ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ

[الجزء الخامس]

[تتمة سورة النساء]
حرمة الزواج بالمتزوجات وإباحة الزواج بغير المحارم بشرط المهر
[سورة النساء (٤) : آية ٢٤]
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤)
الإعراب:
كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ منصوب على المصدر بفعل دل عليه قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ لأن معناه: كتب ذلك كتابا الله، ثم أضيف المصدر إلى الفاعل. مثل قوله تعالى:
صُنْعَ اللَّهِ [النمل ٢٧/ ٨٨] : منصوب على المصدر بما دل عليه الكلام قبله، وتقديره: صنع ذلك صنعا الله، ثم أضيف المصدر إلى الفاعل.
وَأُحِلَّ لَكُمْ بالضم فعل ماضى مبني للمجهول، وما نائب الفاعل، وقرئ بفتح الهمزة على أنه مبني للمعلوم، وما مفعول به. وأَنْ تَبْتَغُوا إما منصوب على أنه بدل من ما إذا كانت في موضع نصب مفعول به، أو على أنه مفعول لأجله، أي لأن تبتغوا بأموالكم.
وإما مرفوع على أنه بدل من ما على أنها نائب فاعل. مُحْصِنِينَ وغَيْرَ مُسافِحِينَ حال من ضمير تَبْتَغُوا.
البلاغة:
يوجد طباق بين مُحْصِنِينَ ومُسافِحِينَ.
آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ: استعار لفظ الأجور للمهور لأن المهر يشبه الأجر في الصورة.

صفحة رقم 5

المفردات اللغوية:
وَالْمُحْصَناتُ أي حرمت عليكم ذوات الأزواج لأنهن دخلن في حصن الزوج وحمايته، ويطلق الإحصان في القرآن الكريم على أحد أربعة معان:
١- التزوج: كما في الآية: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ [النساء ٤/ ٢٤] يقال: أحصن الرجل: إذا تزوج.
٢- الإسلام: كما في الآية: فَإِذا أُحْصِنَّ أي أسلمن، يقال: أحصن: إذا أسلم.
٣- العفة: كما في الآية: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ [النساء ٤/ ٢٥] يقال: أحصن: إذا عف، وفي آية أخرى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [النور ٢٤/ ٤].
٤- الحرية: كما في الآية: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ [النساء ٤/ ٢٥] يقال: أحصن: إذا صار حرا، وفي الآية نفسها: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ وفي جميع ذلك: معنى المنع وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، فالرجل إذا تزوج، منع نفسه من الزنى، وإذا أسلم، منع نفسه من القتل، والعفيف يمنع نفسه من الفحش، وإذا عتق منع نفسه من الاستيلاء.
وورد الإحصان في السنة بمعنى التزوج،
قال صلّى الله عليه وسلّم: أحصنت؟ بمعنى تزوجت، قال: نعم.
وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود عن علي: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم»
من أحصن منهم ومن لم يحصن.
ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي المملوكات بالسبي في جهاد مشروع، فينفسخ نكاحهن من أزواجهن الكفار في دار الحرب، ويحل الاستمتاع بهن بعد استبراء الحامل بوضع حملها، وغير الحامل (الحائل) بحيضة ثم تطهر، واشترط الحنفية اختلاف الدار بينها وبين زوجها، فلو سبيت هي وزوجها لم تحل لغيره.
كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أي كتب الله تحريم ذلك عليكم وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أي أبيح لكم من النساء سوى ما حرم عليكم أَنْ تَبْتَغُوا تطلبوا النساء بِأَمْوالِكُمْ بصداق، فالأموال: المهور مُحْصِنِينَ متزوجين أو متعففين غَيْرَ مُسافِحِينَ غير زانين، والمسافح: الزاني، وذلك لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم، فتخسروا دنياكم ودينكم، ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين.
أُجُورَهُنَّ مهورهن، والأجر في الأصل: الجزاء في مقابلة شيء من عمل أو منفعة، والمهر في مقابل الاستمتاع المباح. فَرِيضَةً مفروضة ومقدرة وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ لا حرج ولا إثم ولا تضييق فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ أي اتفقتم أنتم وهن من حط بعض الفريضة أو كلها أو الزيادة عليها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بخلقه فيما يصلحهم حَكِيماً فيما دبره لهم.

صفحة رقم 6

سبب النزول:
روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا من سبي أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن، ولهن أزواج، فسألنا النبي صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يقول: إلا ما أفاء الله عليكم، فاستحللنا بها فروجهن.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: نزلت يوم حنين، لما فتح الله حنينا، أصاب المسلمون نساء من نساء أهل الكتاب لهن أزواج، وكان الرجل إذا أراد أن يأتي المرأة قالت: إن لي زوجا، فسئل صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فأنزلت:
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ.
أما قوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ.. الآية، فنزل بسبب ما يأتي، أخرج ابن جرير الطبري عن عمرة بن سليمان عن أبيه قال: زعم حضرمي أن رجالا كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة فنزلت: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ.
المناسبة:
هذه الآية ملحقة في مطلعها بالمحرمات من النساء بسبب النسب أو الرضاع أو المصاهرة أو بسبب عارض كأخت الزوجة وعمتها، في الآية السابقة. وناسب أن يذكر سبيل إباحة غير المحرمات من النساء بشرط المهر وبقصد التعفف لا الزنى.
التفسير والبيان:
قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ معطوف على أُمَّهاتُكُمْ في الآية السابقة، فهن من المحرمات. والمعنى: وحرم عليكم نكاح المتزوجات إلا المسبيات في جهاد

صفحة رقم 7

مشروع بيننا وبين الأعداء الكفار، دفاعا عن الدين، لا حرب استعمار واستغلال. فالآية تدل على تحريم ذوات الأزواج إلا ما ملكتموهن بسبي، فسباؤكم إياهن هادم لنكاحهن السابق أو فاسخ له، إذا بقي أزواجهن الكفار في دار الحرب.
والزواج بإحدى السبايا طريق لكفالة المسبية وصونها عن التبذل ببذل العرض أو البحث عن الرزق.
وجيء بقيد مِنَ النِّساءِ لإفادة التعميم، فيشمل كل متزوجة.
وقوله: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ مصدر مؤكد، أي كتب الله ذلك (وهو تحريم ما حرم عليكم) كتابا وفرضه فرضا، وبعبارة أخرى: كتب عليكم تحريم هذه الأنواع كتابا مؤكدا، وفرضه فرضا ثابتا، موافقا للمصلحة دون شك ولا تغيير.
وأحل الله ما وراء ذلكم مما هو عدا المحرمات المذكورات، فقوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ معطوف على قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ عند من قرأ وَأُحِلَّ بالبناء للمعلوم، أما على قراءة البناء للمجهول وَأُحِلَّ فهو معطوف على كتب المقدر المفهوم من قوله تعالى: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ.
أحل لكم ما وراء ذلكم لأجل أن تطلبوا النساء بأموالكم التي تدفعونها مهرا للزوجة، حالة كونكم أعفاء غير زناة، فلا تضيعوا أموالكم في الزنى، فتذهب أموالكم وتفتقروا.
وأي امرأة من النساء اللواتي أحللن لكم تزوجتموها فأعطوها الأجر أي المهر وسمي المهر أجرا لأنه في مقابلة الاستمتاع، وهذا الحكم مفروض من الله فريضة، فقوله فَرِيضَةً إما حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو مصدر مؤكد أي

صفحة رقم 8

فرض الله ذلك فريضة لأن المهر يفرض ويعين في عقد الزواج، ويسمى ذلك إيتاء وإعطاء، كما في آية: وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وآية: ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً أو أن المقصود الحث على إيفاء المهر الذي هو حق للزوجة بفرض الله وشرعه وحكمه المبرم، لا مجال للمساومة فيه أو التهرب منه.
ولكن لا إثم ولا تضييق على الأزواج بالاتفاقات التي تحدث عقب الزواج، فلا مانع من التراضي على أن تحط المرأة عن الرجل المهر كله أو بعضه أو تهبه له، أو على الزيادة في مقدار المهر، فكل من النقص في المهر بعد تقديره أو تركه كله أو الزيادة فيه أمر مباح مشروع لأن المقصود بالزوجية أن تكون قائمة على أساس متين من المودة والمحبة، والتعاون والتعاطف، والله تعالى عليم بما فيه صلاح خلقه وبنواياهم، حكيم فيما دبره لهم من أحكام، فهو لا يشرع لهم تفضلا ورحمة منه إلا ما فيه خيرهم وصلاحهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على الأحكام السبعة التالية:
الأول:
تحريم الزواج بالمتزوجات من النساء، رعاية لحق الأزواج، ما دامت الزوجية قائمة فعلا أو في أثناء العدة، فإذا طلقن وانقضت عدتهن فهن لكم حلال، وأكد الله تعالى وجوب احترام مبدأ تحريم المحرمات بقوله: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أي كتب الله عليكم ما قصه من التحريم، فهو عهد وميثاق، وهو أيضا إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله.
الثاني:
إباحة المسبيات المملوكات بسبب السبي في الجهاد، أو بسبب الشراء لأن

صفحة رقم 9

السبي يؤدي إلى فسخ زواجهن السابق، ما دام أزواجهن كفارا في دار الحرب، واشترط الحنفية اختلاف الدار بين المسبية وزوجها، فلو سبيت هي وزوجها لم تحل لغيره لأن الزوج قد صار له عهد وعصمة لما يملكه، وزوجته من جملة ما يملكه، فلا يحال بينه وبينها.
ولا فرق في رأي المذاهب الأخرى بين أن يسبى الزوجان مجتمعين أو متفرقين.
ولا بد من استبراء المسبية بوضع الحمل إن كانت حاملا، وبحيضة إن كانت حائلا غير حامل، قال الحسن البصري: كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستبرءون المسبيّة بحيضة
وروى أبو داود وصححه الحاكم عن أبي سعيد الخدري حديثا في سبايا أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة».
والعلماء كافة رأوا استبراء المسبية بحيضة واحدة، سواء أكانت ذات زوج أم لا زوج لها.
هذا.. ويلاحظ أن الإسلام لم يفرض السبي أو الاسترقاق، وإنما كان مشروعا لدى الأمم جميعها، أما إنه لم يحرمه فمن أجل المعاملة بالمثل لأن الرقيق كان عماد الحركة والحياة الاقتصادية والاجتماعية، ولا يعقل أن يسترق العدو أسرانا ونحن لا نسترق أسراه.
وكان الرق أحيانا من أجل توفير سبل المعيشة عند السيد، ويظهر هذا بنحو خاص بالنسبة للمرأة، إذ الغالب أن يكون زوجها قتل في الحرب، فمن مصلحتها أن تعيش في ظل من يعيلها وينفق عليها، ويعفها حتى لا تصبح أداة فساد أو عالة على المجتمع.
الثالث:
إباحة الزواج بجميع النساء الأجنبيات غير المحارم المذكورة في الآية:

صفحة رقم 10

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ [النساء ٤/ ٢٣] وما أضيف إليها في السنة النبوية كالجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها،
لما روى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يجمع بين المرأة وعمّتها ولا بين المرأة وخالتها».
وضابط حرمة الجمع عند العلماء: ما ذكر عن الشعبي قال: كل امرأتين إذا جعلت موضع إحداهما ذكرا، لم يجز له أن يتزوج الأخرى، فالجمع بينهما باطل.
وعلة التحريم: هو ما يفضي إليه الجمع من قطع الأرحام القريبة، مما يقع بين الضرائر من البغضاء والشرور بسبب الغيرة،
قال ابن عباس: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يتزوج الرجل المرأة على العمّة أو على الخالة، وقال: «إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» «١».
الرابع:
أباح الله تعالى الاستمتاع بالنساء بعقد الزواج المشتمل على المهر، وهو المال المتقوم الذي يباح الانتفاع به شرعا، وهذا دليل على وجوب المهر، فإذا حصل الزواج بغير المال لم تقع الإباحة به لأنها على غير الشرط المأذون فيه، كما لو عقد على خمر أو خنزير أو ما لا يصح تملكه.
الخامس:
دلّ قوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ على أن المهر يسمى أجرا، وأنه في مقابلة البضع (الاستمتاع) لأن ما يقابل المنفعة يسمى أجرا. والظاهر أن المعقود عليه: هو بدن المرأة، ومنفعة البضع، والحلّ لأن العقد يقتضي كل ذلك.
واختلف العلماء في معنى الآية على قولين:

(١) رواه ابن حبان وغيره.

صفحة رقم 11

١- قال الحسن ومجاهد وغيرهما: المعنى فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح فآتوهن مهورهن (أجورهن) فإذا جامعها مرة واحدة، وجب المهر كاملا إن كان مسمّى، أو مهر مثلها إن لم يسمّ.
أما إذا كان النكاح فاسدا فيجب مهر المثل
لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فإن دخل بها، فلها مهر مثلها بما استحلّ من فرجها» «١».
ولا يجوز في رأيهم أن تحمل الآية على جواز نكاح المتعة: (وهو نكاح المرأة إلى أجل معين كيوم أو أسبوع أو شهر) لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن نكاح المتعة وحرّمه ولأن الله تعالى قال: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ [النساء ٤/ ٢٥] ومعلوم أن النكاح بإذن الأهلين هو النكاح الشرعي بولي وشاهدين، ونكاح المتعة ليس كذلك.
٢- وقال الجمهور: المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام، فقد كان مرخصا فيه في بدء الإسلام، أذن فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم مرة أو مرتين في الجهاد، لبعد المجاهدين عن نسائهم، وخوفا من الزنى، فهو من قبيل ارتكاب أخف الضررين، وعلى أساس مبدأ العفو الذي لم يتعلق به تحريم في مبدأ الأمر، وذلك في غزوة أوطاس، وعام فتح مكة، ثم حرّمه النبي صلّى الله عليه وسلّم بعدئذ واستقر الأمر على التحريم، بدليل آية: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون ٢٣/ ٦/ ٥] وليست المتعة نكاحا ولا ملك يمين.
وروى الدارقطني عن علي بن أبي طالب قال: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن المتعة
، قال: وإنما كانت لمن لم يجد، فلما نزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت.
وثبت في الصحيحين عن علي قال: «نهى رسول الله

(١) أخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي عن عائشة.

صفحة رقم 12

صلّى الله عليه وسلّم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر»
وفي لفظ آخر في صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني عن أبيه أنه غزا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم فتح مكة فقال: «يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا».
ونهى أيضا عنها عمر رضي الله عنه، ودلت الأحاديث الكثيرة على تحريمها تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة، كما تقدم.
بل إن نكاح المتعة على النحو الذي يجيزه الشيعة الإمامية بشروط كثيرة غير مطبّق الآن في الواقع لأن المتمتع لا يقصد بالمتعة الإحصان، وإنما يقصد السفاح، وهو لا يلتزم بتوابع الوطء، والمرأة لا تلتزم أيضا بالعدة.
قال ابن العربي: وقد كان ابن عباس يقول بجوازها، ثم ثبت رجوعه عنها، فانعقد الإجماع على تحريمها. واتفقت المذاهب الأربعة ما عدا زفر على بطلانه. وقال زفر: الزواج صحيح وشرط التأقيت باطل.
وهل يحد من دخل بامرأة في نكاح المتعة؟
قال الحنفية والشافعية والحنابلة: لا يحد للشبهة وإنما يعزر ويعاقب لشبهة العقد. وقال المالكية في مشهور المذهب: يحد بالرجم.
السادس:
قوله تعالى: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يعم المال وغيره من منافع الأعيان، وبه قال جمهور العلماء إلا أن أبا حنيفة قال: إذا تزوج على المنفعة فالنكاح جائز، وهو في حكم من لم يسمّ لها، ولها مهر مثلها إن دخل بها، وإن لم يدخل بها فلها المتعة.

صفحة رقم 13

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية