[ ١ ] يؤلون : من الإيلاء بمعنى القسم ( آلى على نفسه وآليت على نفسي ) وقد صار له معنى اصطلاحي وهو القسم على عدم مجامعة الزوجة.
[ ٢ ] تربص : انتظار.
[ ٣ ] فاءوا : رجعوا عن القسم.
لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ [ ١ ] مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ [ ٢ ] أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا [ ٣ ] فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ٢٢٦ وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ [ ٤ ] فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٢٧ .
في الآيتين تعليمات أو تقريرات تشريعية في شأن الإيلاء : فالذين يحلفون بأن لا يجامعوا زوجاتهم لا يصح أن يستمروا على ما أقسموا عليه إلا أربعة أشهر، فإما أن يرجعوا عن يمينهم ويعودوا إلى نسائهم والله غفور رحيم يقبل التوبة ويعامل بالرحمة، وإما أن يعزموا الطلاق والله سميع لأقوالهم عليم بنواياهم.
تعليق على الآية
لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ... الخ
والآية التالية لها
والآيتان فصل تشريعي جديد، وهو بدء فصل طويل في الطلاق. وقد يكون وضعه في ترتيبه للمماثلة أو لنزوله بعد ما سبقه.
ولم نطلع على رواية في نزوله، والمتبادر أنه حدث حادث إيلاء فرفع أمره إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الحكم فيه. وقد قلنا : إن الآيتين السابقتين متصلتان بما بعدهما ؛ لأن في اليمين على عدم قرب الزوج لزوجته شيئا مما يخالف الإصلاح وتقوى الله، فإذا صح هذا فيكون بدء الفصل التشريعي الآيتين السابقتين وهو فصل طويل على ما سوف يأتي.
وإيلاء الزوج على زوجته عادة من عادات العرب قبل الإسلام، فقد كان الأزواج إما بسائق الغضب وإما بسائق الكراهية وإما لمآرب أخرى مثل ابتزاز أموالها ومنعها من التزوج من غيره والتصرف بنفسها أو لكثرة ولادتها البنات أو إبقائها في بيته لتكون خادمة ومربية لأولادها الخ... يحلفون بعدم الاتصال الجنسي بأزواجهم فتصبح محرّمة عليه لا هي زوجة ولا هي مطلقة. وقد وضعت الآيتان الأمر في نصابه الحق فليس للزوج أن يتحكم بزوجته تحكما كيفيا ليشفي به غلّ نفسه أو يضمن النفع على حساب ضررها. ولا يصح للمؤلي أن يحتج باليمين الصادرة منه للإضرار والحيف : فإما أن تكون يميناً صدرت عن فورة آنية وبغير قصد وتعمد وحينئذ لا يجوز أن يمتد أثرها لأكثر من أربعة أشهر في حال كحد أقصى، وإما أن تكون صدرت عن نية إضرار وأذى وحينئذ يجب أن ترد إلى الزوجة حريتها وأن تحمى من الأذى والضرر بالطلاق إذا لم يرعو الزوج ويعود إلى الحق والواجب وهذا الشرح المستلهم من روح الآيتين والآيتين السابقتين لهما معاً يؤيد ما قلناه من الصلة والانسجام بينهما، ويبرز المبدأ الجليل الذي تكرر تقريره في القرآن بأساليب متنوعة بحماية الزوجة ومنع الإضرار بها وظلمها واستغلالها.
ولقد روى المفسرون أحاديث عديدة منها ما ورد في الكتب الخمسة في تأويل الآيات ومدى تطبيق حكم الإيلاء. منها حديث رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أنس قال :«آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه فأقام في مشربةٍ له تسعا وعشرين ليلة ثم نزل، قالوا : يا رسول الله آليت شهراً فقال : الشهر تسع وعشرون» ١. وحديث رواه البخاري جاء فيه :«كان ابن عمر يقول في الإيلاء : لا يحلّ لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف أو يعزم الطلاق» ٢. وحديث رواه الشيخان عن ابن عباس قال :«إذا حرّم الرجل عليه امرأته فهي يمين يكفّرها، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» ٣. وحديث رواه الترمذي عن عائشة قالت :«آلى رسول الله من نسائه وحرّم فجعل الحرام حلالاً وجعل في اليمين كفّارة» ٤.
وبالإضافة إلى الأحاديث التي اكتفينا منها بما تقدم ففي كتب التفسير روايات عن أهل التأويل في صدد تطبيق الآيات وحكمها نوجزها ونعلق عليها كما يلي :
١- هناك من قال : إنه إذا مرت الأشهر الأربعة دون مراجعة صارت الزوجة مطلقة سواء نطق الزوج بالطلاق أم لم ينطق. وهناك من قال إنه لا بد من أن يطلق بالطلاق ؛ لأن فحوى الآية يجعله بين أمرين إما الرجوع قبل انتهاء المدة وإما الطلاق. وهناك من قال إن الزوج إذا لم يطلق أو يرجع خلال المدة طلق عليه الحاكم عند انتهائها وإن للزوجة مراجعة الحاكم لتخييره بين الرجوع والطلاق قبل انتهاء المدة فإن لم يرجع وانتهت المدة طلق الحاكم عليه. والمتبادر أن القول الأخير هو الأوجه ؛ لأن هدف الآية منع وقوف الحيف على الزوجة وعدم بقائها معلقة تحت رحمة الزوج.
٢- هناك من قال : إن الرجوع عن الإيلاء في المدة لا يكون صحيحاً إلا بالوقاع. وهناك من قال : إنه يصح بالإشهاد على الرجوع فقط. وهناك من توسط وفصل. فقال : إذا كان هناك مانع للوقاع من مرض أو حيض أو سفر أو سجن فيكون الإشهاد مجزياً. وقد يكون هذا هو الأوجه على شرط أن يواقع إذا زال العذر. ويكفّر عن يمينه كدلالة عملية على الرجوع عنها. أما إذا لم يكفر ولم يواقع إذا زال العذر فيظل الإشهاد كلاماً بدون دليل ويكون ضرر الإيلاء قد تحقق.
٣- هناك من قال : إن مرور الأشهر الأربعة بدون رجوع يكون بمثابة تطليقة بائنة. تملك بها الزوجة نفسها، فإذا أراد زوجها أن يعود إليها كان ذلك رهناً برضائها وبعقد ومهر جديدين دون ما حاجة إلى أن تنكح زوجاً غيره قبل ذلك إذا كانت هي المرة الأولى أو الثانية ولها الحق أن لا تقبل عودته إليها وأن تتزوج غيره بعد أن تنتهي عدتها وتكون هذه العدة حيضة واحدة ٥. وهناك من قال : إنها تطليقة عادية رجعية يحق للزوج المراجعة بدون عقد ومهر جديدين استناداً إلى حكم الطلاق المبين في الآيات التالية على ما سوف يأتي شرحه. وهذه الآيات تذكر حكم المطلقات إذا طلقهن أزواجهن مرة أو مرتين حيث يكون لهم مراجعتهن قبل انقضاء العدة مع شرط أن يكون قصدهم الإصلاح وليس الضرر. وورود الآيات بعد آية الإيلاء وبعد جملة وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ قد يجعل القول الثاني هو الأوجه والله أعلم.
٤- هناك من قال : إن الزوج لو حلف أن لا يضرب امرأته أربعة أشهر ولم يواقعها بعد انتهاء المدة لا يكون مولياً ؛ لأن حكم الآية هو في الذين يولون بدون تحديد للمدة حيث حددت لهم أربعة أشهر يفيئون خلالها أو يطلقون أو يطلق عليهم. وهناك من قال : إنه يكون مولياً إذا تجاوز الأشهر الأربعة بدون وقاع، ونرى القول الثاني هو الأكثر وجاهة واتساقاً مع روح الآية وهدفها.
٥- هناك من قال : إن مدة الإيلاء وأحكامه واحدة في حقّ الحرّ والعبد ؛ لأن الأمر متصل بالطبيعة الجنسية. وهناك من قاس الأمر على حدّ الزنا على الإماء، وهو نصف حد الحرائر كما جاء في آية سورة النساء : فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ٢٥ ولم نطلع على حديث نبوي خاص. وهناك حديث في صدد عدد تطليقات الأمة المتزوجة وعدتها ؛ حيث روى أبو داود والترمذي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان». في حين أن طلاق الحرة هو ثلاث وعدتها تلاث حيضات كما جاء في آيات سورة البقرة التالية لهذه الآيات. وقد يكون ذلك القياس استئناساً بذلك في محله فيكون مدة تربص الأمة التي يولي زوجها منها شهرين وليس أربعة والله أعلم.
٦- والجمهور على أن الإيلاء يمين، وإنه إذا حلف الزوج لمدة غير محدودة وفاء قبل أربعة أشهر يكفّر عن يمينه حيث يكون قد حلف على شيء ورأى خيراً منه فرجع عن يمينه كما جاء في الأحاديث النبوية. أما إذا حلف لمدة أربعة أشهر أو أقل وفاء قبل انقضائها فلا يدخل الأمر في شمول الآية ؛ لأنه لا يكون قد رجع عن اليمين وحقت عليه الكفارة. وهناك من أوجب الكفارة عليه ؛ لأن الزوج يعتبر راجعاً عن يمينه وقد يكون القول الأول أوجه والله أعلم.
وجملة فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قد تلهم أن الله تعالى لا يستحسن الإيلاء على كل حال مهما كانت المدة، ويعده هفوة قد يغفرها إذا تاب الزوج عنها وراجع زوجته في المدة أو قبلها. ويدعم هذا عتاب الله لرسوله حينما آلى من زوجاته على ما حكته آيات سورة التحريم : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ١ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ٢ والأحاديث التي أوردناها في مطلع النبذة عند إيلاء النبي صلى الله عليه وسلم قد تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كفر عن يمينه، وقد يفيد هذا آيات التحريم هذه أيضا. ولعل النبي صلى الله عليه وسلم آلى بدون مدة ثم رجع فكفّر عن يمينه، والله تعالى أعلم.
حالات متصلة بموضوع علاقة الزوج الجنسية بزوجته
هناك حالات عديدة من ذلك رأينا أن نستطرد إليها في مناسبة موضوع آيات الإيلاء. فقد روى الإمام مالك عن سعيد بن المسيب أحد علماء التابعين قوله :«أيما رجل تزوّج بامرأة وبه جنون أو ضرر فإنها تخيّر، فإن شاءت أقرّت، وإن شاءت فارقت» وقوله :«من تزوّج امرأة فلم يستطع أن يمسّها فإنه يضرب له أجل سنة فإن مسّها وإلا فرّق بينهما» وروى الإمام مالك :«أن ابن شهاب سئل متى يضرب الأجل فقال : من يوم الترافع إلى السلطان» وعقب الإمام مالك على هذه الأقوال فقال : أما الذي قد مسّ امرأته ثم اعترض عنها فلا يضرب له ولا يفرّق بينهما» ٦. ولم نطلع على أثر نبوي في ذلك، والاجتهادات تفيد أن للزوجة أن ترفع أمرها للسلطان إذا لم ترض بما واجهته من حالات وإن للسلطان أن يضرب أمداً للزوج ثم يفرق بينهما إذا لم يتغير الموقف إيجابياً. وهي اجتهادات سديدة مع توقفنا في اجتهاد مالك الأخير وترجيحنا أن للزوجة إذا شاءت أن ترفع أمرها للسلطان في الحالة المذكورة أيضا إذا لم يكن سبب الامتناع مرضاً يمكن الشفاء منه. أي إذا كان الامتناع تعففاً أو من مرض لا يمكن الشفاء منه والله أعلم.
ونقطة أخرى نتوقف فيها، وهي القول : إن السلطان يضرب للزوج سنة فحكمة الله قدرت لمن يحلف أن لا يقرب زوجته مدة أربعة أشهر وخيرته بين الرجوع وبين الطلاق. ولذلك نرى الأوجه أن يكون الأجل الذي يضربه السلطان أربعة أشهر من يوم رفع الأمر إليه والله تعالى أعلم.
وحالة أخرى رواها مالك والشافعي عن عمر قال :«أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسّها فلها صداقها كاملا وله الرجوع به على وليّها الذي أنكحه إيّاها». وعقب الإمام مالك على ذلك بما مفاده أن الولي إذا كان يعلم ذلك فالغرم عليه وإن لم يكن يعلم فليس عليه غرم وترد المرأة ما أخذت من صداقها ويترك لها قدر ما تستحل به ٧. وهذا يعني أن الزواج يفسخ بين الزوجين. ولم نطلع على أثر نبوي في ذلك، واجتهاد مالك سديد في ما نرى والله أعلم.
لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ [ ١ ] مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ [ ٢ ] أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا [ ٣ ] فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ { ٢٢٦ وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ [ ٤ ] فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٢٧ }.
في الآيتين تعليمات أو تقريرات تشريعية في شأن الإيلاء : فالذين يحلفون بأن لا يجامعوا زوجاتهم لا يصح أن يستمروا على ما أقسموا عليه إلا أربعة أشهر، فإما أن يرجعوا عن يمينهم ويعودوا إلى نسائهم والله غفور رحيم يقبل التوبة ويعامل بالرحمة، وإما أن يعزموا الطلاق والله سميع لأقوالهم عليم بنواياهم.
تعليق على الآية
لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ... الخ
والآية التالية لها
والآيتان فصل تشريعي جديد، وهو بدء فصل طويل في الطلاق. وقد يكون وضعه في ترتيبه للمماثلة أو لنزوله بعد ما سبقه.
ولم نطلع على رواية في نزوله، والمتبادر أنه حدث حادث إيلاء فرفع أمره إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الحكم فيه. وقد قلنا : إن الآيتين السابقتين متصلتان بما بعدهما ؛ لأن في اليمين على عدم قرب الزوج لزوجته شيئا مما يخالف الإصلاح وتقوى الله، فإذا صح هذا فيكون بدء الفصل التشريعي الآيتين السابقتين وهو فصل طويل على ما سوف يأتي.
وإيلاء الزوج على زوجته عادة من عادات العرب قبل الإسلام، فقد كان الأزواج إما بسائق الغضب وإما بسائق الكراهية وإما لمآرب أخرى مثل ابتزاز أموالها ومنعها من التزوج من غيره والتصرف بنفسها أو لكثرة ولادتها البنات أو إبقائها في بيته لتكون خادمة ومربية لأولادها الخ... يحلفون بعدم الاتصال الجنسي بأزواجهم فتصبح محرّمة عليه لا هي زوجة ولا هي مطلقة. وقد وضعت الآيتان الأمر في نصابه الحق فليس للزوج أن يتحكم بزوجته تحكما كيفيا ليشفي به غلّ نفسه أو يضمن النفع على حساب ضررها. ولا يصح للمؤلي أن يحتج باليمين الصادرة منه للإضرار والحيف : فإما أن تكون يميناً صدرت عن فورة آنية وبغير قصد وتعمد وحينئذ لا يجوز أن يمتد أثرها لأكثر من أربعة أشهر في حال كحد أقصى، وإما أن تكون صدرت عن نية إضرار وأذى وحينئذ يجب أن ترد إلى الزوجة حريتها وأن تحمى من الأذى والضرر بالطلاق إذا لم يرعو الزوج ويعود إلى الحق والواجب وهذا الشرح المستلهم من روح الآيتين والآيتين السابقتين لهما معاً يؤيد ما قلناه من الصلة والانسجام بينهما، ويبرز المبدأ الجليل الذي تكرر تقريره في القرآن بأساليب متنوعة بحماية الزوجة ومنع الإضرار بها وظلمها واستغلالها.
ولقد روى المفسرون أحاديث عديدة منها ما ورد في الكتب الخمسة في تأويل الآيات ومدى تطبيق حكم الإيلاء. منها حديث رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أنس قال :«آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه فأقام في مشربةٍ له تسعا وعشرين ليلة ثم نزل، قالوا : يا رسول الله آليت شهراً فقال : الشهر تسع وعشرون» ١. وحديث رواه البخاري جاء فيه :«كان ابن عمر يقول في الإيلاء : لا يحلّ لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف أو يعزم الطلاق» ٢. وحديث رواه الشيخان عن ابن عباس قال :«إذا حرّم الرجل عليه امرأته فهي يمين يكفّرها، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» ٣. وحديث رواه الترمذي عن عائشة قالت :«آلى رسول الله من نسائه وحرّم فجعل الحرام حلالاً وجعل في اليمين كفّارة» ٤.
وبالإضافة إلى الأحاديث التي اكتفينا منها بما تقدم ففي كتب التفسير روايات عن أهل التأويل في صدد تطبيق الآيات وحكمها نوجزها ونعلق عليها كما يلي :
١- هناك من قال : إنه إذا مرت الأشهر الأربعة دون مراجعة صارت الزوجة مطلقة سواء نطق الزوج بالطلاق أم لم ينطق. وهناك من قال إنه لا بد من أن يطلق بالطلاق ؛ لأن فحوى الآية يجعله بين أمرين إما الرجوع قبل انتهاء المدة وإما الطلاق. وهناك من قال إن الزوج إذا لم يطلق أو يرجع خلال المدة طلق عليه الحاكم عند انتهائها وإن للزوجة مراجعة الحاكم لتخييره بين الرجوع والطلاق قبل انتهاء المدة فإن لم يرجع وانتهت المدة طلق الحاكم عليه. والمتبادر أن القول الأخير هو الأوجه ؛ لأن هدف الآية منع وقوف الحيف على الزوجة وعدم بقائها معلقة تحت رحمة الزوج.
٢- هناك من قال : إن الرجوع عن الإيلاء في المدة لا يكون صحيحاً إلا بالوقاع. وهناك من قال : إنه يصح بالإشهاد على الرجوع فقط. وهناك من توسط وفصل. فقال : إذا كان هناك مانع للوقاع من مرض أو حيض أو سفر أو سجن فيكون الإشهاد مجزياً. وقد يكون هذا هو الأوجه على شرط أن يواقع إذا زال العذر. ويكفّر عن يمينه كدلالة عملية على الرجوع عنها. أما إذا لم يكفر ولم يواقع إذا زال العذر فيظل الإشهاد كلاماً بدون دليل ويكون ضرر الإيلاء قد تحقق.
٣- هناك من قال : إن مرور الأشهر الأربعة بدون رجوع يكون بمثابة تطليقة بائنة. تملك بها الزوجة نفسها، فإذا أراد زوجها أن يعود إليها كان ذلك رهناً برضائها وبعقد ومهر جديدين دون ما حاجة إلى أن تنكح زوجاً غيره قبل ذلك إذا كانت هي المرة الأولى أو الثانية ولها الحق أن لا تقبل عودته إليها وأن تتزوج غيره بعد أن تنتهي عدتها وتكون هذه العدة حيضة واحدة ٥. وهناك من قال : إنها تطليقة عادية رجعية يحق للزوج المراجعة بدون عقد ومهر جديدين استناداً إلى حكم الطلاق المبين في الآيات التالية على ما سوف يأتي شرحه. وهذه الآيات تذكر حكم المطلقات إذا طلقهن أزواجهن مرة أو مرتين حيث يكون لهم مراجعتهن قبل انقضاء العدة مع شرط أن يكون قصدهم الإصلاح وليس الضرر. وورود الآيات بعد آية الإيلاء وبعد جملة وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ قد يجعل القول الثاني هو الأوجه والله أعلم.
٤- هناك من قال : إن الزوج لو حلف أن لا يضرب امرأته أربعة أشهر ولم يواقعها بعد انتهاء المدة لا يكون مولياً ؛ لأن حكم الآية هو في الذين يولون بدون تحديد للمدة حيث حددت لهم أربعة أشهر يفيئون خلالها أو يطلقون أو يطلق عليهم. وهناك من قال : إنه يكون مولياً إذا تجاوز الأشهر الأربعة بدون وقاع، ونرى القول الثاني هو الأكثر وجاهة واتساقاً مع روح الآية وهدفها.
٥- هناك من قال : إن مدة الإيلاء وأحكامه واحدة في حقّ الحرّ والعبد ؛ لأن الأمر متصل بالطبيعة الجنسية. وهناك من قاس الأمر على حدّ الزنا على الإماء، وهو نصف حد الحرائر كما جاء في آية سورة النساء : فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ { ٢٥ } ولم نطلع على حديث نبوي خاص. وهناك حديث في صدد عدد تطليقات الأمة المتزوجة وعدتها ؛ حيث روى أبو داود والترمذي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان». في حين أن طلاق الحرة هو ثلاث وعدتها تلاث حيضات كما جاء في آيات سورة البقرة التالية لهذه الآيات. وقد يكون ذلك القياس استئناساً بذلك في محله فيكون مدة تربص الأمة التي يولي زوجها منها شهرين وليس أربعة والله أعلم.
٦- والجمهور على أن الإيلاء يمين، وإنه إذا حلف الزوج لمدة غير محدودة وفاء قبل أربعة أشهر يكفّر عن يمينه حيث يكون قد حلف على شيء ورأى خيراً منه فرجع عن يمينه كما جاء في الأحاديث النبوية. أما إذا حلف لمدة أربعة أشهر أو أقل وفاء قبل انقضائها فلا يدخل الأمر في شمول الآية ؛ لأنه لا يكون قد رجع عن اليمين وحقت عليه الكفارة. وهناك من أوجب الكفارة عليه ؛ لأن الزوج يعتبر راجعاً عن يمينه وقد يكون القول الأول أوجه والله أعلم.
وجملة فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قد تلهم أن الله تعالى لا يستحسن الإيلاء على كل حال مهما كانت المدة، ويعده هفوة قد يغفرها إذا تاب الزوج عنها وراجع زوجته في المدة أو قبلها. ويدعم هذا عتاب الله لرسوله حينما آلى من زوجاته على ما حكته آيات سورة التحريم : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ { ١ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ٢ } والأحاديث التي أوردناها في مطلع النبذة عند إيلاء النبي صلى الله عليه وسلم قد تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كفر عن يمينه، وقد يفيد هذا آيات التحريم هذه أيضا. ولعل النبي صلى الله عليه وسلم آلى بدون مدة ثم رجع فكفّر عن يمينه، والله تعالى أعلم.
حالات متصلة بموضوع علاقة الزوج الجنسية بزوجته
هناك حالات عديدة من ذلك رأينا أن نستطرد إليها في مناسبة موضوع آيات الإيلاء. فقد روى الإمام مالك عن سعيد بن المسيب أحد علماء التابعين قوله :«أيما رجل تزوّج بامرأة وبه جنون أو ضرر فإنها تخيّر، فإن شاءت أقرّت، وإن شاءت فارقت» وقوله :«من تزوّج امرأة فلم يستطع أن يمسّها فإنه يضرب له أجل سنة فإن مسّها وإلا فرّق بينهما» وروى الإمام مالك :«أن ابن شهاب سئل متى يضرب الأجل فقال : من يوم الترافع إلى السلطان» وعقب الإمام مالك على هذه الأقوال فقال : أما الذي قد مسّ امرأته ثم اعترض عنها فلا يضرب له ولا يفرّق بينهما» ٦. ولم نطلع على أثر نبوي في ذلك، والاجتهادات تفيد أن للزوجة أن ترفع أمرها للسلطان إذا لم ترض بما واجهته من حالات وإن للسلطان أن يضرب أمداً للزوج ثم يفرق بينهما إذا لم يتغير الموقف إيجابياً. وهي اجتهادات سديدة مع توقفنا في اجتهاد مالك الأخير وترجيحنا أن للزوجة إذا شاءت أن ترفع أمرها للسلطان في الحالة المذكورة أيضا إذا لم يكن سبب الامتناع مرضاً يمكن الشفاء منه. أي إذا كان الامتناع تعففاً أو من مرض لا يمكن الشفاء منه والله أعلم.
ونقطة أخرى نتوقف فيها، وهي القول : إن السلطان يضرب للزوج سنة فحكمة الله قدرت لمن يحلف أن لا يقرب زوجته مدة أربعة أشهر وخيرته بين الرجوع وبين الطلاق. ولذلك نرى الأوجه أن يكون الأجل الذي يضربه السلطان أربعة أشهر من يوم رفع الأمر إليه والله تعالى أعلم.
وحالة أخرى رواها مالك والشافعي عن عمر قال :«أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسّها فلها صداقها كاملا وله الرجوع به على وليّها الذي أنكحه إيّاها». وعقب الإمام مالك على ذلك بما مفاده أن الولي إذا كان يعلم ذلك فالغرم عليه وإن لم يكن يعلم فليس عليه غرم وترد المرأة ما أخذت من صداقها ويترك لها قدر ما تستحل به ٧. وهذا يعني أن الزواج يفسخ بين الزوجين. ولم نطلع على أثر نبوي في ذلك، واجتهاد مالك سديد في ما نرى والله أعلم.
التفسير الحديث
دروزة