تمهـــيد :
نظـــام الأســرة
تتحدث الآيات : ٢٢١-٢٤٢ من سورة البقرة عن بعض أحكام آداب الزواج، والإيلاء والطلاق والعدة والنفقة والرضاعة والخطبة والمتعة، وغير ذلك مما يتعلق بصيانة الأسرة وتقويتها وبنائها على أفضل الدعائم وأحكم الروابط.
لقد حث الإسلام على الزواج باعتباره الوسيلة السليمة لإشباع الحاجة البيولوجية والرغبة الإنسانية في الاجتماع والتكامل.
واعتبر الزواج آية من آيات الله، وفيه المودة والرحمة والسكن والألفة، وأمر الرجل بحسن اختيار الزوجة، وبأن يكون الدين أساس هذا الاختيار، كما أمر ولي أمر الزوجة أن يختار لها التقي صاحب الخلق والأمانة.
وحث الزوجين على حسن المعاشرة والوفاء والاحتمال والصبر، وعدم التسرع في الطلاق فلعل البغيض يصير حبيبا.
قال تعالى : وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ( النساء : ١٩ ).
وحذر الإسلام من الطلاق واعتبره أبغض الحلال، لما يترتب عنه من تصدع الأسرة وضياع النشء، ورغم ذلك لم يوصد باب الطلاق تماما، بل فتحه للحالات العسيرة التي لا أمل في استمرار الزواج بينها، فالضرورات تبيح المحظورات ولكنها تقدر بقدرها.
وعند طلاق المرأة وجب لها المتعة والنفقة والمكارمة والعفو والصفح استدامة للمودة بين الناس، وإبقاء على آصرة الخير والمعروف في حالتي الزواج والطلاق. وذلك أسمى ما يهتدي إليه الشعور الإنساني، يهدينا إليه السميع البصير، فإنه عليم بخلقه حكيم في كل ما يصدر عنه من أوامر وأحكام.
للذين يؤولون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم .
المفردات :
الإيلاء : لغة لحلف، وشرعا حلف الرجل ألا يقرب امرأته.
التربص : الانتظار والترقب قال الشاعر :
| تربص بها ريب المنون لعلها | تطلق يوما أو يموت حليلها |
| ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له | ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا |
| ويقال لظل بعد الزوال فئ | لأنه رجع يعد أن تقلص |
من آلى من امرأته بقصد تأديبها وتهذيبها وعلاج اعوجاجها، فإن أقصى مدة لهجر الزوجة هي أربعة أشهر يراجع فيها نفسه، فإنما يعود إليها ويكفر عن يمينه وترجع الحياة بينهما كالسابق، وإما أن يعزم على الطلاق فيطلقها.
التفسير :
وردت الآية ٢٢٦ متممة لأحكام القسم، ومكملة لتنظيم الأسرة على أساس من صلات المودة والرحمة والتعاون المثمر، وكذلك الآية٢٢٧ وقد كان الإيلاء في الجاهلية يستمر بدون توقيت.
قال عبد الله بن عباس : كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة، فوقت لهم أربعة أشهر فمن آلى بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمي( ٢٢٢ ).
والحياة بين الزوجين تتعرض لبعض الأعاصير والعواصف، فسمح الإسلام أن يهجر الرجل زوجته بعض الوقت كبحا لجماع الغرور وتهديدا للكبرياء والخيلاء.
وكان الناس في صدر الإسلام يبالغون في هذا الهجر ويزيدون في مدته عن أربعة أشهر، والمرأة مخلوق محتاج للعطف والحنان محتاج لما يملأ عاطفته النفسية ويلبي رغباته البيولوجية فوقت الإسلام مدة الإيلاء بأربعة أشهر، فهي كافية للتهذيب والتأديب، وما زاد عنها يعتبر عدوانا تحكما وتركا للمرأة كالمعلقة لا هي متزوجة فتأوي إلى زوجها ولا هي مطلقة فتلتمس الأزواج.
ومعنى الآيتين : أن الله تعالى جعل للذين يحلفون على ترك مباشرة زوجاتهم مدة يراجعون فيها أنفسهم، وينتظرون ما يستقر عليهم أمرهم، وهذه المدة هي أربعة أشهر، فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك مباشرة الزوجة، ورأوا أن المصلحة في الرجوع فإن الله تعالى يغفر لهم ما فرط منهم.
المعنــى الإجمــالي :
من آلى من امرأته بقصد تأديبها وتهذيبها وعلاج اعوجاجها، فإن أقصى مدة لهجر الزوجة هي أربعة أشهر يراجع فيها نفسه، فإنما يعود إليها ويكفر عن يمينه وترجع الحياة بينهما كالسابق، وإما أن يعزم على الطلاق فيطلقها.
تفسير القرآن الكريم
شحاته