تفسير سورة سورة المزمل

أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي

الهداية الى بلوغ النهاية

أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (ت 437 هـ)

الناشر

مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة

الطبعة

الأولى

نبذة عن الكتاب

، واجتهدت في تلخيصه وبيانه واختياره، واختصاره، وتقصيت ذكر ما وصل إلي من مشهور تأويل الصحابة والتابعين، ومن بعدهم في التفسير دون الشاذ على حسب مقدرتي، وما تذكرته في وقت تأليفي له. وذكرت المأثور من ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما وجدت إليه سبيلاً من روايتي أو ما صح عندي من رواية غيري، وأضربت عن الأسانيد ليخف حفظه على من أراده. جمعت فيه علوماً كثيرة، وفوائد عظيمة؛ من تفسير مأثور أو معنى مفسر، أو حكم مبين، أو ناسخ، أو منسوخ، أو شرح مشكل، أو بيان غريب، أو إظهار معنى خفي، مع غير ذلك من فنون علوم كتاب الله جل ذكره؛ من قراءة غريبة، أوإعراب غامض، أو اشتقاق مشكل، أو تصريف خفي، أو تعليل نادر، أو تصرف فعل مسموع مع ما يتعلق بذلك من أنواع علوم يكثر تعدادها ويطول ذكرها ... قدمت في أوله نبذاً من علل النحو وغامضاً من الإعراب، ثم خففت ذكر ذلك فيما بعد لئلا يطول الكتاب، ولأنني قد أفردت كتاباً مختصراً في شرح مشكل الإعراب خاصة، ولأن غرضي في هذا الكتاب إنما هو تفسير التلاوة، وبيان القصص والأخبار، وكشف مشكل المعاني، وذكر الاختلاف في ذلك، وتبيين الناسخ والمنسوخ وشرح وذكر الأسباب التي نزلت فيها الآي إن وجدت إلى ذكر ذلك سبيلاً من روايتي، أو ما صح عندي من رواية غيري. وترجمت عن معنى ما أشكل لفظه من أقاويل المتقدمين بلفظي ليقرب ذلك إلى فهم دارسيه، وربما ذكرت ألفاظهم بعينها ما لم يشكل»



مصادره:

يقول المصنف - رحمه الله:

«ما بلغ إلي من علم كتاب الله تعالى ذكره مما وقفت على فهمه ووصل إلي علمه من ألفاظ العلماء، ومذاكرات الفقهاء ومجالس القراء، ورواية الثقات من أهل النقل والروايات، ومباحثات أهل النظر والدراية .... جمعت أكثر هذا الكتاب من كتاب شيخنا أبي بكر الأدفوي رحمه الله وهو الكتاب المسمى بكتاب (الاستغناء) المشتمل على نحو ثلاثمائة جزء في علوم القرآن. اقتضيت في هذا الكتاب نوادره وغرائبه ومكنون علومه مع ما أضفت إلى ذلك من الكتاب الجامع في تفسير القرآن، تأليف أبي جعفر الطبري وما تخيرته من كتب أبي جعفر النحاس، وكتاب أبي إسحاق الزجاج، وتفسير ابن عباس، وابن سلام، ومن كتاب الفراء، ومن غير ذلك من الكتب في علوم القرآن والتفسير والمعاني والغرائب والمشكل. انتخبته من نحو ألف جزء أو أكثر مؤلفة من علوم القرآن مشهورة مروية».



وقد طبعته مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة وروعي في طباعته وضع الآيات الكريمة بالرسم العثماني برواية ورش. وباللون الاحمر، لأن الإمام قد راعى هذه الرواي في تفسيره. وصدر في (13) مجلداً بطباعة فاخرة.


مقدمة التفسير

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة المزمل مكية إلا آيتين١ من آخرها٢ [ نزلتا ] ٣ بالمدينة٤ قوله :( إن ربك يعلم٥
أنك تقوم... ) إلى آخرها٦.
١ - كذا بالمثنى، وهي رواية عن ابن عباس فيما أخرجه النحاس، انظر: فتح القدير٥/٣١٤. وفي كونها آية أو آيتين خلاف، فقد قال ابن اليسار ومقاتل:" فيها آية مدنية وهي قوله تعالى:( إن ربك يعلم...) الآية.
ما اختاره مكي من مدنية قوله:(إن ربك يعلم...) هو قول الجمهور في المحرر ١٦/١٤٤، والبخر٨/٣٦٠، وقول الثعلبي في تفسير القرطبي١٩/٣١، وفيه تقرير الماوردي ٤/٣٣١ عن الحسن وعطاء وجابر أنها مكية كلها. وهو قول ابن عباس وابن الزبير في الدر٨/٣١١. وبالإجماع في زاد المسير ٨/٣٨٧ غير أنه ذكر عن ابن عباس أنه قال: سوى آيتين منها، قوله تعالى:( واصبر على ما يقولون) والتي بعدها،( المزمل١٠-١١) وهو قول قتادة أيضا في تفسير الماوردي والقرطبي..

٢ - ساقط منأ..
٣ - م: نزلت. أ: ننزلنا..
٤ - ث: في المدينة..
٥ ث: ليعلم..
٦ - أ: إلى آخر السورة..

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة المزمل
مكيةإلا آيتين من آخرها [نزلتا] بالمدينة قوله: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ... ) إلى آخرها.
قوله: ﴿يا أيها المزمل * قُمِ اليل﴾ إلى قوله: ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾.
— 7783 —
معناه: يا أيها الملتف بثيابه، يعني النبي - ﷺ -. وأصله: المتزمل ثم أدغمت التاء في [الزاي].
قال قتادة: إنما قيل له: ﴿يا أيها المزمل﴾؛ لأنه كان متزملاً في ثيابه، كأنه متأهب للصلاة؛ ودل على ذلك قوله: ﴿قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
قال ابن عباس: كان النبي - ﷺ - يَفْرقَ من جبريل فيتزمل بالثياب في أول ما جاءه حتى أنس به.
وقال عكرمة: زمل هذا الأمر، يعني: النبوة والرسالة.
قال: الزهري: التف النبي - ﷺ - بثيابه من [فزع] أصابه أول ما رأى الملك فنودي بصفة فعله.
وقيل: كان يتزمل بالثياب، من شدة ما يلقى من قريش من تكذيبهم له
— 7784 —
[وتخويفهم] وأَذَاهُم.
قال [النخعي] كان متزملاً في قطيفة.
- قوله: ﴿قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً/﴾.
أي: قم الليل كله للصلاة إلا قليلاً ثم أبدل من الليل بدل البعض من الكل فقال:
- ﴿نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً﴾.
أي: قم نصفه أو أقل من النصف.
- ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ...﴾.
[أي]: أو زد على النصف.
فهذا كله تخيير من الله لرسوله بين أن يفعل ما شاء من هذه الثلاث المنازل: يقوم النصف أو أقل أو أكثر.
وكان هذا فرضاً عليه وعلى المؤمنين فكانوا يقومون ثم خففه عنهم الآيتين
— 7785 —
في آخر السورة فَفَسَخَتَا هَذَا، وهو قول أكثر العلماء.
وقيل: إن ذلك كان ندباً ولم يكن فَرِْضاً.
وقيل: بل كان فرضاً على النبي - ﷺ - وحده.
قال ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة.
وقالت عائشة رضي الله عنها: لما نزل ﴿يا أيها المزمل﴾ كان الرجل يربط الحبل ويتعلق به فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله مايبتغون من رضوانه فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل.
وقال ابن جبير: مكث النبي - ﷺ - يقوم الليل كما أمره (الله) عشر سنين ثم
— 7786 —
خفف عنهم بعد ذلك.
قال عكرمة: ﴿قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً...﴾ الآية نسختها الآية التي في آخرها ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ [المزمل: ٢٠].
وقال قتادة: قاموا حولاً أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها في آخر السورة.
قال الحسن: لما نزلت: ﴿يا أيها المزمل﴾ " قام المسلمون حولاً، فمنهم من أطاقه ومنهم من لم يطقه، حتى نزلت الرخصة ".
قال ابن زيد: أول ما افترض الله على رسوله والمؤمنين صلاة الليل وقراً أول هذه السورة.
- قوله: ﴿وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً...﴾.
أي: وبيّن القرآن إذا قرأته في صلاتك تبييناً (وترسل فيه ترسلاً)، قاله
— 7787 —
قتادة.
قال الحسن: معناه (اقرأه) قراءة بينة).
وقال مجاهد: " قرأه بعضه على إثر بعض على تؤده ".
والرتل في اللغة: الضعف واللين، فالمعنى: لين القراءة، ولا تستعجل بانكماش.
والرتل في [الأسنان] أن يكون بينها الفرج ولا يركب بعضها بعضاً، يقال: " ثغر ورتل " إذا كان كذلك.
- ثم قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾.
— 7788 —
أي: ثقيلاً العمل به وبحدود (هـ) فرائضه أي: صعباً.
قال الحسن: إن الرجل ليعد السورة، ولكن العمل بها ثقيل.
وقال قتادة: " ثقيل والله فرائض القرآن وحدوده ".
وقيل: معناه: إن القوْل بعيّنِه ثقيل.
وروى عروة " أن النبي - ﷺ -[ كان] إذا أُوحِيَ إليه وهو على ناقته وَضَعَتْ جِرَانَهَا - يعني صدرها - فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه ".
وقال ابن زيد: " هو - والله - ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين
— 7789 —
يوم القيامة ".
- ثم قال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل هِيَ أَشَدُّ وَطْأً...﴾.
قال ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين، ناشئة الليل: ما بين المغرب والعشاء.
وقال الحسن والحكم: ناشئة الليل من العشاء والآخرة إلى الصبح، وقال ابن عباس و (ابن) الزبير: الليل كله ناشئة. وهو قول ابن جبير ومجاهد. وأصله من نشأ إذا ابتدأ. فعلى هذا بناه من قال إنه من المغرب إلى العشاء الآخرة.
وقد قال الكسائي: ناشئة الليل أوله.
— 7790 —
- قوله: -ayah text-primary">﴿أَشَدُّ وَطْأً...﴾.
معناه: أثبت قياماً.
قال المفسرون: هي أثبت في الخير وأحفظ للقلب، لأن النهار يضطرب فيه الناس لمعاشهم، والليل أخلى وأثبته في القيام.
وقيل: معناه: إن صلاة ناشئة الليل هي أشد (وطئاً) على المصلى من صلاة النهار لأن الليل للنوم، فهي وإن كانت أصعب [فهي] أقوم قيلاً [أي]: أصوب قولا لأن القارئ لا يشغله عن قراءته في الليل شيء ويشغله في النهار ما يرى من التصرف وما [يعرض] له من الأمور.
وقيل: معنى ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾: أشد أمراً وأشد [مكابدة] واحتمالاً ومنه قول
— 7791 —
النبي - ﷺ -: " اللهم اشد وطأتك على مضر "، وَطِئْتَ وَطْأً، مثل شَرِبت شُرْباً ولَقِيمْتُ لَقْماً.
فأما من قرأ " وِطَاءَ " فإنه جعله مصدر مواطأة ووطاء.
ومعناه: أشد مواطأة للسمع والقلب، أي: يواطئ فيه السمع القلب فلا يشتغل القلب بشيء عنم فهم ما يقرأ وسماعه. وقيل: معناه: أشد علاجاً.
— 7792 —
قال ابن عباس: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي: أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليهم من القيام. قال: وكانت صلاتهم أول الليل.
وقال الضحاك: معناه: قراءة القرآن بالليل أثبت منها في النهار.
وقال مجاهد: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ أي يتواطأ قلبك وسمعك وبصرك بعضه بعضا.
- وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾.
أي: وأصوب قراءة.
قال/ مجاهد: وأثبت قراءة.
وقال ابن عباس: معناه: يقول: أدنى أن يفقهوا في القول.
— 7793 —
وقال قتادة: " [أحفظ] للقراءة ".
وقال ابن زيد: " وقوم قراءة لفراغه من الدنيا ".
- ثم قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً﴾.
أي: فراغاً طويلاً، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال ابن زيد: (سبحاً لحوائجك) فَأَفْرِغْ أذنك بالليل.
وقرأ يحيى بن يعمر: " سَبْخاً " بالخاء المعجمة، ومعناه راحة [نوماً].
- ثم قال ﴿واذكر اسم رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾.
أي: واذكر ربك يا محمد فادعه وانقطع إليه انقطاعاً لحوائجك وعبادتك
— 7794 —
دون سائر الأشياء غيره. يقال: بتلت هذا الأمر قطعته.
ومنه قيل لمريم البتول لانقطاعها إلى الله جل ذكره.
قال ابن عباس: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي: أُخْلِص له إخلاصاً " وهو قول مجاهد والضحاك.
وقال الحسن: أَبْتِلْ إليه نفسك واجتهد.
وقال قتادة: " أخلص له العبادة والدعوة ".
وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته، [تَعَبّدْ] بالتبتل] إلى الله.
- ثم قال: ﴿رَّبُّ المشرق والمغرب﴾.
— 7795 —
أي: هو رب ذلك لا معبود تصلح له العبادة غيره.
- ﴿فاتخذه وَكِيلاً﴾.
أي: فرض (إليه أسبابك) والمعنى: اتخذه كافياً لك.
وقيل: معناه: اتخده كفيلاً لك بأمورك كلها.
وقيل: المعنى: اتخده رباً.
فالوكيل يكون بمعنى الكافي وبمعنى الكافل وبمعنى الرب.
- ثم قال: ﴿واصبر على مَا يَقُولُونَ...﴾.
أي: واصبر على ما يقول هؤلاء المشركون من قومك واحتمل أذاهم.
- ﴿واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً﴾.
(أي: اهجرهم في الله هجراً جميلاً).
قال قتادة: كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم أُمِرَ بقتالهم (وقتلهم) فنَسخت
— 7796 —
آيةٌ القتال ما كان قبلها من الترك.
ثم قال: ﴿وَذَرْنِي والمكذبين أُوْلِي النعمة...﴾.
هذا وعيد وتَهَدُّدٌ من الله جل ذكره للمشركين أي: ودعني يا محمد والمكذبين بآياتي أصحاب التنعم في الدنيا.
- ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾.
أي: أمهلهم بالعذاب حتى يبلغ الكتاب أجله.
وكان بين نزول هذه الآية وَبَدْرٍ يسير [قالته] عائشة رضي الله عنها.
- قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً...﴾ إلى آخر السورة.
أي: عندنا لهؤلاء المكذبين قيوداً [وناراً] تسعر وطعاماً يُغَصُّ آكِلُهُ به،
— 7797 —
فلا هو نازل من حلقه ولا هو خارج منه.
- ﴿وَعَذَاباً أَلِيماً﴾.
ي: وصنوفاً من العذاب [مؤلمة] موجعة.
وواحد الأنكال نِكل. قال حماد ﴿أَنكَالاً﴾ قيوداً سوداً من نار جهنم ".
قال ابن عباس: ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ قال: " هو شوك يَأْخُذُ بالحلق فلا يدخل ولا يخرج ".
وقال مجاهد: هو " شجرة الزقوم ".
وروى حمزة [الزيات] أن [حُمْرَانَ بن أَعْيَنَ] قال: قرأ النبي - ﷺ - هذة
— 7798 —
الآية فصعق - ﷺ -؟
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ (تَرْجُفُ) الأرض (والجبال)...﴾.
أي: أعتدنا هذا العذاب في يوم تضطرب فيه الأرض والجبال، وذلك يوم القيامة.
- ثم قال: ﴿وَكَانَتِ الجبال كَثِيباً مَّهِيلاً﴾.
أي: وصارت الجبال ذلك اليوم رملاً سائلاً. (متناثراً). يقال: هِلْتُ التراب إذا [حركت أسفله] (فسقط أعلاه). قاله الفراء.
وقال أبو عبيدة: يقال لكل شيء [أرسلته] إرسالاً من رمل أو تراب أو
— 7799 —
طعام أو نحو ذلك قد هلته [أهيله] هيلا فهو مهيل.
قال ابن عباس: ﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾: رملاً سائلاً.
والأصل في مهيل [مهيول] فألقيت حركت الياء [على الهاء وبقيت] الياء ساكنة وبعدها الواو ساكنة.
فمذهب الخليل وسيبويه أن الواو حذفت لأنها زائدة وكسرت الهاء لمجاورتها الياء فصار مَهِيلاً.
ومذهب الكسائي والفراء والأخفش أن الياء هي المحذوفة لأن الواو جاءت لمعنى فلا تحذف، ولكن الهاء لما جاورت الياء كسرت، فلما حذفت الياء لالتقاء الساكنين انقلبت الواو (ياء) [لانكسار] ما قبلها وسكونها.
— 7800 —
وكلهم يجيز أن يأتي على الأصل فيقال: مهيول. ولا يجيز البصريون ذلك في ذوات الواو ولا يجيزون: " كلام مقول " لثقل ذلك.
وكلهم أجاز: " رجل مهول " و " ثوب مبوع " على لغة من قال: بوع الثوب.
- ثم قال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ/ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ﴾.
يعمي محمداً، والخطاب لجميع الخلق أي يشهد لمن آمن به وعلى من كذبه في الآخرة.
- ثم قال: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾.
أي: أرسلنا محمداً [إرسالاً (كما) أي]: مثلما أرسلنا موسى إلى فرعون.
- ﴿فعصى فِرْعَوْنُ...﴾ موسى ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾.
أي: شديداً، فغرَّقناه ومن معه في البحر وأقررناه في عذاب مستقر حتى يصير إلى النار يوم القيامة، فكذلك يأخذكم بالعذاب أيها الخلق إن عصيتم رسولكم.
ودخلت الألف واللام في لفظ " رسول " الثاني لتقدم ذكره، وعلى هذا يختار في أول الكتب: " سَلاَمٌ عَلَيْكَ " وفي آخرها: والسْلاَمُ عَلَيْكَ. وعلى هذا اختار بعض
— 7801 —
العلماء (في التسليم)، في التسليمة الأولى: سْلاَمٌ عَلَيْكَم، وفي الثانية: السْلاَمُ عَلَيْكَم.
فأَعْلَمَ الله قريشاً أنه أرسل إليهم محمداً رسولاً كما أرسل موسى إلى فرعون رسولاً. وقد كان أمرُ موسى ورسالاته مشهورة عندهم ولذلك قال الشاعر في النبي - ﷺ -.
— 7802 —
- ثم قال: -ayah text-primary">﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً﴾.
أي: كيف (لا) تخافون أيها الناس يوماً يجعل الولدان الصغار أصحاب شيب من هَوْلِهِ وصعوبته إن كفرتم بالله ولم تصدقوا رسولكم؟!.
قال قتادة: معناه: كيف تتقون يوما هذه صعوبته وأنتم قد كفرتم به.
- ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ...﴾.
قال ابن عباس تشقق السماء حين ينزل الرحمن ذكره.
وقال مجاهد: السماء مثقلة به أي بيوم القيامة.
وقال الحسن: مثقلة. أي: محزونة بيوم القيامة.
— 7803 —
وقال عكرمة: ممتلئة [به].
وقيل: (به) بمعنى " فيه "، (أي): السماء منفطرة في يوم القيامة، والضمير في (يجعل) ليوم القيامة، ويجوز أن يكون لله جل ذكره.
- ثم قال: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾.
أي: ليس لوعده خُلْفٌ.
قال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة دعا ربُّنَا المَلِكُ آدمَ عليه السلام فيقول: يا آدم، قم فابعث (بعث) النار، فيقول: (أي) رب! لا علم لي إلا ما علمتني، فيقول الله جل ذكره: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين: فيساقون إلى النار سوداً مقرنين زُرْقاً فيشيب هنالك كل وليد.
— 7804 —
قال بان زيد: يشيب الصغار من كرب ذلك اليوم.
- ثم قال: ﴿إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ...﴾.
أي: هذه الآيات - في ذكر هول القيامة - عبرة وعظة لمن اتعظ.
- ﴿فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً...﴾.
هذا تهدد، والمعنى: فمن شاء اتخذ إلى (رحمة) ربه طريقا بتركه العصيان وقبوله للإيمان، ومن لم يشاء ذلك فالله له بالمرصاد.
- ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ اليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الذين مَعَكَ...﴾.
هذا حين فرض الله عليهم قيام الليل بقوله: ﴿قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾.
— 7805 —
فالمعنى: على قراءة من خفض ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أحياناً أدنى من ثلثي الليل [وأحياناً أدنى] من نصفه وأحياناً أدنى من ثلثه، فأَعْلَمَهُ أنه [لا] علم له بالمقدار وأن الله هو العالم بمقدار الوقت الذي يقوم فيه. ودل على ذلك ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي: علم الله أنك لا تعرف مقدار قيامك.
فأما من قرأ بنصب (نصفه وثلثه) فمعناه: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفَه وتقوم ثلثَه، فيكون المعنى أن النبي قد أصاب المقدار في قيامه النصِّفَ: (و) الثُّلَثَ، ويكون قوله ﴿قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً﴾ هو أدنى من الثلثين، ﴿نِّصْفَهُ﴾ هو النصف المذكور هنا، ﴿أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً﴾ هو الثلث
— 7806 —
المذكور هنا، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ هو أدنى من الثلثين أيضا المذكور هنا.
ويكون على هذا التأويل معنى ﴿أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي تطيقوه. وعلى القول الأول معناه: [أن] لن تعرفوا مقداره.
- وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ...﴾.
أي تاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم وضعفتم عنه أي: رجع لكم إلى التخفيف عنكم. هذا كله ناسخ لفرض القيام في أول السورة.
- ثم قال: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن...﴾.
أي: ما خف عليكم مما هو دون الثلث.
- ثم قال: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى...﴾.
أي: أنه سيكون منكم مرضى (فلا يقدرون) على القيام فخفف عنكم ذلك.
ثم قال/: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله...﴾.
— 7807 —
أي: وعلم أنه سيكون منكم مسافرون للتجارة فيَشِقَّ عليهم القيام [لشغلهم] مع تعبهم من سفرهم، وعلم أنه سيكون منكم آخرون يجاهدون العدو فيشق عليهم القيامة لشغلهم مع عدوهم فخفف عنهم القيام لذلك.
- ثم قال: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ...﴾.
أي: من القرآن، أي ما خف عليكم.
قال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فرض على كل مسلم لو قَدْرَ حَلْبَ شاةٍ بقوله ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال الحسن: ولو خمسين آية.
وسئل الحسن عن رجل استظهر القرآن ولا يقوم به فقال: يتوسد القرآن، لعن الله ذلك.
وقال السدي ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾: " مائة آية ".
وقال الحسن: (من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن).
— 7808 —
قال كعب: من قرأ مائة في ليلة كتب من القانتين.
وقيل: الآية منسوخة لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه لا فرض إلا خمس صلوات، وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو الصواب إن شاء الله.
- ثم قال: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾.
— 7809 —
يعني الفرض من ذلك، أي: أقيموا ذلك بحدوده وفروضه في أوقاته.
- ثم قال: ﴿وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً...﴾.
أي: أنفقوا في سبيله من أموالكم.
قال ابن زيد: القرض هنا: النواف سوى الزكاة.
- ثم قال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله...﴾.
أي: ما تقدموا في الدنيا من صدقة أو نفقة في سبيل الله أو غير ذلك من فعل الخير لطلب ما عند الله تجدوه في [معادكم] يجازيكم به الله.
- ثم قال: ﴿هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾.
أي: هو [خير] مما علتم في الدنيا للدنيا، وأعظم ثوابا عند الله.
— 7810 —
- ثم قال: -ayah text-primary">﴿واستغفروا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
أي: واسألوا الله المغفرة، إنه (غفور)، أي: ذو غفران لذنوب المؤمنين وستر عليهم (رحيم) بم أن يعذبهم [على ذنوبهم] بعد توبتهم منها وغفرانه لهم.
— 7811 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

2 مقطع من التفسير

شَهِدْتُ بِإذْنِ اللهِ أَنَّ مُحَمَداً رَسُولٌ كَمُوسَى (أُوتِيَ) الصُحْفَ والْكُتْبَا
لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُها الصِّبَا بِهَا يُنْبِتُ اللهً [الحَصِيدَةَ] وَالأبَّا