ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ

قال الله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً «١»... حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ وقال الله تعالى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا.
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ عطف على أمهاتكم يعنى حرمت عليكم المحصنات من النّساء اى ذوات الأزواج لا يحل للغير نكاحهن ما لم يمت زوجها او يطلقها وتنقضى عدّتها من الوفاة او الطلاق سمّيت المتزوجات محصنات لانه احصنهن التزويج او الأزواج قال البغوي قال ابو سعيد الخدري رضى الله عنه نزلت فى نسائكن يهاجرن الى رسول الله ﷺ ولهن ازواج فيتزوجهن بعض المسلمين ثم يقدم أزواجهن مهاجرين فنهى الله المسلمين عن نكاحهن قلت لعل المراد من الحديث ان المرأة المهاجرة إذا كان زوجها مسلما لا يحل نكاحها وان كان فى دار الحرب لعدم اختلاف الدين حقيقة والدار حكما وامّا إذا أسلمت وهاجرت وزوجها كافر فى دار الحرب فنكاحها حلال لقوله تعالى «٢» يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ... «٣» فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ الى قوله تعالى وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ لكن عند ابى حنيفة وصاحبيه تقع الفرقة بينها وبين زوجها بمجرد الخروج من دار الحرب لاختلاف الدارين حقيقة وحكما ولا عدة عليها بعد الفرقة عنده وعندهما عليها العدة وعند مالك والشافعي واحمد يقع الفرقة بعد ثلاث حيض من وقت إسلامها ان دخل بها وان لم يدخل بها فمن وقت إسلامها ولا اثر عندهم لاختلاف الدارين إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قال عطاء أراد بهذه الاستثناء ان تكون أمته فى نكاح عبده فيجوز له ان ينزعها منه وهذا القول مردود بالإجماع والصحيح ما روى مسلم وابو داود والترمذي والنسائي عن ابى سعيد الخدري قال أصبنا سبايا من سبى أوطاس لهن ازواج فكرهنا ان نقع عليهن ولهن ازواج فسالنا النبي ﷺ فنزلت وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يقول الا ما أفاء الله عليكم فاستحللتم بها فروجهن واخرج الطبراني عن ابن عباس قال نزلت يوم حنين لمّا فتح الله حنينا أصاب المسلمون نساء من نساء اهل الكتاب لهن ازواج وكان الرجل إذا أراد ان يأتى المرأة قالت ان لى زوجا فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فانزلت هذه الآية

(١) وفى القران قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى إلخ [.....]
(٢) فى الأصل يا ايّها النّبىّ إذا جاءكم لعله من الناسخ
(٣) وفى القرآن اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ إلخ-

صفحة رقم 64

فهذه الاية تدل على ان المرأة إذا سبيت مع زوجها او بدونه وقعت الفرقة بينها وبين زوجها ويحل لمن ملكها وطيها بعد الاستبراء لما روى ان منادى رسول الله ﷺ نادى يوم أوطاس الا لا تنكح الحبالى حتى يضعن حملهن ولا الحيالى حتى يحضن رواه ( «١» ) وكذا يحل للمالك تزويجها لغيره وظهران السبي يوجب الصفا للسّابى فى ملك البضع كما يوجب الصفا فى ملك الرقبة وبه قال مالك والشافعي واحمد قالوا ان سبايا أوطاس سبين مع أزواجهن وقال ابو حنيفة لا يقع الفرقة بالسبي الا إذا سبى أحد الزوجين بدون الاخر فان الموجب للفرقة عنده اختلاف الدارين حقيقة وحكما دون السبي قالت الحنفية ان مع اختلاف الدارين لا ينتظم مصالح النكاح فشابه المحرمية والسبي يوجب الصّفا فى ملك الرقبة دون ملك البضع لعدم الاستلزام بينهما وهذا استدلال فى مقابلة النص قال ابن همام روى فى سبايا أوطاس ان النساء سبين وحدهن ورواية الترمذي يفيد ذلك روى عن ابى سعيد قال أصبنا سبايا أوطاس ولهن ازواج فى قومهن فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت هذه الاية قلت وليس فى لفظ الترمذي ما يدل قطعا انهن كلهن سبين بغير ازواج والظاهر فيه قول الشافعي ولو صح انهن سبين كلهن بغير ازواج فالعبرة لعموم اللفظ دون خصوص السبب وقد ذكر الله سبحانه الاستثناء من ذوات الأزواج بعنوان ملك اليمين لا بعنوان اختلاف الدّارين وقالت الحنفية الاية ليست على عمومها اجماعا فان مقتضى اللفظ حل المملوكة مطلقا سواء ملكت بالسبي او الشراء او الإرث او نحو ذلك ولا شك ان المشتراة المتزوجة خارجة عن هذا الحكم اجماعا فخصصنا عنها المسبيّة مع زوجها ايضا قلت لا بد لتخصيص العام وان كان ظنيا من دليل شرعى نصّ او اجماع او قياس ولا يجوز التخصيص بالرأى على ان الإجماع على كون الامة المشتراة المتزوجة خارجة عن هذا الحكم ممنوع قال البغوي قال ابن مسعود أراد الله تعالى بهذه الاية ان الجارية المتزوجة إذا بيعت يقع الفرقة بينها وبين زوجها ويكون بيعها طلاقا رواه ابن ابى شيبة وابن جرير وعبد بن حميد عنه قلت يمكن ان يقال المراد بالمحصنات الجرائر ذوات الأزواج والتحق بهن بالقياس الإماء ذوات الأزواج فمعنى الاية حرّمت عليكم الحرائر ذوات الأزواج الّا ما ملكت ايمانكم بالسبي والاستيلاء عليهن فحينئذ لا يحتاج الى تخصيص المملوكة بالشراء او الإرث من حكم الحل لا قبل الشراء ليست من المحصنات بل من المملوكات بخلاف المسبية فانها كانت قبل السبي حرّة

(١) هكذا بياض فى الأصل-

صفحة رقم 65

كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ مصدر مؤكد اى كتب الله عليكم كتابا تحريم من ذكرن اخرج ابن جرير من طريق عبيدة عن عمر بن الخطاب فى قوله تعالى كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ قال الأربع وابن المنذر من طريق ابن جريح عن ابن عباس قال واحدة الى اربع فى النكاح وَأُحِلَّ لَكُمْ قرأ ابو جعفر وحمزة والكسائي وحفص على البناء للمفعول والباقون على البناء للفاعل وضمير الفاعل راجع الى الله تعالى فى كتاب الله معطوف على حرّمت او على فعل مضمر الذي نصب كتاب الله فان قيل العطف يقتضى المشاركة وجملة كتاب الله مؤكد لما سبق من التحريم فما وجه مشاركة هذه الجملة معها فى التوكيد قلنا تحليل ماوراء ذلك يؤكد تحريم ذلك فان قيل على تقدير العطف على حرمت اىّ نكتة فى إيراد حرمت مجهولا وأحل معروفا على قراءة الجمهور قلنا التحليل انعام بخلاف التحريم فصرح بإسناد الانعام الى ذاته دون اسناد التحريم ما وَراءَ ذلِكُمْ يعنى ما سوى المحرمات المذكورات فى الآيات السابقة وخصّ عنه بالسنة والإجماع والقياس ما ذكرنا من المحرمات فى الشرح وما فوق الأربع من النساء أَنْ تَبْتَغُوا اى تبتغوهن يعنى ما وراء ذلكم من النساء بِأَمْوالِكُمْ بنكاح او باشتراء مُحْصِنِينَ حال من فاعل تبتغوا اى حال كونكم متعففين فان العفة تحصين الفرج عن الفاحشة والنفس عن اللوم والعقاب غَيْرَ مُسافِحِينَ حال بعد حال والسفاح الزنى من السفح وهو صبّ المنى فانه الغرض منه دون بقاء النسل وقوله أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ بدل اشتمال من قوله ما وَراءَ ذلِكُمْ لان المقصود بإسناد الحل الى ما وَراءَ ذلِكُمْ ليس الّا ابتغاءهن بالأموال حلالا فان النساء ما وراء المحرّمات المذكورات لا تحل لاحد مطلقا بل مقيدا بنكاح صحيح «١» او بملك يمين وهو المراد بالابتغاء بالأموال كما ان «٢» فى قواك أعجبني زيد علمه ليس المقصود بالإسناد ذات زيد بل علمه وجاز ان يكون قوله ان تبتغوا متعلّقا بقوله احلّ لكم بتقدير الباء يعنى أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ بسبب أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ بنكاح او باشتراء فعلى هذا

(١) ومن هاهنا يظهران قوله تعالى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ليس بعلم يدل على حل كل امرأة غير المحرمات المذكورة ولا ظاهر فى جواز كل ابتغاء بالمال بل هو مجمل منه ما هو نكاح صحيح موجب للاحصان ومنه ما هو سفاح مما ثبت بالسنة او الإجماع من شرائط النكاح كالشهادة او الإعلان والولي ونحو ذلك التحقق بيانا لمجمل الكتاب فلا يرد ما قيل ان اشتراط الشهادة ونحوها يلزم فيه الزيادة على الكتاب او تخصيص الكتاب بخبر الآحاد منه رحمه الله
(٢) فى الأصل كما ان فى ان قولك

صفحة رقم 66

يظهران المهر من لوازم النكاح لتقييد الاحلال به ويدل على ذلك قوله تعالى وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ لدلالته على ان النكاح بلا مهر من خصائص النبي ﷺ وكان القياس عدم صحة النكاح عند انعدام التسمية لكنا تركنا القياس لقوله تعالى لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً فانها تدل على صحّة النكاح بغير التسمية فقلنا ان المهر من لوازم النكاح وأحكامه وليس من شرائطه ذكره وعليه انعقد الإجماع لكن عند الشافعي ان تزوج ولم يسم لها مهرا او تزوج على ان لا مهر لها ومات عنها قبل ان يدخل بها لا يجب لها المهر وعند الجمهور يجب لها مهر المثل كما يجب بالدخول اجماعا لنا ان المهر وجب حقّا للشرع لما ذكرنا من تقييد الحل بالابتغاء بالأموال ولان الباء للالصاق فالله سبحانه أحل الابتغاء ملصقا بالمال فالقول بتراخيه الى وجود الوطي كما قاله الشافعي فى المفوضة ترك العمل بمضمون الباء ولحديث علقمة انه سئل ابن مسعود عن رجل تزوج امراة ولم يفرض لها شيئا ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود لها مثل صداق نساءها لاوكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال قضى رسول الله ﷺ فى بروع بنت وأشق امراة منا مثل ما قضيت ففرح بها ابن مسعود رواه ابو داؤد والترمذي والنسائي والدارمي قال البيهقي جميع روايات هذا الحديث وأسانيدها صحاح فان قيل لو كان المهر من لوازم النكاح لزم ثبوته فى المفوضة ان طلقت قبل الدخول ايضا ولم يقل به أحد غير احمد فى بعض الروايات عنه حيث قال يجب نصف مهر المثل والأصح عنه كقول الجمهور انه لا يجب قلنا المتعة لها عوض عن نصف المهر ولذا قلنا بوجوب المتعة لها- (مسئلة) اختلفوا فيما إذا تزوج بشرط ان لا مهر لها فقال مالك لا يصح هذا النكاح لانه عقد معاوضة كالبيع والبيع بشرط ان لا ثمن لا يصح اجماعا فكذا النكاح قلنا ليس النكاح عقد معاوضة وانما وجب المهر حكما شرعا إظهارا لشرف المحل ولو كان عقد معاوضة كالبيع لما صح النكاح عند ترك التسمية كما لا يصح البيع عند ترك ذكر الثمن فالشرط بان لا مهر شرط فاسد وبه لا يفسد النكاح ويلغوا لشرط والثمن ركن فى البيع لا يصح البيع بدونه فافترقا- فائدة: - هذه الاية تقتضى ان المهر لا بد ان يكون مالا لان الحلّ مقيّد بالابتغاء بالأموال......

صفحة رقم 67

والمنافع المعلومة ملحق بالأموال شرعا ولذا جازت الاجارة بالنصوص والإجماع مع انها بيع المنافع وكان القياس يأبى عن جوازها لان المعقود عليه وهى المنفعة ليست بمال وايضا هى معدومة واضافة التمليك الى ما سيوجد لا يصح لكن الشرع اعتبرها ما لا وجوز الاجارة لمكان الحاجة واقام ما ينتفع به اعنى الدار مثلا فى اجارة الدار مقام المنفعة فى حق اضافة العقد واعتبار وجوده ولما ظهر كون المنافع ملحقا بالأموال- (مسئلة) جاز ان ينكح على سكنى داره وخدمة عبده وركوب دابته والحمل عليها وزراعة ارضه ونحوها من منافع الأعيان مدة معلومه لان الحاجة الى النكاح متحقق كالحاجة الى الاستيجار وإمكان الدفع ثابت بتسليم محالها فصار هو ابتغاء بالمال- (مسئلة) ولو نكح ان يخدمها بنفسه سنة قال محمد يجب قيمة الخدمة لان المسمى يلحق بالأموال الا ان خدمة الزوج للزوجة تناقض مقتضى عقد النكاح لان مقتضاه المالكية والخدمة من مقتضيات المملوكية فاذا عجز عن تسليم المسمى وجب قيمته وعند ابى حنيفة وابى يوسف يجب مهر المثل لان اعتبار المنافع مالا انما كان عند إمكان التسليم فاذا امتنع للمناقضة لم يعتبر مالا فلم يصح فوجب مهر المثل- (مسئلة) ولو نكح على خدمة حرّ اخر يصح ويجب على الزوج قيمتة الخدمة اتفاقا ان لم يرض ذلك الرجل او كانت الخدمة تستدعى مخالطتها مع رجل اجنبى (مسئلة) ولو نكح على ان يرعى الزوج غنمها او يزرع ارضها لم يجز فى رواية لانه من باب الخدمة والصحيح انه جاز ذلك لانه لم يتمحض لها خدمة إذ العادة اشتراك الزوجين فى القيام على مصالح مالهما ويدل على صحته قصّة موسى وشعيب عليهما السّلام من غير بيان ففيه فى شرعنا روى احمد وابن
ماجة عن عتبة بن المنذر قال كنا عند رسول الله ﷺ فقرا طسم حتى بلغ قصّة موسى فقال ان موسى اجر نفسه ثمان سنين او عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه لكن هذه القصّة لا يصلح حجة الا إذا كان الغنم ملكا للبنت دون شعيب عليه السلام والظاهر خلافه (مسئلة) ولو نكح على تعليم سورة من القران جاز عند مالك والشافعي وهى رواية عن احمد ولم يجز عند ابى حنيفة واحمد فيجب عندهما مهر المثل وهذا الاختلاف مبنى على اختلافهم......

صفحة رقم 68

فى جواز الاستيجار على القرب كالحج والاذان وتعليم القران ونحو ذلك فمن جوّز الاستيجار عليها جوّز جعلها مهرا فى النكاح لانها من المنافع التي ألحقت بالأموال شرعا ومن لم يجوّز الاستيجار لم يجوّز جعلها مهرا وللشافعى فى اثبات جواز جعل القران مهرا طريقان أحدهما الاحتجاج على جواز الاستيجار على القرب مطلقا وثانيهما الاحتجاج على خصوصية هذه المسألة اعنى جعل تعليم القران مهرا وله فى الطريق الاول حديثان أحدهما عن ابى سعيد ان ناسا من اصحاب النبي ﷺ أتوا على حى من احياء العرب فلم يقروهم فبيناهم كذلك إذ لدغ سيّد أولئك فقال معكم من دواء أوراق فقال انكم لم تقروا ولن نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا فجعلو لهم «١» قطيعا من الشاء فجعل يقرا بام القران ويجمع بزاقه ويتفل فبرا فاتوا بالشاء وقالوا لا نأخذ حتى نسئل رسول الله ﷺ فسالوه فضحك وقال وما يدريك انها رقية خذوها واضربوا لى بسهم ثانيهما عن ابن عباس ان نفرا من اصحاب رسول الله ﷺ مرّوا بماء فيه لديغ او سليم «٢» فعرض لهم رجل من اهل الماء فقال هل فيكم راق ان فى الماء رجلا لديغا او سليما فانطبق رجل فجاء فقرا بفاتحة الكتاب فبرأ فجاء بالشاء الى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا أخذت على كتاب الله اجرا حتى قدموا المدينة فقالوا يا رسول الله أخذ على كتاب الله اجرا فقال عليه السّلام ان احقّ ما أخذتم عليه اجرا كتاب الله وفى رواية أصبتم واضربوا لى معكم سهما الحديثان فى الصحيحين وروى احمد وابو داود نحو ذلك عن خارجة بن الصلت عن عمه وأجيب عن هذين الحديثين بان القوم كانوا كفارا جاز أخذ أموالهم وبان الرقية ليست قربة محضة جاز أخذ الاجرة عليها وللشافعى فى الطريق الثاني حديث سهل بن سعد ان رسول الله ﷺ جاءته امراة فقالت يا رسول الله انى وهبت نفسى لك فقامت طويلا فقام رجل فقال يا رسول الله زوّجنيها ان لم يكن لك فيها حاجة فقال هل عندك من شىء تصدقها قال ما عندى الا إزاري هذا قال التمس ولو خاتما من حديد فالتمس فلم يجد شيئا فقال رسول الله ﷺ هل معك من القران شىء قال نعم سورة كذا وسورة كذا فقال قد زوّجتكها بما معك من القران وفى رواية فانطلق فقد زوّجتكها فعلمها من القران متفق عليه وأجيب عن هذا الحديث بانه كما انه كان من خصائص النبي ﷺ ان ينكح امراة بلا مهران وهبت نفسها له كذلك كان له ان

(١) فى الأصل فجعلوهم
(٢) السليم اللديغ سمى به تفولا منه رح

صفحة رقم 69

يزوجها غيره بلا مهر بعد ما وهبت نفسها له روى ابن الجوزي عن مكحول ان رسول الله صلى عليه وسلم زوّج رجلا على ما معه من القران قال وكان مكحول يقول ليس ذلك لاحد بعد رسول الله ﷺ وكذا ذكر الطحاوي عن ليث انه قال لا يجوز هذا بعد رسول الله ﷺ وأجاب ابن الجوزي عن هذا الحديث بانه كان لضرورة الفقر فى اوّل الإسلام، قلت هذا كانّه ادعاء نسخ والنسخ لا يثبت بمجرد الاحتمال وكذا كونه من الخصائص، ولابى حنيفة ومن معه فى اثبات ما ادّعوه طريقان أحدهما الاحتجاج على عدم جواز الاستيجار للقرب وثانيها فى خصوصية عدم صلوح التعليم مهرا ولهم فى الطريق الاول أحاديث منها حديث عبادة بن الصامت قال علّمت ناسا من اصحاب الصّفة الكتابة والقرآن فاهدى الىّ رجل منهم قوسا فقلت ارمى عليها فى سبيل الله فسالت النبي ﷺ فقال ان يسرّك ان تطوق طوقا من نار فاقبلها رواه احمد وابو داؤد وفيه المغيرة قال ابن الجوزي ضعيف ومنها حديث ابى بن كعب قال علّمت رجلا القران فاهدى لى قوسا فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال ان أخذتها أخذت قوسا من نار فرددتها رواه ابن الجوزي ومنها حديث عبد الرحمن بن سهل الأنصاري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول اقرءوا «١» القران ولا تغلوا «٢» فيه ولا تجفوا «٣» عنه ولا تأكلوا به ولا تستكبروا به رواه الطبراني ومنها حديث مطرف بن عبد الله ان عثمان بن ابى العاص قال يا رسول الله اجعلنى امام قومى قال اقتد باضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه اجرا رواه احمد ولهم فى؟؟؟ السائق الثاني انا لو سلمنا جواز الاستيجار على القرب فتعليم القرآن خاصة لا يجوز الاستيجار عليه لان من شرائط صحة الاجارة كون العمل معلوما او الوقت معلوما والتعليم قد يحصل بقليل العمل وقد يحصل بكثيره وايضا التعليم يتوقف على وصف فى المتعلّم وذلك ليس فى وسع المعلم فلا يجوز الاستيجار عليه وإذا ظهر عدم جواز الاستيجار عليه ظهران الشرع ما الحقه بالأموال فلا يجوز جعله مهرا لتقتييد الاحلال بابتغاء النساء بالأموال، وحديث سهل بن سعد حديث احاد لا يجوز العمل به

(١) فى الأصل اقرأ القران
(٢) قوله لا تغلوا اى لا تجاوزوا الحد قال فى النهاية انما قال ذلك لان من أخلاقه وآدابه التي امر بها القصد فى الأمور وخير الأمور أوساطها وكلا طرفى قصد الأمور ذميم منه رحمه الله-
(٣) لا تجفوا اى تعاهدوه ولابتعدوا عن تلاوته والجفاء البعد عن الشيء نهاية منه رحمه الله-

صفحة رقم 70

فى مقابلة نصّ الكتاب اعنى قوله تعالى أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ قال البيضاوي قوله تعالى أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مفعول له لقوله تعالى احلّ لكم يعنى ليس قيدا للاحلال والمعنى أحل لكم ماوراء ذلكم ارادة ان تبتغوا النساء باموالكم بالصرف فى مهورهن او أثمانهن فى حال كونكم محصنين غير مسافحين وانما قدر البيضاوي المضاف ليكون المفعول له فعلا لفاعل «١» الفعل المعلل له والصحيح انه لا حاجة الى تقدير المضاف لان حذف حرف الجر مع ان وانّ قياس فجاز ان يقدر اللام من غير اشتراط اتحاد الفاعل ثم قال البيضاوي نظرا الى هذا التأويل انه احتج به الحنفية على ان المهر لا بدّ ان يكون مالا ولا حجة فيه ومعنى قوله لا حجة فيه ان التحليل لفائدة عدم صرف الأموال فى السّفاح الموجب لخسران الدنيا والآخرة لا يقتضى ان لا يحصل التحصيل بدون المال، قلت هذا التأويل يقتضى كون حل ماوراء المحرمات مطلقا وان لا يكون قوله ان تبتغوا قيدا له وليس كذلك لظهور ان الحل مقيد بالنكاح او ملك اليمين وكون المهر لا بد ان يكون مالا امر مجمع عليه حتى ان من نكح على ميتة او تراب او رماد مثلا مما ليس بمال يجب عليه مهر المثل اجماعا كمن نكح بلا مهر وانما جوّز الشافعي النكاح على تعليم سورة من القران الحاقا له بالمال كما جوّز الاستيجار عليه وقد ذكرنا ما له وما عليه فالتأويل الصحيح هو الذي ذكرنا الذي يستنبط بها المسائل المجمع عليها والله اعلم- (مسئلة) من أعتق امة وجعل عتقها صداقها بان قال اعتقتك على ان تزوجنى نفسك بعوض العتق صح العتق بالإجماع وقال احمد ان كان هذا بحضرة شاهدين صح النكاح لقصّة نكاح صفية وعنه لا يصح كقول الجمهور وهى بالخيار فى تزويجه فان تزوجته فلها مهر مثلها عند الجمهور خلافا لابى يوسف وسفيان الثوري لهما الحديث الصحيح انه ﷺ تزوج صفية وجعل عتقها صداقها وقصّة جويرية فى سبايا بنى المصطلق انها وقعت فى سهم ثابت بن قيس وابن عمّ له فكاتبها فجاءت الى رسول الله ﷺ تستعينه فى كتابتها فقال لها رسول الله ﷺ أقضي عنك كتابتك وأتزوجك قالت نعم قال قد فعلت رواه احمد وابو داؤد من حديث عائشة قلنا انه نكاح بغير مال إذ رقبة الامة لا تصير ملكها فصار حكمه حكم نكاح بلا مهر فيجب مهر المثل والحديث لا يصلح حجة لان النكاح بلا مهر

(١) فى الأصل للفاعل

صفحة رقم 71

كان من خصائص النبي ﷺ لقوله تعالى خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وان أبت ان تتزوجه يجب على الامة السعاية فى قيمتها عند ابى حنيفة والشافعي وابى يوسف ومحمد وقال مالك وزفر لا يجب عليها السّعاية وجه قول ابى حنيفة وصاحبيه والشافعي ان المولى اجعل العتق عوضا من البضع فاذا أبت عن التزويج بقي العتق بلا عوض ولم يرض به المولى فوجب السعاية عليها كما إذا أعتق على خدمة سنة فمات المولى يجب على العبد قيمة نفسه عند ابى حنيفة وابى يوسف وقيمة الخدمة عند محمد ووجه قول مالك وزفران العتق لمّا لم يصلح عوضا عن النكاح فبقى العتق بغير عوض فلا سعاية عليها ان أبت كما لا سعاية عليها ان اجابت وهذا القول اظهر، (مسئلة) اكثر المهر لاحد له اجماعا لما ذكرنا فى تفسير قوله وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً واختلفوا فى اقل المهر فقال الشافعي واحمد لاحد لاقل المهر فكل ما جاز ان يكون ثمنا فى البيع جاز ان يكون صداقا فى النكاح والحجة لهما اطلاق قوله تعالى أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ وقال ابو حنيفة ومالك اقل المهر مقدر شرعا وهو ما يقطع فيه يد السّارق مع اختلافهما فى قدر ذلك فعند ابى حنيفة عشرة دراهم او دينار وعند مالك ربع دينار او ثلثة دراهم احتج ابو حنيفة ومالك على كونه مقدرا من الله تعالى بقوله تعالى قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ قالوا الفرض هو التقدير فكان المهر مقدرا شرعا فمن لم يجعله مقدرا كان مبطلا للكتاب وأسند التقدير الى نفسه فمن جعل التقدير مفوضا الى العبد كان مبطلا لموجب ضمير المتكلم قلنا هذه الاية فى النفقة دون المهر قال الله تعالى قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ إذ ليس للمملوكة مهر ولو ثبت بهذه الاية تقدير المهر لزم تقدير الثمن فى المملوكة ايضا ولم يقل به أحد واحتج الشافعي لعدم التقدير بأحاديث منها ما ذكرنا من حديث سهل بن سعد وفيه التمس ولو خاتما من حديد وهو حديث صحيح ومنها حديث عامر بن ربيعة ان امراة من فزارة تزوجت على نعلين فقال لها رسول الله ﷺ أرضيت من نفسك ومالك بنعلين قالت نعم فاجازه رواه الترمذي وصححه وقال ابن الجوزي لا يصح لان فى سنده عاصم بن عبيد الله قال يحيى بن معين ضعيف لا يحتج بحديثه قال ابن حبان كان فاحش الخطا فترك ومنها حديث جابر بن عبد الله ان رسول الله ﷺ قال لو ان رجلا اعطى امراة صداقها ملا يده......

صفحة رقم 72

طعاما كانت له حلالا وفى رواية بلفظ من اعطى فى نكاح ملا كف فقد استحل قال من دقيق او طعام او سويق رواه الدارقطني وروى ابو داود بلفظ ملا كفيه سويقا او تمرا وفى جميع طرقه صالح بن مسلم بن رومان ضعّفه يحيى والرازي وذكر فى بعض طرقه موسى بن مسلم مكان صالح بن مسلم ولا يعرف موسى ورواه الدارقطني من حديث عبد الله بن مؤمل عن ابى الزبير عن جابر قال كنا تنكح المرأة على الحفنة والحفنتين قال احمد أحاديث ابن المؤمل منكر وقال يحيى هو ضعيف ومنها حديث ابى سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ انكحوا الأيامى وادوا العلائق قيل ما العلائق بينهم يا رسول الله قال ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيب من أراك رواه الدارقطني من طريق إسماعيل بن عياش عن برد بن سنان عن ابى هارون العبدى عنه واسمعيل بن عياش ضعّفوه قال ابن حبّان خرج عن الاحتجاج به وابو هارون العبدى اسمه عمارة ابن جون قال حماد بن زيد كان كذابا وقال احمد ليس بشىء وقال شعبة ان اقدم فيضرب عنقى احبّ الى من ان أحدث عنه قال السعدي كذاب مفتر وروى الدارقطني والبيهقي نحوه من طريق محمد بن عبد الرحمن السلماني عن أبيه عن ابن عباس وقيل عن ابن عمر رواه الدارقطني والطبراني وقال يحيى بن معين محمد بن عبد الرحمن ليس بشىء وقال ابن حبان حدث عن أبيه بنسخه شبيها بماتى حديث كلها موضوعة وأخرجه البيهقي من حديث عمر واسناده ضعيف ايضا، ورواه ابو داود فى المراسيل من طريق عبد الملك بن المغيرة الطائفي عن عبد
الرحمن السليماني مرسلا حكى عبد الحق المرسل أصح وروى البيهقي عن يحيى بن عبد الرحمن عن أبيه عن جدّه من استحل بدرهم فقد استحل وأخرجه ابن شاهين بلفظ يستحل النكاح بدرهمين فصاعدا واحتج ابو حنيفة بحديث جابر قال قال رسول الله ﷺ الا لا يزوج النساء الا الأولياء ولا يزوجن الا من الأكفاء ولا مهر اقل من عشرة دراهم رواه الدارقطني والبيهقي قال ابن الجوزي روينا هذا الحديث من طرق مدارها على مبشر بن عبيد قال ابن حنبل مبشر ليس بشىء أحاديثه موضوعات كذب يضع الحديث وقال الدارقطني يكذب وقال ابن حبان يروى عن الثقات الموضوعات قال ابن همام لهذا الحديث شاهد يعضده وهو ما روى عن على موقوفا لا يقطع اليد فى اقل من عشرة دراهم ولا يكون المهر اقل من عشرة دراهم وقال محمد بلغنا ذلك عن على وعبد الله بن عمرو عامر......

صفحة رقم 73

وابراهيم ورواه بإسناده الى جابر فى شرح الطحاوي عن رسول الله ﷺ لكن فى حديث على داود الأزدي عن الشعبي عن على قال يحيى بن معين داود ليس حديثه بشىء قال ابن حبان كان داود يقول بالرجعة ثم ان الشعبي لم يسمع عن على وفى بعض طرقه غياث بن ابراهيم قال احمد والبخاري والدارقطني غياث بن ابراهيم متروك وقال يحيى كان كذابا وقال ابن حبان يضع الحديث وقد روى عن على لا مهر اقل من خمسة دراهم وفيه الحسن بن دينار قال احمد لا يكتب حديثه وقال يحيى ليس بشىء وقال ابو حاتم كذاب قلت فظهران حديث التقدير بعشرة دراهم لم يصح بل صح ما ليضاده وهو حديث سهل بن سعد ولو صح حديث التقدير بعشرة لم يجز به الزيادة على الكتاب المفيد للاطلاق وما قيل ان المهر وجب حقا للشرع وسببه اظهار الخطر للبضع ومطلق المال لا يقتضى الخطر كحبة حنظة وكسرة خبز فهو تعليل يعود على النص بالابطال فى موجبه وهو الإطلاق فيرد والله اعلم فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ قال جماعة المراد بالاستمتاع عقد المتعة وهى عقد يراد بها ملك البضعة الى مدة معينة بمهر معين بانت المرأة بعد انقضاء تلك المدة بلا طلاق وتستبرئ رحمها وليس بينهما ميراث ولا تسمى المرأة بها زوجة ولا الرجل زوجا روى عبد الرزاق فى مصنفه عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عبّاس انه كان يراها الان حلالا ويقرا فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ قال وقال ابن عباس وفى حرف ابى بن كعب الى أجل مسمى قال وكان يقول يرحم الله عمر ما كانت المتعة الا رحمة من الله يرحم الله بها عباده ولولا نهى عمر ما احتيج الى الزنى ابدا وروى ابن عبد البر انه سئل ابن عباس عن المتعة أسفاح هى أم نكاح قال لا نكاح ولا سفاح قيل فما هى قال المتعة كما قال الله تعالى قلت وهل عليها حيضة قال نعم قلت ويتوارثان قال لا وروى تحليلها عن جماعة من الصحابة روى النسائي والطحاوي عن اسماء بنت ابى بكر قالت فعلناها على عهد رسول الله ﷺ وروى مسلم عن جابر قال تمتعنا على عهد رسول الله ﷺ وابى بكر وصدر خلافة عمر ولما كان اخر خلافة عمر نهانا عنها فلم نعد وروى الطحاوي عنه وعن سلمة بن الأكوع ان النبي ﷺ أتاهم فاذن فى المتعة وفى الصحيحين عن ابن مسعود قال رخص لنا رسول الله ﷺ ان ننكح المرأة الى أجل مسمى ثم قرا يعنى ابن مسعود يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ......

صفحة رقم 74

وهذه الآثار لا تمنع كونها منسوخة غير اثر ابن عباس وقراءة ابن مسعود يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وروى عبد الرزاق فى مصنفه عن معاوية انه استمتع بامراة بالطائف وذكر عمرو بن شيبة فى اخبار المدينة بإسناده ان سلمة بن امية استمتع بامراة فبلغ ذلك عمر فتوعده وروى عبد الرزاق فى مصنفه عن معبد بن امية حل المتعة قال الحافظ وافتى بها من التابعين ابن جريح وطاءوس وعطاء واصحاب ابن عباس وسعيد بن جبير وفقهاء مكة
ولهذا قال الأوزاعي فيما رواه الحاكم عنه فى علوم الحديث يترك من قول اهل الحجاز خمس فذكر منها متعة النساء من قول اهل مكة وإتيان النساء فى أدبارهن من قول اهل المدينة (مسئلة) والإجماع انعقد على عدم جواز المتعة وتحريمها لا خلاف فى ذلك فى علماء الأمصار الا من طائفة من الشيعة والحجة على تحريم المتعة قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ، إذ لا شك ان المرأة بالمتعة لا تسمّى زوجة ولذا لا توارث بينهما فان كان تأويل الاية على ما قال ابن عباس فالاية منسوخة روى مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني ان أباه حدّثه انه كان مع رسول الله ﷺ فقال يايّها الناس انى كنت أذنت لكم فى الاستمتاع من النساء وان الله قد حرم ذلك الى يوم القيامة فمن كان عنده شىء منهن فليخل سبيله ولا تأخذوا ممّا اتيتموهن شيئا وروى مسلم ايضا عنه قال اذن لنا رسول الله ﷺ بالمتعة فانطلقت انا ورجل الى امراة من بنى عامر كانها بكرة عيطاء فعرضنا عليها أنفسنا فقالت ما تعطينى فقلت ردائى وقال صاحبى ردائى وكان رداء صاحبى أجود من ردائى وكنت أشبّ منه فاذا نظرت الى رداء صاحبى أعجبها وإذا نظرت الى اعجبتها ثم قالت أنت ورداءك يكفينى فمكثت معها ثلاثا ثم ان رسول الله ﷺ قال من كان عنده شىء من النساء التي يتمتع بهنّ فليخلّ سبيلها وروى ابن ماجة بإسناد صحيح عن عمر انه خطب فقال ان رسول الله ﷺ اذن لنا فى المتعة ثلاثا ثم حرّمها والله لو اعلم أحدا تمتع وهو محصن الا رجمته بالحجارة وفى رواية خطب عمر فقال ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله ﷺ عنها لا اوتى أحد نكحها الا رجمته وسئل ابن عمر عن المتعة فقال حرام فقيل له ابن عباس يفتى بها قال فهلّا تزمزم بها فى زمان عمر وروى مسلم عن سلمة بن الأكوع......

صفحة رقم 75

قال رخص لنا رسول الله ﷺ عام أوطاس ثلاثا ثم نهانا عنها وروى مسلم عن سبرة بن معبد أمرنا رسول الله ﷺ عام الفتح حين دخلنا مكة ثم لم يخرج منها حتى نهانا عنها واخرج الحازمي بسنده عن جابر قال خرجنا مع رسول الله ﷺ الى غزوة تبوك حتى إذا كنا عند العقبة مما يلى الشام جاءت نسوة فذكرنا تمتعنا وهن تظعن فى رحالنا فجاء رسول الله ﷺ فنظر إليهن فقال من هؤلاء النسوة فقلنا يا رسول الله نسوة تمتعنا بهن قال فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه وتمعر وجهه وقام فينا خطيبا فحمد الله واثنى عليه ثم نهى عن المتعة فتواد عنا يومئذ الرجال والنساء فلم نعد ولا نعود اليه ابدا وروى الطحاوي عن ابى هريرة قال خرجنا مع رسول الله ﷺ فى غزوة تبوك فنزل ثنية الوداع فراى مصابيح ونساء يبكون فقال ما هذا فقيل نساء تمتع بهن ازواجهنّ وفارقوهن فقال رسول الله ﷺ ان الله حرم وأهدر المتعة بالطلاق والنكاح والعدة والميراث وفى لفظ عند الدارقطني بإسناد حسن هدم المتعة بالطلاق والعدة والميراث وروى البخاري ومسلم عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن على عن أبيهما عن على انه سمع ابن عباس يلين فى متعة النساء فقال مهلا يا ابن عباس فان رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الانسية وفى رواية عن على انه قال لابن عباس انك رجل تائه وروى مسلم عن عروة بن الزبير ان عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال ان ناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل يعنى ابن عباس فانه ذهب بصره فى آخر عمره فناداه يعنى ابن عباس فقال انك لجلف «١» جاف فلعمرى لقد كانت المتعة تفعل على عهد امام المتقين يريد رسول الله ﷺ فقال له ابن الزبير فجرب بنفسك فو الله لان فعلتها لارجمنك باحجارك
فقال ابن ابى عمرة الأنصاري انها كانت رخصة فى اوّل الإسلام لمن اضطر إليها كالميتة والدّم ولحم الخنزير ثم احكم الله الدّين ونها عنها واخرج البيهقي عن الزهري انه قال ما مات ابن عباس حتى رجع عن فتواه بحل المتعة وكذا ذكر ابو عوانة فى صحيحه،

(١) الجلف الأحمق ومعناه الحقيقي الشاة المسلوخة التي قطع رأسها وقوائمها ويقال للدنى ايضا شبه الأحمق بهما والجفا البعد عن الشيء منه رحمه الله

صفحة رقم 76

واخرج ابو داود فى ناسخه وابن المنذر والنحاس من طريق عطاء عن ابن «١» عطفى هذه الاية قال نسخها يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ... ، وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ... ، وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ الاية وكذا روى البيهقي وغيره عن ابن مسعود وابو داود والبيهقي عن سعيد بن المسيّب قال نسخت اية الميراث المتعة وروى الترمذي عن ابن عبّاس انه قال انما كانت المتعة فى اوّل الإسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى انه مقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شيئه حتى إذا نزلت الآية إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ قال ابن عباس فكل فرج سواهما فهو حرام قلت لعل ابن عباس انما رجع عن فتواه بعد مناظرة ابن الزبير وغيره من العلماء حين اطلع على حقيقة الأمر وظهر كونها منسوخة وقد حكى انه انما كان يفتى بإباحتها حالة الاضطرار والعنت فى الاسفار لما روى الحارمى من طريق الخطابي عن ابى المنهال عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس سارت بفتياك الركبان وقال فيها الشعراء فقال ما قالوا قلت قالوا قد قلت للشيخ لما طال محبسه يا صاح هل لك فى فتوى ابن عباس هل لك فى رخصة الأطراف أنسة يكون مثواك حتى يصدر الناس، فقال سبحان الله ما بهذا أفتيت وما هى الّا كالميتة والدم ولحم الخنزير لا يحل الا للمضطر وكذا روى ابن المنذر فى تفسيره والبيهقي فى سننه بلفظ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ لا والله ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت ولا احللتها الا للمضطر انتهى، وابن جريج ايضا رجع عن فتواه وروى ابو عوانة فى صحيحه عن ابن جريح انه قال بالبصرة اشهدوا انى قد رجعت عنها يعنى عن الفتوى بحل المتعة بعد ان حدثهم ثمانية عشر حديثا انه لا بأس به فان قيل وقع فى بعض روايات مسلم الرخصة بالمتعة وتحريمها عام أوطاس وفى بعضها حرّمها يوم الفتح وفى الصحيحين حرمها يوم خيبر وفى بعض الروايات ورود النهى فى غزوة تبوك فكيف التوفيق قلنا غزوة أوطاس كان مقارنا بالفتح فعام أوطاس ويوم الفتح واحد والتوفيق بين يوم الفتح ويوم خيبر ان المتعة رخصت فيها مرتين ثم نسخت كل مرة واستقر الأمر على التحريم الى يوم القيامة كذا قال ابن همام وفى صحيح مسلم باب نكاح المتعة وانه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه الى يوم القيامة وقال البغوي قال الربيع بن سليمان سمعت الشافعي يقول لا اعلم فى الإسلام شيئا أحل ثم حرم ثم أحل ثم حرم

(١) هكذا فى الأصل لعله ابن عباس

صفحة رقم 77

غير المتعة وقال بعضهم نسخت ثلاث مرات وقيل اكثر واما غزوة تبوك فلم يرد هناك رخصة وانما فعل من فعل هناك بناء على عدم علمهم بالتحريم المؤبد ومن ثم غضب رسول الله ﷺ حتى تمعر وجهه وخطب ونهى عن المتعة وقال الحارمى انه ﷺ لم يكن أباحها لهم قط وهم فى بيوتهم وأوطانهم وانما أباحها لهم فى اوقات بحسب الضرورات حتى حرّمها عليهم فى اخر سنينه فى حجة الوداع وكان تحريمه تابيدا يعنى بين الحرمة فى اخر سنينه فى حجة الوداع حتى استقر عليه الأمر والله اعلم وقال اكثر المفسرين المتعة ليست مرادة من هذه الاية بل معنى قوله فما استمتعتم به منهن ما انتفعتم وتلذدتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح فاتوهن أجورهن اى مهوهن كذا قال الحسن ومجاهد واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم عن ابن عباس قال الاستمتاع النكاح وهو قوله وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً، (مسئلة) قيل هذه الاية بهذا التأويل تدل على ان المرأة لا تستحق المهر الا بالدخول فهى حجّة لمالك حيث قال المرأة لا تملك الصداق الا بالدخول او الموت دون العقد وانما تستحق بالعقد نصف المسمى خلافا للجمهور فعندهم تملك بالعقد لكن يسقط نصف المهر بالطلاق قبل الدخول بالنص قلنا الباء فى قوله تعالى أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ للالصاق فهى تدل على لصوق وجوب المال بالابتغاء يعنى العقد وتنافى تراخيه الى الدخول كما ذكرنا ثمه وهذه الاية تدل على وجوب الأداء وعدم احتمال السقوط بالاستمتاع- ولا تدل على عدم الوجوب قبل ذلك بنفس العقد بل هو مسكوت عنه فى هذه الآية فلا تعارض بين الآيتين ولا حجة لمالك وإذا ملكت المهر بالعقد جاز لها ان تمنع الزوج من الدخول بها او يسافر بها حتى يؤدى مهرها وجاز اعتاقها لا اعتاقه عبدا سمى مهرا والله اعلم، فَرِيضَةً حال من الأجور بمعنى مفروضة او صفة مصدر محذوف اى إيتاء مفروضا او مصدر مؤكد اى فرض فريضة وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ فمن حمل ما قبله على المتعة قال معناه إذا عقد الى أجل بمال فاذا تم الاجل فان شاءت المرأة زادت فى الاجل وزاد الرجل فى الاجر والا تفارقا ومن حمل على الاستمتاع بالنكاح الصحيح قال المراد به لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من ان تحطّ المرأة بعض المفروض......

صفحة رقم 78

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري

تحقيق

غلام نبي تونسي

الناشر مكتبة الرشدية - الباكستان
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية