٣٦٢- روى ابن وهب١ عن أبي سعد الخدري قال : " أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهم فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله تعالى : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم فاستحللناهن " ٢. ( الذخيرة : ٤/٣٣٩ )
٣٦٣- المحصنات أي : الزوجات. ( الذخيرة : ١٢/١٠٣ )
٣٦٤- في هذه الآية من المسائل : على أي شيء عطف و " المحصنات " ؟ وما معنى الإحصان ؟ وما معنى هذا الاستثناء ؟ وهل هو متصل أم لا ؟
والجواب : أنه معطوف على المحرمات المتقدمات التي أولهن : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ٣ إلى قوله تعالى : ... والمحصنات .
والتحصن : التمنع، حصن المكان- بضم الصاد- إذا امتنع، ومنه : الحصن، لأنه يمنع من فيه، وحصنت المرأة : " امتنعت بوجه من وجوه الإحصان، وأحصنت – بالألف- نفسها، وأحصنها غيرها ".
وورد الإحصان في القرآن واللغة بأربعة معان :
أحدها : الزواج لأن الزوج يمنع المرأة من غيره ويحفظها.
ثانيها : الحرية، لأن الإماء كن عرفن في الجاهلية بالزنى، والحرة بخلاف ذلك، فوصف الحرة يمنع من إقدام السفلة على الحرة باعتبار عادتهم، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن هند بنت عتبة٤، حين المبايعة، لما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ولا يزنين " لما تلا عليها آية المبايعة في سورة الممتحنة٥ فقالت : " أو تزني الحرة " ؟ ٦ !.
وهو معنى قول عمر رضي الله عنه للأمة حين سترت رأسها : " أتتشبهين بالحرائر يا لكعاء " ٧.
إنما ذمها على التشبه، ونهاها عنه، وإن كان وصف كمال، لأن تشبه الإماء بالحرائر يقضي إلى اللبس، فلا ينحصر الزنى في الإماء لعدم التمييز، فلذلك نهاها سدا للذريعة.
ثالثها : الإسلام، لأنه يمنع الدم والمال، ويعصم المسلم أيضا من الفساد وسوء الخلق لقول الشاعر :
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا ***...
رابعها : العفة، لأن المتصف بها يمنع من الوقوع في عرضه، ويمنع النفس من الميل إلى الفساد. فلا تخرج ألفاظ القرآن عن هذه الأربعة وتحمل كل آية على ما يليق بها منها.
والمراد هاهنا، قال ابن عباس وجماعة : " المراد المتزوجات " فإن ذوات الزوج٨ حرام على السيد وغيره، إلا ما ملكت أيمانكم من أرض الحرب بالسبي، فإنهن حلال لمن وقعن في سهمه، لأن السبي يبطل نكاح الحربي٩.
وعن ابن عباس أيضا، وابن مسعود أن بيع الأمة المتزوجة وهبتها والتصدق بها وعتقها وإرثها وطلاق لها من زوجها كطلاق زوجها لها، فمعناه : " إلا ما ملكت أيمانكم بأحد هذه الطرق فلا يحرم وطؤه " ١٠.
ومذهب مالك والشافعي، وجمهور العلماء على أن انتقال ملك الأمة لا يكون طلاقا١١.
وقال طاوس١٢ وغيره : المحصنات " العفائف المسلمات أو أهل الكتاب، لا يحل منهن أحد إلا بملك اليمين " ١٣.
ويعني بملك اليمين مطلق ما يحصل به الملك من شراء ونكاح وغيره من الأسباب المبيحة للنكاح، يحمل التحريم المستثنى منه على تحريم الزنى.
وعن عروة١٤ : " المحصنات هاهنا الحرائر ويكون :- ما ملكت أيمانكم- أي بالنكاح ".
فيكون الاستثناء متصلا، وإن أريد بالملك كان منقطعا، لاختلاف الجنس، وعن مجاهد١٥ أنه كان يقول " لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل " ١٦ وعن ابن شهاب١٧ : أن المراد جميع أنواع الإحصان، ويحمل الاستثناء في كل معنى من الإحصان على ما يليق به، وهو يتخرج على قاعدة مختلف فيها، وهي استعمال اللفظ المشترك في جميع معانيه. ومذهب مالك والشافعي جوازه. ( الاستغناء في الاستثناء : ٣١٣ إلى ٣١٦ )
* إلا ما ملكت أيمانكم :
٣٦٥- يتناول الجمع بين الأختين في الملك. ( الذخيرة : ١/١٥٧ ( كتاب تنقيح الفصول ) ).
