ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ

٢٤ - وقوله تعالى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ الآية. الإحصان في اللغة أصله المَنع، وكذلك الحَصَانة، ولذلك قيل: مدينة حصينة، ودرعٌ حصينة، أي: مانعة صاحبها من الجَرح. قال الله تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ [الأنبياء: ٨٠] معناه: لتمنعكم وتُحرِزَكم (١)، والحصن الموضع الحَصين لمنعه من بغاه من الأعداء (٢). والحِصَان: الفرس لمنعه صاحبه من الهلاك، والحَصَان المرأة العفيفة لمنعها فرجها من الفساد، قال الله تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا [التحريم: ١٢]، أي: منعته من الزنا، ويقال: حَصَنَت المرأة تحصُن: إذا عفّت عن الريبة حُصنا وهي حَصان، مثل: جبنت جُبنًا وهي جبان (٣).
قال سيبويه: وقالوا أيضًا: حِصنا كما قالوا: عِلما (٤).
وقال أبو عبيد والزجاج والكسائي: حصانة أيضًا (٥).
وقال شمر: امرأة حصان وحاصِن، وهي العفيفة، وأنشد:

وحاصن من حاصِنات ملسِ من الأذى ومن قِراف الوَقْسِ (٦)
(١) "تهذيب اللغة" ١/ ٨٤٣ - ٨٤٤ (حصن) بتصرف.
(٢) انظر: "الطبري" ٥/ ٧.
(٣) انظر: "جمهرة اللغة" ٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤ (حصن)، والطبري ٥/ ٧، "تهذيب اللغة" ١/ ٨٤٤ (حصن).
(٤) انظر: "الحجة" ٣/ ١٤٧.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٨٤٤ (حصن).
(٦) قول شمر وما أنشد في "تهذيب اللغة" ١/ ٨٤٤ (حصن)، وقال الأزهري: الوقس: الجرب. ملس: لا عيب بهن. وانظر "اللسان" ٢/ ٩٠٢، والرجز منسوب للعجاج في "مجاز القرآن" ١/ ١٢٢، "جمهرة اللغة" ٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤ (حصن)، و"تفسير الطبري" ٥/ ٧.

صفحة رقم 430

فقد حصل من هذا أنه امرأة حَاصِن وحَصَان بينة الحِصن والحَصَن والحَصانة، ثلاث مصادر.
وأنشد ابن السكيت (١):

الحِصن أدنى لو تأييته من حثيِك التُّرب على الراكِب (٢)
وقال الزجاج: يقال: امرأة حصان بينّة الحصن، وفرس حصان: بيّن التحصن والتحصين، وبناء حصين: بيّن الحصانة، ولو قيل في كله: الحصانة، لجاز بإجماع (٣).
وأما الإحصان فإنه يقع على معان كلها ترجع إلى معنى واحد، منها الحرية، يدل على ذلك قوله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ [النور: ٤] يعني: الحرائر (٤)، ألا ترى أنه إذا قذف غير حرة لم يُجلد ثمانين، وكذلك قوله: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ [النساء: ٢٥] يعني الحرائر، وكذلك قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ [النساء: ٢٥]، أي: الحرائر (٥).
ومنها (٦) العفاف، وهو قوله: مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ [النساء: ٢٥]، (٧)، وقوله تعالى: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ [النساء: ٢٤] [المائدة: ٥]
(١) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، تقدمت ترجمته.
(٢) انظر: "اللسان" ٢/ ٩٠٢ (حصن).
(٣) ليس في "معاني الزجاج" عند تفسيره لهذه الآية.
(٤) انظر: "الطبري" ٥/ ٢٤.
(٥) هذا رأي ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وابن زيد وغيرهم. انظر "تفسير ابن عباس" ص ١٤٣، والطبري ٥/ ١٧.
(٦) أي من المعاني التي يقع عليها لفظ الإحصان.
(٧) انظر "تفسير ابن عباس" ص ١٤٣، والطبري ٥/ ١٩.

صفحة رقم 431

وقوله: الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا [التحريم: ١٢]، أي: أعفته.
ومنها الإسلام، من ذلك قوله تعالى: فَإِذَا أُحْصِنَّ [النساء: ٢٥] قيل في تفسيره: أسلمن (١).
ومنها كون المرأة ذات زوج، يقال: امرأة محصنة، إذا كانت ذات زوج، والمحصنات: المتزوجات، بدلالة قوله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ يعني: ذوات الأزواج (٢). ونذكر ذلك عند التفسير.
وليس تبعد هذه المعاني عما عليه موضوع اللغة، فإن الإحصان هو أن يُحمى الشيء وُيمنع، والحرّة تُحَصِّن نفسها وتَحصُن هي، وليست كالأمة. والعفة أيضًا مانعة من الزنا، والعفيفة تمنع نفسها، وكذلك الإسلام مانع من الفواحش، والمحصنة ذات الزوج؛ لأن الزوج أحصنها ومنع منها.
واختلف القراء في: الْمُحْصَنَاتُ فقرأوا بفتح الصاد وكسرها في جميع القرآن (٣)، إلا التي في هذه الآية، فإنهم اجتمعوا على الفتح فيها (٤).
فمن قرأ بالكسر جعل الفعل لهن، ومن قرأ بالفتح جعل الفعل لغيرهن (٥).
قال أبو عبيد (٦): اجتمع القراء على نصب الصاد في الحرف الأول

(١) ممن قال بذلك ابن مسعود والشعبي وإبراهيم التيمي والسدي. انظر: الطبري ٥/ ٢٠، "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٥.
(٢) انظر: الطبري ٥/ ١، "الكشف والبيان" ٤/ ٣٦ ب، "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٣) قراءة الكسر للكسائي، والفتح لبقية العشرة. انظر: "السبعة" ص ٢٣٠، "الحجة" ٣/ ١٤٦، "المبسوط في القراءات العشر" ص١٥٥، "النشر" ٢/ ٢٤٩.
(٤) انظر المصادر السابقة.
(٥) انظر: "حجة القراءات" ص ١٩٦، ١٩٧.
(٦) أخذ قول أبي عبيد من "تهذيب اللغة" ١/ ٨٤٤ (حصن).

صفحة رقم 432

من النساء؛ لأن تأويلها ذوات الأزواج يُسبَين فيُحلهن السِباء (١) تُوطأ بملك اليمين، ويَنتقض نكاحهن.
فأما ما سوى الحرف الأول فالقراء مختلفون، فمنهم من يكسر الصاد، ومنهم من يفتحها، فمن نصب، ذهب إلى ذوات الأزواج، ومن كسر ذهب إلى أنهن أسلمن فأحصنّ أنفسهن فهن محصنات (٢).
وقال الليث: أُحصِنت المرأة فهي محصنة، وهي التي أحصنها زوجها، وهن المُحصنات، والمعنى أنهن أحُصِنّ بأزواجهن (٣).
أخبرني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري، عن ثعلب عن ابن الأعرابي، قال: كلام العرب كله على: أفْعَل فهو مُفْعِل، إلا ثلاثة أحرف: أَحصَن فهو مُحصَن، وألفَج فهو ملفَج (٤)، وأَسهَب فهو مُسهَب (٥).

(١) في (أ)، (د): النساء، والتصويب من "تهذيب اللغة".
(٢) انتهى من "تهذيب اللغة" ١/ ٨٤٤ (حصن).
(٣) انظر: "العين" ٣/ ١١٨، "تهذيب اللغة" ١/ ٨٤٤ (حصن).
(٤) في النسخة (أ) وعند هذا اللفظ كتب هامش بغير خط النسخة وهو بحدود سطرين أو ثلاثة، بعضه غير واضح، وقد تبين لي منه ما يلي: ألفج بالجيم المعجمة أفلس قال رؤبة:
أحسابكم في العسر والإلفاج شِيبت بعذبٍ طيّب المزاج
وقال:
جارية شبت شبابًا عَسلجا في حجر من لم يك عنها ملفجا
يقال: عسلجت الشجرة: أخرجت عساليجها، وهي ما لان واخضر من قضبانها. وانظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٨٣ (سهب)، ٤/ ٣٢٨٠ (لفج)، "الصحاح" ١/ ٣٢٩ (عسلج)، ٢/ ٣٣٩ (لفج)، "اللسان" ٧/ ٤٠٥٢ - ٤٠٥٣ (لفج).
(٥) في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٨٣ (سهب) لكن رواية الأزهري، عن طريق شمر، عن ابن الأعرابي، وفيه تقديم أسهب على أحصن.

صفحة رقم 433

وأما التفسير فالمحصنات في هذه الآية ذوات الأزواج (١)، وهن محرمات على كل أحد إلا على أزواجهن، لذلك عُطِفن على المحرمات في الآية التي قبلها (٢).
ثم استثنى فقال: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ يريد: إلا ما ملكتموهن بالسبي من دار الحرب، فإنها تحل لمالكها ولا عِدّة عليها، فتُستبرأ بحيضة وتوطأ.
وهذا قول ابن مسعود (٣)، وابن عباس، وأبي قلابة، وابن زيد، وأبيه (٤)، ومكحول (٥)، والزهري (٦).
قال أبو سعيد الخُدري: لما كان يوم أوْطَاس أَصَبْنا نساءً لهن أزواج في المشركين، فكرههنّ رجال منا، فأنزل الله تعالى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (٧).

(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ١/ ١٢٢، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١٧، والطبري ٥/ ١، "الكشف والبيان" ٤/ ٣٦/ ب، "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٥.
(٣) قول ابن مسعود أن المراد بقوله: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ هي المشتراة بالمال، لا المسبيّة. انظر: "الطبري" ٥/ ٣، "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٧.
(٤) هو الإمام أبو عبد الله زيد بن أسلم، له تفسير يرويه عنه ابنه عبد الرحمن هذا.
(٥) هو أبو عبد الله مَكْحول الشامي، فقيه، كان مفتي دمشق وعالمها، من مشاهير علماء التابعين، وقد وثقه كثير من أهل العلم وأخرج له مسلم والأربعة. توفي -رحمه الله- سنة ١١٣هـ. وقيل غير ذلك. انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص١١٤، "ميزان الاعتدال" ٤/ ١٧٧، "تقريب التهذيب" ٤/ ١٤٨.
(٦) أخرج الآثار عن ابن عباس، وأبي قلابة، وابن زيد، وأبيه، ومكحول، والزهري، الطبري ٥/ ٦٠٢٠١، وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨.
(٧) أخرجه مسلم بنحوه (١٤٥٦) كتاب الرضاع، باب: جواز وطء المسبية بعد =

صفحة رقم 434

ولا يمكن حمل المحصنات في هذه الآية على الحرائر، ولا على المسلمات، ولا على العفائف؛ لأن التحريم مُحالٌ في هذه الأجناس، فتعين حملها على الوجه الرابع وهو المنكوحة.
وإذا وقع السبا على الزوجين الحربيّين أو على أحدهما انقطع منادي رسول الله - ﷺ -: "ألا لا تُوطأ حاملٌ حتى تضع، ولا حائلٌ حتى تحيض" (١).
فأباح وطأهن بعد الاستبراء، لانفساخ نكاحهن.
وذهب جماعة من الصحابة -بظاهر هذه الآية- إلى أن الأَمَة المنكوحة إذا بيعت وقع عليها الطلاق، وبانت من الزوج بالبيع.
واحتجوا بقوله: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قالوا: فإذا ملكها البائع وجب أن يحل له وطؤها.
وهذا يحكى عن ابن عباس وابن مسعود وأُبَيّ (٢)، وجابر، وأنس، وسعيد بن المسيب، والحسن (٣).

= الاستبراء ٢/ ١٠٧٩ (ح ٣٥) وغيره، وكذلك المؤلف في "أسباب النزول" ص ١٥٢ - ١٥٣ من طرق.
(١) أخرجه الإمام أحمد ٣/ ٦٢، وأبو داود (٢١٥٥) كتاب النكاح، باب: في وطء السبايا، والحاكم ٢/ ١٩٥، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يُخرجاه، ووافقه الذهبي، وعندهم أن هذا الحديث في سبي أوطاس.
(٢) هو أبو المُنذِر أُبَيّ بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الأنصاري، من رواة الأحاديث وقُرَّاء الصحابة وكتاب الوحي ومن أصحاب العقبة الثانية وقد شهد بدرًا وما بعدها وتوفي - رضي الله عنه - سنة ٣٠ هـ. انظر: "الاستيعاب" ١/ ١٦١ - ١٦٢، "الإصابة" ١/ ١٩، "الأعلام" ١/ ٨٢.
(٣) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ٣ - ٤، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٥٠، "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٧.

صفحة رقم 435

وليس الأمر على ما ذهبوا إليه؛ فإن هذه الآية مخصوصة بملك اليمن في الحربية إذا سبيت من دار العرب، بدليل حديث بريرة (١)، فإن عائشة اشترتها وأعتقتها، ثم خيّرها النبي - ﷺ -، وكانت مزوجة، فاختارت الفراق (٢)، ولو وقع الطلاق بالبيع ما خيرت.
وهذا الذي ذكرنا من أن البيع لا يكون طلاقًا مذهب عمر (٣)، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف (٤)، وإجماع الفقهاء اليوم.
وقوله تعالى: كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. قال ابن عباس: يريد: هذا ما حرم الله عليكم (٥). يعني: كتب تحريم ما ذكر من النساء عليكم.
وانتصابه على مصدر جرى الفعل من غيره، كأنه قيل: حرمت هذه النساء كتابًا من الله عليكم، أي: كتابة (٦).

(١) هي مولاة عائشة -رضي الله عنهما- كانت مولاة لقوم من الأنصار، وقيل لآل بني هلال، وقيل لآل عتبة بن أبي إسرائيل، وكانت تخدم عائشة قبل أن تشتريها، وقد عتقت تحت زوجها فخيرها النبي - ﷺ -، فكانت سنّة. انظر: "الاستيعاب" ٤/ ٣٥٧، "أسد الغابة" ٧/ ٣٩، "الإصابة" ٤/ ٢٥١ - ٢٥٢.
(٢) أخرجه بمعناه البخاري (٢٥٣٦) كتاب العتق، باب: بيع الولاء وهبته، وانظر
"تفسير ابن كثير" ٢/ ٥١٧.
(٣) عند ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ٥٠: ابن عمر.
(٤) انظر: "زاد المسير" ٢/ ٥٠.
(٥) لم أجده عن ابن عباس، وقد أخرجه الطبري، عن إبراهيم التيمي، "جامع البيان" ٥/ ٩، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" عن إبراهيم وعزاه -إضافة إلى الطبري- إلى عبد الله بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر. "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٩.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٦٠، و"الطبري" ٥/ ٩، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٦.

صفحة رقم 436

ومعنى الكتابة ههنا التحريم؛ لأنه كتابة التحريم، أي: إثباته وتأكيده.
ومثله: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي [النمل: ٨٨]، وقد مر كثير من هذا، (وهذا) (١) معنى قول الفراء والزجاج (٢).
وقد كشف أبو علي عن هذا فقال: ليس انتصابه على: عليكم كتاب الله، ولكن كتاب مصدر، دل ما تقدم على الفعل الناصب له، وذلك أن قوله: حُرِمَتْ عَلَيْكُمْ فيه دلالة على أن ذلك مكتوب عليهم فانتصب كِتَابَ اللَّهِ بهذا الفعل الذي دل عليه ما تقدمه من الكلام (٣). وعلى ذلك قول الشاعر:

[ما (٤)] إِنْ يمسّ الأرض إلاَ منْكِبٌ مِنْه وحرفُ السّاقِ طَيَّ المِحْمَلِ (٥)
قال الزجاج: ويجوز أن يكون منصوبًا على جهة الأمر، ويكون: عَلَيْكُمْ مُفسرًا له، فيكون المعنى: الزموا كتاب الله (٦).
(١) ليس في (د).
(٢) انظر: "معاني الفراء" ٢/ ٢٦٠، "معاني الزجاج" ٢/ ٣٦.
(٣) انظر: "الحجة" ٢/ ٣٥٣، "المسائل الحلبيات" ص ٢٠٣.
(٤) ما بين القوسين المعقوفين ليس في النسخ واستدركته من مصادر التوثيق الآتية.
(٥) البيت لأبي كبير الهُذلي يصف شابًا جلْدًا خفيف الجسم إذا نام لا يمس الأرض إلا منكبه وحرف ساقه دون بطنه. والمقصود بالمِحمَل: محمل السيف.
انظر: "الكتاب" ١/ ٣٥٩، "الشعر والشعراء" ص ٤٤٧، "المقتضب" ٣/ ٢٠٤، "الخصائص" ٢/ ٣٠٩، "ديوان الهذليين" ٢/ ١٣. والشاهد منه. أن طي نصب بفعل مقدر، تقديره: طويَ طيّ المِحْمَل.
(٦) "معاني القرآن" ٢/ ٣٦.

صفحة رقم 437

قال الفراء: وقد قال بعض النحويين: معناه: عليكم كتاب الله، واحتج بقول الشاعر:
يا أيها المائح دلوى دونكا (١)
فالدلو عِنْده في موضع نصب، كما يقال: دونك زيدًا، وهذا لا يصح عند النحويين، لأن الإغراء لا يجوز فيه تقديم المنصوب على حرف الإغراء، لا تقول العرب: زيدًا عليك، أو زيدًا دونك. إنما تقول: عليك زيدًا، ودونك زيدًا (٢).
قال الزجاج (٣): لأن قولك: عليك زيدًا ليس له ناصب في اللفظ متصرف، فيجوز تقديم نصبه (٤)، وقول الشاعر:
.......... دلوى دونكما (٥)
الدلو في موضع رفع، على معنى: هذه دلوي دونك، كقولك: زيدٌ فاضربوه، وإن نصبت الدلوَ أضمرت في الكلام شيئًا، كأنك تقول: خذ دلوي، أو دونك دلوي دونك (٦). وعلى هذا يجوز أن تقول: زيدًا عليك،

(١) حذف المؤلف عجز البيت، وهو عند الفراء:
إني رأيت الناس يحمدونكا
"معاني القرآن" ١/ ٦٠، ونسب في الحاشية إلى شاعر جاهلي من بني أسيد بن عمرو بن تميم، وقد ورد البيت في "الأمالي للقالي" ٢/ ٢٤٤، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٣٢٢ (ماح)، "الإنصاف" للأنباري ص ١٨٧. والمائح: هو الذي ينزل في البئر إذا قلّ الماء فيملأ الدلو.
(٢) "معاني القرآن" ١/ ٢٦٠.
(٣) في "معاني القرآن" ٢/ ٣٦.
(٤) في "معاني الزجاج": منصوبه، ولعله هو الصواب.
(٥) تقدم البيت قريبًا.
(٦) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٣٦، ٣٧.

صفحة رقم 438

فيكون منصوبًا بشيء مضمر قبله.
وقوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ. وقرئ: وَأُحِلَّ بضم الألف (١)، والفتح (٢) أشبه بما قبله، لأن معنى كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: كتب الله عليكم كتابًا وأحلّ لكم فبناء الفتح للفاعل ههنا أحسن.
ومن بين (٣) الفعل للمفعول به فقال: وأحل لكم، فهو في المعنى يؤول إلى الأول، وفي ذلك مراعاةُ مُشاكلةِ ما بعد بما قبل (٤)، وهو قوله: حُرِّمَت، فلما كان التحريم مبنيًّا للمفعول به كذلك الإحلال.
وقوله تعالى: مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ قال الفراء وغيره: يقول ما سوى ذلك، كقوله: وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ [البقرة: ٩١] يريد: سواه (٥).
وقال الزجاج: ومعنى: مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ: أي: ما بعد هذه النساء التي حُرّمت حلال (٦).
وهذا الإحلال مخصوص بالسنة، وهو ما ذكرنا من تحريم تَزَوُّج المرأة على عمتها وعلى خالتها (٧).
قال أبو إسحاق: لم يقل الله عز وجل: لا أحرم عليكم غير هؤلاء، وقال:

(١) وكسر الحاء، وهذه القراءة لعاصم برواية حفص وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف. انظر: "المبسوط" ص ١٥٦، "الحجة" ٣/ ١٥٠، "النشر" ٢/ ٥٤٩.
(٢) أي فتح الألف والحاء (أَحَلّ) وهذه القراءة للباقين من العشرة. انظر المصادر السابقة.
(٣) هكذا هذه الكلمة في (أ)، ولعل الصواب: بَنَى، لما في "الحجة" ٣/ ١٥٠.
(٤) التعقيب على القراءتين من "الحجة" ٣/ ١٥٠.
(٥) "معاني القرآن" ١/ ٢٦١.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٣٧
(٧) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٣٧، وقد تقدم الحديث في ذلك.

صفحة رقم 439

وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]، قال: وآتاهم أن الخالة كالوالدة، وأن العمة بمنزلة الوالد في وجوب الحق كالوالدة. (١) فإذًا العمة والخالة كالوالدة، وتَزّوج المرأة على عمتها وخالتها كتزوجها على أمها.
وقوله تعالى: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ. محل أَنْ رفع على البدل من (ما) في قراءة من قرأ وأُحلَّ بضم الألف، ومن قرأ بالفتح كان محل (أن) نصبًا. قالوا: ويجوز أن يكون محلّه نصبً على القراءتين بفقد الخافض، كأنه قيل: لأن تبتغوا، ثم حذف الخافض (٢).
والمعنى: أحلّ لكم أن تطلبوا بأموالكم، إما بنكاح وصداق، أو بملك وثمن، وفي هذا دليل على أن الصداق لا يَتَقدّر بشيء؛ لإطلاق قوله: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ، فمن ابتغى بقدر جاز أن يكون ثمنًا في بيعٍ أو أجرة في إجارة فقد استحل.
وقوله تعالى: مُحْصِنِينَ. أي: متعففين عن الزنا، وهو قول ابن عباس (٣).
وقال مجاهد: ناكحين (٤)، وهو اختيار الزجاج؛ لأنه (قال) (٥):

(١) انتهى كلام أبي إسحاق الزجاج من "معاني القرآن" ٢/ ٣٧.
(٢) انظر "معاني الفراء" ١/ ٢٦١، الطبري ٥/ ١١، "معاني الزجاج" ٢/ ٣٧، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٤٦، "الكشف والبيان" ٤/ ٣٧/ أ.
(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكر المؤلف هذا القول دون نسبة لأحد في "الوسيط" ٢/ ٥٠١، وانظر الطبري ٥/ ١١.
(٤) "تفسير مجاهد" ١/ ١٥٢، وأخرجه الطبري في "تفسيره" ٥/ ١١، وهو فيهما بلفظ: متناكحين. وانظر: "الدر المنثور" ٢/ ٢٤٩.
(٥) ما بين القوسين ليس في (أ).

صفحة رقم 440

عاقدين التزويج (١).
وقال الفراء: يقول: أن تبتغوا الحلال (٢).
وقوله تعالى: غَيْرَ مُسَافِحِينَ. أي: غير زانين. عن مجاهد (٣)، والسدي (٤).
وقال ابن عباس: السفاح الزنا (٥).
قال الليث: السفاح والمسافحة: أن تقيم امرأة مع رجل على فجور من غير تزويج صحيح، والمُسافِحة: الزانية (٦). وروي أن النبي - ﷺ - قال: قال لي جبريل: "ما بينك وبين آدم نكاح لا سفاح فيه" (٧).
وأصله في اللغة: من السَّفح وهو الصَّبّ، يقال: سفح الدمع مسفوحًا، وسفح الدم: صبّه، وفلان سفّاحٌ للدماء: أي: سفّاك (٨).
وسمي الزنا سِفاحًا، لأنه ليس ثم حرمةُ نكاح ولا عقد تزويج (٩)، وإنما يسفح كل واحد من الزانيين نطفته، أي: يصبها ويريقها، فسمي سفاحًا لهذا المعنى. كما سمي مِذًاء من المذي، وكان الرجل في الجاهلية

(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٣٧.
(٢) "معاني القرآن" ١/ ٢٦١.
(٣) "تفسيره" ١/ ١٥٢، وأخرجه الطبري ٥/ ١١ بدون لفظ غير.
(٤) أخرجه الطبري ٥/ ١١ بلفظ: غير زناة.
(٥) لم أجده إلا في "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٢ بلفظ مجاهد.
(٦) من "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٠٠، وهو في "العين" ٣/ ١٤٧ (سفح).
(٧) انظر: "العين" ٣/ ١٤٧، ولم أقف عليه في المصادر الحديثية.
(٨) انظر: "العين" ٣/ ١٤٧، "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٦٩٩ "الصحاح" ١/ ٣٧٥ (سفح).
(٩) انظر: "معاني القرآن" ٢/ ٣٨، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٠٠ (سفح).

صفحة رقم 441

إذا أراد أن يفجر بالمرأة يقول لها: سافحيني، أو ماذيني (١).
وقوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ. قال الحسن ومجاهد وابن زيد وأكثر المفسرين: يعني: فما انتفعتم وتلذّذتم من النساء بالنكاح الصحيح (٢). قال أبو إسحاق: يريد فما استمتعتم به منهن على عقد التزويج الذي جرى ذكره (٣).
فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً. أي: مهورهن، فإن استمتع بالدخول بها آتى (٤) المهر تامًا، وإن استمتع بعقد النكاح آتى نصف المهر (٥).
والاستمتاع في اللغة: الانتفاع، وكل ما انتفع به فهو متاع (٦). هذا التفسير هو الذي عليه إجماع الفقهاء وعلماء الأمة (٧).
وسُمي المهر في هذه الآية أجرًا لأنه أجر الاستمتاع (٨).
وانتصاب الفريضة ههنا على الحال، أي: مفروضة (٩).

(١) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١٧ - ١١٨، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٢٦ (سفح).
(٢) أخرج الآثار عن الحسن ومجاهد وابن زيد الطبري ٥/ ١١ - ١٢ بلفظ النكاح، وقد أفاد المؤلف لفظه من "الكشف والبيان" ٤/ ٣٧/ ب، وانظر: "الوسيط" ٢/ ٥٧.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٣٨ بتصرف.
(٤) في (د): (إلى).
(٥) من "معاني الزجاج" بنصه ٢/ ٣٨، وانظر: "الطبري" ٥/ ١٢، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٥٩ (متع). "الكشف والبيان" ٤/ ٣٩/ أ.
(٦) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٥٩ (متع).
(٧) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١١٨، و"الطبري" ٥/ ١٢، "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨، "الكشف والبيان" ٤/ ٣٩ أ.
(٨) انظر: "الكشف والبيان" للثعلبي ٤/ ٣٩ أ.
(٩) وقيل: مصدر في موضع الحال. انظر "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٦، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٩٥.

صفحة رقم 442

وقوله تعالى: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ.
قال عطاء: يريد: إذا سميت المهر بعدّة من الدنانير أو الحيوان، فلا حرج بعد ذلك أن تحطّ من عدة الدنانير أو الحيوان، إذا كان ذلك برضا المرأة (١). ففسر هذا التراضي بالحطّ من المهر والإبراء.
وقال الزجاج: أي: لا إثم عليكم في أن تَهب المرأة للزوج مهرها، أو يهب الرجل للمرأة تمام المهر إذا طلقها قبل الدخول (٢).
وقيل: هذا في الخُلع، يقول: لا جناح عليكم فيما تَفتدي به المرأة نفسها (٣).
وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بالاستمتاع في هذه الآية المُتعة (٤) التي كانت مُباحةً في ابتداء الإسلام، وهو ما رُوي أن النبي - ﷺ -، لما قدم مكة في عمرته، تزين نساء أهل مكة، فشكا أصحاب رسول الله - ﷺ -

(١) لم أقف عليه، وقد ورد بمعناه عن ابن عباس وابن زيد. انظر: "الطبري " ٥/ ١٤، "زاد المسير" ٢/ ٥٤.
(٢) العبارة في "معاني الزجاج" ٢/ ٣٩: أي لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للرجل مهرها، أو يهب الرجل للمرأة التي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب إلا لمن دخل بها، وهذه العبارة مشكلة؛ لأن غير المدخول بها يجب لها نصف الصداق بلا هبة لقوله سبحانه: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ [البقرة: ٢٣٧]، إلا أن يكون المراد بعبارة الزجاج هذه: نصف المهر الآخر، ويحتمل التصحيف من النساخ، وعلى كلٍّ فعبارة الزجاج عند المؤلف أوضح وأصوب وقد ذكرها في تفسيره الآخر "الوسيط" ٢/ ٥٠٢.
(٣) نحوه مَرويّ عن ابن عباس. انظر: "الطبري" ٥/ ١٤، "زاد المسير" ٢/ ٥٢.
(٤) هذا قول لابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم. انظر: الطبري ٥/ ١٢ - ١٣، "الكشف والبيان" ٤/ ٣٧ ب.

صفحة رقم 443

إليه العُزبة (١)، فقال: "استمتعوا من هذه النساء"، وروي أنه قال: "تمتعوا منهن" (٢).
وكان الرجل في صدر الإسلام يعطي المرأة دينارًا أو دراهم، أو ما كان، مما يتراضيان به، على أن يستمتع بها يومًا أو أسبوعًا، على ما يتراضيان عليه من الأجل، فإذا انقضى الأجل فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليه أن يستبرئ رحمها فإن قال لها: زيديني في الأيام وأزيدك في الأجر كانت المرأة بالخيار، إن شاءت فَعَلت ذلك، وإن شاءت لم تفعل (٣).
قالوا: وذلك قوله: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ أي: من زيادة الأجل والأجر (٤). ثم أجمع أكثر هؤلاء على أن هذا الحكم منسوخ (٥)، إلا ابن عباس وعمران بن حصين (٦)، فإنهما كانا يريان جواز نِكاح المُتعة (٧). كان ابن عباس يُفتي بها.

(١) العُزبة: من العُزوبة، أي البعد عن النكاح والتجرد عن النساء. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" ٣/ ٢٢٨.
(٢) أخرجه بلفظه الأول أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٧٣، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٣٨ ب.
(٣) انظر: "الطبري" ٥/ ١٣ - ١٤، "الكشف والبيان" ٤/ ٣٨ ب، "النكت والعيون" ١/ ٤٧١.
(٤) انظر: "النكت والعيون" ١/ ٤٧١، "زاد المسير" ٢/ ٥٥.
(٥) انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص ٨٠.
(٦) هو أبو نُجيد عِمران بن حُصين بن عُبيد الخُزاعي أسلم عام خيبر وغزا مع النبي - ﷺ -، كان من فضلاء الصحابة ومجابَ الدعوة، مرض فكان على سريره ثلاثين عامًا حتى توفي - رضي الله عنه - سنة ٥٢ هـ وكانت الملائكة تسلم عليه. انظر: "الاستيعاب" ٣/ ٢٨٤ - ٢٨٥، "أسد الغابة" ٤/ ٢٨١، "الإصابة" ٣/ ٢٦ - ٢٧.
(٧) سيورد المؤلف ما يدل على ذلك عن ابن عباس وعمران بن حصين.

صفحة رقم 444

قال عمارة (١) مولى الشريد (٢): سألت ابن عباس عن المُتعة، أسِفاح هي أم نكاح؟ قال: لا سفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟ قال: هي المُتعة كما قال الله. قلت: هل لها من عدة؟ قال نعم، عدتها حيضة. قلت: هل يتوارثان؟ قال: لا (٣).
وروى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٤): أن ابن عباس كان يُفتي بها،
ويغمصُ (٥) ذلك أهلُ العراق، وأَبَى أن ينكل عن ذلك، حتى طفق بعض الشعراء يقول:

أقول للركب إذْ طَالَ الثَّواءُ بنا يا صَاحِ هَلْ لَك في فُتيا ابن عباسِ
هل لك في رَخصة الأطرافِ ناعمة تكون مَثواك حتى رجعة الناس (٦)
(١) هكذا في (أ)، وفي "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٣: عمار، بدون تاء.
(٢) تابعي ثقة كما في ثقات العجلي.
(٣) أخرجه أبو عُبيد في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص ٨٠، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٥٣ بلفظه، وعزاه لابن المنذر.
(٤) هو أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود الهُذلي المدني تابعي ثقة ثبت أحد كبار فقهاء المدينة في عصره، جامع بين العلم والصلاح وهو معلم عمر بن عبد العزيز رحمهما الله كان ضرير البصر، وتوفي سنة ٩٤ هـ وقيل غير ذلك. انظر: "تاريخ الثقات" ٢/ ١١١، "مشاهير علماء الأمصار" ص ٦٤، "التقريب" ص ٣٧٢ رقم (٤٣٠٩).
(٥) غَمِصَ-بفتح الميم وكسرها- يَغمِص غمصًا، وهو الاستصغار أو العيب، انظر "الصحاح" ٣/ ١٠٤٧ (غمص). وفي النسخة (أ) تعليق في الحاشية كلمتين أو ثلاث، لم يتبين، والظاهر أنه شرح لهذه الكلمة الغربية.
(٦) انظر: "عيون الأخبار" ٤/ ٥٩، و"تفسير القرطبي" ٥/ ١٣٣، و"الدر المنثور"=

صفحة رقم 445

قال: فازداد لها أهل العلم قَذرًا وبُغضًا، حين قيل فيها الأشعار (١)
وقال عمران بن حُصين: نزلت آية المتعة في كتاب الله عز وجل ولم ينزل آية بعدها تنسخها، وأمرنا بها رسول الله - ﷺ - وتمتعنا معه، ومات ولم يَنهنا عنه. قال رجلٌ بَعْدُ برأيهِ ما شاء (٢).
وجميع الصحابة على أن المتعة منسوخة حرام (٣).
روى الربيع بن (سَبرة) (٤) الجهني (٥)، عن أبيه قال: غدوت على رسول الله - ﷺ - فإذا هو قائم بين الركن والمقام، مسندٌ ظهره إلى الكعبة، يقول: "يا أيها الناس إني كنتُ أمرتُكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا وإن الله قد حرَّم عليكم إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليُخَلّ سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا" (٦).

=٢/ ٤٨٧، و"السنن الكبرى" للبيهقي ٧/ ٢٠٥، و"التمهيد" لابن عبد البر ١٠/ ١١٧، و"أخبار مكة" للفاكهي ٣/ ١٢.
(١) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٨١، ٨٢، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٣٨ أ، "الدر المنثور" ٢/ ٤٧١.
(٢) أخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ٣٨ أ.
(٣) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٣٨ أ.
(٤) في (د): (سبر) بالتذكير، والصواب ما أثبته. انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص ٧٣.
(٥) هو الربيع بن سبرة بن معبد الجهني المدني تابعي ثقة، وثقه النسائي وابن حبان وأخرج حديثه مسلم وأهل السنن، عده ابن حجر من الطبقة الثالثة. ولم تذكر سنة وفاته. انظر: "تاريخ الثقات" ١/ ٣٥٤، "تهذيب التهذيب" ١/ ٥٩٢، "التقريب" ص ٢٠٦ رقم (١٨٩١).
(٦) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٧٣، ومسلم في "صحيحه" كتاب النكاح، باب: ٣ نكاح المتعة ٢/ ١٠٢٥ (ح ٢١)، وفيهما: ".. ألا وإن الله قد حرم عليكم ذلك.. " بزيادة اسم الإشارة، وهو الأصوب.

صفحة رقم 446

وروى الحارث بن غُزَيّة (١) أن رسول الله - ﷺ - قال: "مُتعة النساء حرام" (٢).
وقال عمر - رضي الله عنه -: لَنْ أُوتَى برجلٍ منكم نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة (٣).
وروي عن ابن الحَنفيّة (٤): أن عليًا - رضي الله عنه - مر بابن عباس وهو يفتي بنكاح المتعة أنه لا بأس بها، فقال: إن رسول الله - ﷺ - نهى عنها وعن لحوم الحُمُر الأهلية يوم خيبر (٥).
قال أبو عبيد: هذا التوقيت يرجع إلى النهي عن لحوم الحُمُر؛ لأن الرخصة في المتعة كانت في عمرة النبي - ﷺ -، وهي بعد خيبر، والنهي عن المتعةُ مطلق غير مُؤَقت (٦).

(١) هو الحارث بن غزَيّة، وقيل: غزية بن الحارث الأنصاري المدني، صحابي جليل روى عن رسول الله - ﷺ -. انظر: "الاستيعاب" ٣/ ٣١٨، "أسد الغابة" ١/ ٤١٠، "الإصابة" ٣/ ١٨٥.
(٢) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٧٥.
(٣) جزء من أثر أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٧٦، ومسلم (١٢١٧) كتاب الحج، باب: في المتعة بالحج والعمرة.
(٤) هو أبو القاسم أو أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي من أفاضل أهل البيت، ومن العلماء الثقات، عرف بابن الحنفية نسبة إلى أمه من بني حنيفة. توفي - رضي الله عنه - سنة ٧٣ هـ وقيل بعد الثمانين. انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص ٦٢، "سير أعلام النبلاء" ٤/ ١١٠، "التقريب" ص ٤٩٧ رقم (٦١٥٧).
(٥) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٧٥، والبخاري (٥١١٥) بنحوه في كتاب النكاح، باب: نهى رسول الله - ﷺ - عن نكاح المتعة آخرا ٦/ ١٢٩، ومسلم (١٤٠٧) كتاب النكاح، باب: نكاح المتعة.
(٦) انظر: "الناسخ والمنسوخ" ص ٧٥.

صفحة رقم 447

وكانت عائشة إذا ذُكِر لها المتعة قالت: والله ما نجد في كتاب الله إلا النكاح والاستِسرار، ثم تتلو هذه الآيات الثلاثة: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المؤمنون: ٥]، إلى آخرها (١).
وقال ابن مسعود: المتعة منسوخة، نسخها الطلاق والصَّداق والعِدّة والميراث (٢).
قال أبو عبيد: فالمسلمون اليوم مُجمعون على أن متعة النساء قد نُسخت بالتحريم، نسخها الكتاب والسنة (٣).
هذا قول أهل العلم اليوم جميعًا من أهل العراق، وأهل الحجاز، وأهل الشام، وأصحاب الأثر، وأصحاب الرأي: أنه لا رُخصة فيها لمضطر ولا غيره.
وقد رُوي عن ابن عباس شيء شبيه بالرجوع عنها، وهو ما روى عطاء الخرساني، عن ابن عباس في قوله: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ قال: نسختها: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] (٤).
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا أي: بما يُصْلِح أمر العباد (حكيمً) فيما بين (٥) لهم من عقد النكاح الذي به حُفظت الأموال والأنساب (٦).

(١) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٨٧، وذكره الثعلبي بمعناه في "الكشف والبيان" ٤/ ٣٩ أ.
(٢) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٧٩.
(٣) "الناسخ والمنسوخ" ص ٨٠، وانظر: "البغوي" ٢/ ١٩٣.
(٤) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٨٣، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" ٢/ ١٩١، ١٩٢، وضعفه المحقق إسناده.
(٥) في "معاني الزجاج" ٢/ ٣٩: فرض.
(٦) انتهى من "معاني الزجاج" ٢/ ٣٩.

صفحة رقم 448

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية