والمحصنات من النساء عطف على أمهاتكم يعني حرمت عليكم المحصنات من النساء أي ذوات الأزواج لا يحل للغير نكاحهن ما لم يمت زوجها أو يطلقها وتنقضي عدتها من الوفاة أو الطلاق سميت المتزوجات محصنات لأنه أحصنهن التزويج أو الأزواج، قال البغوي : قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : نزلت في نسائكن يهاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين ثم يقدم أزواجهن مهاجرين فنهى الله المسلمين عن نكاحهن، قلت : لعل المراد من الحديث أن المرأة المهاجرة إذا كان زوجها مسلما لا يحل نكاحها وإن كان في دار الحرب لعدم اختلاف الدين حقيقة والدار حكما وأما إذا أسلمت وهاجرت وزوجها كافة في دار الحرب فنكاحها حلال لقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم إلى قوله تعالى : ولا جناح عليكم أن تنكحوهن (١) لكن عند أبي حنيفة وصاحبيه تقع الفرقة بينها وبين زوجها بمجرد الخروج من دار الحرب لاختلاف الدارين حقيقة وحكما ولا عدة عليها بعد الفرقة عنده وعندها عليها العدة، وعند مالك والشافعي وأحمد يقع الفرقة بعد ثلاث حيض من وقت إسلامها إن دخل بها وإن لم يدخل بها فمن وقت إسلامها ولا أثر عندهم لاختلاف الدارين إلا ما ملكت أيمانكم قال عطاء : أراد بهذه الاستثناء أن تكون أمته في نكاح عبده فيجوز له أن ينزعها منه وهذا القول مردود بالإجماع، والصحيح ما روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال : أصبنا سبايا من سبي أوطاس لهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن، ولهن أزواج فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم يقول : إلا ما أفاء الله عليكم فاستحللتم بها فروجهن " (٢).
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال : نزلت يوم حنين لما فتح الله حنينا أصاب المسلمون نساء من نساء أهل الكتاب لهن أزواج وكان الرجل إذا أراد أن يأتي المرأة قالت : إن لي زوجا، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزلت هذه الآية. فهذه الآية تدل على أن المرأة إذا سبيت مع زوجها أو بدونه وقعت الفرقة بينها وبين زوجها ويحل لمن ملكها وطيها بعد الاستبراء لما روي أن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى يوم أوطاس :" ألا لا تنكح الحبالي حتى يضعن حملهن ولا الحيالي حتى يحضن " (٣) رواه ( ). وكذا يحل المالك تزويجها لغيره وظهر أن السبي يوجب الصفا للسابي في كل البضع كما يوجب الصفا في ملك الرقبة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، قالوا : إن سبايا أوطاس سبين مع أزواجهن، وقال أبو حنيفة : لا يقع الفرقة بالسبي إلا إذا سبى أحد الزوجين بدون الآخر، فإن الموجب المفرقة عنده اختلاف الدارين حقيقة وحكما دون السبي. قالت الحنفية : إن اختلاف الدارين لا ينتظم مصالح النكاح فشابه المحرمية، والسبي يوجب الصفا فير ملك الرقبة دون ملك البضع لعدم الاستلزام بينهما، وهذا استدلال في مقابلة النص.
قال ابن همام : روي في سبايا أوطاس أن النساء سبين وحدهن، ورواية الترمذي تفيد ذلك، روي عن أبي سعيد قال :" أصبنا سبايا أوطاس ولهن أزواج في قومهن فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية " (٤)
قلت : وليس في لفظ الترمذي ما يدل قطعا أنهن كلهن سبين بغير أزواج، والظاهر فيه قول الشافعي، ولو صح أنهن سبين كلهن بغير أزواج فالعبرة لعموم اللفظ دون خصوص السبب، وقد ذكر الله سبحانه الاستثناء من ذوات الأزواج بعنوان ملك اليمين لا بعنوان اختلاف الدارين. وقالت الحنفية : الآية ليست على عمومها إجماعا، فإن مقتضى اللفظ حل المملوكة مطلقا سواء ملكت بالسبي أو الشراء أو الإرث أو نحو ذلك، ولا شك أن المشتراة المتزوجة خارجة عن هذا الحكم إجماعا، فخصصنا عنها المسبية مع زوجها أيضا.
قلت : لابد لتخصيص العلم وإن كان ظنيا من دليل شرعي نص أو إجماع أو قياس، ولا يجوز التخصيص بالرأي، على أن الإجماع على كون الأمة المشتراة المتزوجة خارجة عن هذا الحكم ممنوع.
قال البغوي : قال ابن مسعود : أراد الله تعالى بهذه الآية أن الجارية المتزوجة إذا بيعت يقع الفرقة بينها وبين زوجها ويكون بيعها طلاقا، رواه ابن أبي شيبة وابن جرير وعبد بن حميد عنه.
قلت : يمكن أن يقال المراد بالمحصنات الحرائر ذوات الأزواج، والتحق بهن بالقياس الإماء ذوات الأزواج، فمعنى الآية حرمت عليكم الحرائر ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي والاستيلاء عليهن، فحينئذ لا يحتاج إلى تخصيص المملوكة بالشراء أو الإرث من حكم الحل، لأن قبل الشراء ليست من المحصنات بل من المملوكات بخلاف المسبية، فإنها كانت قبل السبي حرة.
كتاب الله عليكم مصدر مؤكد أي كتب الله عليكم كتابا تحريم من ذكرن أخرج ابن جرير من طريق عبيدة عن عمر بن الخطاب في قوله تعالى : كتاب الله عليكم قال : الأربع، وابن المنذر من طريق ابن جريح عن ابن عباس قال : واحدة إلى أربع في النكاح.
وأحل لكم قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي وحفص على البناء للمفعول، والباقون على البناء للفاعل، وضمير الفاعل راجع إلى الله تعالى في كتاب الله، معطوف على حرمت أو على فعل مضمر الذي نصب كتاب الله.
فإن قيل : العطف يقتضي المشاركة وجملة كتاب الله مؤكد لما سبق من التحريم، فما وجه مشاركة هذه الجملة معها في التوكيد ؟ قلنا : تحليل ما وراء ذلك يؤكد تحريم ذلك. فإن قيل : على تقدير العطف على حرمت، أي نكتة في إيراد حرمت مجهولا وأحل معروفا على قراءة الجمهور ؟ قلنا : التحليل إنعام بخلاف التحريم، فصرح بإسناد الإنعام إلى ذاته دون إسناد التحريم.
ما وراء ذلكم يعني ما سوى المحرمات المذكورات في الآيات السابقة، وخص عنه بالسنة والإجماع والقياس ما ذكرنا من المحرمات في الشرح، وما فوق الأربع من النساء.
أن تبتغوا أي : تبتغوهن، يعني ما وراء ذلكم من النساء، بأموالكم بنكاح أو باشتراء، محصنين حال من فاعل تبتغوا، أي : حال كونكم متعففين فإن العفة تحصين الفرج عن الفاحشة، والنفس عن اللوم والعقاب، غير مسافحين حال بعد حال، والسفاح الزنا من السفح وهو صب المني، فإنه الغرض منه دون بقاء النسل.
وقوله : أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين بدل اشتمال من قوله : ما وراء ذلكم ، كان المقصود بإسناد الحل إلى ما وراء ذلكم ليس إلا ابتغاءهن بالأموال حلالا، فإن النساء ما وراء المحرمات المذكورات لا تحل لأحد مطلقا، بل مقيدا بنكاح صحيح أو بملك يمين، وهو المراد بالابتغاء بالأموال، كما أن في قولك : أعجبني زيد علمه، ليس المقصود بالإسناد ذات زيد بل علمه، وجاز أن يكون قوله : أن تبتغوا متعلقا بقوله : أحل لكم بتقدير الباء، يعني وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم بنكاح أو باشتراء، فعلى هذا يظهر أن المهر من لوازم النكاح لتقييد الإحلال به، ويدل على ذلك قوله تعالى : وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين (٥) لدلالته على أن النكاح بلا مهر من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وكان القياس عدم صحة النكاح عند انعدام التسمية، لكنا تركنا القياس لقوله تعالى : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة (٦) فإنها تدل على صحة النكاح بغير التسمية، فقلنا : إن المهر من لوازم النكاح وأحكامه، وليس من شرائطه ذكره، وعليه انعقد الإجماع، لكن عند الشافعي إن تزوج ولم يسم لها مهرا، أو تزوج على أن لا مهر لها ومات عنها قبل أن يدخل بها لا يجب لها المهر، وعند الجمهور يجب لها مهر المثل كما يجب بالدخول إجماعا. لنا : عن المهر وجب حقا للشرع لما ذكرنا من تقييد الحل بالابتغاء بالأموال، ولأن الباء للإلصاق، فالله سبحانه أحل الابتغاء ملصقا بالمال، فالقول بتراخيه إلى وجود الوطء كما قاله الشافعي في المفوضة ترك العمل بمضمون الباء، ولحديث علقمة أنه سئل ابن مسعود عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها شيئا ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود : لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط، عليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا مثل ما قضيت ففرح بها ابن مسعود " (٧) رواه أبو داود والترمذي والنسائي والدارمي، قال البيهقي جميع روايات هذا الحديث وأسانيدها صحاح.
فإن قيل : لو كان المهر من لوازم النكاح لزم ثبوته في المفوضة إن طلقت قبل الدخول أيضا، ولم يقل به أحد غير أحمد في بعض الروايات عنه، حيث قال : يجب نصف مهر المثل، والأصح عنه كقول الجمهور أنه لا يجب، قلنا : المتعة لها عوض عن نصف المهر، ولذا قلنا بوجوب المتعة لها.
مسألة : اختلفوا فيما إذا تزوج بشرط أن لا مهرا لها ؟ فقال مالك : لا يصح هذا النكاح لأنه عقد معاوضة كالبيع، والبيع بشرط أن لا ثمن لا يصح إجماعا فكذا النكاح، قلنا : ليس النكاح عقد معاوضة وإنما وجب المهر حكما شرعا إظهارا لشرف المحل، ولو كان عقد معاوضة كالبيع لما صح النكاح عند ترك التسمية كما لا يصح البيع عند ترك ذكر الثمن، فالشرط بأن لا مهر شرط فاسد وبه لا يفسد النكاح ويلغو الشرط، والثمن ركن في البيع لا يصح البيع بدونه فافترقا.
( فائدة ) : هذه الآية تقتضي أن المهر لا بد أن يكون مالا لأن الحل مقيد بالابتغاء بالأموال، والمنافع المعلومة ملحق بالأموال شرعا، ولذا جازت الإجارة بالنصوص والإجماع مع أنها بيع المنافع، وكان القياس يأبى عن جوازها لأن المعقود عليه وهي المنفعة ليست بمال، وأيضا هي معدومة، وإضافة التمليك إلى ما سيوجد لا يصح، لكن الشرع اعتبرها مالا وجوز الإجارة لكان الحاجة، وأقام ما ينتفع به أعني الدار مثلا في إجارة الدار مقام المنفعة، في حق إضافة العقد واعتبار وجوده، ولما ظهر كون المنافع ملحقا بالأموال، جاز أن ينكح على سكن داره وخدمة عبده وركوب دابته والحمل عليها وزراعة أرضه ونحوها من منافع الأعيان مدة معلومة، لأن الحاجة إلى النكاح متحقق كالحاجة إلى الاستئجار، وإمكان الدفع ثابت بتسليم محالها، فصار هو ابتغاء بالمال.
مسألة : ولو نكح أن يخدمها بنفسه سنة ؟ قال محمد : يجب قيمة الخدمة لأن المسمى يلحق بالأموال، إلا أن خدمة الزوج للزوجة تناقض مقتضى عقد النكاح، لأن مقتضاه المالكية، والخدمة من مقتضيات المملوكية، فإذا عجز عن تسليم المسمى وجب قيمته، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف يجب مهر المثل لأن اعتبار المنافع مالا إنما كان عند إمكان التسليم، فإذا امتنع للمناقضة لم يعتبر مالا فلم يصح فوجب مهر المثل.
مسألة : ولو نكح على خدمة حر آخر يصح، ويجب على الزوج قيمة الخدمة اتفاقا إن لم يرض ذلك الرجل أو كانت الخدمة تستدعي مخالطتها مع رجل أجنبي.
مسألة : ولو نكح أن يرعى الزوج غنمها أو يزرع أرضها لم يجز في رواية لأنه من باب الخدمة، والصحيح أنه جاز ذلك لأنه لم يتمحض لها خدمة إذ العادة اشتراك الزوجين في القيام على مصالح مالهما، ويدل على صحته قصة موسى وشعيب عليهما السلام من
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: النكاح، باب: ما جاء في الرجل يسبي الأمة ولها زوج هل يحل له أن يطأها (١١٣٢).
= وأخرجه أبو داود في كتاب: النكاح، باب: في وطء السبايا (٢١٥٦) وأخرجه النسائي في كتاب: النكاح، باب: في تأويل قول الله عز وجل (٣٣٢٤) وأخرجه مسلم في كتاب: الرضاع، باب: جواز وطء المسبية بعد الاستبراء، وإن كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي (١٤٥٦)..
٣ قال في نصب الراية: أخرج بمعناه أبو داود، والحاكم في المستدرك. انظر نصب الراية الجزء الرابع / كتاب الكراهية / فصل في الاستبراء..
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: النكاح، باب: ما جاء في الرجل يسبي الأمة ولها زوج هل يحل له أن يطأها (١١٣٢)..
٥ سورة الأحزاب، الآية: ٥٠..
٦ سورة البقرة، الآية: ٢٣٦..
٧ أخرجه الترمذي في كتاب: النكاح، باب: ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها (١١٤٥).
وأخرجه أبو داود في كتاب: النكاح، باب: فيمن تزوج ولم يسم صداقا حتى مات (٢١١٥). وأخرجه النسائي في كتاب، النكاح، باب: إباحة التزويج بغير صداق (٣٣٤٥)..
التفسير المظهري
المظهري