأرض مُسخَّران ومقهوران على العبادة، قلت: لا بل كل شيء في الوجود عدا الله خُيِّر، فمنها مَنْ تنازل عن اختياره لاختيار ربه، وعن مراده لمراد خالقه، ومنها منِ اختار أنْ يكون مختاراً وهو الإنسان.
وقلنا: فَرْق بين وقت التحمل ووقت الأداء، فأنت تضمن وقت التحمل وتثق به، لكنك لا تضمن وقت الأداء، إذن: كانت الجمادات أكثر موضوعية من الإنسان في هذه المسألة لأنها اختارتْ بداية أنْ تكون مقهورةً لربها، أما الإنسانُ فاختار أنْ يكون مُخيّراً، وعند الأداء منهم مَنْ آمن ومنهم مَنْ كفر، منهم مَنْ أطاع، ومنهم مَنْ عصى.
فإنْ قلتَ: فبأيِّ لغة تتكلم الأرض والسماء؟ وكيف تفهم؟ نقول: يخاطبها ويفهم منها خالقها سبحانه، فهو الذي يعلم لغتها؛ لذلك يعطينا الحق سبحانه أمثلة لكلام هذه المخلوقات وتسبيحها لله تعالى، فقال: وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء: ٧٩] وقال: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. [الإسراء: ٤٤].
وفي قصة سيدنا سليمان عليه السلام تكلَّم الهدهد كلاماً دلَّ على علمه وفَهْمه لقضية التوحيد كأحسن ما يكون الفهم، وتكلَّمت نملة ووجدنا عندها مقاييس الحق والعدالة.
ووالله إن الإنسان ليتعجب حينما يقرأ قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ [الحج: ١٨].
فكلُّ الكائنات تُسبِّح على إطلاقها ودون استثناء، إلا الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يشذ عن هذه المنظومة المسبِّحة.
لذلك قلنا: إن المخلوقات الأخرى غير الإنسان كانتْ أكثر فهماً منه حين رفضتْ التخيير وتنازلتْ عن مرادها لمراد ربها. إذن: لا تغترّ أيها الإنسان، واعلم أن المخلوقات من حولك لها دور ولها منزلة عند الله، وقد خُلِق فيها مثل ما خُلِق فيك من الفهم والعاطفة.
وقد ورد في الحديث الصحيح عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُؤيد هذه المسألة، فقال عن أُحُد: وثبت أن الجبل اهتزَّ به هو وصحابته، فقال لهوقال: وثبت أيضاً في الحديث أن الأرض تبكي لموت المؤمن وتفرح لموت الكافر. والعرب تقول (نبَتْ به الدار) يعني: كرهته.
وما هذا إلا لأن هذه الجمادات لها فَهْم وتعقّل على كيفية ما، وأنها مُنسجمة تماماً مع منهج الله، فهي طائعة مُسبِّحة، لذلك تحب مَنْ كان على شاكلتها من البشر وتكره مَنْ شذَّ منهم عن منهج الله وقضية التوحيد.
لذلك سيدنا الإمام علي لما سُئِلَ: أتبكي السماء والأرض؟ قال: "نعم، إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في الأرض وموضع في السماء. أما موضعه في الأرض فموضعُ سجوده أو مُصلاّه، وأما موضعه في السماء فمصعد عمله" فكأن هناك صحبة بين المكان والمكين فيه، بين المكان والإنسان المؤمن.
وبهذا نفهم فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ [الدخان: ٢٩] وكيف تبكي السماء على هلاك عدو الله فرعون بعد أنْ بارز الحق سبحانه وادَّعى أنه إله من دون الله؟
وقوله: وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ [الدخان: ٢٩] يعني: مُؤخَّرين ومُؤجَّلين عن موعدهم الذي جعله الله نهاية لهم، لأن أجل الله إذا جاء لا يُؤخّر.
آية رقم ٣٠
قوله تعالى: مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ [الدخان: ٣٠] العذاب هو المؤلم للمادة ويكون بالنار وبغيرها، كقَطْع جزء من الجسم أو الجلد مثلاً، وقد يُضاف إلى العذاب الحسيِّ عذابٌ آخر معنوي وهو الإهانة والإذلال، وبعض الناس يتحمل العذاب الحسيَّ، ولا يتحمل أنْ تُهينه بكلمة ربما كانتْ أشدَّ عليه من العذاب.
وبنو إسرائيل كانوا يعانون العذاب بتذبيح الأبناء، ويعانون الإهانة باستحياء النساء، والنساء نقطة ضعف عند الرجل، وعِرْض ينبغي المحافظة عليه، لذلك كان التعدِّي على نساء الرجل أعظمُ إهانةَ له.
وقد تدارك الحق سبحانه برحمته بني إسرائيل ونجَّاهم من العذاب المهين مِن فِرْعَوْنَ [الدخان: ٣١] فهو سببُ هذا العذاب.
إِنَّهُ كَانَ عَالِياً [الدخان: ٣١] يعني: مُتكبراً على الناس مُستعلياً عليهم مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ [الدخان: ٣١] أي: المسرفين على أنفسهم، والمسرف هو الذي يتجاوز الحدَّ الذي وضعه الله فيه إلى غيره، ففرعون كان مُستكبراً ومسرفاً في استكباره، ويكفيه إسرافاً أنْ يدَّعي الألوهية، ويقول للناس: أنا ربكم الأعلى، وأنْ يخدع قومه ويُغرر بهم.
وقلنا: فرْقٌ بين أن يكونَ الإنسان ضالاً في نفسه، وأنْ يكون ضالاً ومُضلاً للآخرين. وفرعون ضَلَّ وأضلَّ أمة بأكملها واستعبدها، وصدق القائل: متى استعبدتم الناس وقد ولدتْهم أمهاتُهم أحراراً؟
آية رقم ٣١
قوله تعالى: مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ [الدخان: ٣٠] العذاب هو المؤلم للمادة ويكون بالنار وبغيرها، كقَطْع جزء من الجسم أو الجلد مثلاً، وقد يُضاف إلى العذاب الحسيِّ عذابٌ آخر معنوي وهو الإهانة والإذلال، وبعض الناس يتحمل العذاب الحسيَّ، ولا يتحمل أنْ تُهينه بكلمة ربما كانتْ أشدَّ عليه من العذاب.
وبنو إسرائيل كانوا يعانون العذاب بتذبيح الأبناء، ويعانون الإهانة باستحياء النساء، والنساء نقطة ضعف عند الرجل، وعِرْض ينبغي المحافظة عليه، لذلك كان التعدِّي على نساء الرجل أعظمُ إهانةَ له.
وقد تدارك الحق سبحانه برحمته بني إسرائيل ونجَّاهم من العذاب المهين مِن فِرْعَوْنَ [الدخان: ٣١] فهو سببُ هذا العذاب.
إِنَّهُ كَانَ عَالِياً [الدخان: ٣١] يعني: مُتكبراً على الناس مُستعلياً عليهم مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ [الدخان: ٣١] أي: المسرفين على أنفسهم، والمسرف هو الذي يتجاوز الحدَّ الذي وضعه الله فيه إلى غيره، ففرعون كان مُستكبراً ومسرفاً في استكباره، ويكفيه إسرافاً أنْ يدَّعي الألوهية، ويقول للناس: أنا ربكم الأعلى، وأنْ يخدع قومه ويُغرر بهم.
وقلنا: فرْقٌ بين أن يكونَ الإنسان ضالاً في نفسه، وأنْ يكون ضالاً ومُضلاً للآخرين. وفرعون ضَلَّ وأضلَّ أمة بأكملها واستعبدها، وصدق القائل: متى استعبدتم الناس وقد ولدتْهم أمهاتُهم أحراراً؟
آية رقم ٣٢
وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ
الكلام هنا عن بني إسرائيل، وهم يتمسكون بهذه الآية ويبنون عليها أنهم شعب الله المختار، فيقولون: إن الله الذي خلقكم وبعث إليكم رسولاً هو الذي اختارنا على العالمين.
وهذا ادعاء باطل لأن معنى عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان: ٣٢] أي: العالمين في زمانهم والمعاصرين لهم من قوم فرعون وغيرهم، وهؤلاء كانوا في الغالب وثنيين، ففضَّل الله بني إسرائيل عليهم لأنهم يؤمنون بالله وكانوا في هذا الوقت خيرة خَلْق الله جميعاً.
لكنهم أرادوا أنْ يسحبوا هذا الحكم على الناس جميعاً، وعلى العالمين في كل زمان ومكان، وهذا لا يجوز، بدليل أنهم لما خالفوا منهج الله قطَّعهم في الأرض أمماً، وبعثرهم في كل مكان عقاباً لهم.
حتى أنك تجد في كل بلد من البلاد حارة باسمهم تسمى (حارة اليهود)، تراهم مجتمعين ومنغلقين على أنفسهم لا ينسجمون ولا يذوبون في المجتمع من حولهم.
حتى أن القرآن عبَّر عن هذا المعنى بقوله تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً [الأعراف: ١٦٨] فكل جماعة منهم في مكان تمثل أمة بذاتها؛ لأنهم لا يذوبون في غيرهم من الأمم.
والذي ينفي ادعاءهم هذا قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ الْعَذَابِ [الأعراف: ١٦٧] وهذا هو الذي يحدث بالفعل، فمن حين لآخر يُسلِّط الله عليهم مَنْ يسومهم سوء العذاب.
آية رقم ٣٣
وقوله: وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ [الدخان: ٣٣] الآيات هي: المعجزات التي صاحبتْ دعوة سيدنا موسى، وبهذه الآيات نجَّاهم الله من الغرق، ونجَّاهم من قوم فرعون.
والعجيب أنهم بمجرد أنْ نجَّاهم الله من الغرق ومن فرعون، وبمجرد خروجهم سالمين رأوا قوماً يعبدون أصناماً لهم، فقالوا لموسى عليه السلام ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨] فأشركوا بالله، وما تزال أقدامهم مُبتلة من عبور البحر.
وفي فترة التيه أكرمهم الله، وأنزل عليهم المنَّ والسَّلْوى، وهما من أرْقى ما يكون الطعام، وألذّ ما يُؤكل ينزل عليهم دون تعب ودون مجهود، لكنهم لماديتهم اعترضوا على المنِّ والسَّلْوى.
وقالوا لموسى: لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ.. [البقرة: ٦١] يريدون الشيء المادي الذي يباشرونه بأنفسهم ويعلمون مصدره، بل بلغتْ بهم المادية إلى أنْ قال لنبي الله موسى: أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً [النساء: ١٥٣].
البعض قال: إن موسى عليه السلام هو الذي فتح لهم هذا الباب حينما قال: رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣].
وكلمة بَلاَءٌ [الدخان: ٣٣] يعني: امتحان واختبار لنعلم ردود أفعالهم، بعد أنْ رأوا الآيات أو بعد أنْ رأوا النعم، وقلنا: الابتلاء والامتحان لا يُذم ولا يُمدح لذاته، إنما حسب النتائج المترتبة عليه.
آية رقم ٣٤
الإشارة في إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ [الدخان: ٣٤] قد يُراد بها بني إسرائيل، لأنك لو نظرتَ إلى التوراة أو التلمود لا تجد فيه شيئاً عن اليوم الآخر، مع أنه عنصر أساسي من عناصر الإيمان، لكنهم قوم لا يؤمنون بهذا اليوم.
والمسألة عندهم كما حكى القرآن قولهم: لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ [آل عمران: ٢٤] يعني: ثم تنطفئ عنَّا وتنتهي المسألة. وقالوا في آية أخرى: نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ [المائدة: ١٨].
أو يُراد بهؤلاء منكرو البعث عموماً، سواء بنو إسرائيل أو غيرهم، وقولهم إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ [الدخان: ٣٥] يريدون بالموتة الأولى العدم الذي سبق الخَلْق، فيعتبرون العدم موتة، ثم خلق الله آدم ومنه جاء سائر الخلق.
كما قال تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ [البقرة: ٢٨] يعني: لن نموت إلا هذه الموتة، وليس هناك موتة أخرى بعدها بعث ولا حساب وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ [الدخان: ٣٥] يعني: مبعوثين أحياء بعد الموت.
آية رقم ٣٥
الإشارة في إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ [الدخان: ٣٤] قد يُراد بها بني إسرائيل، لأنك لو نظرتَ إلى التوراة أو التلمود لا تجد فيه شيئاً عن اليوم الآخر، مع أنه عنصر أساسي من عناصر الإيمان، لكنهم قوم لا يؤمنون بهذا اليوم.
والمسألة عندهم كما حكى القرآن قولهم: لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ [آل عمران: ٢٤] يعني: ثم تنطفئ عنَّا وتنتهي المسألة. وقالوا في آية أخرى: نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ [المائدة: ١٨].
أو يُراد بهؤلاء منكرو البعث عموماً، سواء بنو إسرائيل أو غيرهم، وقولهم إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ [الدخان: ٣٥] يريدون بالموتة الأولى العدم الذي سبق الخَلْق، فيعتبرون العدم موتة، ثم خلق الله آدم ومنه جاء سائر الخلق.
كما قال تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ [البقرة: ٢٨] يعني: لن نموت إلا هذه الموتة، وليس هناك موتة أخرى بعدها بعث ولا حساب وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ [الدخان: ٣٥] يعني: مبعوثين أحياء بعد الموت.
آية رقم ٣٦
قلنا: إن الإيمان يعتمد على آيات الغيب فتؤمن بوجود الله وبالجنة والنار دون أنْ تراها، هذا موطن الإيمان، أما الآيات المشاهدة فلا إيمانَ فيها، لا تقول: أؤمن بأن الشمس طالعة، لكن هؤلاء للمادية التي تحكمهم يريدون آية الغيب مشاهدة، فيقولون فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الدخان: ٣٦] وليس مع العين أين.
هم هم لا يُصدِّقون إلا بالأمر الحسيِّ، لذلك يريدون إعادة آبائهم من بعد الموت ليؤمنوا بأن البعث حقٌّ، ونقول لهم: إنْ كنتم تريدون ذلك فعندكم كتب التاريخ والرسالات السماوية تحكي لكم مثل هذا الذي تريدونه مثل قصة العُزير: أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٥٩].
كذلك في قصة أهل الكهف، يقول تعالى الذين أحياهم الله بعد ثلاثمائة سنة وتسع، أيضاً ساعة قاموا من نومهم أو موتهم قالوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [المؤمنون: ١١٣] لأن هذه الفترة المعتادة لنوم الإنسان.
وهذه وغيرها وقائع حدثتْ في فترات سابقين، هم يعرفونهم ويؤمنون بهم، كذلك في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ [البقرة: ٢٤٣].
وهؤلاء الذين أحياهم الله بعد الموت لا يعيشون إلا بقدر المعجزة ثم يموتون. إذن: لا حجةَ لهؤلاء في طلب إحياء آبائهم، بدليل أن الله أحيا الموتى وبلَّغهم ذلك على لسان الرسل، ومع ذلك لم يؤمنوا، ولو أحيا الله لهم الآباء أيضاً لم يؤمنوا.
الحق سبحانه وتعالى يريد أنْ يقارن بين هؤلاء وبين مَنْ سبقهم من الأمم المُكذِّبة، ويقول لهم: لستُم بدْعاً في ذلك ولستم بمنجىً عن هذا المصير الذي حاقَ بمَنْ كذَّب قبلكم.
أَهُمْ خَيْرٌ.. [الدخان: ٣٧] يعني: بنو إسرائيل أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ [الدخان: ٣٧] تبع الحميري من ملوك اليمن، واليمن قديماً كانت تُسمى الأرض الخضراء أو اليمن السعيد لكثرة خيراته.
وكان تُبع رجلاً صالحاً لكن خالفه قومه وكذَّبوه، فأخذهم الله أَخْذَ عزيز مقتدر بعد أنْ دمَّر السد الذي كان يُوفِّر لهم الماء للزراعة فبتدمير السدِّ دُمرت حياتهم كلها.
وهذه القصة ذكَّرتني بأيام كنا في الجزائر، وهناك بنوْا سداً يحجز ماء المطر، وسَمَّوه سدّ مأرب، ولما ذهبنا مع الرئيس لافتتاحه قام أحدهم خطيباً، وقال فيما قال: والآن بُني السد، وسوف تروون أرضكم وزراعاتكم، أمطرتْ السماء أم لم تمطر.
فاستوقفني هذا الكلام ورأيتُ فيه مخالفةً، لا للدين فحسْب بل للعقل وللمنطق، فقلت لوزير خارجيتهم: قُلْ للسيد الخطيب: لو لم تمطر السماء ماذا يحجز هو أو السد؟
وقوله: إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ [الدخان: ٣٧] كلمة مجرم لا تُقال إلا لمَنْ بالغ في المعصية وارتكاب الآثام مبالغة عظيمة. ومجرم يعني: يأتي بالجُرْم الفاحش. هنا جاء بكلام على وجه العموم وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ [الدخان: ٣٧].
وفي موضع آخر فصَّل الكلام في هذا الإهلاك، فقال: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا.. [العنكبوت: ٤٠].
وفي سورة الفجر: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ [الفجر: ٦-١٠].
هذه كلها أمم كان لها حضارات، لكن لم تُمكِّنهم حضاراتهم أنْ يحتفظوا بها، وأن يمنعوها من الزوال بحيث تنتهي كأنْ لم تكن. الحق سبحانه وتعالى كان يأخذ الأمم المكذِّبة أخْذَ عزيز مقتدر، لأن الرسل السابقين لم يُطلَب منهم القتال، فقط تبليغ رسالات الله.
وكانت السماء هي التي تتولَّى تأديب المكذِّبين والانتقام منهم، ولم يُؤذَن في القتال إلا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه هو المأمون على أنْ يسود البشر برأيه المشْبع بمنهج الله، لذلك لم يأت بعده رسول، وكونه لم يأتِ بعده رسول دليلٌ على شهادة الخير لأمته، وسيظل فيها هذا الخير إلى قيام الساعة.
آية رقم ٣٨
يريد الحق سبحانه أنْ يلفت الأنظار إلى قضية كونية تستوعب الزمن كله في الماضي وفي الحاضر، هذه القضية هي صفة الثبات في خَلْق السماوات والأرض، فهي منذ خلقها الله تعالى تسير على نظام مُحكم لا يتخلَّف ولا يتبدَّل ولا يتغير.
هذا الثبات يعني أنها خُلِقَتْ على الحق وبالحق، فالحق هو الثابت أما الباطل فيتغير، لذلك قلنا: لو نظرتَ إلى شاهد الزور أمام القاضي لا بدَّ أنْ تتضارب أقواله، ويظلّ المحقق يحاوره حتى يُوقعه في تناقض ويكشف الزُّور الذي يحاول أنْ يلبسه ثوب الحق.
ويأتي التناقض في أقواله لأنه يستوحي باطلاً من نسج خياله، أما الذي يستوحي الحق وينطق به، فإنَّ أقواله لا تتغير ما دام متمسكاً بالحق، فالحق ثابت وهو الواقع، فيمن أين يأتي التناقض؟
وللمحققين طرق وأساليب يكشفون بها الزور، ويصلون بها إلى الحق، لذلك قالوا: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذكوراً. لكن لا بدَّ في مرة من المرات أنْ تخونك الذاكرة، ولا بدَّ أنْ ينتصر لسانُ الحق على لسان الباطل.
وأذكر عندنا في دقادوس أحد المزارعين وكان رجلاً (فشاراً)، وفي مرة كنَّا عائدين من البندر (ميت غمر) وكان صاحبنا هذا يحكي بعض قصصه، فقال: حدث هذا في ليلة العيد الصغير والدنيا قمر ضهر.
سبحان الله، كيف يكون القمر ظهراً في ليلة العيد الصغير؟ وحتى الناس العامة يقولون في أمثالهم: (الكذب ملوش رجلين)، نعم.
الحق هنا يقول: وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ [الدخان: ٣٨] إذن: خلقناهما بالجد لا باللعب، وبالحق لا بالباطل، وفي آية بعدها قال: مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ [الدخان: ٣٩] وهذا الثبات دلَّ على الدقة في الخَلْق، وأنها خُلِقت بعناية وهندسة دقيقة محكمة، وبقوانين لا تتعارض منذ خلقها الله وإلى قيام الساعة.
تأمل مثلاً الشمس في مشرقها وفي مغربها، وفي حركتها وسرعتها بالنسبة للأرض، تأمل القمر وما يحدث من ظاهرتي الكسوف، كل هذه الآيات تحدث بدقة متناهية وموازينَ لا تتخلَّف أبداً ولا تتعارض، وهاتِ لي أيَّ آلة بشرية تعمل وتظل على الدقة طوال الوقت.
والذي خلق السماوات والأرض على نظام دقيق لا يتعارض خَلْقها لغاية، هذه الغاية هي هي منذ آدم عليه السلام وإلى آخر الدنيا.
قلنا إِلاَّ بِٱلْحَقِّ.. [الدخان: ٣٩] الشيء الثابت الذي لا يتغير، ويقول سبحانه: وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ [الرحمن: ٧-٩].
في هذه الآية إشارة لطيفة من الحق سبحانه. يقول: انظروا إلى السماء وما فيها من كواكب وأجرام، هل رأيتم فيها خللاً أو تعارضاً؟ أبداً لأنها مخلوقة بالحق وبالميزان وبالدقَّة كذلك، إنْ أردتم أنْ تعتدل أمور حياتكم وتستقيم، فخذوا بميزان الحق في كلِّ حياتكم، وعندها لن تجدوا في المجتمع تناقضاً ولا تصادماً.
ولأن الحق هو الثابت فهو الباقي وهو الأعلى؛ لذلك قالوا: الحق أبلج والباطل لجلج، والحق لا ينطمس أبداً وإنْ علا الباطل عليه فلحين، فالحق سبحانه يجعل للباطل جولة يعلو فيها حتى يعضّ الناس ويُشعرهم بأهمية الحق.
فكأن الباطل نفسه جنديّ من جنود الحق، والكفر جندي من جنود الإيمان، ولو لم يذُقْ الناسُ بطشَ الباطل وقسوته ما عرفوا لذة الحق، لذلك لما جاء الإيمان ما أسرع إليه إلا أشدّ الناس معاناة من الكفر.
وقوله: وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [الدخان: ٣٩] لا يعلمون هذه الحقائق لأنهم مُعرضون عن آيات الله في الكون، مُعرضون عن التأمل، كما قال سبحانه: وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف: ١٠٥].
آية رقم ٣٩
يريد الحق سبحانه أنْ يلفت الأنظار إلى قضية كونية تستوعب الزمن كله في الماضي وفي الحاضر، هذه القضية هي صفة الثبات في خَلْق السماوات والأرض، فهي منذ خلقها الله تعالى تسير على نظام مُحكم لا يتخلَّف ولا يتبدَّل ولا يتغير.
هذا الثبات يعني أنها خُلِقَتْ على الحق وبالحق، فالحق هو الثابت أما الباطل فيتغير، لذلك قلنا: لو نظرتَ إلى شاهد الزور أمام القاضي لا بدَّ أنْ تتضارب أقواله، ويظلّ المحقق يحاوره حتى يُوقعه في تناقض ويكشف الزُّور الذي يحاول أنْ يلبسه ثوب الحق.
ويأتي التناقض في أقواله لأنه يستوحي باطلاً من نسج خياله، أما الذي يستوحي الحق وينطق به، فإنَّ أقواله لا تتغير ما دام متمسكاً بالحق، فالحق ثابت وهو الواقع، فيمن أين يأتي التناقض؟
وللمحققين طرق وأساليب يكشفون بها الزور، ويصلون بها إلى الحق، لذلك قالوا: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذكوراً. لكن لا بدَّ في مرة من المرات أنْ تخونك الذاكرة، ولا بدَّ أنْ ينتصر لسانُ الحق على لسان الباطل.
وأذكر عندنا في دقادوس أحد المزارعين وكان رجلاً (فشاراً)، وفي مرة كنَّا عائدين من البندر (ميت غمر) وكان صاحبنا هذا يحكي بعض قصصه، فقال: حدث هذا في ليلة العيد الصغير والدنيا قمر ضهر.
سبحان الله، كيف يكون القمر ظهراً في ليلة العيد الصغير؟ وحتى الناس العامة يقولون في أمثالهم: (الكذب ملوش رجلين)، نعم.
الحق هنا يقول: وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ [الدخان: ٣٨] إذن: خلقناهما بالجد لا باللعب، وبالحق لا بالباطل، وفي آية بعدها قال: مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ [الدخان: ٣٩] وهذا الثبات دلَّ على الدقة في الخَلْق، وأنها خُلِقت بعناية وهندسة دقيقة محكمة، وبقوانين لا تتعارض منذ خلقها الله وإلى قيام الساعة.
تأمل مثلاً الشمس في مشرقها وفي مغربها، وفي حركتها وسرعتها بالنسبة للأرض، تأمل القمر وما يحدث من ظاهرتي الكسوف، كل هذه الآيات تحدث بدقة متناهية وموازينَ لا تتخلَّف أبداً ولا تتعارض، وهاتِ لي أيَّ آلة بشرية تعمل وتظل على الدقة طوال الوقت.
والذي خلق السماوات والأرض على نظام دقيق لا يتعارض خَلْقها لغاية، هذه الغاية هي هي منذ آدم عليه السلام وإلى آخر الدنيا.
قلنا إِلاَّ بِٱلْحَقِّ.. [الدخان: ٣٩] الشيء الثابت الذي لا يتغير، ويقول سبحانه: وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ [الرحمن: ٧-٩].
في هذه الآية إشارة لطيفة من الحق سبحانه. يقول: انظروا إلى السماء وما فيها من كواكب وأجرام، هل رأيتم فيها خللاً أو تعارضاً؟ أبداً لأنها مخلوقة بالحق وبالميزان وبالدقَّة كذلك، إنْ أردتم أنْ تعتدل أمور حياتكم وتستقيم، فخذوا بميزان الحق في كلِّ حياتكم، وعندها لن تجدوا في المجتمع تناقضاً ولا تصادماً.
ولأن الحق هو الثابت فهو الباقي وهو الأعلى؛ لذلك قالوا: الحق أبلج والباطل لجلج، والحق لا ينطمس أبداً وإنْ علا الباطل عليه فلحين، فالحق سبحانه يجعل للباطل جولة يعلو فيها حتى يعضّ الناس ويُشعرهم بأهمية الحق.
فكأن الباطل نفسه جنديّ من جنود الحق، والكفر جندي من جنود الإيمان، ولو لم يذُقْ الناسُ بطشَ الباطل وقسوته ما عرفوا لذة الحق، لذلك لما جاء الإيمان ما أسرع إليه إلا أشدّ الناس معاناة من الكفر.
وقوله: وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [الدخان: ٣٩] لا يعلمون هذه الحقائق لأنهم مُعرضون عن آيات الله في الكون، مُعرضون عن التأمل، كما قال سبحانه: وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف: ١٠٥].
آية رقم ٤٠
فإنْ كانوا مُعرضين عن آياتنا في الدنيا فسوف يُعرضون علينا في الآخرة في يوم الفصل إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ [الدخان: ٤٠] يوم القيامة هو موعدهم حيث يجمعهم الله جميعاً، التابع والمتبوع، المؤمن والكافر، الطائع والعاصي، المكذِّبين والمصدِّقين بالرسل.
الكل سيجتمع يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى [الدخان: ٤١] لا ينفع صديقٌ صديقه عَن مَّوْلًى شَيْئاً [الدخان: ٤١] ولا يدفع قريبٌ عن قريبه.
وفي آية أخرى قال سبحانه: ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧] المتقون فقط هم الذين تبقى أُخوّتهم وخُلتهم، أما الأخلاء على حطام الدنيا ومصالحها فسوف يكونون أعداء يوم القيامة، يُلْقى كلٌّ منهم بالتبعة على صاحبه لأنه رآه في يوم ما على معصية فلم يزجره عنها ولم ينصح له.
وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [الدخان: ٤١] لا يجدون مَنْ ينصرهم من دون الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ [الدخان: ٤٢] رحمه أولاً في الدنيا بأنْ أنقذه من الكفر، وجعله مؤمناً به مُصدِّقاً برسوله، رحمه بأنْ جعله على منهجه وعلى صراطه المستقيم حتى يلقاه، وهذه الرحمة تمهيد للرحمة الكبرى يوم القيامة.
وكلمة (مَوْلَى) تتسع لتشمل الأولاد والأقارب والأصدقاء والخِلاَّن، وبعض الناس يتخذ العبيد والخدم، ويدخل فيها كلُّ تابع لك، وكل هؤلاء لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً.. [الدخان: ٤١] يعني: لا يدفع عنه ضُراً، ولا يتحمل عنه وزراً، لأن كلَّ واحد مشغول بنفسه، ينوء بحمله هو، هذا في البشر، وكذلك في الأصنام لن تنفع عابديها، وفي كلِّ معبود سِوَى الله تعالى.
لذلك قال تعالى عن فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ.. [هود: ٩٨] يعني: يسبقهم إلى النار.
فإنْ كانوا مُعرضين عن آياتنا في الدنيا فسوف يُعرضون علينا في الآخرة في يوم الفصل إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ [الدخان: ٤٠] يوم القيامة هو موعدهم حيث يجمعهم الله جميعاً، التابع والمتبوع، المؤمن والكافر، الطائع والعاصي، المكذِّبين والمصدِّقين بالرسل.
الكل سيجتمع يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى [الدخان: ٤١] لا ينفع صديقٌ صديقه عَن مَّوْلًى شَيْئاً [الدخان: ٤١] ولا يدفع قريبٌ عن قريبه.
وفي آية أخرى قال سبحانه: ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧] المتقون فقط هم الذين تبقى أُخوّتهم وخُلتهم، أما الأخلاء على حطام الدنيا ومصالحها فسوف يكونون أعداء يوم القيامة، يُلْقى كلٌّ منهم بالتبعة على صاحبه لأنه رآه في يوم ما على معصية فلم يزجره عنها ولم ينصح له.
وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [الدخان: ٤١] لا يجدون مَنْ ينصرهم من دون الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ [الدخان: ٤٢] رحمه أولاً في الدنيا بأنْ أنقذه من الكفر، وجعله مؤمناً به مُصدِّقاً برسوله، رحمه بأنْ جعله على منهجه وعلى صراطه المستقيم حتى يلقاه، وهذه الرحمة تمهيد للرحمة الكبرى يوم القيامة.
وكلمة (مَوْلَى) تتسع لتشمل الأولاد والأقارب والأصدقاء والخِلاَّن، وبعض الناس يتخذ العبيد والخدم، ويدخل فيها كلُّ تابع لك، وكل هؤلاء لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً.. [الدخان: ٤١] يعني: لا يدفع عنه ضُراً، ولا يتحمل عنه وزراً، لأن كلَّ واحد مشغول بنفسه، ينوء بحمله هو، هذا في البشر، وكذلك في الأصنام لن تنفع عابديها، وفي كلِّ معبود سِوَى الله تعالى.
لذلك قال تعالى عن فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ.. [هود: ٩٨] يعني: يسبقهم إلى النار.
آية رقم ٤٢
فإنْ كانوا مُعرضين عن آياتنا في الدنيا فسوف يُعرضون علينا في الآخرة في يوم الفصل إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ [الدخان: ٤٠] يوم القيامة هو موعدهم حيث يجمعهم الله جميعاً، التابع والمتبوع، المؤمن والكافر، الطائع والعاصي، المكذِّبين والمصدِّقين بالرسل.
الكل سيجتمع يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى [الدخان: ٤١] لا ينفع صديقٌ صديقه عَن مَّوْلًى شَيْئاً [الدخان: ٤١] ولا يدفع قريبٌ عن قريبه.
وفي آية أخرى قال سبحانه: ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧] المتقون فقط هم الذين تبقى أُخوّتهم وخُلتهم، أما الأخلاء على حطام الدنيا ومصالحها فسوف يكونون أعداء يوم القيامة، يُلْقى كلٌّ منهم بالتبعة على صاحبه لأنه رآه في يوم ما على معصية فلم يزجره عنها ولم ينصح له.
وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [الدخان: ٤١] لا يجدون مَنْ ينصرهم من دون الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ [الدخان: ٤٢] رحمه أولاً في الدنيا بأنْ أنقذه من الكفر، وجعله مؤمناً به مُصدِّقاً برسوله، رحمه بأنْ جعله على منهجه وعلى صراطه المستقيم حتى يلقاه، وهذه الرحمة تمهيد للرحمة الكبرى يوم القيامة.
وكلمة (مَوْلَى) تتسع لتشمل الأولاد والأقارب والأصدقاء والخِلاَّن، وبعض الناس يتخذ العبيد والخدم، ويدخل فيها كلُّ تابع لك، وكل هؤلاء لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً.. [الدخان: ٤١] يعني: لا يدفع عنه ضُراً، ولا يتحمل عنه وزراً، لأن كلَّ واحد مشغول بنفسه، ينوء بحمله هو، هذا في البشر، وكذلك في الأصنام لن تنفع عابديها، وفي كلِّ معبود سِوَى الله تعالى.
لذلك قال تعالى عن فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ.. [هود: ٩٨] يعني: يسبقهم إلى النار.
آية رقم ٤٣
إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ
الحق سبحانه وتعالى هنا يعطينا صورةً لطعام أهل النار والعياذ بالله، وفي موضع آخر يعطينا صورة لشرابهم، لأن الطعام والشراب هنا قِوَام الحياة، فطعامهم الزقوم، وهو شجرة صغيرة مُنتنة الرائحة، وطعمها مُرٌّ.
أما شكلها، فقال عنه سبحانه في آية أخرى: طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥] وهو تشبيه يؤدِّي المراد منه بدقة، فالمراد إظهار بشاعتها وقُبح منظرها.
لذلك وجدنا بعض المستشرقين يعترضون على هذا التشبيه يقولون: كيف يُشبِّه مجهولاً بمجهول لأن أحداً لم ير رؤوس الشياطين، والأصل في التشبيه أنْ تُشبه مجهولاً بمعلوم ليتم الإيضاح.
يقولون هذا لأنهم لا يعرفون شيئاً عن إعجاز القرآن وطريقة أدائه للمعنى، فلو أننا أجرينا مسابقة بين رسامي الكاريكاتير في العالم وقلنا لهم: ارسموا لنا صورة الشيطان، فكلُّ واحد سيرسمها من تخيُّله للقُبْح في نظره هو.
وهكذا سيكون عندنا صور متعددة، كلها قبيح مع أنها مختلفة، لأن القُبْح له ألوان مختلفة، والشيء البشع عند البعض قد لا يكون كذلك عند آخرين، مثل مقاييس الجمال نجدها نسبية بين الناس، فمثلاً البعض يرى الجمال في الشفاه الرقيقة، وآخر يراه في الشِّفاه الغليظة.
وهكذا تختلف مقاييس القُبْح في الذِّهْن الإنساني، والصورة التي تُفزع شخصاً قد لا تفزع الآخر، فأراد الحق سبحانه بهذه الصورة أنْ يشيع قبحها وبشاعتها، وأنْ يُقبِّحها قُبْحاً عاماً يستوعب كل نواحي القبح والبشاعة عند مختلف الناس.
إذن: الإبهام هنا أفضل، لأنه يجعلك تذهب في تصوُّر القبح كلَّ مذهب، لذلك نستطيع أن نقول: إن الإبهام هنا هو غاية الإيضاح وعَيْن البيان.
إذن: هي شجرة كريهة في شكلها وفي طعمها وفي رائحتها، ثم يزيد على ذلك فيُشبِّه طعمها بأنه كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ [الدخان: ٤٥] المُهْل هو: المعدن المذاب الذي بلغ الغايةَ في الحرارة، أو هو الزيت المغلي...
ومعنى يَغْلِي فِي الْبُطُونِ [الدخان: ٤٥] أن درجة حرارته -والعياذ بالله- لا تنخفض بشُرْبه، فنحن مثلاً حين نشرب الشاي ساخناً نشعر بلسْعة الحرارة في الفم أثناء تناوله، لكن حين ينزل إلى المعدة تنخفض هذه الدرجة.
أما الزَّقوم والعياذ بالله فيظلُّ يغلي حتى في بطونهم كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان: ٤٦].
مثل غليان الماء الذي بلغ أقصى درجة، وتناهتْ حرارته.
آية رقم ٤٤
الحق سبحانه وتعالى هنا يعطينا صورةً لطعام أهل النار والعياذ بالله، وفي موضع آخر يعطينا صورة لشرابهم، لأن الطعام والشراب هنا قِوَام الحياة، فطعامهم الزقوم، وهو شجرة صغيرة مُنتنة الرائحة، وطعمها مُرٌّ.
أما شكلها، فقال عنه سبحانه في آية أخرى طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥] وهو تشبيه يؤدِّي المراد منه بدقة، فالمراد إظهار بشاعتها وقُبح منظرها.
لذلك وجدنا بعض المستشرقين يعترضون على هذا التشبيه يقولون: كيف يُشبِّه مجهولاً بمجهول لأن أحداً لم ير رؤوس الشياطين، والأصل في التشبيه أنْ تُشبه مجهولاً بمعلوم ليتم الإيضاح.
يقولون هذا لأنهم لا يعرفون شيئاً عن إعجاز القرآن وطريقة أدائه للمعنى، فلو أننا أجرينا مسابقة بين رسامي الكاريكاتير في العالم وقلنا لهم: ارسموا لنا صورة الشيطان، فكلُّ واحد سيرسمها من تخيُّله للقُبْح في نظره هو.
وهكذا سيكون عندنا صور متعددة، كلها قبيح مع أنها مختلفة، لأن القُبْح له ألوان مختلفة، والشيء البشع عند البعض قد لا يكون كذلك عند آخرين، مثل مقاييس الجمال نجدها نسبية بين الناس، فمثلاً البعض يرى الجمال في الشفاه الرقيقة، وآخر يراه في الشِّفاه الغليظة.
وهكذا تختلف مقاييس القُبْح في الذِّهْن الإنساني، والصورة التي تُفزع شخصاً قد لا تفزع الآخر، فأراد الحق سبحانه بهذه الصورة أنْ يشيع قبحها وبشاعتها، وأنْ يُقبِّحها قُبْحاً عاماً يستوعب كل نواحي القبح والبشاعة عند مختلف الناس.
إذن: الإبهام هنا أفضل، لأنه يجعلك تذهب في تصوُّر القبح كلَّ مذهب، لذلك نستطيع أن نقول: إن الإبهام هنا هو غاية الإيضاح وعَيْن البيان.
إذن: هي شجرة كريهة في شكلها وفي طعمها وفي رائحتها، ثم يزيد على ذلك فيُشبِّه طعمها بأنه كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ [الدخان: ٤٥] المُهْل هو: المعدن المذاب الذي بلغ الغايةَ في الحرارة، أو هو الزيت المغلي.
فمثلاً نرى صانع (الطعمية) يغلي الزيت لفترات طويلة، حتى يتحوَّل إلى مواد سامة سوداء اللون يُسمُّونها الدُّرْدى، هذا الذي يسمونه المهل إذا كان من أصول ليِّنة، وقد يكون من أصول صلبة كالمعادن مثل: الذهب والحديد والنحاس.
ومعنى يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ [الدخان: ٤٥] أن درجة حرارته - والعياذ بالله - لا تنخفض بشُرْبه، فنحن مثلاً حين نشرب الشاي ساخناً نشعر بلسْعة الحرارة في الفم أثناء تناوله، لكن حين ينزل إلى المعدة تنخفض هذه الدرجة.
أما الزَّقوم والعياذ بالله فيظلُّ يغلي حتى في بطونهم كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ [الدخان: ٤٦].
مثل غليان الماء الذي بلغ أقصى درجة، وتناهتْ حرارته.
آية رقم ٤٥
الحق سبحانه وتعالى هنا يعطينا صورةً لطعام أهل النار والعياذ بالله، وفي موضع آخر يعطينا صورة لشرابهم، لأن الطعام والشراب هنا قِوَام الحياة، فطعامهم الزقوم، وهو شجرة صغيرة مُنتنة الرائحة، وطعمها مُرٌّ.
أما شكلها، فقال عنه سبحانه في آية أخرى طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥] وهو تشبيه يؤدِّي المراد منه بدقة، فالمراد إظهار بشاعتها وقُبح منظرها.
لذلك وجدنا بعض المستشرقين يعترضون على هذا التشبيه يقولون: كيف يُشبِّه مجهولاً بمجهول لأن أحداً لم ير رؤوس الشياطين، والأصل في التشبيه أنْ تُشبه مجهولاً بمعلوم ليتم الإيضاح.
يقولون هذا لأنهم لا يعرفون شيئاً عن إعجاز القرآن وطريقة أدائه للمعنى، فلو أننا أجرينا مسابقة بين رسامي الكاريكاتير في العالم وقلنا لهم: ارسموا لنا صورة الشيطان، فكلُّ واحد سيرسمها من تخيُّله للقُبْح في نظره هو.
وهكذا سيكون عندنا صور متعددة، كلها قبيح مع أنها مختلفة، لأن القُبْح له ألوان مختلفة، والشيء البشع عند البعض قد لا يكون كذلك عند آخرين، مثل مقاييس الجمال نجدها نسبية بين الناس، فمثلاً البعض يرى الجمال في الشفاه الرقيقة، وآخر يراه في الشِّفاه الغليظة.
وهكذا تختلف مقاييس القُبْح في الذِّهْن الإنساني، والصورة التي تُفزع شخصاً قد لا تفزع الآخر، فأراد الحق سبحانه بهذه الصورة أنْ يشيع قبحها وبشاعتها، وأنْ يُقبِّحها قُبْحاً عاماً يستوعب كل نواحي القبح والبشاعة عند مختلف الناس.
إذن: الإبهام هنا أفضل، لأنه يجعلك تذهب في تصوُّر القبح كلَّ مذهب، لذلك نستطيع أن نقول: إن الإبهام هنا هو غاية الإيضاح وعَيْن البيان.
إذن: هي شجرة كريهة في شكلها وفي طعمها وفي رائحتها، ثم يزيد على ذلك فيُشبِّه طعمها بأنه كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ [الدخان: ٤٥] المُهْل هو: المعدن المذاب الذي بلغ الغايةَ في الحرارة، أو هو الزيت المغلي.
فمثلاً نرى صانع (الطعمية) يغلي الزيت لفترات طويلة، حتى يتحوَّل إلى مواد سامة سوداء اللون يُسمُّونها الدُّرْدى، هذا الذي يسمونه المهل إذا كان من أصول ليِّنة، وقد يكون من أصول صلبة كالمعادن مثل: الذهب والحديد والنحاس.
ومعنى يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ [الدخان: ٤٥] أن درجة حرارته - والعياذ بالله - لا تنخفض بشُرْبه، فنحن مثلاً حين نشرب الشاي ساخناً نشعر بلسْعة الحرارة في الفم أثناء تناوله، لكن حين ينزل إلى المعدة تنخفض هذه الدرجة.
أما الزَّقوم والعياذ بالله فيظلُّ يغلي حتى في بطونهم كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ [الدخان: ٤٦].
مثل غليان الماء الذي بلغ أقصى درجة، وتناهتْ حرارته.
آية رقم ٤٦
الحق سبحانه وتعالى هنا يعطينا صورةً لطعام أهل النار والعياذ بالله، وفي موضع آخر يعطينا صورة لشرابهم، لأن الطعام والشراب هنا قِوَام الحياة، فطعامهم الزقوم، وهو شجرة صغيرة مُنتنة الرائحة، وطعمها مُرٌّ.
أما شكلها، فقال عنه سبحانه في آية أخرى طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ [الصافات: ٦٥] وهو تشبيه يؤدِّي المراد منه بدقة، فالمراد إظهار بشاعتها وقُبح منظرها.
لذلك وجدنا بعض المستشرقين يعترضون على هذا التشبيه يقولون: كيف يُشبِّه مجهولاً بمجهول لأن أحداً لم ير رؤوس الشياطين، والأصل في التشبيه أنْ تُشبه مجهولاً بمعلوم ليتم الإيضاح.
يقولون هذا لأنهم لا يعرفون شيئاً عن إعجاز القرآن وطريقة أدائه للمعنى، فلو أننا أجرينا مسابقة بين رسامي الكاريكاتير في العالم وقلنا لهم: ارسموا لنا صورة الشيطان، فكلُّ واحد سيرسمها من تخيُّله للقُبْح في نظره هو.
وهكذا سيكون عندنا صور متعددة، كلها قبيح مع أنها مختلفة، لأن القُبْح له ألوان مختلفة، والشيء البشع عند البعض قد لا يكون كذلك عند آخرين، مثل مقاييس الجمال نجدها نسبية بين الناس، فمثلاً البعض يرى الجمال في الشفاه الرقيقة، وآخر يراه في الشِّفاه الغليظة.
وهكذا تختلف مقاييس القُبْح في الذِّهْن الإنساني، والصورة التي تُفزع شخصاً قد لا تفزع الآخر، فأراد الحق سبحانه بهذه الصورة أنْ يشيع قبحها وبشاعتها، وأنْ يُقبِّحها قُبْحاً عاماً يستوعب كل نواحي القبح والبشاعة عند مختلف الناس.
إذن: الإبهام هنا أفضل، لأنه يجعلك تذهب في تصوُّر القبح كلَّ مذهب، لذلك نستطيع أن نقول: إن الإبهام هنا هو غاية الإيضاح وعَيْن البيان.
إذن: هي شجرة كريهة في شكلها وفي طعمها وفي رائحتها، ثم يزيد على ذلك فيُشبِّه طعمها بأنه كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ [الدخان: ٤٥] المُهْل هو: المعدن المذاب الذي بلغ الغايةَ في الحرارة، أو هو الزيت المغلي.
فمثلاً نرى صانع (الطعمية) يغلي الزيت لفترات طويلة، حتى يتحوَّل إلى مواد سامة سوداء اللون يُسمُّونها الدُّرْدى، هذا الذي يسمونه المهل إذا كان من أصول ليِّنة، وقد يكون من أصول صلبة كالمعادن مثل: الذهب والحديد والنحاس.
ومعنى يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ [الدخان: ٤٥] أن درجة حرارته - والعياذ بالله - لا تنخفض بشُرْبه، فنحن مثلاً حين نشرب الشاي ساخناً نشعر بلسْعة الحرارة في الفم أثناء تناوله، لكن حين ينزل إلى المعدة تنخفض هذه الدرجة.
أما الزَّقوم والعياذ بالله فيظلُّ يغلي حتى في بطونهم كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ [الدخان: ٤٦].
مثل غليان الماء الذي بلغ أقصى درجة، وتناهتْ حرارته.
آية رقم ٤٧
لو تأملتَ فعل الأمر هذا خُذُوهُ.. [الدخان: ٤٧] والآمر هو الحق سبحانه وتعالى نجده مُخيفاً مرعباً، ووالله لو قالها ضابط شرطة لمجرم لكانتْ مخيفة، فما بالكم لو قال الحق سبحانه فَٱعْتِلُوهُ.. [الدخان: ٤٧]؟ يعني: جُرُّوه بشدة وغِلْظة ودون رحمة أو هوادة، إلى أين؟
إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ [الدخان: ٤٧] ولم يقلْ إلى الجحيم، فسواء الجحيم يعني: وسطها لأنه لو كان متطرفاً هنا أو هناك ربما أعطاه أملاً في الخروج منها، أو جاءه نسمة هواء تُخفِّف عنه، إنما في وسطها بحيث تكون الجحيم حوله من كل ناحية مُطبقة عليه.
ليس هذا وفقط ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ [الدخان: ٤٨] فالغليان في جوفه وفوق رأسه، وبعد هذا العذاب الحسيّ يأتي العذاب المعنوي والسخرية والاستهزاء.
ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] لأن الذّوق يستوعب جميع أعضاء الجسم إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] أي: في الدنيا وظننتُ أنك ستكون كذلك في الآخرة، كما قال سبحانه: وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦].
وقوله: ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] على سبيل التهكُّم به والسخرية منه.
آية رقم ٤٨
لو تأملتَ فعل الأمر هذا خُذُوهُ.. [الدخان: ٤٧] والآمر هو الحق سبحانه وتعالى نجده مُخيفاً مرعباً، ووالله لو قالها ضابط شرطة لمجرم لكانتْ مخيفة، فما بالكم لو قال الحق سبحانه فَٱعْتِلُوهُ.. [الدخان: ٤٧]؟ يعني: جُرُّوه بشدة وغِلْظة ودون رحمة أو هوادة، إلى أين؟
إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ [الدخان: ٤٧] ولم يقلْ إلى الجحيم، فسواء الجحيم يعني: وسطها لأنه لو كان متطرفاً هنا أو هناك ربما أعطاه أملاً في الخروج منها، أو جاءه نسمة هواء تُخفِّف عنه، إنما في وسطها بحيث تكون الجحيم حوله من كل ناحية مُطبقة عليه.
ليس هذا وفقط ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ [الدخان: ٤٨] فالغليان في جوفه وفوق رأسه، وبعد هذا العذاب الحسيّ يأتي العذاب المعنوي والسخرية والاستهزاء.
ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] لأن الذّوق يستوعب جميع أعضاء الجسم إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] أي: في الدنيا وظننتُ أنك ستكون كذلك في الآخرة، كما قال سبحانه: وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦].
وقوله: ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] على سبيل التهكُّم به والسخرية منه.
آية رقم ٤٩
لو تأملتَ فعل الأمر هذا خُذُوهُ.. [الدخان: ٤٧] والآمر هو الحق سبحانه وتعالى نجده مُخيفاً مرعباً، ووالله لو قالها ضابط شرطة لمجرم لكانتْ مخيفة، فما بالكم لو قال الحق سبحانه فَٱعْتِلُوهُ.. [الدخان: ٤٧]؟ يعني: جُرُّوه بشدة وغِلْظة ودون رحمة أو هوادة، إلى أين؟
إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ [الدخان: ٤٧] ولم يقلْ إلى الجحيم، فسواء الجحيم يعني: وسطها لأنه لو كان متطرفاً هنا أو هناك ربما أعطاه أملاً في الخروج منها، أو جاءه نسمة هواء تُخفِّف عنه، إنما في وسطها بحيث تكون الجحيم حوله من كل ناحية مُطبقة عليه.
ليس هذا وفقط ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ [الدخان: ٤٨] فالغليان في جوفه وفوق رأسه، وبعد هذا العذاب الحسيّ يأتي العذاب المعنوي والسخرية والاستهزاء.
ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] لأن الذّوق يستوعب جميع أعضاء الجسم إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] أي: في الدنيا وظننتُ أنك ستكون كذلك في الآخرة، كما قال سبحانه: وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦].
وقوله: ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] على سبيل التهكُّم به والسخرية منه.
آية رقم ٥٠
هَـٰذَا.. [الدخان: ٥٠] أي: العذاب الذي نزل بهم مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ [الدخان: ٥٠] يعني: تشكُّون فيه وتُكذِّبونه أصبح حقيقة واقعة.
ثم يذكر الحق سبحانه الصنف المقابل، فيقول تعالى:
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ... .
آية رقم ٥١
الجمع بين المتقابلات من أساليب الأداء القرآني، لأن التقابل يُزيد الصورة وضوحاً.
وقد فَطِن الشاعر العربي إلى هذا المعنى فقال:
فَالوَجْهُ مثْلُ الصُّبْح مُبْيضٌ  وَالشَّعْر مثْل الليْل مُسْودّ
ضِدّانِ لمَّا استجْمعَا حَسُنَا وَالضُّد يظهِرُ حُسْنَهُ الضدّ

ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار: ١٣-١٤] وعليك أنت أنْ تعقد مقارنة وأنْ تختار، لذلك الحق سبحانه بعد أنْ حدثنا عن مصير المجرمين وما أعدَّه لهم من ألوان العذاب يذكر سبحانه مصير المتقين وما أعدَّه لهم من النعيم.
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان: ٥١] والمتقي هو الذي يجعل بينه وبين صفات جلال الله وقايةَ صفات الجلال، مثل: القهار الجبار المنتقم ذي البطش الشديد، فاجعل أيها المؤمن بينك وبين هذه الصفات من الله وقايةً، لأنك لا تحتمل صفات الجلال من الله.
لذلك قال تعالى يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ.. [البقرة: ٢٧٨] وقال: فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ.. [البقرة: ٢٤] لأنها جندي من جنود صفات القهر والجلال. إذن: هما يُؤدِّيان نفس المعنى.
وقوله فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان: ٥١] المقام هو مكان الإقامة أو المسكن الذي تسكن فيه وله أجزاء، تقعد في جزء وتنام في جزء وهكذا، لكن من أهم مُقوِّمات المسكن أنْ يكون آمناً تأمن فيه على نفسك ومالك.
لذلك حينما نفكر في إقامة مدينة سكنية لا بدَّ أنْ نوفر لها أولاً مقوِّمات الأمان لساكنيها، وأول هذه المقوِّمات أنْ تكونَ بعيدةً عن مراتع الوحوش والحيوانات المفترسة، كذلك آمناً من السرقة أو الخائن، وهو البشر الذي يتغلغل فيك في بيتك، ويزعجك بحيث إذا كنت نائماً أو قاعداً قمتَ ووقفتَ له.
فالمكان الأمين أو المقام الأمين هو الذي تأمن فيه من كل شيء إذن: الأمن في المَقام، فوق الأمن في المُقام بالضم. لذلك سيدنا إبراهيم دعا ربه رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً.. [البقرة: ١٢٦] يعني: أمناً عاماً كما يشترط في أيِّ بلد.
فلما أعطاه هذه دعا بالأمن الخاص، فقال: رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً.. [إبراهيم: ٣٥] ثم أعطاه الحق سبحانه آمنا فوق هذا كله، وهو حرمة البيت الحرام فقال: وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً.. [آل عمران: ٩٧] حتى أن الرجل كان يَلْقى فيه قاتلَ أبيه فلا يتعرَّض له لحرمة البيت.
لذلك لما حدثتْ أحداثُ البيت الحرام، وأُطلِقَ فيه النار وفُزِّع فيه الآمنون، خرج علينا من الملاحدة مَن انتهز هذه الفرصة وأخذ يُشكِّك في قوله تعالى: وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً [آل عمران: ٩٧] لأن ما حدث يتعارض مع هذه الآية.
وينبغي هنا أنْ نُفرِّق بين أسلوبين من أساليب الأداء القرآني، فقوله تعالى: وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً [آل عمران: ٩٧] لا يعني الإخبار بأن مَنْ دخله كان آمناً، إنما المراد منه: أطلب منكم أنْ تُؤمِّنوا مَنْ دخله، فهو أمر شرعي يحتمل أنْ نُطيعه فنُؤمِّن مَنْ دخله، ويحتمل ألاَّ نطيع فنُروِّع مَنْ دخله.
إذن: الآية فيها إنشاء طلبي، وليستْ خبراً، ومعلوم أن الخبر يحتمل الصدق أو الكذب، أما الإنشاء فلا يحتمل الصدق ولا يحتمل الكذب.
ومن ذلك قوله تعالى: ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ.. [النور: ٢٦] البعض يفهم الآية على أن فيها إخباراً من الله تعالى بأن الخبيثات من النساء لابدّ أنْ يكُنَّ للخبيثين من الرجال، ثم يرى في واقع المجتمع خلافَ ذلك فيشكّ في صدق الآية.
لكن المعنى غير ذلك، المعنى تشريعي: أعطوا الخبيثات للخبيثين، وأعطوا الطيبات للطيبين، فهذا أمر شرعيّ قد يُطاع من البعض، وقد يُعصَى من آخرين.
والحكمة والصواب في اتباع أوامر الله ليحصلَ التكافؤ بين الاثنين، وتعتدل كفَّة الحياة الزوجية، فلو تصوَّرنا رجلاً طيباً يتزوج امرأة خبيثة ماذا يحدث؟ يحدث خلاف وعدم توافق ثم يُعيِّرها الزوج بماضيها ويُذلها بسيئاتها السابقة، أما إنْ أخذ الخبيثُ الخبيثةَ حدث التوافق، وإنْ قال لها: أنت كنتِ، قالت له: وأنت كنتَ.
إذن: الحق سبحانه فرض أشياءَ كونيةً لا تختلف أبداً، ولا يعارضها واقعُ الحياة، وفرْض أشياء شرعية متروكة لاختيار المكلّف يعمل بها أو لا يعمل، فهذه الآية وأمثالها ليستْ أمراً كونياً، إنما هي أمر شرعي، كأن الله يقول: يا مَنْ تؤمن بأمر شرعي نفِّذ هذا الكلام.
وقوله تعالى: فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الدخان: ٥٢] الجنات هي البساتين والحدائق، وهي عند العرب شيء جميل ونعمة كبرى، فإنْ كان الأمن من الضروريات فالجنات والعيون من الترف وزيادة النعمة.
وقال وَعُيُونٍ [الدخان: ٥٢] لأن الجنات لابدَّ لها من عيون تروي زرعها، وتُغذِّي ثمارها، وبعد أنْ ضمن لهم الأمن وترف الحياة يضمن لهم الملبس الحسن يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ [الدخان: ٥٣].
السندس هو الحرير الرقيق، والإستبرق الحرير السميك الغليظ، وهذا يدل أيضاً على الرفاهية والرِّياش الدَّال على الفخفخة؛ لأن اللباسَ منه الضروريّ الذي يستر العورة، ومنه الرياش، لأنهم كانوا يُزينون اللباس بريش النعام، لذلك يقولون حتى الآن (فلان متريش) يعني: عنده رفاهية في عيشه.
قال تعالى: يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ.. [الأعراف: ٢٦].
إذن: هذه ثلاثة أنواع من اللباس: لباس ضروري يُواري العورة، ولباس الترف والزينة، ولباس التقوى، وهو أفضلها وخيرها، لأن قُصارى ما تأخذه من اللباس هو ستْر عورتك في الدنيا وإظهارك بمظهر حسن بين الناس، فهو لباس موقوت بعمرك في الدنيا، وربما يموت الإنسان بعد أنْ ينزل من بطن أمه مباشرة، فلا يكون له نصيب من هذا اللباس، ولا يكون له عورة تُستر.
أما لباس التقوى فهو زينةٌ لك في الدنيا ونجاةٌ لك في الآخرة دار البقاء ودار الخلود؛ لذلك قال سبحانه: وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ.. [الأعراف: ٢٦].
نلاحظ أن الحق سبحانه بعد أنْ ذكر ما أعدَّه للكافرين من عقاب ذكر ما أعدَّه للمؤمنين به المُصدِّقين برسله، وجعل يوم القيامة يوماً للفصل بينهما إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ [الدخان: ٤٠].
والفصل يكون بين شيئين اتحدوا في أمر واختلفا في آخر، فالمؤمنون والكافرون اتحدوا في الوجود وفي عطاء الربوبية والتمتُّع بنعم الله تعالى في الدنيا، فالله تعالى جعل مُقوِّمات الحياة للجميع: الماء والهواء والطعام.
فهم فيه سواء لأنه ربُّهم جميعاً وخالقهم، وهو الذي استدعاهم للوجود، فلابدَّ أنْ يضمَنَ لهم مُقوِّمات حياتهم، لكن جعل هذه المقومات على مراتب، فلما تكلَّم عن اللباس قال: يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ.. [الأعراف: ٢٦] ولم يخُصَّ المؤمنين، لأن هذا العطاء عطاء ألوهية. قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ.. [الأعراف: ٢٦] إذن: هما شركاء في اللباس الضروري الذي يُواري العورة، وفي الرياش الدال على الأُبَّهة والزينة الزائدة عن الضرورة، وهذه كلها من مُتع الحياة الدنيا، أما لباس التقوى ففصَله عن سابقيه، لأنه لباسٌ خاصّ بأهل الإيمان.
إذن: بعد أنْ سوَّى الله بيننا جميعاً في عطاء الربوبية لأن الجميع عباده جاء يوم الفَصْل، حيث يأخذ كلٌّ منا ما يستحقه، فالأمر في الآخرة مختلف، فللكافرين شجرة الزقوم التي تغلي في البطون كغَلْي الحميم، أما المتقون ففي جنات وعيون في مقام أمين.
كلمة (سُنْدس) و (إستبرق) من أصل فارسي دخلتْ العربية، واستعملها القرآن الكريم على أنها كلمة عربية سارتْ على ألسنة العرب؛ لذلك وقف المستشرقون عند هذه الكلمات ومثلها القسطاس وغيرها، ولا غضاضةَ أنْ تستخدم اللغةُ ألفاظ لغة أخرى.
وما دامتْ هذه الكلمات دخلتْ على العربي، واستخدمها وفهم معناها حتى أصبحت جزءاً من لغته التي يتفاهم بها، فما المانع من استخدامها ككلمات عربية؟ ونحن الآن مثلاً نستخدم كلمة (بنك) وهي غير عربية، وربما نجدها أخفَّ وأرقّ من كلمة مصرف العربية.
وقوله تعالى: مُّتَقَابِلِينَ [الدخان: ٥٣] في وَصْف أهل الجنة وكيفية إقامتهم فيها، والتقابل يدلُّ على الأُنْس حين تكون الوجوه متقابلة متواصلة متقاربة، وضدها متدابرة، والتدابر لا يكون إلا في الخصام، فكلمة مُّتَقَابِلِينَ [الدخان: ٥٣] تدل على أُنْس أهل الجنة بعضهم ببعض، ومحبتهم وتآلفهم.
ثم يقول سبحانه: كَذَلِكَ.. [الدخان: ٥٤] يعني: مثل هذا النعيم وزيادة عليه وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤] الفعل زوَّج يتعدَّى بنفسه ويتعدَّى بالباء، تقول: زوَّجته فلانة يعني: جعلتُها زوجة له، وهو الزواج الشرعي المعروف بين الذكر والأنثى.
أما زوَّجته بكذا يعني: أضفتُ إليه فرداً مثله يُكوِّن معه زوجاً، وليس من الضروري أن يكون أنثى، فقوله تعالى: وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤] تعدَّتْ بالباء.
فالمعنى انتقل من مسألة الزوجية التي نعرفها إلى الأُنْس بالجمال الذي هو قمة ما نعرف من اللذات، وليس بالضروري العملية إياها؛ لأننا في الآخرة سنُخلق خَلْقاً جديداً غير هذا الخَلْق الذي نعيشه، بدليل أنك تأكل في الجنة ولا تتغوَّط.
وعليه فالمعنى المزاوجة بين اثنين، بصرف النظر عن الذكَر والأنثى؛ لأن المتعة هناك متعة النظر، ومتعة الكلام، ومتعة الأُنْس بقيم أخرى غير التي نعرفها الآن.
وقوله بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤] حور: جمع حوراء وهي من نساء الجنة، والحَوَر صفة في العين تعني: شدة البياض وشدة السواد في العين (وعِين) جمع عَيْناء، وهي الواسعة العينين مع جمالهما.
إنك إذا نظرتَ إلى فمها لوجدتَ أنه أصغر من عينها مرتين، لذلك يصفون جمال الفم بأنه مثل خاتم سليمان، ولك أنْ تتخيَّل هذا المنظر.
ولما كان زواجُ الرجل بالمرأة من أعظم مُتَع الدنيا، ويحرص عليه كلٌّ من الرجل والمرأة حينما يبلغان الرشد جعله الله من مُتع الآخرة، لكن على صورة أخرى أنقى، جعله الله من متع الآخرة بصرف النظر عن العملية الجنسية إياها، فالمسألة إيناسٌ بما كنتم تعتبرونه نعمةً في الدنيا، أما في الآخرة فمقاييس أخرى، في الآخرة أنقى لكم الأشياء من مُنغِّصاتها التي كانت في الدنيا.
أرأيتم مثلاً ما في الدنيا من خمر وعسل ولبن، لكم منها في الآخرة، لكن بعدَ أنْ نُصفِّيها لكم مما يُنغِّصها، فجعل خمر الآخرة لذةً للشاربين، وخمر الدنيا لا لذةَ فيه، وجعل اللبن لا يتغيَّر طعمه، وجعل الماء غير آسن.
كذلك جعل الزواج نقياً من شوائبه في الدنيا ومُنغِّصاته، حتى أزواج الدنيا حينما يجمعهم الله في مُستقر رحمته في الجنة يجد الزوجُ زوجته في الدنيا على هيئة أخرى؛ لأن الله تعالى طهَّرها له ونقَّاها من عيوبها التي كان يأخذها عليها في الدنيا.
فلو كانتْ مثلاً غير جميلة وجدها على أجمل ما تكون النساء، ولو كانت في الدنيا طويلة اللسان وجدها على أحسن ما يكون، لأن الله سيُنشئهنَّ نشأةً جديدة: إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ [الواقعة: ٣٥-٣٨] وقال وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ.. [آل عمران: ١٥].
إذن: قوله سبحانه: وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤] هذه الباء نفهم منها أنه زواجٌ غير الذي نعرفه في الدنيا بين الرجل والمرأة، وأنه بعيد عن المسألة إياها، لأن الحياة الأخرى لها نعيمٌ آخر ومقاييس أخرى غير ما نعرفه في الدنيا.
وكلمة (حور عين) تلفت الأذهان إلى متعة النظر والتلذذ به، كما ينظر الإنسان إلى صديق يحبه، فإذا اقتنع واكتفى بهذه النعمة فأهلاً وسهلاً، وإذا لم يقنعه النظر، ففي الجنة ما تشتهيه الأنفسُ ويلذّ الأعين.
آية رقم ٥٢
الجمع بين المتقابلات من أساليب الأداء القرآني، لأن التقابل يُزيد الصورة وضوحاً.
وقد فَطِن الشاعر العربي إلى هذا المعنى فقال:
فَالوَجْهُ مثْلُ الصُّبْح مُبْيضٌ  وَالشَّعْر مثْل الليْل مُسْودّ
ضِدّانِ لمَّا استجْمعَا حَسُنَا وَالضُّد يظهِرُ حُسْنَهُ الضدّ

ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار: ١٣-١٤] وعليك أنت أنْ تعقد مقارنة وأنْ تختار، لذلك الحق سبحانه بعد أنْ حدثنا عن مصير المجرمين وما أعدَّه لهم من ألوان العذاب يذكر سبحانه مصير المتقين وما أعدَّه لهم من النعيم.
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان: ٥١] والمتقي هو الذي يجعل بينه وبين صفات جلال الله وقايةَ صفات الجلال، مثل: القهار الجبار المنتقم ذي البطش الشديد، فاجعل أيها المؤمن بينك وبين هذه الصفات من الله وقايةً، لأنك لا تحتمل صفات الجلال من الله.
لذلك قال تعالى يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ.. [البقرة: ٢٧٨] وقال: فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ.. [البقرة: ٢٤] لأنها جندي من جنود صفات القهر والجلال. إذن: هما يُؤدِّيان نفس المعنى.
وقوله فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان: ٥١] المقام هو مكان الإقامة أو المسكن الذي تسكن فيه وله أجزاء، تقعد في جزء وتنام في جزء وهكذا، لكن من أهم مُقوِّمات المسكن أنْ يكون آمناً تأمن فيه على نفسك ومالك.
لذلك حينما نفكر في إقامة مدينة سكنية لا بدَّ أنْ نوفر لها أولاً مقوِّمات الأمان لساكنيها، وأول هذه المقوِّمات أنْ تكونَ بعيدةً عن مراتع الوحوش والحيوانات المفترسة، كذلك آمناً من السرقة أو الخائن، وهو البشر الذي يتغلغل فيك في بيتك، ويزعجك بحيث إذا كنت نائماً أو قاعداً قمتَ ووقفتَ له.
فالمكان الأمين أو المقام الأمين هو الذي تأمن فيه من كل شيء إذن: الأمن في المَقام، فوق الأمن في المُقام بالضم. لذلك سيدنا إبراهيم دعا ربه رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً.. [البقرة: ١٢٦] يعني: أمناً عاماً كما يشترط في أيِّ بلد.
فلما أعطاه هذه دعا بالأمن الخاص، فقال: رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً.. [إبراهيم: ٣٥] ثم أعطاه الحق سبحانه آمنا فوق هذا كله، وهو حرمة البيت الحرام فقال: وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً.. [آل عمران: ٩٧] حتى أن الرجل كان يَلْقى فيه قاتلَ أبيه فلا يتعرَّض له لحرمة البيت.
لذلك لما حدثتْ أحداثُ البيت الحرام، وأُطلِقَ فيه النار وفُزِّع فيه الآمنون، خرج علينا من الملاحدة مَن انتهز هذه الفرصة وأخذ يُشكِّك في قوله تعالى: وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً [آل عمران: ٩٧] لأن ما حدث يتعارض مع هذه الآية.
وينبغي هنا أنْ نُفرِّق بين أسلوبين من أساليب الأداء القرآني، فقوله تعالى: وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً [آل عمران: ٩٧] لا يعني الإخبار بأن مَنْ دخله كان آمناً، إنما المراد منه: أطلب منكم أنْ تُؤمِّنوا مَنْ دخله، فهو أمر شرعي يحتمل أنْ نُطيعه فنُؤمِّن مَنْ دخله، ويحتمل ألاَّ نطيع فنُروِّع مَنْ دخله.
إذن: الآية فيها إنشاء طلبي، وليستْ خبراً، ومعلوم أن الخبر يحتمل الصدق أو الكذب، أما الإنشاء فلا يحتمل الصدق ولا يحتمل الكذب.
ومن ذلك قوله تعالى: ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ.. [النور: ٢٦] البعض يفهم الآية على أن فيها إخباراً من الله تعالى بأن الخبيثات من النساء لابدّ أنْ يكُنَّ للخبيثين من الرجال، ثم يرى في واقع المجتمع خلافَ ذلك فيشكّ في صدق الآية.
لكن المعنى غير ذلك، المعنى تشريعي: أعطوا الخبيثات للخبيثين، وأعطوا الطيبات للطيبين، فهذا أمر شرعيّ قد يُطاع من البعض، وقد يُعصَى من آخرين.
والحكمة والصواب في اتباع أوامر الله ليحصلَ التكافؤ بين الاثنين، وتعتدل كفَّة الحياة الزوجية، فلو تصوَّرنا رجلاً طيباً يتزوج امرأة خبيثة ماذا يحدث؟ يحدث خلاف وعدم توافق ثم يُعيِّرها الزوج بماضيها ويُذلها بسيئاتها السابقة، أما إنْ أخذ الخبيثُ الخبيثةَ حدث التوافق، وإنْ قال لها: أنت كنتِ، قالت له: وأنت كنتَ.
إذن: الحق سبحانه فرض أشياءَ كونيةً لا تختلف أبداً، ولا يعارضها واقعُ الحياة، وفرْض أشياء شرعية متروكة لاختيار المكلّف يعمل بها أو لا يعمل، فهذه الآية وأمثالها ليستْ أمراً كونياً، إنما هي أمر شرعي، كأن الله يقول: يا مَنْ تؤمن بأمر شرعي نفِّذ هذا الكلام.
وقوله تعالى: فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الدخان: ٥٢] الجنات هي البساتين والحدائق، وهي عند العرب شيء جميل ونعمة كبرى، فإنْ كان الأمن من الضروريات فالجنات والعيون من الترف وزيادة النعمة.
وقال وَعُيُونٍ [الدخان: ٥٢] لأن الجنات لابدَّ لها من عيون تروي زرعها، وتُغذِّي ثمارها، وبعد أنْ ضمن لهم الأمن وترف الحياة يضمن لهم الملبس الحسن يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ [الدخان: ٥٣].
السندس هو الحرير الرقيق، والإستبرق الحرير السميك الغليظ، وهذا يدل أيضاً على الرفاهية والرِّياش الدَّال على الفخفخة؛ لأن اللباسَ منه الضروريّ الذي يستر العورة، ومنه الرياش، لأنهم كانوا يُزينون اللباس بريش النعام، لذلك يقولون حتى الآن (فلان متريش) يعني: عنده رفاهية في عيشه.
قال تعالى: يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ.. [الأعراف: ٢٦].
إذن: هذه ثلاثة أنواع من اللباس: لباس ضروري يُواري العورة، ولباس الترف والزينة، ولباس التقوى، وهو أفضلها وخيرها، لأن قُصارى ما تأخذه من اللباس هو ستْر عورتك في الدنيا وإظهارك بمظهر حسن بين الناس، فهو لباس موقوت بعمرك في الدنيا، وربما يموت الإنسان بعد أنْ ينزل من بطن أمه مباشرة، فلا يكون له نصيب من هذا اللباس، ولا يكون له عورة تُستر.
أما لباس التقوى فهو زينةٌ لك في الدنيا ونجاةٌ لك في الآخرة دار البقاء ودار الخلود؛ لذلك قال سبحانه: وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ.. [الأعراف: ٢٦].
نلاحظ أن الحق سبحانه بعد أنْ ذكر ما أعدَّه للكافرين من عقاب ذكر ما أعدَّه للمؤمنين به المُصدِّقين برسله، وجعل يوم القيامة يوماً للفصل بينهما إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ [الدخان: ٤٠].
والفصل يكون بين شيئين اتحدوا في أمر واختلفا في آخر، فالمؤمنون والكافرون اتحدوا في الوجود وفي عطاء الربوبية والتمتُّع بنعم الله تعالى في الدنيا، فالله تعالى جعل مُقوِّمات الحياة للجميع: الماء والهواء والطعام.
فهم فيه سواء لأنه ربُّهم جميعاً وخالقهم، وهو الذي استدعاهم للوجود، فلابدَّ أنْ يضمَنَ لهم مُقوِّمات حياتهم، لكن جعل هذه المقومات على مراتب، فلما تكلَّم عن اللباس قال: يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ.. [الأعراف: ٢٦] ولم يخُصَّ المؤمنين، لأن هذا العطاء عطاء ألوهية. قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ.. [الأعراف: ٢٦] إذن: هما شركاء في اللباس الضروري الذي يُواري العورة، وفي الرياش الدال على الأُبَّهة والزينة الزائدة عن الضرورة، وهذه كلها من مُتع الحياة الدنيا، أما لباس التقوى ففصَله عن سابقيه، لأنه لباسٌ خاصّ بأهل الإيمان.
إذن: بعد أنْ سوَّى الله بيننا جميعاً في عطاء الربوبية لأن الجميع عباده جاء يوم الفَصْل، حيث يأخذ كلٌّ منا ما يستحقه، فالأمر في الآخرة مختلف، فللكافرين شجرة الزقوم التي تغلي في البطون كغَلْي الحميم، أما المتقون ففي جنات وعيون في مقام أمين.
كلمة (سُنْدس) و (إستبرق) من أصل فارسي دخلتْ العربية، واستعملها القرآن الكريم على أنها كلمة عربية سارتْ على ألسنة العرب؛ لذلك وقف المستشرقون عند هذه الكلمات ومثلها القسطاس وغيرها، ولا غضاضةَ أنْ تستخدم اللغةُ ألفاظ لغة أخرى.
وما دامتْ هذه الكلمات دخلتْ على العربي، واستخدمها وفهم معناها حتى أصبحت جزءاً من لغته التي يتفاهم بها، فما المانع من استخدامها ككلمات عربية؟ ونحن الآن مثلاً نستخدم كلمة (بنك) وهي غير عربية، وربما نجدها أخفَّ وأرقّ من كلمة مصرف العربية.
وقوله تعالى: مُّتَقَابِلِينَ [الدخان: ٥٣] في وَصْف أهل الجنة وكيفية إقامتهم فيها، والتقابل يدلُّ على الأُنْس حين تكون الوجوه متقابلة متواصلة متقاربة، وضدها متدابرة، والتدابر لا يكون إلا في الخصام، فكلمة مُّتَقَابِلِينَ [الدخان: ٥٣] تدل على أُنْس أهل الجنة بعضهم ببعض، ومحبتهم وتآلفهم.
ثم يقول سبحانه: كَذَلِكَ.. [الدخان: ٥٤] يعني: مثل هذا النعيم وزيادة عليه وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤] الفعل زوَّج يتعدَّى بنفسه ويتعدَّى بالباء، تقول: زوَّجته فلانة يعني: جعلتُها زوجة له، وهو الزواج الشرعي المعروف بين الذكر والأنثى.
أما زوَّجته بكذا يعني: أضفتُ إليه فرداً مثله يُكوِّن معه زوجاً، وليس من الضروري أن يكون أنثى، فقوله تعالى: وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤] تعدَّتْ بالباء.
فالمعنى انتقل من مسألة الزوجية التي نعرفها إلى الأُنْس بالجمال الذي هو قمة ما نعرف من اللذات، وليس بالضروري العملية إياها؛ لأننا في الآخرة سنُخلق خَلْقاً جديداً غير هذا الخَلْق الذي نعيشه، بدليل أنك تأكل في الجنة ولا تتغوَّط.
وعليه فالمعنى المزاوجة بين اثنين، بصرف النظر عن الذكَر والأنثى؛ لأن المتعة هناك متعة النظر، ومتعة الكلام، ومتعة الأُنْس بقيم أخرى غير التي نعرفها الآن.
وقوله بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤] حور: جمع حوراء وهي من نساء الجنة، والحَوَر صفة في العين تعني: شدة البياض وشدة السواد في العين (وعِين) جمع عَيْناء، وهي الواسعة العينين مع جمالهما.
إنك إذا نظرتَ إلى فمها لوجدتَ أنه أصغر من عينها مرتين، لذلك يصفون جمال الفم بأنه مثل خاتم سليمان، ولك أنْ تتخيَّل هذا المنظر.
ولما كان زواجُ الرجل بالمرأة من أعظم مُتَع الدنيا، ويحرص عليه كلٌّ من الرجل والمرأة حينما يبلغان الرشد جعله الله من مُتع الآخرة، لكن على صورة أخرى أنقى، جعله الله من متع الآخرة بصرف النظر عن العملية الجنسية إياها، فالمسألة إيناسٌ بما كنتم تعتبرونه نعمةً في الدنيا، أما في الآخرة فمقاييس أخرى، في الآخرة أنقى لكم الأشياء من مُنغِّصاتها التي كانت في الدنيا.
أرأيتم مثلاً ما في الدنيا من خمر وعسل ولبن، لكم منها في الآخرة، لكن بعدَ أنْ نُصفِّيها لكم مما يُنغِّصها، فجعل خمر الآخرة لذةً للشاربين، وخمر الدنيا لا لذةَ فيه، وجعل اللبن لا يتغيَّر طعمه، وجعل الماء غير آسن.
كذلك جعل الزواج نقياً من شوائبه في الدنيا ومُنغِّصاته، حتى أزواج الدنيا حينما يجمعهم الله في مُستقر رحمته في الجنة يجد الزوجُ زوجته في الدنيا على هيئة أخرى؛ لأن الله تعالى طهَّرها له ونقَّاها من عيوبها التي كان يأخذها عليها في الدنيا.
فلو كانتْ مثلاً غير جميلة وجدها على أجمل ما تكون النساء، ولو كانت في الدنيا طويلة اللسان وجدها على أحسن ما يكون، لأن الله سيُنشئهنَّ نشأةً جديدة: إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ [الواقعة: ٣٥-٣٨] وقال وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ.. [آل عمران: ١٥].
إذن: قوله سبحانه: وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤] هذه الباء نفهم منها أنه زواجٌ غير الذي نعرفه في الدنيا بين الرجل والمرأة، وأنه بعيد عن المسألة إياها، لأن الحياة الأخرى لها نعيمٌ آخر ومقاييس أخرى غير ما نعرفه في الدنيا.
وكلمة (حور عين) تلفت الأذهان إلى متعة النظر والتلذذ به، كما ينظر الإنسان إلى صديق يحبه، فإذا اقتنع واكتفى بهذه النعمة فأهلاً وسهلاً، وإذا لم يقنعه النظر، ففي الجنة ما تشتهيه الأنفسُ ويلذّ الأعين.
آية رقم ٥٣
الجمع بين المتقابلات من أساليب الأداء القرآني، لأن التقابل يُزيد الصورة وضوحاً.
وقد فَطِن الشاعر العربي إلى هذا المعنى فقال:
فَالوَجْهُ مثْلُ الصُّبْح مُبْيضٌ  وَالشَّعْر مثْل الليْل مُسْودّ
ضِدّانِ لمَّا استجْمعَا حَسُنَا وَالضُّد يظهِرُ حُسْنَهُ الضدّ

ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار: ١٣-١٤] وعليك أنت أنْ تعقد مقارنة وأنْ تختار، لذلك الحق سبحانه بعد أنْ حدثنا عن مصير المجرمين وما أعدَّه لهم من ألوان العذاب يذكر سبحانه مصير المتقين وما أعدَّه لهم من النعيم.
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان: ٥١] والمتقي هو الذي يجعل بينه وبين صفات جلال الله وقايةَ صفات الجلال، مثل: القهار الجبار المنتقم ذي البطش الشديد، فاجعل أيها المؤمن بينك وبين هذه الصفات من الله وقايةً، لأنك لا تحتمل صفات الجلال من الله.
لذلك قال تعالى يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ.. [البقرة: ٢٧٨] وقال: فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ.. [البقرة: ٢٤] لأنها جندي من جنود صفات القهر والجلال. إذن: هما يُؤدِّيان نفس المعنى.
وقوله فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان: ٥١] المقام هو مكان الإقامة أو المسكن الذي تسكن فيه وله أجزاء، تقعد في جزء وتنام في جزء وهكذا، لكن من أهم مُقوِّمات المسكن أنْ يكون آمناً تأمن فيه على نفسك ومالك.
لذلك حينما نفكر في إقامة مدينة سكنية لا بدَّ أنْ نوفر لها أولاً مقوِّمات الأمان لساكنيها، وأول هذه المقوِّمات أنْ تكونَ بعيدةً عن مراتع الوحوش والحيوانات المفترسة، كذلك آمناً من السرقة أو الخائن، وهو البشر الذي يتغلغل فيك في بيتك، ويزعجك بحيث إذا كنت نائماً أو قاعداً قمتَ ووقفتَ له.
فالمكان الأمين أو المقام الأمين هو الذي تأمن فيه من كل شيء إذن: الأمن في المَقام، فوق الأمن في المُقام بالضم. لذلك سيدنا إبراهيم دعا ربه رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً.. [البقرة: ١٢٦] يعني: أمناً عاماً كما يشترط في أيِّ بلد.
فلما أعطاه هذه دعا بالأمن الخاص، فقال: رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً.. [إبراهيم: ٣٥] ثم أعطاه الحق سبحانه آمنا فوق هذا كله، وهو حرمة البيت الحرام فقال: وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً.. [آل عمران: ٩٧] حتى أن الرجل كان يَلْقى فيه قاتلَ أبيه فلا يتعرَّض له لحرمة البيت.
لذلك لما حدثتْ أحداثُ البيت الحرام، وأُطلِقَ فيه النار وفُزِّع فيه الآمنون، خرج علينا من الملاحدة مَن انتهز هذه الفرصة وأخذ يُشكِّك في قوله تعالى: وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً [آل عمران: ٩٧] لأن ما حدث يتعارض مع هذه الآية.
وينبغي هنا أنْ نُفرِّق بين أسلوبين من أساليب الأداء القرآني، فقوله تعالى: وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً [آل عمران: ٩٧] لا يعني الإخبار بأن مَنْ دخله كان آمناً، إنما المراد منه: أطلب منكم أنْ تُؤمِّنوا مَنْ دخله، فهو أمر شرعي يحتمل أنْ نُطيعه فنُؤمِّن مَنْ دخله، ويحتمل ألاَّ نطيع فنُروِّع مَنْ دخله.
إذن: الآية فيها إنشاء طلبي، وليستْ خبراً، ومعلوم أن الخبر يحتمل الصدق أو الكذب، أما الإنشاء فلا يحتمل الصدق ولا يحتمل الكذب.
ومن ذلك قوله تعالى: ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ.. [النور: ٢٦] البعض يفهم الآية على أن فيها إخباراً من الله تعالى بأن الخبيثات من النساء لابدّ أنْ يكُنَّ للخبيثين من الرجال، ثم يرى في واقع المجتمع خلافَ ذلك فيشكّ في صدق الآية.
لكن المعنى غير ذلك، المعنى تشريعي: أعطوا الخبيثات للخبيثين، وأعطوا الطيبات للطيبين، فهذا أمر شرعيّ قد يُطاع من البعض، وقد يُعصَى من آخرين.
والحكمة والصواب في اتباع أوامر الله ليحصلَ التكافؤ بين الاثنين، وتعتدل كفَّة الحياة الزوجية، فلو تصوَّرنا رجلاً طيباً يتزوج امرأة خبيثة ماذا يحدث؟ يحدث خلاف وعدم توافق ثم يُعيِّرها الزوج بماضيها ويُذلها بسيئاتها السابقة، أما إنْ أخذ الخبيثُ الخبيثةَ حدث التوافق، وإنْ قال لها: أنت كنتِ، قالت له: وأنت كنتَ.
إذن: الحق سبحانه فرض أشياءَ كونيةً لا تختلف أبداً، ولا يعارضها واقعُ الحياة، وفرْض أشياء شرعية متروكة لاختيار المكلّف يعمل بها أو لا يعمل، فهذه الآية وأمثالها ليستْ أمراً كونياً، إنما هي أمر شرعي، كأن الله يقول: يا مَنْ تؤمن بأمر شرعي نفِّذ هذا الكلام.
وقوله تعالى: فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الدخان: ٥٢] الجنات هي البساتين والحدائق، وهي عند العرب شيء جميل ونعمة كبرى، فإنْ كان الأمن من الضروريات فالجنات والعيون من الترف وزيادة النعمة.
وقال وَعُيُونٍ [الدخان: ٥٢] لأن الجنات لابدَّ لها من عيون تروي زرعها، وتُغذِّي ثمارها، وبعد أنْ ضمن لهم الأمن وترف الحياة يضمن لهم الملبس الحسن يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ [الدخان: ٥٣].
السندس هو الحرير الرقيق، والإستبرق الحرير السميك الغليظ، وهذا يدل أيضاً على الرفاهية والرِّياش الدَّال على الفخفخة؛ لأن اللباسَ منه الضروريّ الذي يستر العورة، ومنه الرياش، لأنهم كانوا يُزينون اللباس بريش النعام، لذلك يقولون حتى الآن (فلان متريش) يعني: عنده رفاهية في عيشه.
قال تعالى: يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ.. [الأعراف: ٢٦].
إذن: هذه ثلاثة أنواع من اللباس: لباس ضروري يُواري العورة، ولباس الترف والزينة، ولباس التقوى، وهو أفضلها وخيرها، لأن قُصارى ما تأخذه من اللباس هو ستْر عورتك في الدنيا وإظهارك بمظهر حسن بين الناس، فهو لباس موقوت بعمرك في الدنيا، وربما يموت الإنسان بعد أنْ ينزل من بطن أمه مباشرة، فلا يكون له نصيب من هذا اللباس، ولا يكون له عورة تُستر.
أما لباس التقوى فهو زينةٌ لك في الدنيا ونجاةٌ لك في الآخرة دار البقاء ودار الخلود؛ لذلك قال سبحانه: وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ.. [الأعراف: ٢٦].
نلاحظ أن الحق سبحانه بعد أنْ ذكر ما أعدَّه للكافرين من عقاب ذكر ما أعدَّه للمؤمنين به المُصدِّقين برسله، وجعل يوم القيامة يوماً للفصل بينهما إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ [الدخان: ٤٠].
والفصل يكون بين شيئين اتحدوا في أمر واختلفا في آخر، فالمؤمنون والكافرون اتحدوا في الوجود وفي عطاء الربوبية والتمتُّع بنعم الله تعالى في الدنيا، فالله تعالى جعل مُقوِّمات الحياة للجميع: الماء والهواء والطعام.
فهم فيه سواء لأنه ربُّهم جميعاً وخالقهم، وهو الذي استدعاهم للوجود، فلابدَّ أنْ يضمَنَ لهم مُقوِّمات حياتهم، لكن جعل هذه المقومات على مراتب، فلما تكلَّم عن اللباس قال: يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ.. [الأعراف: ٢٦] ولم يخُصَّ المؤمنين، لأن هذا العطاء عطاء ألوهية. قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ.. [الأعراف: ٢٦] إذن: هما شركاء في اللباس الضروري الذي يُواري العورة، وفي الرياش الدال على الأُبَّهة والزينة الزائدة عن الضرورة، وهذه كلها من مُتع الحياة الدنيا، أما لباس التقوى ففصَله عن سابقيه، لأنه لباسٌ خاصّ بأهل الإيمان.
إذن: بعد أنْ سوَّى الله بيننا جميعاً في عطاء الربوبية لأن الجميع عباده جاء يوم الفَصْل، حيث يأخذ كلٌّ منا ما يستحقه، فالأمر في الآخرة مختلف، فللكافرين شجرة الزقوم التي تغلي في البطون كغَلْي الحميم، أما المتقون ففي جنات وعيون في مقام أمين.
كلمة (سُنْدس) و (إستبرق) من أصل فارسي دخلتْ العربية، واستعملها القرآن الكريم على أنها كلمة عربية سارتْ على ألسنة العرب؛ لذلك وقف المستشرقون عند هذه الكلمات ومثلها القسطاس وغيرها، ولا غضاضةَ أنْ تستخدم اللغةُ ألفاظ لغة أخرى.
وما دامتْ هذه الكلمات دخلتْ على العربي، واستخدمها وفهم معناها حتى أصبحت جزءاً من لغته التي يتفاهم بها، فما المانع من استخدامها ككلمات عربية؟ ونحن الآن مثلاً نستخدم كلمة (بنك) وهي غير عربية، وربما نجدها أخفَّ وأرقّ من كلمة مصرف العربية.
وقوله تعالى: مُّتَقَابِلِينَ [الدخان: ٥٣] في وَصْف أهل الجنة وكيفية إقامتهم فيها، والتقابل يدلُّ على الأُنْس حين تكون الوجوه متقابلة متواصلة متقاربة، وضدها متدابرة، والتدابر لا يكون إلا في الخصام، فكلمة مُّتَقَابِلِينَ [الدخان: ٥٣] تدل على أُنْس أهل الجنة بعضهم ببعض، ومحبتهم وتآلفهم.
ثم يقول سبحانه: كَذَلِكَ.. [الدخان: ٥٤] يعني: مثل هذا النعيم وزيادة عليه وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤] الفعل زوَّج يتعدَّى بنفسه ويتعدَّى بالباء، تقول: زوَّجته فلانة يعني: جعلتُها زوجة له، وهو الزواج الشرعي المعروف بين الذكر والأنثى.
أما زوَّجته بكذا يعني: أضفتُ إليه فرداً مثله يُكوِّن معه زوجاً، وليس من الضروري أن يكون أنثى، فقوله تعالى: وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤] تعدَّتْ بالباء.
فالمعنى انتقل من مسألة الزوجية التي نعرفها إلى الأُنْس بالجمال الذي هو قمة ما نعرف من اللذات، وليس بالضروري العملية إياها؛ لأننا في الآخرة سنُخلق خَلْقاً جديداً غير هذا الخَلْق الذي نعيشه، بدليل أنك تأكل في الجنة ولا تتغوَّط.
وعليه فالمعنى المزاوجة بين اثنين، بصرف النظر عن الذكَر والأنثى؛ لأن المتعة هناك متعة النظر، ومتعة الكلام، ومتعة الأُنْس بقيم أخرى غير التي نعرفها الآن.
وقوله بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤] حور: جمع حوراء وهي من نساء الجنة، والحَوَر صفة في العين تعني: شدة البياض وشدة السواد في العين (وعِين) جمع عَيْناء، وهي الواسعة العينين مع جمالهما.
إنك إذا نظرتَ إلى فمها لوجدتَ أنه أصغر من عينها مرتين، لذلك يصفون جمال الفم بأنه مثل خاتم سليمان، ولك أنْ تتخيَّل هذا المنظر.
ولما كان زواجُ الرجل بالمرأة من أعظم مُتَع الدنيا، ويحرص عليه كلٌّ من الرجل والمرأة حينما يبلغان الرشد جعله الله من مُتع الآخرة، لكن على صورة أخرى أنقى، جعله الله من متع الآخرة بصرف النظر عن العملية الجنسية إياها، فالمسألة إيناسٌ بما كنتم تعتبرونه نعمةً في الدنيا، أما في الآخرة فمقاييس أخرى، في الآخرة أنقى لكم الأشياء من مُنغِّصاتها التي كانت في الدنيا.
أرأيتم مثلاً ما في الدنيا من خمر وعسل ولبن، لكم منها في الآخرة، لكن بعدَ أنْ نُصفِّيها لكم مما يُنغِّصها، فجعل خمر الآخرة لذةً للشاربين، وخمر الدنيا لا لذةَ فيه، وجعل اللبن لا يتغيَّر طعمه، وجعل الماء غير آسن.
كذلك جعل الزواج نقياً من شوائبه في الدنيا ومُنغِّصاته، حتى أزواج الدنيا حينما يجمعهم الله في مُستقر رحمته في الجنة يجد الزوجُ زوجته في الدنيا على هيئة أخرى؛ لأن الله تعالى طهَّرها له ونقَّاها من عيوبها التي كان يأخذها عليها في الدنيا.
فلو كانتْ مثلاً غير جميلة وجدها على أجمل ما تكون النساء، ولو كانت في الدنيا طويلة اللسان وجدها على أحسن ما يكون، لأن الله سيُنشئهنَّ نشأةً جديدة: إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ [الواقعة: ٣٥-٣٨] وقال وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ.. [آل عمران: ١٥].
إذن: قوله سبحانه: وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤] هذه الباء نفهم منها أنه زواجٌ غير الذي نعرفه في الدنيا بين الرجل والمرأة، وأنه بعيد عن المسألة إياها، لأن الحياة الأخرى لها نعيمٌ آخر ومقاييس أخرى غير ما نعرفه في الدنيا.
وكلمة (حور عين) تلفت الأذهان إلى متعة النظر والتلذذ به، كما ينظر الإنسان إلى صديق يحبه، فإذا اقتنع واكتفى بهذه النعمة فأهلاً وسهلاً، وإذا لم يقنعه النظر، ففي الجنة ما تشتهيه الأنفسُ ويلذّ الأعين.
آية رقم ٥٤
الجمع بين المتقابلات من أساليب الأداء القرآني، لأن التقابل يُزيد الصورة وضوحاً.
وقد فَطِن الشاعر العربي إلى هذا المعنى فقال:
فَالوَجْهُ مثْلُ الصُّبْح مُبْيضٌ  وَالشَّعْر مثْل الليْل مُسْودّ
ضِدّانِ لمَّا استجْمعَا حَسُنَا وَالضُّد يظهِرُ حُسْنَهُ الضدّ

ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار: ١٣-١٤] وعليك أنت أنْ تعقد مقارنة وأنْ تختار، لذلك الحق سبحانه بعد أنْ حدثنا عن مصير المجرمين وما أعدَّه لهم من ألوان العذاب يذكر سبحانه مصير المتقين وما أعدَّه لهم من النعيم.
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان: ٥١] والمتقي هو الذي يجعل بينه وبين صفات جلال الله وقايةَ صفات الجلال، مثل: القهار الجبار المنتقم ذي البطش الشديد، فاجعل أيها المؤمن بينك وبين هذه الصفات من الله وقايةً، لأنك لا تحتمل صفات الجلال من الله.
لذلك قال تعالى يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ.. [البقرة: ٢٧٨] وقال: فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ.. [البقرة: ٢٤] لأنها جندي من جنود صفات القهر والجلال. إذن: هما يُؤدِّيان نفس المعنى.
وقوله فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان: ٥١] المقام هو مكان الإقامة أو المسكن الذي تسكن فيه وله أجزاء، تقعد في جزء وتنام في جزء وهكذا، لكن من أهم مُقوِّمات المسكن أنْ يكون آمناً تأمن فيه على نفسك ومالك.
لذلك حينما نفكر في إقامة مدينة سكنية لا بدَّ أنْ نوفر لها أولاً مقوِّمات الأمان لساكنيها، وأول هذه المقوِّمات أنْ تكونَ بعيدةً عن مراتع الوحوش والحيوانات المفترسة، كذلك آمناً من السرقة أو الخائن، وهو البشر الذي يتغلغل فيك في بيتك، ويزعجك بحيث إذا كنت نائماً أو قاعداً قمتَ ووقفتَ له.
فالمكان الأمين أو المقام الأمين هو الذي تأمن فيه من كل شيء إذن: الأمن في المَقام، فوق الأمن في المُقام بالضم. لذلك سيدنا إبراهيم دعا ربه رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً.. [البقرة: ١٢٦] يعني: أمناً عاماً كما يشترط في أيِّ بلد.
فلما أعطاه هذه دعا بالأمن الخاص، فقال: رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً.. [إبراهيم: ٣٥] ثم أعطاه الحق سبحانه آمنا فوق هذا كله، وهو حرمة البيت الحرام فقال: وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً.. [آل عمران: ٩٧] حتى أن الرجل كان يَلْقى فيه قاتلَ أبيه فلا يتعرَّض له لحرمة البيت.
لذلك لما حدثتْ أحداثُ البيت الحرام، وأُطلِقَ فيه النار وفُزِّع فيه الآمنون، خرج علينا من الملاحدة مَن انتهز هذه الفرصة وأخذ يُشكِّك في قوله تعالى: وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً [آل عمران: ٩٧] لأن ما حدث يتعارض مع هذه الآية.
وينبغي هنا أنْ نُفرِّق بين أسلوبين من أساليب الأداء القرآني، فقوله تعالى: وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً [آل عمران: ٩٧] لا يعني الإخبار بأن مَنْ دخله كان آمناً، إنما المراد منه: أطلب منكم أنْ تُؤمِّنوا مَنْ دخله، فهو أمر شرعي يحتمل أنْ نُطيعه فنُؤمِّن مَنْ دخله، ويحتمل ألاَّ نطيع فنُروِّع مَنْ دخله.
إذن: الآية فيها إنشاء طلبي، وليستْ خبراً، ومعلوم أن الخبر يحتمل الصدق أو الكذب، أما الإنشاء فلا يحتمل الصدق ولا يحتمل الكذب.
ومن ذلك قوله تعالى: ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ.. [النور: ٢٦] البعض يفهم الآية على أن فيها إخباراً من الله تعالى بأن الخبيثات من النساء لابدّ أنْ يكُنَّ للخبيثين من الرجال، ثم يرى في واقع المجتمع خلافَ ذلك فيشكّ في صدق الآية.
لكن المعنى غير ذلك، المعنى تشريعي: أعطوا الخبيثات للخبيثين، وأعطوا الطيبات للطيبين، فهذا أمر شرعيّ قد يُطاع من البعض، وقد يُعصَى من آخرين.
والحكمة والصواب في اتباع أوامر الله ليحصلَ التكافؤ بين الاثنين، وتعتدل كفَّة الحياة الزوجية، فلو تصوَّرنا رجلاً طيباً يتزوج امرأة خبيثة ماذا يحدث؟ يحدث خلاف وعدم توافق ثم يُعيِّرها الزوج بماضيها ويُذلها بسيئاتها السابقة، أما إنْ أخذ الخبيثُ الخبيثةَ حدث التوافق، وإنْ قال لها: أنت كنتِ، قالت له: وأنت كنتَ.
إذن: الحق سبحانه فرض أشياءَ كونيةً لا تختلف أبداً، ولا يعارضها واقعُ الحياة، وفرْض أشياء شرعية متروكة لاختيار المكلّف يعمل بها أو لا يعمل، فهذه الآية وأمثالها ليستْ أمراً كونياً، إنما هي أمر شرعي، كأن الله يقول: يا مَنْ تؤمن بأمر شرعي نفِّذ هذا الكلام.
وقوله تعالى: فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الدخان: ٥٢] الجنات هي البساتين والحدائق، وهي عند العرب شيء جميل ونعمة كبرى، فإنْ كان الأمن من الضروريات فالجنات والعيون من الترف وزيادة النعمة.
وقال وَعُيُونٍ [الدخان: ٥٢] لأن الجنات لابدَّ لها من عيون تروي زرعها، وتُغذِّي ثمارها، وبعد أنْ ضمن لهم الأمن وترف الحياة يضمن لهم الملبس الحسن يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ [الدخان: ٥٣].
السندس هو الحرير الرقيق، والإستبرق الحرير السميك الغليظ، وهذا يدل أيضاً على الرفاهية والرِّياش الدَّال على الفخفخة؛ لأن اللباسَ منه الضروريّ الذي يستر العورة، ومنه الرياش، لأنهم كانوا يُزينون اللباس بريش النعام، لذلك يقولون حتى الآن (فلان متريش) يعني: عنده رفاهية في عيشه.
قال تعالى: يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ.. [الأعراف: ٢٦].
إذن: هذه ثلاثة أنواع من اللباس: لباس ضروري يُواري العورة، ولباس الترف والزينة، ولباس التقوى، وهو أفضلها وخيرها، لأن قُصارى ما تأخذه من اللباس هو ستْر عورتك في الدنيا وإظهارك بمظهر حسن بين الناس، فهو لباس موقوت بعمرك في الدنيا، وربما يموت الإنسان بعد أنْ ينزل من بطن أمه مباشرة، فلا يكون له نصيب من هذا اللباس، ولا يكون له عورة تُستر.
أما لباس التقوى فهو زينةٌ لك في الدنيا ونجاةٌ لك في الآخرة دار البقاء ودار الخلود؛ لذلك قال سبحانه: وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ.. [الأعراف: ٢٦].
نلاحظ أن الحق سبحانه بعد أنْ ذكر ما أعدَّه للكافرين من عقاب ذكر ما أعدَّه للمؤمنين به المُصدِّقين برسله، وجعل يوم القيامة يوماً للفصل بينهما إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ [الدخان: ٤٠].
والفصل يكون بين شيئين اتحدوا في أمر واختلفا في آخر، فالمؤمنون والكافرون اتحدوا في الوجود وفي عطاء الربوبية والتمتُّع بنعم الله تعالى في الدنيا، فالله تعالى جعل مُقوِّمات الحياة للجميع: الماء والهواء والطعام.
فهم فيه سواء لأنه ربُّهم جميعاً وخالقهم، وهو الذي استدعاهم للوجود، فلابدَّ أنْ يضمَنَ لهم مُقوِّمات حياتهم، لكن جعل هذه المقومات على مراتب، فلما تكلَّم عن اللباس قال: يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ.. [الأعراف: ٢٦] ولم يخُصَّ المؤمنين، لأن هذا العطاء عطاء ألوهية. قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ.. [الأعراف: ٢٦] إذن: هما شركاء في اللباس الضروري الذي يُواري العورة، وفي الرياش الدال على الأُبَّهة والزينة الزائدة عن الضرورة، وهذه كلها من مُتع الحياة الدنيا، أما لباس التقوى ففصَله عن سابقيه، لأنه لباسٌ خاصّ بأهل الإيمان.
إذن: بعد أنْ سوَّى الله بيننا جميعاً في عطاء الربوبية لأن الجميع عباده جاء يوم الفَصْل، حيث يأخذ كلٌّ منا ما يستحقه، فالأمر في الآخرة مختلف، فللكافرين شجرة الزقوم التي تغلي في البطون كغَلْي الحميم، أما المتقون ففي جنات وعيون في مقام أمين.
كلمة (سُنْدس) و (إستبرق) من أصل فارسي دخلتْ العربية، واستعملها القرآن الكريم على أنها كلمة عربية سارتْ على ألسنة العرب؛ لذلك وقف المستشرقون عند هذه الكلمات ومثلها القسطاس وغيرها، ولا غضاضةَ أنْ تستخدم اللغةُ ألفاظ لغة أخرى.
وما دامتْ هذه الكلمات دخلتْ على العربي، واستخدمها وفهم معناها حتى أصبحت جزءاً من لغته التي يتفاهم بها، فما المانع من استخدامها ككلمات عربية؟ ونحن الآن مثلاً نستخدم كلمة (بنك) وهي غير عربية، وربما نجدها أخفَّ وأرقّ من كلمة مصرف العربية.
وقوله تعالى: مُّتَقَابِلِينَ [الدخان: ٥٣] في وَصْف أهل الجنة وكيفية إقامتهم فيها، والتقابل يدلُّ على الأُنْس حين تكون الوجوه متقابلة متواصلة متقاربة، وضدها متدابرة، والتدابر لا يكون إلا في الخصام، فكلمة مُّتَقَابِلِينَ [الدخان: ٥٣] تدل على أُنْس أهل الجنة بعضهم ببعض، ومحبتهم وتآلفهم.
ثم يقول سبحانه: كَذَلِكَ.. [الدخان: ٥٤] يعني: مثل هذا النعيم وزيادة عليه وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤] الفعل زوَّج يتعدَّى بنفسه ويتعدَّى بالباء، تقول: زوَّجته فلانة يعني: جعلتُها زوجة له، وهو الزواج الشرعي المعروف بين الذكر والأنثى.
أما زوَّجته بكذا يعني: أضفتُ إليه فرداً مثله يُكوِّن معه زوجاً، وليس من الضروري أن يكون أنثى، فقوله تعالى: وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤] تعدَّتْ بالباء.
فالمعنى انتقل من مسألة الزوجية التي نعرفها إلى الأُنْس بالجمال الذي هو قمة ما نعرف من اللذات، وليس بالضروري العملية إياها؛ لأننا في الآخرة سنُخلق خَلْقاً جديداً غير هذا الخَلْق الذي نعيشه، بدليل أنك تأكل في الجنة ولا تتغوَّط.
وعليه فالمعنى المزاوجة بين اثنين، بصرف النظر عن الذكَر والأنثى؛ لأن المتعة هناك متعة النظر، ومتعة الكلام، ومتعة الأُنْس بقيم أخرى غير التي نعرفها الآن.
وقوله بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤] حور: جمع حوراء وهي من نساء الجنة، والحَوَر صفة في العين تعني: شدة البياض وشدة السواد في العين (وعِين) جمع عَيْناء، وهي الواسعة العينين مع جمالهما.
إنك إذا نظرتَ إلى فمها لوجدتَ أنه أصغر من عينها مرتين، لذلك يصفون جمال الفم بأنه مثل خاتم سليمان، ولك أنْ تتخيَّل هذا المنظر.
ولما كان زواجُ الرجل بالمرأة من أعظم مُتَع الدنيا، ويحرص عليه كلٌّ من الرجل والمرأة حينما يبلغان الرشد جعله الله من مُتع الآخرة، لكن على صورة أخرى أنقى، جعله الله من متع الآخرة بصرف النظر عن العملية الجنسية إياها، فالمسألة إيناسٌ بما كنتم تعتبرونه نعمةً في الدنيا، أما في الآخرة فمقاييس أخرى، في الآخرة أنقى لكم الأشياء من مُنغِّصاتها التي كانت في الدنيا.
أرأيتم مثلاً ما في الدنيا من خمر وعسل ولبن، لكم منها في الآخرة، لكن بعدَ أنْ نُصفِّيها لكم مما يُنغِّصها، فجعل خمر الآخرة لذةً للشاربين، وخمر الدنيا لا لذةَ فيه، وجعل اللبن لا يتغيَّر طعمه، وجعل الماء غير آسن.
كذلك جعل الزواج نقياً من شوائبه في الدنيا ومُنغِّصاته، حتى أزواج الدنيا حينما يجمعهم الله في مُستقر رحمته في الجنة يجد الزوجُ زوجته في الدنيا على هيئة أخرى؛ لأن الله تعالى طهَّرها له ونقَّاها من عيوبها التي كان يأخذها عليها في الدنيا.
فلو كانتْ مثلاً غير جميلة وجدها على أجمل ما تكون النساء، ولو كانت في الدنيا طويلة اللسان وجدها على أحسن ما يكون، لأن الله سيُنشئهنَّ نشأةً جديدة: إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ [الواقعة: ٣٥-٣٨] وقال وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ.. [آل عمران: ١٥].
إذن: قوله سبحانه: وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤] هذه الباء نفهم منها أنه زواجٌ غير الذي نعرفه في الدنيا بين الرجل والمرأة، وأنه بعيد عن المسألة إياها، لأن الحياة الأخرى لها نعيمٌ آخر ومقاييس أخرى غير ما نعرفه في الدنيا.
وكلمة (حور عين) تلفت الأذهان إلى متعة النظر والتلذذ به، كما ينظر الإنسان إلى صديق يحبه، فإذا اقتنع واكتفى بهذه النعمة فأهلاً وسهلاً، وإذا لم يقنعه النظر، ففي الجنة ما تشتهيه الأنفسُ ويلذّ الأعين.
آية رقم ٥٥
معنى يَدْعُونَ.. [الدخان: ٥٥] يطلبون فِيهَا.. [الدخان: ٥٥] أي: في الجنة، فإنْ قلتَ: فلماذا يطلبونها وفي الجنة يأتيك الشيء بمجرد أنْ تريده، قالوا: المسألة أنه أكل الأكل الطبيعي أو الضروري، كما قال تعالى: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة: ٢١].
وبعد أنْ أكل يريد التفكه، وما دام تشتهيها نفسك تأتيك حتى لو كانت بِكلِّ فَاكِهَةٍ.. [الدخان: ٥٥] يعني: من كلِّ الأنواع ومن كلِّ الأشكال، فالواحد منا مهما بلغ من نعيم الدنيا يأكل بعد وجبته الأساسية نوعاً أو نوعين من الفاكهة، أما في الجنة فيدعون بكل فاكهة يعني يا رب هَات لنا بكلِّ الفواكه.
وهنا نسأل: ما البطن التي تتحمل وتتسع لكلِّ هذا؟ وما هي النفس التي تستقبل كلَّ هذه الأشياء المتماثلة؟ والله لو كنا في الدنيا لحدثتْ لنا مشاكل في المعدة وفي الأمعاء وغيرها، أما في الجنة فالأمر مختلف.
وانظر إلى ذيل الآية آمِنِينَ [الدخان: ٥٥] فجاءت كلمة آمنين لتزيل كل استغراب وتعجُّب، فهناك كُل كُلَّ ما تحب، وكُلْ ما تشتهيه نفسُك.
إنه أكْل آمِنٌ من معاطب الطعام التي عرفتها في الدنيا، أكْلٌ أعدَّه لك ربُّك عز وجل ونقَّاه من كُلِّ ما يُنغِّصه، ومن كُلِّ عيوب الطعام التي عرفتها في الدنيا، ويكفي في نقائه أنك تأكل منه ما شئتَ ولا تتغوَّط. إذن: نعمة الجنة مُصفاة وخالصة من الشوائب ومن المتاعب.
وقوله سبحانه: لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ.. [الدخان: ٥٦] أي: في الجنة أيضاً، فالجنة ظرف وليس في الجنة موت، إذن: كيف يستثنى فيها إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ.. [الدخان: ٥٦] إذن: المعنى أنهم لا يذوقون في الجنة الموت، فالموتُ بالنسبة لهم انتهى بالموتة الأولى التي حدثت لهم في الدنيا، أما في الجنة فلا موت.
وكلمة يَذُوقُونَ.. [الدخان: ٥٦] جعلتْ حاسَّة الذوْق التي تقتصر على اللسان والمنطقة التي حوله المسئولة عن تذوُّق الأشياء، جعل هذه الحاسة عامة في كُلِّ الجسم تستوعب كلَّ الحواس الأخرى.
كما قال سبحانه في عذاب أهل النار ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] فهو يذوق العذاب لا بلسانه، ولكن بكلِّ عضو فيه، وقال سبحانه في آية أخرى: فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [النحل: ١١٢] فجعل حاسَّة التذوُّق هنا كاللباس الذي يستوعب الجسم كله، فكأن كلَّ جزء من جسمه يذوق طَعْم العذاب.
وقوله وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ [الدخان: ٥٦] أي: أولاً وقبل هذا النعيم وقاهم عذابَ الجحيم، فالوقاية من العذاب سابقة لدخولهم الجنة ومقدمة عليه، لأن القاعدة كما قلنا: التخلية قبل التحلية، لذلك قال سبحانه: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ.. [آل عمران: ١٨٥].
معنى يَدْعُونَ.. [الدخان: ٥٥] يطلبون فِيهَا.. [الدخان: ٥٥] أي: في الجنة، فإنْ قلتَ: فلماذا يطلبونها وفي الجنة يأتيك الشيء بمجرد أنْ تريده، قالوا: المسألة أنه أكل الأكل الطبيعي أو الضروري، كما قال تعالى: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة: ٢١].
وبعد أنْ أكل يريد التفكه، وما دام تشتهيها نفسك تأتيك حتى لو كانت بِكلِّ فَاكِهَةٍ.. [الدخان: ٥٥] يعني: من كلِّ الأنواع ومن كلِّ الأشكال، فالواحد منا مهما بلغ من نعيم الدنيا يأكل بعد وجبته الأساسية نوعاً أو نوعين من الفاكهة، أما في الجنة فيدعون بكل فاكهة يعني يا رب هَات لنا بكلِّ الفواكه.
وهنا نسأل: ما البطن التي تتحمل وتتسع لكلِّ هذا؟ وما هي النفس التي تستقبل كلَّ هذه الأشياء المتماثلة؟ والله لو كنا في الدنيا لحدثتْ لنا مشاكل في المعدة وفي الأمعاء وغيرها، أما في الجنة فالأمر مختلف.
وانظر إلى ذيل الآية آمِنِينَ [الدخان: ٥٥] فجاءت كلمة آمنين لتزيل كل استغراب وتعجُّب، فهناك كُل كُلَّ ما تحب، وكُلْ ما تشتهيه نفسُك.
إنه أكْل آمِنٌ من معاطب الطعام التي عرفتها في الدنيا، أكْلٌ أعدَّه لك ربُّك عز وجل ونقَّاه من كُلِّ ما يُنغِّصه، ومن كُلِّ عيوب الطعام التي عرفتها في الدنيا، ويكفي في نقائه أنك تأكل منه ما شئتَ ولا تتغوَّط. إذن: نعمة الجنة مُصفاة وخالصة من الشوائب ومن المتاعب.
وقوله سبحانه: لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ.. [الدخان: ٥٦] أي: في الجنة أيضاً، فالجنة ظرف وليس في الجنة موت، إذن: كيف يستثنى فيها إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ.. [الدخان: ٥٦] إذن: المعنى أنهم لا يذوقون في الجنة الموت، فالموتُ بالنسبة لهم انتهى بالموتة الأولى التي حدثت لهم في الدنيا، أما في الجنة فلا موت.
وكلمة يَذُوقُونَ.. [الدخان: ٥٦] جعلتْ حاسَّة الذوْق التي تقتصر على اللسان والمنطقة التي حوله المسئولة عن تذوُّق الأشياء، جعل هذه الحاسة عامة في كُلِّ الجسم تستوعب كلَّ الحواس الأخرى.
كما قال سبحانه في عذاب أهل النار ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] فهو يذوق العذاب لا بلسانه، ولكن بكلِّ عضو فيه، وقال سبحانه في آية أخرى: فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [النحل: ١١٢] فجعل حاسَّة التذوُّق هنا كاللباس الذي يستوعب الجسم كله، فكأن كلَّ جزء من جسمه يذوق طَعْم العذاب.
وقوله وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ [الدخان: ٥٦] أي: أولاً وقبل هذا النعيم وقاهم عذابَ الجحيم، فالوقاية من العذاب سابقة لدخولهم الجنة ومقدمة عليه، لأن القاعدة كما قلنا: التخلية قبل التحلية، لذلك قال سبحانه: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ.. [آل عمران: ١٨٥].
آية رقم ٥٧
فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
أي: أن الجنة وما فيها من النعيم وقبل ذلك الوقاية من العذاب، كل هذا فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ.. [الدخان: ٥٧] أي: تفضُّلاً منه سبحانه علينا وتكرُّماً منه على خَلْقه ليس بأعمالهم.
وهذه المسألة موضع خلاف بين العلماء، لأن الحق سبحانه قال في آية أخرى: ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: ٣٢] وقال أيضاً: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: ٥٨].
إذن: عندنا آيات تقول بفضل الله، وآيات تقول بالعمل، ولا بدَّ أنْ يتصيَّد خصوم الإسلام مثل هذه المسائل، ويحاولوا أنْ يُشكِّكوا في كلام رب العالمين، وأنْ يتهموه بالتناقض، تعالى اللهُ عن ذلك عُلواً كبيراً.
ولبيان هذه المسألة نقول: أنت حين تهتم بولدك وتنفق عليه وتعطيه دروساً ليتفوق، تفعل ذلك لصالحه أم لصالحك أنت؟ وحين يتفوَّق تأتي له بجائزة تحفزه على الاستمرار في النجاح. إذن: أنت كلفتَ نفسك بأشياء ونفقات لا تعودُ عليك، إنما تعود على ابنك.
كذلك الحق سبحانه وتعالى يتعامل مع خَلْقه، فالله خلقنا وخلق لنا مُقوِّمات حياتنا، ثم أعطانا المنهج وأثابنا عليه فانتفعنا بالاستقامة عليه في الدنيا وبالثواب عليه في الآخرة.
والحق سبحانه يفعل ذلك وهو الغنيُّ عنَّا، فله سبحانه كلُّ صفات الكمال قبل أنْ يخلق هذا الخَلْق، إذن: لا تنفعه طاعة، ولا تضرُّه معصية.
وإياك أنْ تظنَّ أنك بطاعتك لله وعبادتك له سبحانه أنك تسند عرشه جَلَّ وعلا أو تزيد في خلقه، فأنت المستفيد أولاً وأخيراً بمنهج الله، وشرفٌ أنْ تنتسبَ إلى هذا المنهج، وأنْ تكونَ عبداً لله تعالى.
لذلك ورد في الحديث القدسي:"يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قَلْب رجل واحد منكم ما نقصَ ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد من ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد وسألني كلُّ واحد مسألته فقضيتُها له ما نقصَ ذلك في ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخْيَطُ إذا أُدخِلَ البحر، ذلك أنِّي جواد ماجدٌ واجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردتُه أنْ أقول له كُنْ فيكون".
إذن: التكليف الذي يأتينا من الله تعالى لا ينتفع الله منه بشيء، إنما يعود نفعه علينا، ولو أخذنا المسألة بالعقل لقُلْنا أنه كان علينا أنْ ندفع الثمن، فالثواب على الطاعة إذن محْضُ فضل من الله، بل مجرد التشريع والمنهج الذي كلَّفك الله به محض فضل منه سبحانه.
لذلك قال تعالى: فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الدخان: ٥٧] الفوز العظيم أنني حين أسير على وفْق منهج الله أنتفع به في الدنيا وأُثاب عليه في الآخرة.
أما قوله سبحانه: ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: ٣٢] قالوا: يعني بسبب أعمالكم الصالحة، فالعمل الصالح ليس ثمناً للجنة ولكنه سببٌ لدخولها، وقد أوضح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المسألة حين قال: "لا يدخل أحدٌ منكم الجنةَ بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أنْ يتغمَّدني الله برحمته".
وفي ضوء هذا الحديث نفهم قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: ٥٨].
آية رقم ٥٨
الحق سبحانه يعود هنا لمخاطبة نبيه صلى الله عليه وسلم وبيان نعمته عليه، ومن هذه النعم أنه سبحانه يسَّر له القرآن يقرؤه بلسان عربي مبين، فالضمير في يَسَّرْنَاهُ.. [الدخان: ٥٨] يعود على القرآن بدليل قوله بِلِسَانِكَ.. [الدخان: ٥٨] فهذا إمداد لغوي؛ حيث جعله الله بلسان ولغة عربية وهو لسان الرسول صلى الله عليه وسلم ولغته التي ينطلق بها.
وقوله: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [الدخان: ٥٨] دل على أنه بلسانك وبلسان قومك، قال تعالى: وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] فهو بلسانك تبليغاً وبلسانهم تلقياً واستقبالاً، ثم بلاغاً أيضاً لأنهم هم الذين سيقومون بمهمة البلاغ بعد رسول الله.
آية رقم ٥٩
فَارْتَقِبْ.. يعني: انتظر إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ منتظرون، فماذا ينتظر رسول الله؟ وماذا ينتظر الكافرون؟ رسول الله صاحبُ دعوة وهدى، جاء بنور يهدي به هؤلاء القوم، وهم مناهضون لدعوته يُناصبونه العداء، ويريدون أنْ يُطفئوا هذا النور، هو حريصٌ عليهم مُحب لهدايتهم رغم إيذائهم لهم وسخريتهم منه، حتى إنه ليكاد أنْ يهلك نفسه في سبيل دعوته.
لذلك كثيراً ما خاطبه ربه مُسلِّياً له مُخفِّفاً عنه، يخبره إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ.. [الشورى: ٤٨] لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٣].
وقال: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ الظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] يعني: لا تحزن يا محمد لما يقولونه عنك، لأنهم يحبونك، ويُقدِّرونك ويعلمون صِدْقك ومكانتك، فأنت عندهم أعلى من أن تكذبَ عليهم، ولكن المسألة أنهم يجحدون بآياتي، فالمسألة عندي أنا.
كلمة فَارْتَقِبْ.. جاءت في هذه السورة مرتين هنا، وفي قوله سبحانه: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ [الدخان: ١٠] لما دعا رسول الله عليهم وقال:"اللهم اشْدُدْ وطأتك على مُضر، واجعلها عليهم سنين كسِنيٍ يوسف".
فنزل بهم من القحط والجدب ما نزل حتى أكلوا الجيف والعِلْهز وضجّوا يدعون الله أنْ يكشف عنهم، والله يعلم أنه لو كشف عنهم لَعادوا لما كانوا عليه من التكذيب لرسوله.
لذلك خاطب الله رسوله بقوله: فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧].
فمعنى فَارْتَقِبْ.. أي: انتظر ما يحلُّ بهم من العذاب لأنهم يرتقبون ما يُريحهم منك ويُخلِّصهم من دعوتك، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يُعلِّم رسوله كيف يجادلهم، فيقول لهم: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ [التوبة: ٥٢].
يعني: قَلْ لهم يا محمد: أنتم تتربصون بنا إحدى الحسنيين، إما النصر عليكم، وإما أنْ نموت شهداء، فإن انتصرنا عليكم عَلا منهجُ الله وساد، وإنْ متْنَا كنا شهداء أحياء عند ربنا نُرزق.
ونَحن نتربَّص بكم أنْ يُصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، إذن: نحن تربَّصنا بكم بشرٍّ لكم، وأنتم تربصتم بنا بخير لنا.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

59 مقطع من التفسير