تفسير سورة سورة النازعات

محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
لطائف الإشارات
القشيري
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

أضواء البيان

محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي (ت 1393 هـ)

نبذة عن الكتاب





الكتاب المشهور للعلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله - يبحث في علم من علوم التفسير وهو تفسير القرآن بالقرآن ويوضح المعنى الوارد في الآيات من آيات أخرى أو بعض الأحاديث وهو موسوعة قيمة في الأصول والفقه والعقيدة واللغة وغيرها



يقول الشيخ عطية سالم - رحمه الله -

«وهو مَدْرَسَةٌ كَامِلَةٌ يَتَحَدَّثُ عَنْ نَفْسِه»

«مَنْهَجِهِ فِي أَضْوَاءِ الْبَيَانِ حِينَمَا يَعْرِضُ لِمَبْحَثٍ فِقْهِيٍّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَيَسْتَوْفِيَ فِي أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ، وَيُرَجِّحُ مَا يَظْهَرُ لَهُ بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَقْلًا كَانَ أَوْ نَقْلًا.

وَهَذَا الْمَنْهَجُ هُوَ سَبِيلُ أَهْلِ التَّحْصِيلِ، الدَّأْبُ عَلَى الدِّرَاسَةِ، وَمُوَاصَلَةُ الْمُطَالَعَةِ وَالتَّنْقِيحِ.»
آية رقم ١

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ النَّازِعَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا
الْوَاوُ لِلْقَسَمِ، وَالْمُقْسَمُ بِهِ مَحْذُوفٌ، ذُكِرَتْ صِفَاتُهُ فِي كُلِّ الْمَذْكُورَاتِ، إِلَى قَوْلِهِ: فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا [٧٩ ٥].
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُقْسَمِ بِهِ فِيهَا كُلِّهَا، عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
«وَالنَّازِعَاتِ» : جَمْعُ نَازِعَةٍ، وَالنَّزْعُ: جَذْبُ الشَّيْءِ بِقُوَّةٍ مِنْ مَقَرِّهِ، كَنَزْعِ الْقَوْسِ عَنْ كَبِدِهِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْمَحْسُوسِ وَالْمَعْنَوِيِّ، فَمِنَ الْأَوَّلِ نَزْعُ الْقَوْسِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: «وَنَزَعَ يَدَهُ» [٧ ١٠٨]، وَقَوْلُهُ: تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [٥٤ ٢٠]، وَقَوْلُهُ: «يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا» [٧ ٢٧]، وَمِنَ الْمَعْنَوِيِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا [١٥ ٤٧]، وَقَوْلُهُ: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [٤ ٥٩]، وَالْحَدِيثُ: «لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ».
وَالْإِغْرَاقُ: الْمُبَالَغَةُ، وَالِاسْتِغْرَاقُ: الِاسْتِيعَابُ.
أَمَّا الْمُرَادُ بِـ «النَّازِعَاتِ غَرْقًا» هُنَا، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ إِلَى حَوَالِي عَشَرَةِ أَقْوَالٍ مِنْهَا: أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ تَنْزِعُ الْأَرْوَاحَ، وَالنُّجُومُ تَنْتَقِلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، وَالْأَقْوَاسُ تَنْزِعُ السِّهَامَ، وَالْغُزَاةُ يَنْزِعُونَ عَلَى الْأَقْوَاسِ، وَالْغُزَاةُ يَنْزِعُونَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ لِلْقِتَالِ، وَالْوُحُوشُ تَنْزِعُ إِلَى الطَّلَا، أَيِ: الْحَيَوَانُ الْوَحْشِيُّ.
«وَالنَّاشِطَاتِ» : قِيلَ أَصْلُ الْكَلِمَةِ: النَّشَاطُ وَالْخِفَّةُ، وَالْأُنْشُوطَةُ: الْعُقْدَةُ سَهْلَةُ الْحَلِّ، وَنَشَّطَهُ بِمَعْنَى رَبَطَهُ، وَأَنْشَطَهُ حَلَّهُ بِسُرْعَةٍ وَخِفَّةٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ».
أَمَّا الْمُرَادُ بِهِ هُنَا فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى النَّحْوِ الْمُتَقَدِّمِ تَقْرِيبًا، فَقِيلَ: الْمَلَائِكَةُ تَنْشَطُ
آية رقم ٣
الْأَرْوَاحَ، وَقِيلَ: أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ تَنْشَطُ عِنْدَ الْفَزَعِ، وَلَمْ يُرَجِّحِ ابْنُ جَرِيرٍ مَعْنًى مِنْهَا، وَقَالَ: كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ، وَحَكَاهَا غَيْرُهُ كُلَّهَا.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْجَلَالَيْنِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ مِنْهَا فَقَطْ، وَالَّذِي يَشْهَدُ لَهُ السِّيَاقُ وَالنُّصُوصُ الْأُخْرَى: أَنَّ كُلًّا مِنَ «النَّازِعَاتِ» وَ «النَّاشِطَاتِ» : هُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ، وَهِيَ صِفَاتٌ لَهَا فِي قَبْضِ الْأَرْوَاحِ.
وَدَلَالَةُ السِّيَاقِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى: هُوَ أَنَّهُمَا وَصْفَانِ مُتَقَابِلَانِ: الْأَوَّلُ نَزْعٌ بِشِدَّةٍ، وَالْآخَرُ نَشَاطٌ بِخِفَّةٍ، فَيَكُونُ النَّزْعُ غَرْقًا لِأَرْوَاحِ الْكُفَّارِ، وَالنَّشْطُ بِخِفَّةٍ لِأَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّ نَزْعِ أَوَرَاحِ الْكُفَّارِ: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ الْآيَةَ [٦ ٩٣]. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [٨ ٥٠]، وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً [٨٩ ٢٧ - ٢٨]، وَقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [٤١ ٣٠].
وَهَذَا يَتَنَاسَبُ كُلَّ الْمُنَاسَبَةِ مَعَ آخَرِ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا إِذْ جَاءَ فِيهَا: إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [٧٨ ٤٠]، وَنَظَرُ الْمَرْءِ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ يَبْدَأُ مِنْ حَالَةِ النَّزْعِ حِينَمَا يَثْقُلُ اللِّسَانُ عَنِ النُّطْقِ فِي حَالَةِ الْحَشْرَجَةِ، حِينَ لَا تُقْبَلُ التَّوْبَةُ عِنْدَ الْعَايِنَةِ لِمَا سَيَئُولُ إِلَيْهِ، فَيَنْظُرُ حِينَئِذٍ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ، وَهَذَا عِنْدَ نَزْعِ الرُّوحِ أَوْ نَشْطِهَا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا
قِيلَ: «السَّابِحَاتُ» النُّجُومُ. وَقِيلَ: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَالسَّحَابُ وَالسُّفُنُ وَالْحِيتَانُ فِي الْبِحَارِ، وَالْخَيْلُ فِي الْمَيْدَانِ.
وَذَكَرَهَا كُلَّهَا أَيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ وَلَمْ يُرَجِّحْ. وَقَالَ: كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ، وَذَكَرَهَا غَيْرُهُ كَذَلِكَ.
وَالْوَاقِعُ، فَإِنَّهَا كُلَّهَا آيَاتٌ عِظَامٌ تَدُلُّ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى، إِلَّا أَنَّ السِّيَاقَ فِي أَمْرِ
آية رقم ٦
الْبَحْثِ وَالْمَعَادِ، وَأَقْرَبُ مَا يَكُونُ إِلَيْهِ الْآيَاتُ الْكَوْنِيَّةُ: الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ، وَالنُّجُومُ. وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بِالسَّابِحَاتِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [٣٦ ٤٠]، «وَالسَّابِقَاتِ» مِنَ النُّجُومِ، السَّيَّارَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا
اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ رَأْيًا لَهُ بَعِيدًا، وَهُوَ أَنَّهَا الْأَرْوَاحُ، وَأَنَّهَا قَدْ تُدَبِّرُ أَمْرَ الْإِنْسَانِ فِي الْمَنَامَاتِ، وَهُوَ قَوْلٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَمَا تَرَى.
وَالَّذِي يَشْهَدُ لَهُ النَّصُّ أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ [٩٧ ٤]، وَكَمَا وَصَفَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِقَوْلِهِ: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [٦٦ ٦].
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ
هُمَا النَّفْخَتَانِ فِي الصُّوَرِ، الرَّاجِفَةُ هِيَ الْأُولَى، وَالرَّادِفَةُ هِيَ الثَّانِيَةُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [٣٩ ٦٨].
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي سُورَةِ «يس» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [٣٦ ٥١]، وَسُمِّيَتِ الْأُولَى الرَّاجِفَةُ ; لِمَا يَأْخُذُ الْعَالَمَ كُلَّهُ مِنْ شِدَّةِ الرَّجْفَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً [٦٩ ١٤]، وَقَوْلِهِ: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [٣٩ ٦٨].
وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِسَنَدِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جَاءَتِ الرَّجْفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَعَلْتُ صَلَاتِي كُلَّهَا عَلَيْكَ؟ قَالَ:» إِذَنْ يَكْفِيكَ اللَّهُ مَا أَهَمَّكَ مِنْ دُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ «وَسَنَدُهُ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدِيثَ.
آية رقم ١١
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَسْتَنْكِرُ الْمُشْرِكُونَ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَ «الْحَافِرَةُ» : الْحَيَاةُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَمَصِيرِهِمْ إِلَى الْقُبُورِ.
وَنُقِلَ أَنَّ الْحَافِرَةَ النَّارُ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهَا الْحَيَاةُ الْأُولَى، يُقَالُ: عَادَ فِي حَافِرَتِهِ رَجَعَ فِي طَرِيقِهِ، كَأَنَّ مَحْيَاهُ الْأَوَّلَ حَفَرَ طَرِيقَهُ بِمَشْيِهِ فِيهَا، وَعَلَيْهِ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِحُفْرَةِ الْقَبْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْبِيرٌ عَرَبِيٌّ عَنِ الْعَوْدَةِ فِي الْأَمْرِ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَحَافِرَةٌ عَلَى صَلَعٍ وَشَيْبٍ مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ صَلَعٍ وَعَارِ
أَيْ: أَرْجِعُ إِلَى الصِّبَا بَعْدَ الصَّلَعِ وَالشَّيْبِ.
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
أَقْدِمْ أَخَا نَهْمٍ عَلَى الْأَسَاوِرَهْ وَلَا يَهُولَنْكَ رُءُوسٌ نَادِرَهْ
فَإِنَّمَا قَصْرُكَ تُرْبُ السَّاهِرَهْ حَتَّى تَعُودَ بَعْدَهَا فِي الْحَافِرَهْ
مِنْ بَعْدِ مَا صِرْتَ عِظَامًا نَاخِرَهْ
وَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ بَعْدَهَا، إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَافِرَةِ الْعَوْدَةُ إِلَى الْحَيَاةِ مَرَّةً أُخْرَى، فِي قَوْلِهِ: قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ [٧٩ ١٢].
وَالْكَرَّةُ: هِيَ الْعَوْدَةُ إِلَى الْحَيَاةِ الْأُولَى، وَهِيَ مَا قَبْلَ حُفْرَةِ الْقَبْرِ مِنْ تَكْرَارِ الْحَيَاةِ السَّابِقَةِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً الْعِظَامُ النَّخِرَةُ الْبَالِيَةُ، وَالَّتِي تَخَلَّلَهَا الرِّيحُ، كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَأَخْلَيْتُهَا مِنْ مُخِّهَا فَكَأَنَّهَا قَوَارِيرُ فِي أَجْوَافِهَا الرِّيحُ تَنْخُرُ
وَنَخْرَةُ الرِّيحِ شِدَّةُ صَوْتِهَا، وَمِنْهُ الْمَنْخَرُ، لِأَخْذِ الْهَوَاءِ مِنْهُ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [٣٦ ٧٨].
قَوْلُهُ تَعَالَى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى.
آية رقم ١٦
بَيَّنَ تَعَالَى هَذَا الْحَدِيثَ وَمَوْضُوعَهُ وَمَكَانَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَهُ: إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى إِلَى قَوْلِهِ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [٧٩ ٢٤].
قَوْلُهُ تَعَالَى: نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ، بَيَّنَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَنَّهُ الطُّورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا إِلَى قَوْلِهِ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ [٢٨ ٢٩ - ٣٠] وَالْمُبَارَكَةُ تُسَاوِي الْمُقَدَّسَ.
فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الْمُنَادَاةَ كَانَتْ بِالطُّورِ وَهُوَ الْوَادِي الْمُقَدَّسُ، وَهُوَ طُوًى، وَفِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى مَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْ مُنَاجَاةٍ وَأَمْرِ الْعَصَا وَالْآيَاتِ الْأُخْرَى فِي سُورَةِ «طه» مِنْ أَوَّلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا إِلَى قَوْلِهِ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ [٢٠ ٩ - ٢٤].
وَقَدْ فَصَّلَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ فِي سُورَةِ «مَرْيَمَ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ [١٩ ٥٢].
وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي سُورَةِ «طه»، كَامِلَ قِصَّةِ الْمُنَادَاةِ مِنْ قَوْلِهِ: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ [٢٠ ١٢ - ١٥].
ثُمَّ قِصَّةَ الْعَصَا وَالْآيَةَ فِي يَدِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَإِرْسَالَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، وَسُؤَالَ مُوسَى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [٢٠ ٢٥ - ٢٦]، وَاسْتِوْزَارَ أَخِيهِ مَعَهُ، دُونَ التَّعَرُّضِ إِلَى أُسْلُوبِ الدَّعْوَةِ، وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ بَيَانٌ لِمَنْهَجِ الدَّعْوَةِ، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى مَعَ عَدُوِّ اللَّهِ فِرْعَوْنَ.
وَأُسْلُوبُ الْعَرْضِ: «هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى» [٧٩ ١٨ - ١٩]، ثُمَّ تَقْدِيمُ الْآيَةِ الْكُبْرَى، وَدَلِيلِ صِحَّةِ دَعْوَاهُ مِمَّا يَلْزَمُ كُلَّ دَاعِيَةٍ الْيَوْمَ أَنْ يَقِفَ هَذَا الْمَوْقِفَ، حَيْثُ لَا يُوجَدُ الْيَوْمَ أَكْثَرُ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَلَا أَشَدُّ طُغْيَانًا مِنْهُ ; حَيْثُ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ وَالْأُلُوهِيَّةَ مَعًا، فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [٧٩ ٢٤]، وَقَالَ: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [٢٨ ٣٨]،
آية رقم ٢٥
وَلَا يُوجَدُ الْيَوْمَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَيَكُونُ مَنْهَجُ الدَّعْوَةِ مِنْ أَكْرَمِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَى أَكْفَرِ عِبَادِ اللَّهِ بِهَذَا الْأُسْلُوبِ الْهَادِئِ اللَّيِّنِ الْحَكِيمِ، مُنْطَلِقًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [٢٠ ٤٤] فَكَانَا كَمَا أَمَرَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَا كَمَا عَلَّمَهُمَا اللَّهُ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى، وَهَذَا الْمَنْهَجُ هُوَ تَحْقِيقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [١٦ ١٢٥].
وَقَدْ وَضَعَ الْقُرْآنُ مَنْهَجًا مُتَكَامِلًا لِلدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، وَفَصَّلَهُ الْعُلَمَاءُ بِمَا يُشْتَرَطُ فِي الدَّاعِي وَالْمَدْعُوِّ إِلَيْهِ، وَمُرَاعَاةِ حَالِ الْمَدْعُوِّ.
وَقَدْ قَدَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [٥ ١٠٥] مِنْ سُورَةِ «الْمَائِدَةِ».
وَقَوْلَهُ تَعَالَى: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [١١ ٨٨] فِي سُورَةِ «هُودٍ».
وَقَوْلَهُ تَعَالَى: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [١٦ ١٢٥] فِي سُورَةِ «النَّحْلِ».
وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ كُلِّهِ يُشَكِّلُ مَنْهَجًا كَامِلًا لِمَادَّةِ طَرِيقِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّاعِي وَالْمَدْعُوِّ وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، وَكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى فَكَذَّبَ وَعَصَى
ذَكَرَ هُنَا الْآيَةَ الْكُبْرَى فَقَطْ، وَذَكَرَ تَعَالَى مِنْهَا أَنَّ فِرْعَوْنَ جَمْعَ بَيْنَ التَّكْذِيبِ وَالْعِصْيَانِ، وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ «الْقَمَرِ» قَوْلُهُ: وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ.
[٥٤ ٤١ - ٤٢]، وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيَانُ ذَلِكَ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى
النَّكَالُ: هُوَ اسْمٌ لِمَا جُعِلَ نَكَالًا لِلْغَيْرِ، أَيْ: عُقُوبَةً لَهُ حَتَّى يُعْتَبَرَ بِهِ، وَالْكَلِمَةُ مِنْ
آية رقم ٢٧
الِامْتِنَاعُ، وَمِنْهُ النُّكُولُ عَنِ الْيَمِينِ، وَالنَّكْلُ الْقَيْدُ. قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
وَاخْتُلِفَ فِي «الْآخِرَةِ وَالْأُولَى» : أَهُمُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ؟ أَمْ هُمُ الْكَلِمَتَانِ الْعَظِيمَتَانِ اللَّتَانِ تَكَلَّمَ بِهِمَا فِرْعَوْنُ فِي قَوْلِهِ: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [٢٨ ٣٨].
وَالثَّانِيَةُ قَوْلُهُ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [٧٩ ٢٤].
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ كَثِيرٍ الْأَوَّلَ، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ الثَّانِيَ، وَمَعَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.
وَلَكِنْ يُرَدُّ عَلَى اخْتِيَارِ ابْنِ كَثِيرٍ: أَنَّ السِّيَاقَ قَدَّمَ الْآخِرَةَ، مَعَ أَنَّ تَعْذِيبَ فِرْعَوْنَ مُقَدَّمٌ فِيهِ نَكَالُ الْأُولَى، وَهِيَ الدُّنْيَا.
كَمَا يُرَدُّ عَلَى اخْتِيَارِ ابْنِ جَرِيرٍ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ أَخْذَهُ إِيَّاهُ نَكَالًا، لِيَعْتَبِرَ بِهِ مَنْ يَخْشَى، وَالْعِبْرَةُ تَكُونُ أَشَدَّ بِالْمَحْسُوسِ، وَكَلِمَتَاهُ قِيلَتَا فِي زَمَنِهِ.
وَالْقُرْآنُ يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [١٠ ٩٢]، وَهَذَا هُوَ مَحَلُّ الِاعْتِبَارِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى بَعْدَ الْآيَةِ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى [٧٩ ٢٦].
وَاسْمُ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: «إِنَّ فِي ذَلِكَ» : رَاجِعٌ إِلَى الْأَخْذِ وَالنَّكَالِ الْمَذْكُورَيْنِ، أَيِ: الْمَصْدَرُ الْمَفْهُومُ ضِمْنًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَخَذَهُ اللَّهُ، وَقَوْلِهِ: «نَكَالَ»، بَلْ إِنَّ «نَكَالَ» مَصْدَرٌ بِنَفْسِهِ، أَيْ: فَأَخَذَهُ اللَّهُ وَنَكَّلَ بِهِ، وَجَعَلَ نَكَالَهُ بِهِ عِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا
لَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ عَلَى تِلْكَ الْمَثَابَةِ مِنَ الطُّغْيَانِ وَالْكُفْرِ، وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ طُغْيَانِهِ الْمُلْكُ وَالْقُوَّةُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ [٨٩ ١٠]، وَقَوْلِهِ: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ [٢٨ ٤]، وَقَوْلِهِ عَنْهُ: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [٤٣ ٥١].
وَهَذِهِ كُلُّهَا مَظَاهِرُ طُغْيَانِهِ وَعَوَامِلُ قُوَّتِهِ، خَاطَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا آلَ إِلَيْهِ هَذَا الطُّغْيَانُ، ثُمَّ خَاطَبَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ مُحَذِّرًا مِنْ طُغْيَانِ الْقُوَّةِ: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ، حَتَّى لَوْ
آية رقم ٣٠
ادَّعَيْتُمْ أَنَّكُمْ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ فِرْعَوْنَ، الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، فَهَلْ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ؟
وَقَدْ جَاءَ الْجَوَابُ مُصَرِّحًا بِأَنَّ السَّمَاءَ أَشَدُّ خَلْقًا مِنْهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [٤٠ ٥٧].
وَبَيَّنَ ضَعْفَ الْإِنْسَانِ فِي قَوْلِهِ فِي نَفْسِ الْمَعْنَى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ [٣٧ ١١].
وَفِي هَذَا بَيَانٌ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى بَعْثِهِمْ بَعْدَ إِمَاتَتِهِمْ وَصَيْرُورَتِهِمْ عِظَامًا نَخِرَةً.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ آيَةِ «الصَّافَّاتِ» : فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا [٣٧ ١١].
قَوْلُهُ تَعَالَى: بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ «ق» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا الْآيَةَ [٥٠ ٦].
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا
فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَصْفُ الْأَرْضِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى «دَحَاهَا»، وَجَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ «طَحَاهَا» بِالطَّاءِ، وَجَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ بَسَطَهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [٨٨ ٢٠].
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: «دَحَاهَا»، فَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفْسِيرُهُ مَا بَعْدَهُ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا [٧٩ ٣١ - ٣٢] وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: «دَحَاهَا» أَيْ: بَسَطَهَا.
وَالْعَرَبُ تَقُولُ: دَحَا الشَّيْءَ إِذَا بَسَطَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: «دَحَاهَا» بَسَطَهَا وَمَهَّدَهَا لِلسُّكْنَى وَالِاسْتِقْرَارِ عَلَيْهَا، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ التَّمْهِيدَ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ إِخْرَاجِ الْمَاءِ وَالْمَرْعَى، وَإِرْسَائِهَا بِالْجِبَالِ.
— 422 —
وَمِمَّا ذُكِرَ يَتَأَتَّى السُّكْنَى وَالْمَعِيشَةُ حَتَّى الْمِلْحَ وَالْمَأْكَلَ وَالْمَشْرَبَ، وَهَذَا هُوَ كَلَامُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِعَيْنِهِ.
وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: «دَحَاهَا» : بَسَطَهَا، فَتَرَى أَنَّ جَمِيعَ الْمُفَسِّرِينَ تَقْرِيبًا مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ دَحَاهَا بِمَعْنَى بَسَطَهَا.
وَقَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ وَابْنِ كَثِيرٍ: إِنَّ «دَحَاهَا» فُسِّرَ بِمَا بَعْدَهُ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ الْبَسْطِ وَالتَّمْهِيدِ، كَمَا قَالَ أَبُو حَيَّانِ: إِنَّهُ ذَكَرَ لَوَازِمَ التَّسَكُّنِ إِلَى الْمَعِيشَةِ عَلَيْهَا مِنْ إِخْرَاجِ مَائِهَا وَمَرْعَاهَا ; لِأَنَّ بِهِمَا قِوَامَ الْحَيَاةِ.
وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ أَنَّ الدَّحْوَ مَعْرُوفٌ بِمَعْنَى الْبَسْطِ، قَوْلُ ابْنِ الرُّومِيِّ:
مَا أَنْسَ لَا أَنْسَ خَبَّازًا مَرَرْتُ بِهِ يَدْحُو الرُّقَاقَةَ وَشْكَ اللَّمْحِ بِالْبَصَرِ
مَا بَيْنَ رُؤْيَتِهَا فِي كَفِّهِ كُرَةً وَبَيْنَ رُؤْيَتِهَا قَوْرَاءَ كَالْقَمَرِ
إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا تَنْدَاحُ دَائِرَةٌ فِي صَفْحَةِ الْمَاءِ تَرْمِي فِيهِ بِالْحَجَرِ
وَقَدْ أُثِيرَ حَوْلَ هَذِهِ الْآيَةِ مَبْحَثُ شَكْلِ الْأَرْضِ أَمَبْسُوطَةٌ هِيَ أَمْ كُرَوِيَّةٌ مُسْتَدِيرَةٌ؟
وَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى أُمَّهَاتِ كُتُبِ اللُّغَةِ نَجِدُ الْآتِي:
أَوَّلًا: فِي مُفْرَدَاتِ الرَّاغِبِ: قَالَ «دَحَاهَا»، أَزَالَهَا مِنْ مَوْضِعِهَا وَمَقَرِّهَا.
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: دَحَا الْمَطَرُ الْحَصَى مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، أَيْ: جَرَفَهَا، وَمَرَّ الْفَرَسُ يَدْحُو دَحْوًا: إِذَا جَرَّ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَيَدْحُو تُرَابَهَا.
وَمِنْهُ أُدْحِيُّ النَّعَامِ، وَقَالَ: الطَّحْوُ كَالدَّحْوِ، وَهُوَ بَسْطُ الشَّيْءِ وَالذَّهَابُ بِهِ وَالْأَرْضَ وَمَا طَحَاهَا، وَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الْحِسَانِ طَرُوبُ
أَيْ ذَهَبَ بِكَ.
وَفِي مُعْجَمِ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ، مَادَّةُ دَحْوٍ: الدَّالُ وَالْحَاءُ وَالْوَاوُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى بَسْطٍ وَتَمْهِيدٍ.
يُقَالُ: دَحَى اللَّهُ الْأَرْضَ يَدْحُوهَا دَحْوًا إِذَا بَسَطَهَا. وَيُقَالُ: دَحَا الْمَطَرُ الْحَصَى
— 423 —
عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ مَهَّدَ الْأَرْضَ.
وَيُقَالُ لِلْفَرَسِ، إِذَا رَمَى بِيَدِهِ رَمْيًا لَا يَرْفَعُ سُنْبُكَهُ عَنِ الْأَرْضِ كَثِيرًا: مَرَّ يَدْحُو دَحْوًا، وَمِنَ الْبَابِ أُدْحِيُّ النَّعَامِ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يُفَرِّخُ فِيهِ، أُفْعِوْلُ مِنْ دَحَوْتُ، لِأَنَّهُ يَدْحُوهُ بِرِجْلِهِ ثُمَّ يَبِيضُ فِيهِ، وَلَيْسَ لِلنَّعَامَةِ عُشٌّ.
وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ مَادَّةَ دَحَا، وَالدَّحْوُ: الْبَسْطُ، دَحَى الْأَرْضَ يَدْحُوهَا دَحْوًا: بَسَطَهَا.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا قَالَ: بَسَطَهَا، وَذَكَرَ الْأُدْحِيَّ مَبْيَضَ النَّعَامِ فِي الرَّمْلِ ; لِأَنَّ النَّعَامَةَ تَدْحُوهُ بِرِجْلِهَا، ثُمَّ تَبِيضُ فِيهِ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: «فَدَحَا السَّيْلَ فِيهِ بِالْبَطْحَاءِ»، أَيْ: رَمَى وَأَلْقَى.
قَالَ: وَسُئِلَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ عَنِ الدَّحْوِ بِالْحِجَارَةِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، أَيِ: الْمُرَامَاةُ بِهَا وَالْمُسَابَقَةُ.
وَعَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: هُوَ يَدْحُو بِالْحَجَرِ، أَيْ يَرْمِي بِهِ وَيَدْفَعُهُ، وَالدَّاحِي: الَّذِي يَدْحُو الْحَجَرَ بِيَدِهِ، وَأَنْشَدَ لِأَوْسِ بْنِ حَجَرٍ بِمَعْنَى يَنْزِعُ قَوْلَهُ:
يَنْزِعُ جِلْدَ الْحَصَى أَجَشُّ مُبْتَرِكٌ كَأَنَّهُ فَاحِصٌ أَوْ لَاعِبٌ دَاحٍ
وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ: «كُنْتُ أُلَاعِبُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - بِالْمَدَاحِي»، هِيَ أَحْجَارٌ أَمْثَالُ الْقَرْصَةِ، كَانُوا يَحْفِرُونَ حُفْرَةً يَدْحُونَ فِيهَا بِتِلْكَ الْحِجَارَةِ، فَإِذَا وَقَعَ الْحَجَرُ فِيهَا غَلَبَ صَاحِبُهَا، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ غُلِبَ.
وَالدَّحْوُ: هُوَ رَمْيُ اللَّاعِبِ بِالْحَجَرِ وَالْجَوْزِ وَغَيْرِهِ. اهـ.
وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ اللِّسَانِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ لَا زَالَ مَوْجُودًا حَتَّى الْآنَ بِالْمَدِينَةِ، وَيُسَمَّى الدَّحْلُ بِاللَّامِ، كَمَا وُصِفَ تَمَامًا.
وَبَعْدَ إِيرَادِ أَقْوَالِ أُصُولِ مَرَاجِعِ اللُّغَةِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ. فَإِنَّنَا نُوَاجِهُ الْجَدَلَ الْقَائِمَ بَيْنَ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْهَيْئَةِ، وَبَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْآخَرِينَ، فِي مَوْضُوعِ شَكْلِ الْأَرْضِ، وَلَعَلَّنَا نُوَفَّقُ بِفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ إِلَى بَيَانِ الْحَقِيقَةِ فِي ذَلِكَ، حَتَّى لَا يَظُنَّ ظَانٌّ تَعَارُضَ الْقُرْآنِ، وَمَا يَثْبُتُ مِنْ عُلُومِ الْهَيْئَةِ أَوْ يَغْتَرَّ جَاهِلٌ بِمَا يُقَالُ فِي الْإِسْلَامِ.
— 424 —
وَبِتَأَمُّلِ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ نَجِدُهَا مُتَّفِقَةً فِي مَجْمُوعِهَا: بِأَنَّ «دَحَاهَا» مَهَّدَهَا وَسَهَّلَ الْحَيَاةَ عَلَيْهَا، وَذَكَرَ لَوَازِمَ التَّمْكِينِ مِنَ الْحَيَاةِ عَلَيْهَا مِنْ إِخْرَاجِ الْمَاءِ، وَالْمَرْعَى، وَوَضْعِ الْجِبَالِ، وَهُوَ الْمُتَّفَقُ مَعَ نُصُوصِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا [٧٨ ٦ - ٧].
وَقَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [٦٧ ١٥].
وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ تَمْهِيدُهَا وَالتَّمْكِينُ لِلْعَيْشِ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى التَّكْوِيرِ وَالِاسْتِدَارَةِ.
وَإِذَا جِئْنَا إِلَى كُتُبِ اللُّغَةِ نَجِدُهَا كُلَّهَا، تَنُصُّ عَلَى أَنَّ الدَّحْوَ: الْبَسْطُ، وَالرَّمْيُ، وَالْإِزَالَةُ، وَالتَّمْهِيدُ، فَالْبَسْطُ وَالتَّمْهِيدُ وَالرَّمْيُ بِالْحَجَرِ الْمُسْتَدِيرِ فِي الْحُفْرَةِ الصَّغِيرَةِ مَعَانٍ مُشْتَرَكَةٌ، وَكُلُّهَا تُفَسِّرُ «دَحَاهَا» بِمَعْنَى بَسَطَهَا وَمَهَّدَهَا. وَأَنَّ الْأُدْحِيَّةَ مَبْيَضُ النَّعَامِ لَا بَيْضُهُ كَمَا يَقُولُونَ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا تَدْحُوهُ بِيَدِهَا لِتَبِيضَ فِيهِ، إِذْ لَا عُشَّ لَهَا.
وَعَلَيْهِ، فَلَا دَلِيلَ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الدَّحْوَ هُوَ التَّكْوِيرُ، وَلَكِنْ مَا قَوْلُ الْعُلَمَاءِ فِي شَكْلِ الْأَرْضِ، بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ الْقُرْآنِ تَعَرَّضَ لَهُ أَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ؟
إِذَا رَجَعْنَا إِلَى كَلَامِ مَنْ نَظَرَ فِي عِلْمِ الْهَيْئَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّا نَجِدُهُمْ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّ شَكْلَ الْأَرْضِ مُسْتَدِيرٌ.
وَقَبْلَ إِيرَادِ شَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ نُنَبِّهُ عَلَى أَنَّهُ لَا عَلَاقَةَ لِهَذَا الْبَحْثِ بِمَوْضُوعِ الْحَرَكَةِ، سَوَاءٌ لِلْأَرْضِ أَوْ غَيْرِهَا، فَذَاكَ بَحْثٌ مُسْتَقِلٌّ، لَيْسَ هَذَا مَحَلَّهُ، وَإِنَّمَا الْبَحْثُ فِي الشَّكْلِ.
أَمَّا أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي شَكْلِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ أَجْمَعَ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، وَأَصْرَحَ، وَأَبْيَنَ، هُوَ كَلَامُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي رِسَالَةِ الْهِلَالِ، جَاءَ فِيهَا: قَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْهَا قَوْلَهُ: وَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، أَنَّ الْأَفْلَاكَ مُسْتَدِيرَةٌ، قَالَ تَعَالَى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [٤١ ٣٧]، وَقَالَ: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [٢١ ٣٧]، وَقَالَ تَعَالَى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [٣٦ ٤٠].
— 425 —
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي فَلْكَةٍ مِثْلَ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ. وَهَكَذَا هُوَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: الْفَلَكُ الشَّيْءُ الْمُسْتَدِيرُ. وَمِنْهُ يُقَالُ: تَفَلَّكَ ثَدْيُ الْجَارِيَةِ إِذَا اسْتَدَارَ. قَالَ تَعَالَى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ [٣٩ ٥]، وَالتَّكْوِيرُ هُوَ التَّدْوِيرُ. وَمِنْهُ قِيلَ: كَارَ الْعِمَامَةَ وَكَوَّرَهَا، وَلِهَذَا يُقَالُ لِلْأَفْلَاكِ: كُرَوِيَّةُ الشَّكْلِ ; لِأَنَّ أَصْلَ الْكُرَةِ كُورَةٌ - تَحَرَّكَتِ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَقُلِبَتْ أَلِفًا.
وَقَالَ: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [٥٥ ٥] مِثْلَ حُسْبَانِ الرَّحَى، وَقَالَ: مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ [٦٧ ٣] وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَسْتَدِيرُ مِنْ أَشْكَالِ الْأَجْسَامِ دُونَ الْمُضَلَّعَاتِ مِنَ الْمُثَلَّثِ أَوِ الْمُرَبَّعِ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ يَتَفَاوَتُ ; لِأَنَّ زَوَايَاهُ مُخَالِفَةٌ لِقَوَائِمِهِ. وَالْجِسْمُ الْمُسْتَدِيرُ مُتَشَابِهُ الْجَوَانِبِ وَالنَّوَاحِي، لَيْسَ بَعْضُهُ مُخَالِفًا لِبَعْضٍ.
وَجَاءَ فِيهِ قَوْلُهُ أَيْضًا: وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ: أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْمُنَادِي، مِنْ أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ بِمَعْرِفَةِ الْآثَارِ وَالتَّصَانِيفِ الْكِبَارِ، فِي مُتُونِ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ السَّمَاءَ عَلَى مِثَالِ الْكُرَةِ، وَأَنَّهَا تَدُورُ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ، كَدَوْرَةِ الْكُرَةِ عَلَى قُطْبَيْنِ ثَابِتَيْنِ غَيْرِ مُتَحَرِّكَيْنِ، أَحَدُهُمَا فِي الشَّمَالِ، وَالْآخَرُ فِي نَاحِيَةِ الْجَنُوبِ.
قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْكَوَاكِبَ جَمِيعَهَا تَدُورُ مِنَ الْمَشْرِقِ تَقَعُ قَلِيلًا عَلَى تَرْتِيبٍ وَاحِدٍ فِي حَرَكَتِهَا وَمَقَادِيرِ أَجْزَائِهَا، إِلَى أَنْ تَتَوَسَّطَ السَّمَاءَ، ثُمَّ تَنْحَدِرُ عَلَى ذَلِكَ التَّرْتِيبِ، فَكَأَنَّهَا ثَابِتَةٌ فِي كُرَةٍ تُدِيرُهَا جَمِيعَهَا دَوْرًا وَاحِدًا.
هَذِهِ نُبْذَةٌ مِنْ أَقْوَالِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي شَكْلِ الْأَفْلَاكِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مَحَلُّ الْقَصْدِ بِالذَّاتِ، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ بِجَمِيعِ حَرَكَاتِهَا مِنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مِثْلَ الْكُرَةِ.
قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ، لَا يُوجَدُ طُلُوعُهَا وَغُرُوبُهَا عَلَى جَمِيعِ مَنْ فِي نَوَاحِي الْأَرْضِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، بَلْ عَلَى الْمَشْرِقِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ.
قَالَ: فَكُرَةُ الْأَرْضِ مُثَبَّتَةٌ فِي وَسَطِ كُرَةِ السَّمَاءِ، كَالنُّقْطَةِ فِي الدَّائِرَةِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ جِرْمَ كُلِّ كَوْكَبٍ يُرَى فِي جَمِيعِ نَوَاحِي السَّمَاءِ، عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى بُعْدٍ مَا
— 426 —
بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ بِقَدْرٍ وَاحِدٍ، فَاضْطِرَارٌ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ وَسَطَ السَّمَاءِ. اهـ. بِلَفْظِهِ.
فَهَذَا نَقْلٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، مِنْ إِمَامٍ جَلِيلٍ فِي عِلْمَيِ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ عَلَى شَكْلِ الْكُرَةِ، وَقَدْ سَاقَ الْأَدِلَّةَ الِاضْطِرَارِيَّةَ مِنْ حَرَكَةِ الْأَفْلَاكِ عَلَى ذَلِكَ.
وَمِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ أَيْضًا يُقَالُ: إِنَّ أَكْمَلَ الْأَجْرَامِ هُوَ الْمُسْتَدِيرُ كَمَا قَالَ فِي قَوْلِهِ: مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ [٦٧ ٣].
وَعَلَيْهِ، فَلَوْ قُدِّرَ لِسَائِرٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَافْتَرَضْنَا الْأَرْضَ مُسَطَّحَةً كَسَطْحِ الْبَيْتِ أَوِ الْقِرْطَاسِ مَثَلًا، لَكَانَ لِهَذَا السَّائِرِ مِنْ نِهَايَةٍ يَنْتَهِي إِلَيْهَا، وَهِيَ مُنْتَهَى التَّسْطِيحِ أَوْ يَسْقُطُ فِي هَاوِيَةٍ، وَبِاعْتِبَارِهَا كُرَةً، فَإِنَّهُ يُكْمِلُ دَوْرَتَهُ، وَيُكَرِّرُهَا وَلَوْ سَارَ طِيلَةَ عُمُرِهِ لَمَا كَانَ لِمَسِيرِهِ مُنْتَهًى، لِأَنَّهُ يَدُورُ عَلَى سَطْحِهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهَا. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
تَنْبِيهٌ.
كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ نُقَدِّمَ هَذِهِ النَّتِيجَةَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ مَا دَامَتْ مُتَّفِقَةً فِي النِّهَايَةِ مَعَ قَوْلِ عُلَمَاءِ الْهَيْئَةِ، وَلَا نُطِيلُ النُّقُولَ مِنْ هُنَا وَهُنَاكَ، وَلَكِنْ قَدْ سُقْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ لِغَرَضٍ أَعَمَّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَقَضِيَّةٍ أَشْمَلَ وَهِيَ مِنْ جِهَتَيْنِ:
أُولَاهُمَا: أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ مُدْرِكُونَ مَا قَالَ بِهِ عُلَمَاءُ الْهَيْئَةِ، وَلَكِنْ لَا مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ أَوْ دَلَالَةٍ خَاصَّةٍ عَلَى هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَلَكِنْ عَنْ طَرِيقِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ ; إِذْ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجْهَلُوا هَذِهِ النَّظَرِيَّةَ، وَلَمْ تَخْفَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ.
ثَانِيَتُهُمَا: مَعَ عِلْمِهِمْ بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ وَإِدْرَاكِهِمْ لِهَذِهِ النَّظَرِيَّةِ، لَمْ يَعْزُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ دَلَالَتَهَا لِنُصُوصِ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ.
وَبِنَاءً عَلَيْهِ نَقُولُ: إِذَا لَمْ تَكُنِ النُّصُوصُ صَرِيحَةً فِي نَظَرِيَّةٍ مِنَ النَّظَرِياتِ الْحَدِيثَةِ، لَا يَنْبَغِي أَنْ نُقْحِمَهَا فِي مَبَاحِثِهَا نَفْيًا أَوْ إِثْبَاتًا، وَإِنَّمَا نَتَطَلَّبُ الْعِلْمَ مِنْ طَرِيقِهِ، فَعُلُومُ الْهَيْئَةِ مِنَ النَّظَرِ الِاسْتِدْلَالُ، وَعُلُومُ الطِّبِّ مِنَ التَّجَارِبِ وَالِاسْتِقْرَاءِ، وَهَكَذَا يَبْقَى الْقُرْآنُ مُصَانًا عَنْ مَجَالِ الْجَدَلِ فِي نَظَرِيَّةٍ قَابِلَةٍ لِلثُّبُوتِ وَالنَّفْيِ، أَوِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ، كَمَا لَا يَنْبَغِي لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ أَمْرٍ فِي فَنِّهِ أَنْ يُبَادِرَ بِإِنْكَارِهَا مَا لَمْ تَكُنْ مُصَادِمَةً لِنَصٍّ صَرِيحٍ
— 427 —
آية رقم ٤٦
وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَثَبَّتَ أَوَّلًا، وَقَدْ نَبَّهْنَا سَابِقًا عَلَى ذَلِكَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ مَعَ بِلْقِيسَ وَالْهُدْهُدِ حِينَمَا جَاءَهُ، فَقَالَ: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [٢٧ ٢٢]، وَقَصَّ عَلَيْهِ خَبَرَهَا مَعَ قَوْمِهَا، فَلَمْ يُبَادِرْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْإِنْكَارِ لِكَوْنِ الْآتِي بِالْخَبَرِ هُدْهُدًا، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِهِ وَلَمْ يُسَارِعْ أَيْضًا بِتَصْدِيقِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَدَيْهِ مُسْتَنَدٌ عَلَيْهِ، بَلْ أَخَذَ فِي طَرِيقِ التَّثَبُّتِ بِوَاسِطَةِ الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَهُ الْخَبَرُ بِهِ، قَالَ: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [٢٧ ٢٧]، وَأَرْسَلَهُ بِالْكِتَابِ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَ هَذَا مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ، وَلَدَيْهِ وَسَائِلُ وَإِمْكَانِياتٌ كَمَا تَعْلَمُ ; فَغَيْرُهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
تَنْبِيهٌ آخَرُ.
إِذَا كَانَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ يُثْبِتُونَ كُرَوِيَّةَ الْأَرْضِ، فَمَاذَا يَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ إِلَى قَوْلِهِ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [٨٨ ١٧ - ٢٠]. وَجَوَابُهُمْ كَجَوَابِهِمْ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [١٨ ٨٦]، أَيْ فِي نَظَرِ الْعَيْنِ ; لِأَنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ عَنْ أُمَّةٍ، وَتَسْتَمِرُّ فِي الْأُفُقِ عَلَى أُمَّةٍ أُخْرَى، حَتَّى تَأْتِيَ مَطْلَعَهَا مِنَ الشَّرْقِ فِي صَبِيحَةِ الْيَوْمِ الثَّانِي، وَيَكُونُ بَسْطُ الْأَرْضِ وَتَمْهِيدُهَا، نَظَرًا لِكُلِّ إِقْلِيمٍ وَجُزْءٍ مِنْهَا لِسِعَتِهَا وَعِظَمِ جِرْمِهَا.
وَهَذَا لَا يَتَنَافَى مَعَ حَقِيقَةِ شَكْلِهَا ; فَقَدْ نَرَى الْجَبَلَ الشَّاهِقَ، وَإِذَا تَسَلَّقْنَاهُ وَوَصَلْنَا قِمَّتَهُ وَجَدْنَا سَطْحًا مُسْتَوِيًا، وَوَجَدْنَا أُمَّةً بِكَامِلِ لَوَازِمِهَا، وَقَدْ لَا يَعْلَمُ بَعْضُ مَنْ فِيهِ عَنْ بَقِيَّةِ الْعَالَمِ، وَهَكَذَا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا الْعَشِيَّةُ: مَا بَيْنَ الزَّوَالِ إِلَى الْغُرُوبِ، وَالضُّحَى: مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ، وَهَذَا تَحْدِيدٌ بِنِصْفِ نَهَارٍ.
وَقَدْ جَاءَ التَّحْدِيدُ بِسَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ. وَجَاءَ: يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [٢ ٢٥٩]. وَجَاءَ: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا [١٠ ١٠٣].
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ
— 428 —
«يُونُسَ» : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ [١٠ ٤٥]، وَأَحَالَ عَلَى دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ، وَسَيُطْبَعُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَعَ هَذِهِ التَّتِمَّةِ.
— 429 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

9 مقطع من التفسير