* وأحل لكم ما وراء ذالكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين :
٣٦٦- خصص الصحابة قوله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذالكم بخبر أبي هريرة في المنع من نكاح المرأة على عمتها وخالتها وبنت أختها وبنت أختها١٨.
قلت : وهذا مطلق أيضا في الأحوال فلا يتعين التخصيص. ( العقد المنظوم : ٢/٤٠٩ )
٢ - أخرجه مسلم في كتاب الرضاع، باب : جواز وطء المسببة بعد الاستبراء. ن : كذلك "لباب النقول" للسيوطي : ٥٥. وتفسير ابن كثير : ١/٧١٣..
٣ - سورة النساء : ٢٣..
٤ - هي أم معاوية بن أبي سفيان بن حرب، أسلمت في الفتح بعد إسلام زوجها. توفيت في خلافة عمر بن الخطاب – ن : سيرة ابن هشام : ٢/٦٨. والاستيعاب : ٤/١٩٢٢- طبقات ابن سعد : ٨/١٧٠..
٥ - الآية : ١٢..
٦ - ن : الرواية في تفسير ابن كثير : ٤/٥٥٢. بإسناده عن ابن إسحاق. وفي أسد الغابة : ٦/٢٩٣..
٧ - اللكعاء أو اللكيعة : اللثيمة- ن : اللسان : ٨/٣٢٢..
٨ - وهو مروي عن مالك أيضا قال :"المحصنات ذوات الأزواج"- ن : أحكام ابن العربي : ١/٣٨١، ومروي عن ابن المسيب: تفسير ابن كثير : ١/٧١٤..
٩ - ذكر ابن رشد في المقدمات أربعة أقوال لعلماء المالكية في هذه المسألة : ن : ملحق المدونة: ٥/٢٥٤-٢٥٥..
١٠ - ن : تفسير ابن كثير : ١/٧١٤..
١١ - ن : بداية المجتهد : ٤/٢٩١..
١٢ - هو أبو عبد الرحمان طاوس بن كيسان الخولاني اليماني، تابعي فارسي. سمع ابن عباس وأبا هريرة رضي الله عنهما (ت : ١٠٦ هج) ن : الوفيات : ٢/٥٠٩-٥١٠.- تهذيب التهذيب : ٥/٨- طبقات ابن سعد : ٧/٥٣٧..
١٣ - ن : تفسير ابن كثير : ١/٧١٥..
١٤ - هو عروة بن الزبير بن العوام، أحد الفقهاء السبعة (ت : بالمدينة : ٩٣ هج) ن :"وفيات الأعيان" : ١/٣١٦. حلية الأولياء : ٢/١٧٦..
١٥ - هو مجاهد بن جبير، أو الحجاج المكي، أحد أعلام التابعين والمفسرين، تلميذ ابن عباس (ت : ١٠١ هج) وقيل غير ذلك ن : صفوة الصفوة : ٢/٢٠٨، تهذيب الأسماء : ٢/٨٣..
١٦ - قال ابن رشد :"قوله :- إلا ما ملكت أيمانكم- من السبايا ذوات الأزواج أحلهن الله لنا بملك اليمين إذا سبين دون أزواجهن، أو معهم على مذهب من يرى أن السباء يهدم النكاح. وقد اختلف في ذلك على أربعة أقوال..." ن :"المقدمات" ملحق المدونة : ٥/٢٥٤-٢٥٥..
١٧ - هو محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، تابعي، كان يحفظ ٢٢٠٠ حديث، نصفها مسند. ن : تذكرة الحفاظ : ١/١٠٢- وفيات الأعيان : ١/٤٥١..
١٨ - أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة بلفظ :"لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها". ن : صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب :"لا تنكح المرأة على عمتها"- ن : صحيح مسلم كتاب النكاح، باب :"تحريم الجمع بين المرأة وعمتها". وهذا التخصيص نقله القرافي عن الرازي :"المحصول" : ١/٣/١٣٧..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي