ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ

ويقول الحق من بعد ذلك : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما ٢٤ .
وقول الحق : والمحصنات من النساء هو قول معطوف على ما جاء في الآية السابقة من المحرمات، أي سيضم إلى المحرمات السابقات المحصنات من النساء، ومن هن المحصنات من النساء ؟ الأصل في الاشتقاق عادة يوجد معنى مشتركا. فهذه مأخوذة من " الحصن "، وهو مكان يتحصن فيه القوم من عدوهم، فإذا تحصنوا فيه امتنعوا على عدوهم.. أما إذا لم يكونوا محصنين فهم عرضة أن يغير عليهم عدوهم ويأخذهم، هذا هو أصل الحصن، والاشتقاقات التي أخذت من هذه كثيرة : منها ما جاء في قوله تعالى :
ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ( من الآية ١٢ سورة التحريم ).
و أحصنت فرجها يعني أنها عفت ومنعت أي إنسان أن يقترب منها، وهنا قوله : والمحصنات في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، المقصود بها المتزوجات، فمادامت المرأة متزوجة، فيكون بضعها مشغولا بالغير، فيمتنع أن يأخذه أحد، وهي تمتنع عن أي طارئ جديد يفد على عقدها مع زوجها. هذا معنى " المحصنات من النساء "، فالمحصنات هنا هن العفيفات بالزواج، والحق يقول :
فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ( من الآية ٢٥ سورة النساء ).
فمادامت الإماء قد أحصن بالزواج، هل يكن من المحصنات كالحرائر ؟ لا، فهذه غير تلك، فهن لا يدخلن في المحصنات من الحرائر، وإلا لو دخلن في المحصنات يكون الحكم واحدا، فهو سبحانه يقول : فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ، وأصل الإحصان وهو العفة.. توصف به الحرة ؛ لأن الحرة عادة لا يقربها أحد. وهذه امرأة أبي سفيان في بيعة النساء قالت : وهل تزني الحرة ؟ كان الزنا كان خاصا بالإماء ؛ لأنهن المهينات. وليس لهن أب أو أم أو عرض، قد يجترئ عليها أي واحد، وليس لها شوكة ولا أهل، ولذلك جاء عقابها نصف عقاب الحرة ؛ لأن الأمة يحوم حولها من الناس من تسول له نفسه فعل الفاحشة.
إذن فالإحصان يطلق ويراد به العفة، ويطلق الإحصان ويراد به أن تكون حرة، ويطلق الإحصان ويقصد به أن تكون متزوجة، وتطلق المحصنات على الحرائر. فالوضع العام للحرة هو الذي يجعل لها أهلا ولا يجترئ عليها أحد، لكن هب أن امرأة متزوجة ثم حدث خلاف أو حرب بين قومها وبين المؤمنين وصارت أسيرة لدى المسلمين مع أنها متزوجة بطريقتهم في بلادها، وهي بالأسر قد انتقلت من هذا الزواج وجاءت في البيئة الإسلامية وصارت مملوكة، ومملوكيتها وأسرها أسقطت عنها الإحصان، فقال : إلا ما ملكت أيمانكم . إذن فهي بملك اليمين يسقط عنها الإحصان، وللمسلم أن يتزوجها أو أن يستمتع بها إذا دخلت في ملكه وإن كانت متزوجة لأن هناك اختلافا في الدارين، هي في دار الإسلام، وخرجت من دار حرب فصارت ملك يمين، ولا يكون هذا إلا بعد استبرائها والاستيثاق من خلو رحمها من جنين يكون قد جاءت به من قومها لقوله صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس :" لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض " وهذا تكريم لها لأنها عندما بعدت عن زوجها وصارت مملوكة ملك يمين فلم يرد الحق أن يعضلها بل جعلها تتمتع بسيدها وتعيش في كنفه كي لا تكون محرومة من التواصل العاطفي والجسدي، بدلا من أن يلغ سيدها في أعراض الناس.
والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم و كتاب الله يعني : كتب الله ذلك كتابا عليكم، وهو أمر مسجل موثق، وكما هو كتاب عليكم فهو لكم أيضا، ويقول الحق : وأحل لكم ما وراء ذلكم . إذن فالمحرمات هن : محرمات نسب ؟، ومحرمات رضاع، ومحرمات إحصان بزواج.
وأحل لكم ما وراء ذلكم أي أحل لكم أن تتزوجوهن، ولذلك قال : وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا أي تطلبوا بأموالكم محصنين والمال نعلم أنه ثمرة الحركة. والحركة تقتضي التعب والمشقة، وكل إنسان يحب ثمرة عمله، وقد يدافع عنها إلى أن يموت دون ماله ؛ لأن المال ما جاء إلا ثمرة جد، وحتى إذا ما جاء المال عن ميراث ؛ فالذي ورثك أيضا ما ورثك إلا نتيجة كد وتعب، وعرفنا أن الذي يتعب مدة من الزمن تساوي عشر سنوات قد يرزقه الله ما يكفيه أن يعيش بعدها مرتاحا، والذي يتعب عشرين سنة قد يرزقه الله ما يكفيه أن يعيش ولده مرتاحا، والذي يتعب ثلاثين سنة يعيش حفيده مرتاحا.
إذن فكل ما تراه من مال موروث كان نتيجة جد وكد ومشقة من الآباء، وإذا ما قال الحق : أن تبتغوا بأموالكم دل على أن مقابل البضع يكون من جهة الرجل.. وأن تبتغوا بأموالكم التي قال عنها سيدنا رسول الله :( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء )(١).
ومادام المال عزيزا على الإنسان وأخذه من طريق الحركة وطريق الجد وطريق العرق فيجب ألا ينفعه إلا فيما يعود عليه بالخير العاجل ولا ينسى الخير الآجل، فإن هو حقق به خيرا عاجلا ثم سها وغفل عن شر آجل فهو لم يضع المال في موضعه. أن تبتغوا بأموالكم محصنين و محصنين كما عرفنا لها معان متعدد.. محصنين أي متعففين أن تلغوا وتقعوا في أعراض الناس. بأموالكم، أي ضع مالك الذي كسبته بكد فيما يعود عليك بالخير العاجل والآجل، فلا تلغوا به في أعراض الناس ؛ لأنه من الممكن أن يبتغي إنسان لقاء امرأة بأمواله لكنه غير محصن، ونقول له : أنت حققت لذة ونفعا عاجلا ولكنك ذهلت عن شر آجل، يقول فيها ربنا : محصنين غير مسافحين ومنه أخذ السفاح.
فإياك أن تدفع أموالك لكي تأخذ واحدة تقضي معها وطرا. فكلمة " محصنين " تعني التزام العفة، وشرح الحق كلمة محصنين بمقابلها وهو : مسافحين ؟، من السفح وهو : الصب، والصب هطول ونزول الماء بقوة، فالماء قد ينزل نقطة نقطة، إنما السفح صب، ولذلك سمى سفح الجبل بذلك لأن الماء ينزل من كل الجبل مصبوبا.
هنا يلاحظ أن الحق حين يتكلم عن الرجال يقول :" محصنين " بكسر الصاد، وحين يتكلم عن النساء يقول : ّمحصنات " بالفتحة. لم يقل " محصنات " بالكسرة، لأن العادة أن الذكورة هي الطالبة دائما للأنوثة، والأنوثة مطلوبة دائما.
غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن والاستمتاع هو إدراك متعة للنفس، والمتعة توجد أولا في الخطبة، فساعة يخطب رجل امرأة فهذا استمتاع، وساعة يعقد عليها وساعة تزف له، هذه كلها مقدمات طويلة في الاستمتاع، لكن الاستمتاع ليس هو الغرض فقط، يقول لك : إذا استمتعت بهن فلا بد أن تعطيهن مهورهن، ولذلك إذا تزوج رجل بامرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها نقول له : ادفع نصف المهر ؛ لأنك أخذت نصف المتعة، فلو أن المتعة هي العملية الجنسية فقط لم يكن قد أخذ شيئا وبالتالي فلا شيء عليه من المهر، لكن نقول : إن المتعة في أنه تقدم إلى بنت فلان وخطب وعقد، كل هذه مقدمات متعة، فعندما يكون ذلك فإنه يكون قد استمتع بعض الشيء.
الحق سبحانه وتعالى يريد منا أن نبني حياة الأسرة على طهر، وعلى أمن ملكات فأنت تجد الرجل حين يكون بين أهله لا يجد غضاضة في أن يغلق عليها الباب، لكن تصور وجوده مع امرأة دون زواج، فالملكات النفسية تتصارع فيه، ويتربص، ويمكننا أن ننظر رجفته إذا سمع أي شيء، لأن ملكاته ليست منسجمة، هو سيمتع ملكة واحدة. لكن الملكات النفسية الباقية ملكات مفزعة، مما يدل على أن ما يفعله ليس أمرا طبيعيا، ومادام ليس أمرا طبيعيا فالملكات النفسية تناقضه، الحق سبحانه وتعالى يريد أن تبنى الأسرة على طهر وعلى أمن، وهذا الأمن النفسي يعطي لكل ملكات النفس متعة.
وقلنا من قبل إن الإنسان إذا كان له بنت ثم رأى شابا يمر كثيرا على البنت ويلتفت كثيرا إلى الشرفة، ثم يقع بصر والد البنت عليه، ماذا يكون موقفه ؟ تهيج كل جوارحه، فإذا ما جاء الولد أو أبوه وطرق الباب وقال : يا فلان أنا أريد أن أخطب ابنتك لنفسي، أو أريد ابنتك لابني. ماذا يكون موقف والد الفتاة ؟ إنه السرور والانشراح وتصبح الملكات راضية والنفس مطمئنة، ويتم إعلان البهجة وهو الذي يدعو الناس ويقيم فرحا ؛ لأن الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى حينما شرع الالتقاء، أعطى في النفس البشرية وفي ذراتها رضا بهذا الحكم بالالتقاء.
ولذلك روي :" جدع الحلال أنف الغيرة ".
أي أن من يغار على ابنته هو الذي يوجه الدعوات لزواجها، فكأن الغيرة فيها حمية، وإن طلب عرض عن غير طريق خالق الأعراض فلا بد أن تهيج النفس، فإن طلبها على وفق ما شرع خالق الأعراض تطمئن النفس. وهذه عملية قد يكون من الصعب تصورها، فما الذي يسبب الرضا، ومن الذي يدفع في القلب الحمية والغضب والثورة ؟ إنه سبحانه هو الذي يفعل ذلك.
والإنسان عليه أن يلتفت إلى كلا منا مكون من ملكات متعددة، فعقد الزواج وقول :" زوجني " و " زوجتك " وحضور الشهود، ماذا يعمل في ذرات تكوين النفس لكي تسر ؟ إنها إرادة الحق. وهذا شيء معروف، وأنت حين يكون لك إنسان تعرفه فقط، والإلف السيال بينك وبينه مازال في أوله، يكفي عندما تقابله أن تلقى عليه السلام وينتهي الأمر، لكن هناك إنسان آخر لا يكفي هذا السيال الودي بينك وبينه، بل لا بد أن تسلم عليه بيدك ؛ لأن هناك جاذبية ومودة ولكل منهما تأثير.
إذن فعملية الود والولاء أمر يصنع تغييرا كيماويا في النفس، ويكون التنافر إذا ما جاء اللقاء عن طريق ما حرم الله، والذي يأتي عن طريق ما شرع الله يحقق التجاذب. والشاعر عندما خاطب من يحبه قال :
بأبي من وددته فافترقنا
وقضى الله بعد ذاك اجتماعا
وتمنيته فلما التقينا
كان تسليمه على وداعا
كأن الشاعر يريد تطويل أمد التسليم ومسافة كي يغذي ما عنده من الود، وكأنه يريد أن يقول : أنا التقيت مع من أوده فاختفى في اختفيت فيه، وهذا ناشئ من الامتزاج.
إذن فالتكوين العاطفي أو السيال أوجده الله كسيال التقاء. هذا إذا ما كان على شرع الله، أما في الحالة الأخرى فهو سيال كراهية. وما الذي يسبب ذلك ؟ إنه عطاء من الله وهو خالق الرجل وخالق المرأة، فساعة يجيء اللقاء على وفق ما شرع الله فلا تستبعد أن يعدل الخالق الذرات، فعندما يحدث الامتزاج فلا بد أن الوفاء يأتي كنتيجة طبيعية وكذلك الولاء، ويتحقق الانسجام هذا إيجاب، أما إذا كان اللقاء على غير طريق الله فلا انسجام فيه وهذا سلب.
إذن فالحق سبحانه وتعالى يبني الأسرة على هذا المعنى. وأنتم تعلمون أن الالتقاءات التي تحدث عن غير طريق الله إنما تحدث في الخفاء، ومنكورة الثمرة، فإن جاء منها أثر وحمل فسيلقى الوليد في الشارع ويكون لقيطا وقد يميتونه، إنما الثمرة التي تأتي بالحل فالكل يفرح بها.
فالحق سبحانه وتعالى يقول : وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن والاستمتاع أشياء كثيرة، وجاء الشيعة في قوله : فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن . وقالوا : هذا نكاح المتعة بدليل أن

١ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير