قوله: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) يقتضي تحليلهما، وعموم قوله:
(وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) يقتضي تحريمهما.
قال: وأما أنا فأحرم ذلك، وروي عن ابن عباس أنه أجاز ذلك.
وقوله: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَف) يراد به ما يراد بقوله (مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ).
قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)
أصل الإِحصان والحُصن من الحِصن، ومنه درع حصينه
لكونه حصنًا للبدن، وكذلك فرس حصان، وبهذا النظم قال
الشاعر:
... أن الحصون الخيل لا مدر القرى
والحصان في الجملة المحصنة أي الممنوعة، إما بعفتها أو
بزوجها أو بمانع من شرفها أو حريتها، ولما كان الحِصْن في
أكثر المواضع يصح أن يكون من جهة الإِنسان نفسه، وأن يكون
من جهة غيره صح أن يقال محصَن ومحصِن، وهذا الموضع لما كان
المقصود به التزويج قُرئ (المحصَنات) لا غير، إذ كان سبب
إحصانها الزوج، والسفاح الزنا، وسمي بذلك لكون ذلك الماء
مضيعًا، إذ وضع في غير الموضع الذي يجب أن يوضع فيه.
وقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) منهم من أجرى على العموم.
وقال: حدوث الملك في الأمة يفرِّق بين الأمة وزوجها.
ورُوِي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود، ورُوِي في ذلك أن
النبي - ﷺ - قال: "بيع الأمة طلاقها".
ومنهم من خص ذلك في المشركات.
وجعل قوله: (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) استثناء منها.
وقال: كل امرأة سُبِيت فقد حلَّت لسابيها، واستدلَّ في
ذلك بما روى أبو سعيد الخدري أن النبي - ﷺ -
بعث جيشًا إلى أوطاس فأصابوا سبايا لها أزواج من المشركين، فتحرّجوا من
غشيانهن، فأنزل الله (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)
وظاهر ذلك يقتضي أن الزوجين إذا سبيا معاً أو مفترقين
أن النكاح يبطل، كما قال مالك.
بخلاف ما قال أبو حنيفة حيث قال:
إذا سُبِيَا معًا لا يبطل النكاح.
وظاهر الآية يقتضي أنه يصح وَطْؤُها على كلِّ حال.
وإنما علم وجوب استبرائها بالسنة.
وقال طاوس:
وابن المسيب: القصد بالآية نهي عن الزنا.
والمحصنات محرّمة على كل واحد منكم إلا امرأته المعقود عليها
بالنكاح أو ملك اليمين، فهذا معنى (إلا ما ملكت أيمانكم).
ويكون هذا أمرًا إنما مدح به في قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ).
وقوله: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)
قيل: هو مصدر مؤكد من غير لفظ الأول.
وقيل: هو إغراء وحثٌّ والعامل فيه فعل مضمر.
وقال الكوفيون: هو إغراء
والعامل فيه عليكم، كأنه قيل: عليكم كتاب الله، وعلى ذلك
حملوا قوله:
يا أيها الماتح دلوي دونكا... إني رأيت الناس يحمدونكا
وقوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)
قال السدي: ما وراء المذكورات،
وقال عطاء: ما وراء ذات المحارم، قيل: والصحيح أن المراد
ما وراء كل ما حرّم الله كتاباً وسنة.
واختُلف هل في قوله: (مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) نسخ؟
فقال بعضهم: نسخ منه بعضه بقوله - ﷺ -:
" لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا الصغرى على
الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى".
وقال بعضهم: لا نسخ
فيه، وإنما ذلك تخصيص للآية، وقيل: ولأنه لما حرم الجمع
بين الأختين للنسب الذي بينهما نبّه على تحريم ذلك، لأن إحداهما
لو كانت ذكرًا لم تحل له الأخرى من قبل النسب.
ولا ينتقض ذلك بأن يجمع الرجل بين المرأة وبين ابنة زوجها الأول، وإن كانت إحداهما لو كانت ذكرًا لم تحل له الأخرى، لأن ذلك التحريم ليس من جهة النسب.
وقوله: (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) يقتضي أن لابد من المهر
سُمِّي أو لم يسم في العقد.
واستدلّ أصحاب أبي حنيفة في أن لا يصح أن يجعل مهرًا
إلا ما وقع عليه اسم المال، وعلى ذلك
قوله: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).
وقوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ)
كناية عن الدخول، وأصله الانتفاع به.
وقوله: (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي مهورهن.
ورُوي عن ابن عباس أنه حمل ذلك على متعة النساء.
ورُوي عنه أنه قال: نزل "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى"،
وقال قتادة: كذلك هو في قراءة أبيّ.
وحمل ذلك عامة الصحابة على النكاح.
وقد ورد في تحريم المتعة أخبار كثيرة، ذكرها الفقهاء في كتبهم.
ونبّه بقوله: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ)
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار