تفسير سورة سورة البقرة
القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري
التفسير المظهري
القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري (ت 1225 هـ)
الناشر
مكتبة الرشدية - الباكستان
المحقق
غلام نبي التونسي
سورة البقرة
مدنيّة اخرج البخاري عن عائشة قالت ما نزلت سورة البقرة والنّساء الّا وانا عنده وهى مائتان وسبع «١» وثمانون اية وستة الف ومائة واحدى وعشرون كلمة وحروفها خمسة وعشرون الف وخمسمائة حرف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (١) قيل في المقطعات في أوائل السور انها اسماء السور- وقيل هى مزيدة للتنبيه على انقطاع كلام واستيناف كلام اخر- وقيل هى اشارة الى كلمات منها اقتصرت عليها اقتصار الشاعر فقلت لها قفى فقالت لى قاف- اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن
عباس انا من الراسخين في العلم وانا ممن يعلم تأويله- وكذا
ذلِكَ الْكِتابُ- اى هذا الكتاب الذي يقرأه محمد ﷺ ويكذّب به المشركون فالمشار اليه ما سبق نزوله من القران على سورة البقرة او القران كله الذي سبق بعضه فذلك مبتدأ والكتاب خبره اى الكتاب المعهود الموعود- او الكتاب الكامل الذي يستأهل ان يسمى كتابا- او صفة وخبره ما بعده- وقيل هذا فيه مضمر اى هذا الذي يوحى إليك ذلك الكتاب الذي وعدنا انزاله في التورية والإنجيل- او وعدناك من قبل بقولنا- إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا- فذلك خبر مبتدأ محذوف والكتاب صفته- والكتاب مصدر بمعنى المكتوب واصل الكتب الضم والجمع يقال للجند كتيبة لاجتماعها سمى به لانه قد جمع في الكتاب حرف الى حرف- او لانه مما يكتب- والاشارة بذلك وهى للبعيد تعظيما لشأنه لا رَيْبَ فِيهِ لوضوحه وسطوع برهانه بحيث لا يرتاب فيه العاقل بعد النظر الصحيح في كونه وحيا- وقيل خبر بمعنى النهى اى لا ترتابوا فيه- ولا لنفى الجنس وفيه خبره- او فيه صفته وللمتقين خبره وهدى نصب على الحال- او الخبر محذوف كما في لا ضير- وفيه خبر هدى قدم عليه لتنكيره والتقدير لا ريب فيه فيه هدى والاولى ان يقال انها جمل متناسقات يقرر اللاحقة السابقة ولذا لم يعطف- ف ذلِكَ الْكِتابُ ملة تفيد انه الكتاب المنعوت بغاية الكمال حيث لا رَيْبَ فِيهِ- وكذا قوله هُدىً لِلْمُتَّقِينَ- قرا ابن كثير فيه بالإشباع في الوصل وكذلك كل هاء ضمير الغائب قبلها ساكن يشبعها وصلا بالياء ان كان الساكن ياء والا بالواو نحو منه كما يشبع القراء كلهم كل هاء قبلها متحرك مكسور ياء نحو به او غير مكسور واوا نحو يضربه له ما لم يلقها ساكن فاذا لقيها ساكن سقط مدة الإشباع لاجتماع الساكنين اجماعا- نحو عليه الكتب وله الحكم غير ان الكلمة إذا كانت ناقصة حذف آخرها لاجل الجزم نحو يؤدّه ونولّه- ونصله- فالقه- ويتّقه- ويأته- ويرضه وبقي ما قبل الهاء متحركا ففيها خلاف القراء نذكرها في مواضعها ان شاء الله تعالى فقرا بعضهم بالإشباع نظرا الى تحرك ما قبلها وبعضهم بالاختلاس نظرا الى كون الحركة عارضية وتنبيها على الحرف المحذوف وبعضهم بالسكون لحلوله محل المحذوف هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) اى هو هدى فهو جملة ثالثة يؤكد كونه حقا لا ريب فيه- او يكون كل جملة منها يستتبع السابقة اللاحقة استتباع الدليل للمدلول فانه لما كان بالغا حد الكمال
قتيلا-.
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ- صفة مقيدة للمتقين ان فسر بالتقوى عن الشرك والا فموضحة مشتملة على اصول الأعمال من الايمان فانه رأس الأمر كله- والصلاة فانها عماد الدين- والزكوة فانها قنطرة الإسلام او مادحة- او مبتدأ وخبره أُولئِكَ عَلى هُدىً- قرا ابو جعفر وابو عمرو وورش يومنون بالواو بدلا عن الهمزة- وكذلك ابو جعفر يترك كل همزة ساكنة ويبدلها واوا بعد ضمة- وياء بعد كسرة الا في انبئهم- ونبّئهم- ونبّئنا- وابو عمرو كلها الا ما كان السكون فيه للجزم نحو يهيّئ او يكون فيه خروج من لغة الى لغة كالمؤصدة- ورءيا-
وسميت بها لاشتمالها عليه قرا ورش بتغليظ اللام إذا تحرك بالفتح بعد الصاد- او الطاء- والظاء- نحو الصّلوة- ومصلّى- وأظلم- والطّلاق- ومعطّلة- وبطل- ونحو ذلك وقرا الباقون بالترقيق الا في لفظه الله خاصة إذا انفتح او انضم ما قبله فيفخمونه «١» أجمعون- وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) الرزق في اللغة الحظ قال الله تعالى وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ- ويطلق على كل ما ينتفع به الحيوان والانفاق في الأصل الإخراج عن اليد والملك ومنه نفاق السوق حيث يخرج فيه السلعة والمراد به صرف المال في سبيل الخير هذه الاية في المؤمنين من مشركى العرب-.
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعنى القران وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من التورية والإنجيل وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام- هم المؤمنون من اهل الكتاب- كذا اخرج ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهما- فعلى هذا الآيتان تفصيل للمتقين- او المراد بهم هم الأولون من قبيل قوله شعر الى الملك القوم وابن الهمام- وليت الكتيبة في المزدحم- على معنى انهم الجامعون بين الايمان بما يدركه العقل جملة وإتيان الشرائع وبين الايمان بما لا طريق اليه غير السمع او من قبيل عطف الخاص على العام
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ- الجملة في محل الرفع ان جعل أحد الموصولين منفصلا عن المتقين كانه نتيجة للاحكام بالصفات المذكورة فان اسم الاشارة كاعادة الموصوف بصفاته- ففيه إيذان بان تلك الصفات موجبة لهذا الحكم- وفي كلمة على إيذان على تمكنهم وو استقرارهم على الهداية- ونكر هدى للتعظيم وأكّد التعظيم بان الله معطيه وموفقه وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) اى الفائزون بالمطلوب هذا اللفظ وما يشاركه في الفاء والعين من فلق وفلذ وفلى يدل على الشق والقطع كانّ المفلح انشق من غيره وصار بينهما بون بعيد- او صاروا مقطوعا لهم بالخير في الدنيا والاخرة كرر اسم الاشارة تنبيها على ان اتصافهم بتلك الصفاة يقتضى كل واحدة من الاثرتين ووسط العاطف لاختلاف مفهوم الجملتين بخلاف قوله أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ- أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ- وهم ضمير يفصل الخبر عن الصفة ويؤكد النسبة ويفيد الاختصاص- او مبتدأ والمفلحون خبره والجملة خبر أولئك- وتمسك المعتزلة بان الحصر تدل على خلود مرتكب الكبيرة في النار- ورد بان المراد المفلحون الكاملون في الفلاح ويلزم منه عدم كمال الفلاح لمن ليس مثلهم لا عدم الفلاح مطلقا- ثم لما ورد ذكر خاصة- عباد الله وأوليائه في ضمن ذكر الكتاب او مستقلا ان جعل الموصول منفصلا عن المتقين- عقبهم أضدادهم المردة ولم يعطف لاختلاف السياق-.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا- الكفر لغة ستر النعمة وفي الشرع ضد الايمان وستر نعمة الله- سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ- خبران- وسوآء اسم بمعنى الاستواء نعت به كما ينعت بالمصادر- وما بعده مرفوع على الفاعلية كانه قيل مستو عليهم إنذارك وعدمه-
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ- فلا تعى خيرا- والقلب هو المضغة وقد يطلق على المعرفة والعقل قال الله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ- اعلم ان الله تعالى خالق الأشياء كلها اعراضها وجواهرها- والأسباب اسباب عادية يخلق الله تعالى عقيبها المسببات فالله سبحانه بعد استعمال الحواس من السمع والبصر وغيرهما يخلق علما بالمحسوسات وبعد استعمال الذهن فى ترتيب المقدمتين يخلق علما بالنتيجة جريا على عادته- ولو شاء لا يخلق ويتعطل الحواس ويتخبظ الذهن- ولو شاء يحصل العلم بالمحسوس ولا يفيد ذلك العلم اثرا في القلب قال رسول الله ﷺ ان قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء- ثم قال اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك- رواه مسلم عن
وَمِنَ النَّاسِ روى عن ابى عمرو امالة فتح النّاس في موضع الجر حيث وقع بخلاف عنه وصلا ووقفا مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ اى بيوم القيامة نزلت في المنافقين عبد الله بن ابى بن سلول- ومعتب بن قشير- وجدّ بن قيس وأصحابهم وأكثرهم من اليهود- والناس أصله أناس فحذفت الهمزة وعوض عنها حرف التعريف ولذا لا يجمع بينهما- جمع انسان- وقيل اسم جمع إذ لم يثبت فعال من ابنية الجمع- مشتق من انس لانهم يستأنسون بينهم- او انس لانهم ظاهرون مبصرون- كما سمّى الجنّ لاجتنانهم واللام فيه للجنس ومن موصوفة إذ لا عهد- وقيل للعهد والمعهود هم الذين كفروا- او من موصولة أريد بها ابن ابى وأمثاله حيث دخلوا في الكفار المختوم على قلوبهم واختصوا بزيادة الخداع- وتخصيص الذكر بالايمان بالله واليوم الاخر لما هو مقصود الأعظم من الايمان وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) انكار لما ادعوه وكان أصله وما أمنوا حتى يطابق قولهم في تصريح الفعل دون الفاعل لكنه عكس مبالغة في التكذيب لان إخراجهم من المؤمنين ابلغ من نفى الايمان في ماضى الزمان ولذلك أكد النفي بالباء.
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا- الخدع ان توهم غيرك خلاف ما تخفيه من المكروه- من قولهم خدع الضب إذا توارى في حجره وأصله الإخفاء- وخداعهم مع الله اى مع رسوله بحذف المضاف- او من حيث ان معاملتهم مع الرسول معاملتهم مع الله من حيث انه خليفته قال عز وجل- مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ- وقال عز من قائل- الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ- وهو بمعنى يخدعون وصيغة المفاعلة للمبالغة فان الفعل مع المقابل ابلغ او ان صورة صنيعهم مع الله من اظهار الايمان مع ابطان الكفر وصنع الله معهم بإجراء احكام الإسلام عليهم مع انهم أخبث الكفار وامتثال الرسول ﷺ والمؤمنين امر الله في إخفاء حالهم واجراء احكام الإسلام عليهم صورت صنيع المتخادعين وهو بيان ليقول او استيناف بذكر ما هو الغرض منه- وَما يَخْدَعُونَ- قراءة الحرميين وابى عمرو وما يخادعون إِلَّا أَنْفُسَهُمْ فانه لا يخفى على الله خافية- وهو يطلع نبيه ﷺ والمؤمنين فهم غروا أنفسهم حيث
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ- لا المرض ما يعرض البدن فيخرجه عن الاعتدال ويضعفه ويفضيه الى الهلاك- ويطلق على الاعراض النفسانية من الجهل والحسد والكفر وسوء العقيدة مجازا فانه مانع من نيل الفضائل ومفضى الى الهلاك الابدى- وهم كانوا على أخبث الاعراض النفسانية وكانوا ايضا متالمين على فوت الرياسة واستعلاء شأن المحسودين من المؤمنين فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً بتقوية تلك الاعراض الخبيثة بالختم والرين- وإنزال الآيات- فكلما كفروا باية ازدادوا كفرا- او نصر رسول الله ﷺ وتفضيحهم- قرا حمزة بامالة زاد وكذا جاء وشاء- وران- وخاف- وخاب- وطاب- وحاق- حيث «١» وقع وزاغ- فى والنجم وزاغوا في الصف لا غير- سواء اتصلت هذه الافعال بضمير اولا إذا كانت ثلاثية ماضية وتابعه ابن ذكوان على امالة جاء وشاء حيث وقعا وزاد هاهنا خاصة وقيل حيث وقع وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) اى مولم وصف به العذاب مبالغة بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) ما مصدرية- قرأ الكوفيون بالتخفيف اى بكذبهم في قولهم امنّا- والباقون بالتشديد اى بتكذيبهم الرسول ﷺ في السّرّ-.
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ- الفساد ضد الصلاح يعمان كل ضار ونافع- وفسادهم في الأرض هيجان الحروب بمخادعة المسلمين وممالاة الكفار عليهم بإفشاء الاسرار وتعويق الناس عن الايمان بمحمد ﷺ والقران- قرأ الكسائي وهشام- قيل- وغيض- وجىء- وحيل- وسيق- وسيئت وسىء بالاشمام ووافق ابن عامر في الأربع الاخيرة ووافق نافع في الأخيرين- والمراد بالاشمام هاهنا ان ينحا بكسر فائها نحو الضمة واليا نحو الواو- وقيل بضم الفاء مشبعة- وقيل مختلسا- وقيل بل ايماء بالشفتين الى ضمة مقدرة مع اخلاص الكسرة- والاول أصح والباقون بالكسرة قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) وهم كاذبون ردّ للناصح على سبيل المبالغة بكلمة انما او قالوا ذلك فيما بينهم تصور والفساد بصورة الصلاح لما زين لهم سوء أعمالهم.
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ يعنى المهاجرين والأنصار- او من أمن من اليهود كعبد الله بن «١» سلام- هذا من تمام النصح- فان الاعراض عن الفساد والإتيان بشرائع الايمان كمال الإنسان- وكما أمن الناس في محل النصب على المصدرية وما مصدرية او كافة كما في ربّما قالُوا فيما بينهم أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ والسفه خفة العقل وضده الحلم- وقيل السفيه من تعمد بالكذب- وانما سفهوهم اعتقادا لفساد رأيهم او تحقيرا لشأنهم أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ فانهم مع ما كانوا يرون من المعجزات ويعرفون من التورية أهملوا عقولهم وأنكروا الرسول ﷺ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ وفيه رد ومبالغة كما سبق- قرأ الحرميان وابو عمرو السّفهاء الا في الوصل خاصة بتسهيل الهمزة الثانية- وكذا كل ما اجتمعا في كلمتين واختلف حركتهما نحو من الماء او ممّا- وشهداء إذ حضر- ومن يشآء الى صراط- وجاء امّة وحكم التسهيل ان يجعل بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتها ما لم ينفتح وينكسر ما قبلها او ينضم فانها تبدل مع الكسرة ياء مفتوحة وو مع الضمة واو مفتوحة والمكسورة المضموم ما قبلها تبدل واوا مكسورة والباقون يحققونهما وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) انما ذكر هاهنا لا يعلمون وفيما قبله لا يشعرون لان الوقوف على امور الدين يحتاج الى فكر واما الفساد فيدرك بالحس وادنى التفات-.
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا كايمانكم بيان لمعاملتهم مع المؤمنين والكفار وما صدرت به القصة سبق لبيان مذهبهم وتمهيد نفاقهم وَإِذا خَلَوْا من خلوت بفلان واليه إذا انفردت معه- او من خلاك دم اى عداك ومنه القرون الخالية إِلى شَياطِينِهِمْ اى روسائهم قال ابن عباس- وهم خمسة نفر من اليهود كعب بن اشرف بالمدينة- وابو بردة في بنى اسلم وعبد الدار في جهينة- وعوف بن عامر في بنى اسد- وعبد الله بن السوداء بالشام- والشيطان المتمرد العاتي من الجن والانس قال الله تعالى شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وقال مِنَ الْجِنَّةِ
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ اى يجازيهم على استهزائهم سمى الجزاء به للمقابلة قال البغوي قال ابن عباس- هو ان يفتح لهم باب من الجنة فاذا انتهوا اليه سد عنهم وردوا الى النار- وقيل هو ان يجعل للمؤمنين نور يمشون به على الصراط فاذا وصل المنافقون اليه حيل بينهم وبين المؤمنين قال الله تعالى فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ الاية- قال الحسن- معناه ان الله يظهر على المؤمنين نفاقهم انتهى- واخرج ابن ابى الدنيا في كتاب الصمت عن الحسن- ان المستهزءين بالناس يفتح لاحدهم باب الى الجنة فيقال هلم هلم فيجىء فاذا أتاه غلق دونه فما يزال كذلك الحديث- وهذا مرسل جيد وانّما استونف ولم يعطف ليدل على ان الله تعالى كاف في مجازاتهم لا حاجة للمومنين ان يعارضوهم ولم يقل الله مستهزئ بهم لتجدد الاستهزاء بهم حينا بعد حين- أَوَلا يَرَوْنَ «١» أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ- وَيَمُدُّهُمْ يتركهم ويمهلهم- من مدّ الجيش إذا زاده وقوّاه أصله الزيادة- والمد والامداد واحد غير ان المد كثير امّا يستعمل في الشر والامداد في الخير كما في أمددناكم باموال وبنين- فِي طُغْيانِهِمْ- اى تجاوز الحد في العصيان والكفر- أماله الكسائي حيث وقع- يَعْمَهُونَ (١٥) يترددون- العمه في البصيرة كالعمى في البصر.
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا استبدلوا الضَّلالَةَ- الكفر- بِالْهُدى بالايمان- فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
مَثَلُهُمْ- المثل- والمثل- والمثيل- بمعنى النظير- ثم قيل للقول السائر الممثل مضربة بمورده ولا يضرب الا ما فيه غرابة ثم استعير لكل حال غريب اى حالهم الغريب كَمَثَلِ الَّذِي
اى الذين كما في قوله وخضتم كالّذى خاضوا وانما جاز ذلك دون القائم مقام القائمين لانه غير مقصود بالوصف بل الجملة التي هى صلة- ولانه ليس باسم تام بل كالجزء منه وحقه ان لا يجمع وليس الذين جمعه بل ذو زيادة تدلّ على زيادة المعنى ولذا جاء بالياء ابدا- اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ النار- ما حَوْلَهُ اى المستوقد- ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ جواب لمّا ولم يقل بنارهم لان النور هو المقصود- واسناد الفعل الى الله لان الكل بفعله- او لان الإطفاء حصل بسبب خفى- او سماوى- او للمبالغة- او الجواب محذوف للايجاز وعدم الالتباس كما في قوله تعالى- فَلَمَّا «١» ذَهَبُوا بِهِ- والجملة استيناف جواب سائل يقول ما بالهم شبّههم «٢» - بحال من استوقد فانطفت ناره- او بدل من جملة التمثيل على سبيل البيان والضمير على هذين الوجهين للمنافقين- وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) ذكر الظلمة وجمعها ونكرها ووصفها بانه لا يتراى فيها شىء للمبالغة في بيان شدته كانها ظلمات متراكمة- ولما تضمن ترك معنى صير جرى مجرى افعال القلوب- وترك مفعول لا يبصرون- كانّ الفعل غير متعد بمعنى لا يقع منهم الابصار- والاية مثل ضربه الله لمن أتاه ضربا من الهدى فاضاعه ولم يتوصل به الى نعيم الابد فبقى متحيرا متحسرا تقريرا وتوضيحا لما تضمنته الاية الاولى- فانهم أضاعوا ما نطقت به ألسنتهم من الحق باستبطان الكفر- او مثل لايمانهم من حيث انه يعود عليهم بحقن الدماء والأموال ومشاركة المسلمين في المغانم- والاحكام بالنار ولذهاب اثره باهلاكهم في الاخرة او افشاء حالهم في الدنيا بإطفاء الله إياه.
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ اى هم صم بكم عمى- يعنى الّذى استوقد نارا- لما ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات
(٢) فى الأصل شبّهتهم ١٢
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ- اى كاصحاب صيب وهو فيعل من الصوب بمعنى النزول يقال للمطر لنزوله وفيه مبالغة- فان الصوب فرط الانسكاب والصيغة للمبالغة والتنكير للتفخيم- وكلمة او للتساوى في الشك ثم اتسع فيها فاطلق للتساوى من غير شك يعنى التشبيه بالقصتين سواء- فانت مخير في التشبيه بايتهما شئت- كما قيل أنت مخير في خصال الكفارة- وتعريف السماء للدلالة على ان الغمام مطبق بافاق السماء كلها فان كل أفق منها يسمى سماء وقيل معناه السحاب فان ما علاك سماء- واللام لتعريف الجنس لكن الظواهر دالة على ان المطر من السماء قال الله تعالى- وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً- وقال- مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ- واخرج ابن حبان عن الحسن- انه سئل عن المطر من السماء أم من السحاب قال من السماء انما السحاب علم- واخرج ابن ابى حاتم وابو الشيخ عن خالد بن معدان قال- المطر يخرج من تحت العرش فينزل من سماء الى سماء حتى يجتمع في سماء الدنيا- فيجتمع في موضع يقال له الأثرم فيجىء السحاب السود فيدخله فيشربه فيسوقه الله حيث شاء- واخرجا عن عكرمة قال ينزل المطر من السماء السابعة- فِيهِ اى الصيب او السماء- والسماء يذكر ويؤنث قال الله تعالى- السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ- وانْفَطَرَتْ- ظُلُماتٍ ظلمة تتابع القطر والسحاب والليل- وَرَعْدٌ وهو الصوت الذي يسمع منه- وَبَرْقٌ وهو النار التي تخرج منه وهما مصدران ولذلك لم يجمعا- قال على- وابن عباس واكثر المفسرين الرعد اسم ملك يسوق السحاب والبرق لمعان سوط من نار يزجر به الملك السحاب- وقيل الصوت زجر السحاب وقيل تسبيح الملك- قال مجاهد الرعد اسم الملك ويقال لصوته- وجعل المطر مكانا للرعد والبرق لانهما في منحدره- وارتفاعهما بالظرف- يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ الضمير راجع الى اصحاب صيب فانه
يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ استيناف كانه قيل ما حالهم مع تلك الصواعق- وكاد لمقاربة الخبر من الوجود لعروض سببه لكنه لم يوجد لفقد شرط او مانع فهى خبر محض بخلاف عسى فانه رجاء وإنشاء- والخطف الاستلاب بسرعة كُلَّما تدل على التكرار أَضاءَ لَهُمْ لازم بمعنى لمع- او المفعول محذوف اى نور لهم ممشى مَشَوْا فِيهِ لحرصهم على المشي دون الوقوف ولذلك ذكر كلما مع الاضاءة دون الاظلام- وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وقفوا- واظلم ايضا جاء لازما ومتعديا- وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ان يذهب بسمعهم بقصيف الرعد وأبصارهم بوميض البرق- حذف لدلالة الجواب لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ فان الرعد والبرق وان كانا في الظاهر سببين لذهاب السمع والبصر لكن تأثير الأسباب كلها في الحقيقة بمشية الله تعالى- فالسبب الحقيقي هو المشية والجواهر والاعراض وافعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى- مرتبطة بمشيته إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
(٢٠) تصريح وتقرير لما سبق والشيء مصدر شاء يطلق بمعنى الفاعل اى الشاءى-...
فيتناول الباري تعالى قال الله تعالى- قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ- وبمعنى المفعول اى الشيء وجوده وهو الممكن ومنه قوله تعالى- خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ- فهو على عمومه- وحمزه يسكت على الياء من شىء وشيئا في الوصل خاصة- والقدرة التمكن من إيجاد الشيء- والقادر هو الذي ان شاء فعل وان شاء لم يفعل «١» وفي القدير مبالغة- قلما يوصف به غير الباري تعالى-
صلى الله عليه وسلم ان ينزل فيهم او يذكروا بشىء فيقتلوا كما كان ذانك المنافقان «١» الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما- وإذا أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وكانوا إذا كثرت أموالهم وولدهم وأصابوا غنيمة او فتحا مشوا فيه وقالوا ان دين محمد ﷺ حينئذ صدق واستقاموا عليه كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء لهما البرق وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وكانوا إذا هلكت أموالهم وولدهم وأصابهم البلاء قالوا هذا من أجل دين محمد ﷺ وارتدوا كفارا- كما قام ذانك المنافقان حين اظلم عليهما البرق- انتهى رواية ابن جرير- قلت ويحتمل ان يكون الظلمات عبارة عن المتشابهات التي لا سبيل للاراء الى دركها- والبرق عن المحكمات التي تساعده الآراء- فالمؤمنون من اهل السنة يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا- والَّذِينَ
يا أَيُّهَا النَّاسُ- خطاب لجميع الناس من اهل الخطاب عموما الموجودين ومن سيوجد تنزيلا لهم منزلة الموجودين لما تواتر من دينه ﷺ ان مقتضى أحكامه وخطابه شامل للقبيلتين تابت الى يوم القيمة وكذا كل جمع او اسم جمع محلى باللام ويدل عليه استدلال الصحابة بعمومها شائعا قال ابن عباس- يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب اهل مكة ويا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب اهل المدينة فان اهل مكة لمّا كان أكثرهم كفارا والمؤمنون كانوا هناك قليلا خاطب بما يعم القبيلتين- واهل المدينة لما كان أكثرهم مؤمنون خاطبهم بعنوان الايمان إظهارا لشرفهم اعْبُدُوا رَبَّكُمُ فان التربية باعثة للعبادة وشكر المنعم وان كان الله تعالى في نفسه مستحقا لها- والخطاب بوجوب العبادة شامل للمؤمنين والكفار- فالكفار مأمورون بها بعد إتيان شرطه من الايمان- وقال ابن عباس- ما ورد في القران من العبادة فمعناه التوحيد فالكفار مأمورون بإتيانها والمؤمنون
الَّذِي جَعَلَ اى صيّر لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً اى بساطا ذلولا يمكن عليها القرار صفة ثانية او مدح منصوب او مرفوع او مبتدأ خبره فلا تجعلوا- وَالسَّماءَ اسم جنس يقع على الواحد والكثير- بِناءً مصدر سمى به المبنى يعنى قبّة مضروبة عليكم- وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فان المطر ينزل من السماء الى السحاب ومنه الى الأرض عطف على جعل- فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ خروج الثمار بقدرة الله تعالى لكن جعل الماء الممزوج بالتراب سببا في إخراجها ظاهرا عادة- ومن للتبعيض او التبيين- ورزقا مفعول بمعنى المرزوق ولكم صفة له- او رزقا مصدر للتعليل ولكم مفعوله اى رزقا إياكم- فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً اى أمثالا تعبدونهم كعبادة الله- او أضدادا والله برىء من المثل والضد- والجملة متعلق باعبدوا- نهى معطوف عليه او نفى منصوب بإضمار أن جواب له- او منصوب بلعل كما في قوله تعالى-
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ شك مِمَّا نَزَّلْنا يعنى نجما نجما بحسب الوقائع- وهذا موجب لريبهم قياسا على كلام الشعراء وقولهم لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً- فكان الواجب تحديهم على هذا الوجه- ازاحة للشبهة وإلزاما للحجة عَلى عَبْدِنا- محمد ﷺ أضاف الى نفسه تنويها لذكره- وتنبيها على انقياده لحكمه- فَأْتُوا امر تعجيز بِسُورَةٍ وهى قطعة من القران معلومة الاول والاخر منقولة من سور المدنية لانها محيطة بطائفة من القران- او من السورة بمعنى الرتبة فانه يحصل بها للقارى رتبة وشرف- والمراد بقدر سورة وهى ثلث آيات قصار- مِنْ مِثْلِهِ صفة سورة اى كائنة من مثله- والضمير لما نزل ومن للتبعيض او للتبيين او زائدة- اى مثله في البلاغة وحسن النظم- او لعبدنا ومن للابتداء اى كائنة من مثل هذا الرجل الأمي- أو صلة فاتوا والاول اولى كيلا يوهم إمكان صدوره من غير الأمي والقران معجز في نفسه- لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً- وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ واستعينوا بآلهتكم التي تعبدونها وتزعمون انها تشهد لكم يوم القيامة او ادعوا ناسا يحضرونكم- مِنْ دُونِ اللَّهِ اى دون أوليائه يعنى فصحاء العرب ليشهدوا لكم ما أتيتم به مثله فان العاقل لا يرضى لنفسه ان يشهد بصحة ما اتضح فساده- إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) انه من كلام البشر والجواب محذوف دل عليه ما قبله.
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فيما مضى وَلَنْ تَفْعَلُوا معترضة بين الشرط والجزاء- وفيه اخبار بالغيب اعجاز اخر فَاتَّقُوا اى لما ظهر انه معجز فامنوا به واتقوا بالايمان النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا اى ما يوقد
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا عطف على الجملة السابقة على ما جرت به العادة الالهية من تشفيع الترهيب بالترغيب وبالعكس لا عطف الفعل نفسه حتى يطلب المشاكلة او على فاتّقوا يعنى فامنوا فاتقوا النار واستبشروا بالجنة ولم يخاطبهم بالبشارة صريحا تفخيما لشأنهم بعد الايمان والتقوى وإيذانا بانهم احقّاء ان يبشروا ويهنئوا- والبشارة الخير السّارّ- واما قوله تعالى فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ- فعلى التهكم وقيل يستعمل في الخير والشر لكن في الخير اغلب وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وهى من الصفات الغالبة الجارية مجرى الأسماء والأعمال الصالحة ما حسّنه الشرع- وتأنيث الصالحات على تأويل الخصلة- قال البغوي قال معاذ رض- العمل الصالح الذي فيه اربعة أشياء العلم والنية والصبر والإخلاص- وقال عثمان بن عفان وعملوا الصّلحت اى أخلصوا الأعمال عن الرياء- وفيه دليل على ان الأعمال خارج عن الإيمان- واشعار
ذكر الله سبحانه نعماء الجنة أزال عنهم خوف الزوال فانه منغض للنعمة روى البغوي بسنده من طريق البخاري عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- ان أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد كوكب درّى في السماء اضاءة لا يبولون ولا يتغوّطون ولا يتفلون... ولا يمتخطون امشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الالوة وأزواجهم الحور العين على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء- متفق عليه وعن ابى سعيد رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ أول زمرة تدخل الجنة يوم القيمة صورة وجوهم صورة القمر ليلة البدر والزمرة الثانية على لون احسن الكواكب فى السماء لكل رجل منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة... يرى مخ سوقهن دون لحومها ودمائها وحللها- رواه الترمذي وعن انس قال قال رسول الله ﷺ لو ان امرأة من نساء اهل الجنة اطلعت على الأرض لاضاءت ما بينهما- ولملئت ما بينهما ريحا- ولنصيفها على راسها خير من الدنيا وما فيها- رواه البخاري- وعن اسامة بن زيد يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- الأهل من مشمر للجنة وان الجنة لا خطر لها هى ورب الكعبة نور يتلالا وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد.. وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة ومقام ابد في دار سليمة وفاكهة وخضرة وصبرة ونعمة في محلة عالية بهيئة- قالوا نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها قال قولوا ان شاء الله رواه البغوي- وروى عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ اهل الجنة جرد- مرد كحلى
الله سبحانه.
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً وقيل ان الله تعالى ذكر الهة المشركين فقال وإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً وذكر كيدهم فجعله كبيت
الَّذِينَ صفة للفاسقين للذم وتقرير الفسق- او للتقييد ان كان المراد بالفاسقين أعم من الكفار والعصاة يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ الذي عهد إليهم في التورية ان يؤمنوا بمحمد ﷺ ويبينوا نعته ولا يكتمونه او الذي عهد إليهم بقوله- أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى - والنقض في الأصل فسخ تركيب الحبل يستعمل في ابطال العهد لان العهد يستعار له الحبل لما فيه ارتباط المتعاهدين- مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ- اى العهد- والميثاق مصدر بمعنى الوثوق- او اسم لما وثق به العهد من الآيات والكتب ومن للابتداء فان ابتداء النقض بعد الميثاق وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ- ان يوصل بدل من الضمير المجرور اى امر الله بان يوصل الايمان بالأنبياء كلهم ويقال لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ- وهم يقطعونه ويقولون نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض- او يقطعون كل ما امر الله به ان يوصل كالارحام وغيرها وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالمعاصي والكفر بالقران وبمحمد ﷺ ويهلكون الحرث والنسل أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) المغبونون حيث اشتروا الفساد بالصلاح- ولما ذكر أوصاف الكفار ومقالاتهم الخبيثة خاطبهم على سبيل الالتفات باستفهام إنكاري عن الحالة التي يقع عليها الكفر لان كل حالة معتورة عليهم من الأحوال الموت والحيوة بعدها- والموت بعدها- والحيوة بعدها والرجوع الى الله تعالى وغيرها من الأحوال حادثة صادرة من الواجب الوجود مقتضية للايمان به تعالى نعمة من الله مقتضية لشكره دون كفرانه ففيه انكار وتوبيخ على كفرهم بأبلغ الوجوه فقال.
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ مع فيام الدلائل على وجوده وَكُنْتُمْ أَمْواتاً- عناصر واغذية واخلاطا ونطفا وعلقات ومضغات وأجساد «١» ابلا روح- وفيه دليل على ان الإنسان وان كان مركبا من الاجزاء العشرة- خمسة منها من عالم الخلق- العناصر الاربعة والنفس الحيواني
- ولذا اختص الإنسان بروية الله سبحانه دون غيره- ويزعمون المشاهدة القلبية كالمطروح في الطريق- فَأَحْياكُمْ بتأليف الأرواح الخمسة وتوديعها فيكم وعطف بالفاء لعدم التراخي بين الاحياء والموت اللازم للعناصر- ثُمَّ يُمِيتُكُمْ بعد انقضاء اجالكم- وعد الاماتة الاولى من النعم لان الوجود بعد العدم خير محض فلمناسبة بالموجود الحقيقي- والاماتة الثانية لكونها وصلة الى الحيوة الابدية ثُمَّ يُحْيِيكُمْ يوم ينفخ في الصور واما في القبر فليس بحياة فان الحيوة عبارة عن تأليف الاجزاء العشرة وليست في القبور- وانتفاؤها لا ينافى الثواب والعذاب في القبر فانهما على بسائط الاجزاء ولا سبيل الى إنكاره لمن يؤمن بقوله تعالى- وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ- وقوله تعالى- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ- وقوله صلى الله عليه وسلم- ان الجبل ينادى الجبل باسمه اى فلانا هل مربك أحد ذكر الله فاذا قال نعم استبشر الحديث- رواه الطبراني عن ابن مسعود- وقوله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها- وليس المراد التسبيح والسجود بدلالة الحال لان قوله تعالى وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ-
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ اى لانتفاعكم في الدنيا في مصالحكم بوسط او بغير وسط وفي دينكم بالاستدلال والاعتبار ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً بيان للنعمة الاخرى مرتبة على الاولى ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ قال ابن عباس واكثر المفسرين من السلف اى ارتفع الى السماء- فهو من المتشابهات نحو الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى - وقال ابن كيسان والفراء وجماعة النحويين اى اقبل على خلق السماء وقصد من قولهم استوى اليه كالسهم المرسل إذا قصده قصدا مستويا من غير ان يلوى على شىء- قال البيضاوي كلمة ثم لعله لتفاوت ما بين الخلقتين وفضل خلق السماء على خلق الأرض كقوله تعالى ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا- لا للتراخى في الوقت فانه يخالف ظاهر قوله تعالى وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها- فانه تدل على تأخر دحوى الأرض المتقدم على خلق ما فيها من خلق السماء وتسويتها وذكر البغوي في تفسير قوله تعالى وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها- انه قال ابن عباس خلق الله الأرض بأقواتها من غير ان يدحوها قبل السماء ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ثم دحى الأرض بعد ذلك- وقيل معناه والأرض مع ذلك دحيها كقوله تعالى عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ اى مع ذلك- وذكر البغوي في حم السجدة- خلق الأرض في يومين يوم الأحد والاثنين وقدر فيها أقواتها في يومين يوم الثلثاء والأربعاء فهما مع الأحد والاثنين اربعة ايام فقال وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ... فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ يوم الخميس والجمعة- وهذا هو المستفاد من اقوال السلف والله تعالى اعلم- فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ اى خلقهن مستويات لا فطور فيها ولا صدوع- وهن ضمير السماء ان فسرت بالاجرام لانه جمع او في معنى الجمع وسبع سموت بدل منه- والا فمبهم تفسيره ما بعده كقولهم ربّه رجلا- فان قيل أليس اصحاب الارصاد اثبتوا تسعة أفلاك كلية منها الفلك الا طلس فلك الافلاك وفلك الثوابت الفلك التاسع «١» لا جزء لهما- واثبتوا للافلاك السبعة اجزاء منها ما هو مركب من ثلثة أفلاك خارج المركز وفيه الكوكب ومثمما حاويا ومتمما محويا ومنها ما هو مركب من خمسة خارج المركز ومتممين حاويين وكذا محويين وأفلاك اخر
(٢) أقول لا معنى للتجلى عند التحقيق الا ظهور الصفات من العلم والقدرة وغيرها على وجه يكون مكشافا وعنوانا للذات فلا نزاع فيما بين الصوفية وغيرهم الا في اللفظ- قلت حمل كلام العقلاء على النزاع اللفظي بعيد من العقلاء- منه رحمه الله
وَاذكر إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ- تعداد لنعمة ثالثة- فان خلق آدم وتفضيله على الملائكة نعمة تعم ذريته وفيه حث على الإتيان باوامره تعالى- والانتهاء عن مناهيه قال البغوي خلق الله السماء والأرض والملائكة والجن واسكن الملائكة السماء- والجن الأرض- فمكثوا زمانا طويلا في الأرض- ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فافسدوا واقتتلوا- فبعث الله إليهم جندا من الملائكة يقالهم الجن وهم خزان الجنان اشتق لهم اسما من الجنة رأسهم إبليس فكان رئيسهم ومرشدهم وأكثرهم علما- فهبطوا الى الأرض وطردوا الجن الى شعوب الجبال وجزائر البحور وسكنوا الأرض وخفف الله عنهم العبادة- واعطى الله إبليس ملك الأرض وملك سماء الدنيا وخزانة الجنة فكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب فقال في نفسه ما أعطاني الله هذا الملك الا لانى أكرم الملائكة عليه فقال الله تعالى له ولجنده إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً- ومما ذكر البغوي يظهران إبليس كان من الملائكة كما يدل عليه ظاهر الاستثناء- فان قيل روى مسلم عن ابى هريرة قال- أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها قال اهل التفسير المراد اسماء الخلائق- قال البغوي قال ابن عباس ومجاهد وقتادة علمه اسم كل شىء حتى القصعة والقصيعة- وقيل اسم ما كان ويكون
قالُوا إقرارا بالعجز واعترافا لفضل البشر واستحقاقهم الخلافة واظهار الشكر نعمة ما كشف لهم الحكمة في خلقه سُبْحانَكَ اى نسبحك سبحانا عن خلو افعالك عن الحكم والمصالح لا عِلْمَ لَنا
قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ الضمير في بأسمائهم على قول المفسرين راجع الى المسميات- واما على ما قلت فراجع الى الملائكة اى انبئهم بالأسماء التي في وسعهم تعلمها- او التي قدرنا لهم تعلمها- ولم يقل باسمائكم لان تعلم الأسماء كلها لا يمكن الا اجمالا بالوصول الى حضرت الذات وذلك مختص بالبشر دون الملائكة فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيه استذكار لقوله- أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ قرأ الحر ميان وابو عمرو انّى بفتح الياء وكذلك يفتحون كل ياء إضافته بعدها الف قطع مفتوحة الا أحرفا معدودة تذكر في مواضعها ان شاء الله تعالى- ويفتح نافع وابو عمرو عند الالف المكسورة ايضا الا أحرفا معدودة تذكر ان شاء الله تعالى والباقون لا يفتحون الا أحرفا معدودة تذكر ان شاء الله تعالى وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ قال الحسن وقتادة يعنى قولهم أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها- وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) قالا قولهم لن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا- قال البغوي قال ابن عباس- هو ان إبليس مر على جسد آدم وهو ملقى بين مكة والطائف لا روح فيه فقال لامر ما خلق هذا ثم دخل في فيه وخرج من دبره وقال انه خلق لا يتماسك لانه أجوف ثم قال للملائكة الذين معه ان فضل عليكم وأمرتم بطاعته ماذا تصنعون قالوا نطيع امر ربنا- فقال إبليس في نفسه والله لئن سلطت عليه لاهلكنه ولئن سلط علىّ لا عصينه فقال الله تعالى وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ يعنى ما تبديه الملائكة من الطاعة وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ يعنى ما كتم إبليس من المعصية وفي الاية دليل على ان خواص البشر وهم الأنبياء أفضل من خواص الملائكة وهم الرسل منهم كما ذهب اهل السنة والجماعة اليه- واما ما قالوا ان عوام البشر اعنى الأولياء منهم الصالحون المتقون أفضل من عوام الملائكة فثابت بالسنة- عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ المؤمن أكرم على الله من بعض ملائكته- رواه ابن ماجة- وعن جابر قال قال رسول الله ﷺ لمّا خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الاخرة قال الله تعالى لا اجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحى كمن قلت له كن فكان- رواه البيهقي في شعب الايمان- ويدل على أفضليتهم اختصاصهم برؤية الله سبحانه في الجنة دون الملائكة- فان قيل روية الله سبحانه في الجنة غير مختص بالأولياء بل يكون لجميع المؤمنين وان كانت على قدر تفاوت درجاتهم فمنهم من يراه غدوة وعشية ومنهم من يراه كل جمعة او بعد سنة او نحو ذلك
البشر فان له ترقيات من مقام الحجب والحرمان الى مقام الظلال ومنها الى مقام الصفات والأسماء والشئونات ومنها الى مقام الوصول الى الذات وفي ذلك الوصول درجات واعتبارات لا يسعه المقال والمقام-.
وَاذكر إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ- قرا ابو جعفر للملائكة اسجدوا بضم التاء بإعطاء حركت همزة الوصل وكذلك قل ربّ احكم بضم الباء والباقون بالكسر- والسجود في الأصل التذلل وفي الشرع وضع الجبهة على الأرض على قصد العبادة- والمأمور به اما المعنى الشرعي فالمسجود له يكون بالحقيقة هو الله تعالى- وجعل آدم قبلة تفخيما لشأنه واعترافا لما أنكروا اولا من فضله- ويدل على ارادة هذا المعنى الشرعي ما رواه احمد ومسلم من حديث ابى هريرة عن النبي ﷺ قال إذا قرا ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكى ويقول يا ويله امر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلى النار- واللام في لادم حينئذ بمعنى الى كما في قول حسان في مدح الصديق (شعر) أليس أول من صلى لقبلتكم واعرف الناس بالقران والسنن او جعل آدم سببا
وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ- قال البغوي ان آدم لم يكن له في الجنة من يجانسه فنام نومة فخلق الله زوجته حواء من قصيرى شقه الأيسر فلما هب من نومه راها جالسة عند رأسه كاحسن ما خلق الله فقال لها من أنت قالت زوجتك خلقنى الله لك تسكن الىّ واسكن إليك- وانما لم يخاطبهما اولا تنبيها على انه هو المقصود بالحكم وَكُلا مِنْها رَغَداً واسعا كثيرا حَيْثُ شِئْتُما اين شئتما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) منع عن قرب الشجرة مبالغة في النهى عن أكله لان قرب الشيء يورث داعية وميلانا الى ذلك الشيء فيلهيه
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها اى اصدر زلتهما عن الشجرة اى بسبب الشجرة ومن أجل أكلها- او ازلّهما اى اذهبهما اى أبعدهما عن الجنة ويعضده قراءة حمزة فازالهما اى نحاهما- والشيطان من الشطن بمعنى البعد سمى به لبعده من الخير والرحمة- واختلفوا في انه كيف لقى إبليس آدم بعد ما قيل له فَاخْرُجْ...
فَإِنَّكَ رَجِيمٌ- قال البغوي ان إبليس أراد أن يدخل الجنة ليوسوس آدم وحواء فمنعته الخزنة- فاتته الحية وكانت صديقة لابليس وكانت من احسن الدواب لها اربع قوائم كقوائم البعير وكانت من خزان الجنة فسالها إبليس ان يدخله في فمها فادخلته فمرت به على الخزنة وهم لا يعلمون فادخلته الجنة- وكذا اخرج ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس وابى العالية ووهب بن منبه ومحمد بن قيس- وقال الحسن انما راهما على باب الجنة لانهما كانا يخرجان منها- وقال البغوي وقد كان آدم لما دخل الجنة قال لو ان خلدا- فلما دخل الشيطان الجنة وقف بين آدم وحواء وهما لا يعلمان انه إبليس فبكى وناح نياحة احزنتهما وهو أول من ناح- فقالا ما يبكيك قال ابكى عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة فوقع ذلك في أنفسهما واغتما فقال إبليس هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ فابى ان يقبل منه فقاسمهما بالله إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فاغترا وما ظنا ان أحدا يحلف بالله كاذبا- فبادرت حواء الى أكل الشجرة ثم ناولت آدم حتى أكلها- وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حواء سقته الخمر فلما أسكر قادته إليها فاكل- فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ من النعيم قال ابن عباس وقتادة قال الله تعالى لادم الم يكن فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشجرة قال بلى يا رب ولكن ما ظننت ان أحدا يحلف بك كاذبا- وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الله تعالى يا آدم ما حملك على ما صنعت- قال يا رب زينته لى حواء قال فانى أعقبتها ان لا تحمل الا كرها ولا تضع الا كرها وديتها في الشهر مرتين- فرنت حواء عند ذلك فقيل عليك الرنة وعلى بناتك- وَقُلْنَا اهْبِطُوا اى انزلوا الى الأرض يعنى آدم وحواء وإبليس والحية- بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ حال استغنى
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ قرا ابن كثير آدم بالنصب وكلمت بالرفع يعنى جاءت الكلمات آدم من ربه وكانت سبب توبته- وقرا الباقون بالعكس اى تعلّم- والكلمات رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا الاية- كذا قال سعيد بن جبير ومجاهد والحسن وقيل غير ذلك من كلمات الدعاء والاستغفار والتضرع قال ابن عباس- بكى آدم وحواء مائتى سنة ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوما- ولم يقرب آدم حواء مائة سنة وروى عن يونس بن حباب وعلقمة بن مرثد قالا ولو ان دموع اهل الأرض جمعت لكان دموع داود اكثر حيث أصاب الخطيئة- ولو ان دموع داود مع دموع اهل الأرض جمعت لكان دموع آدم اكثر- قال شهر بن حوشب بلغني انه مكث ثلاثمائة سنين لا يرفع رأسه حياء من الله عز وجل- فَتابَ عَلَيْهِ اى قبل توبته- والتوبة عبارة عن الاعتراف بالذنب والندم عليه والعزم على ان لا يعود- واكتفى بذكر آدم لان حواء كانت تبعا له في الحكم ولذلك طوى ذكر النساء في اكثر القران والسّنن إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرجاع على عباده بالمغفرة- واصل التوبة الرجوع فمن العبد الرجوع من المعصية ومن الله الرجوع عن العقوبة الى المغفرة الرَّحِيمُ (٣٧) المبالغ في الرحمة.
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً- قيل الهبوط الاول من الجنة والثاني من السماء الى الأرض- وقيل كرر للتأكيد او لاختلاف المقصود فان المقصود من الاول العقاب على المعصية ومن الثاني التكليف- وجميعا حال في اللفظ تأكيد في المعنى فلا يستدعى اجتماعهم فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً الفاء للعطف وان حرف شرط وما زائدة أكدت به ان- ولذلك حسن تأكيد الفعل بالنون وان لم يكن فيه معنى الطلب يعنى ان يأتى لكم منى هدى يعنى رسول وكتاب- الخطاب به الى ذرية آدم فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ الشرط الثاني مع جزائه جزاء للشرط الاول
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا عطف على من تبع كانه قال ومن لم يتبع هداى بل كفروا به وَكَذَّبُوا بِآياتِنا بالقران وغيره من الكتب أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ يوم القيامة هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩) لا يخرجون منها ولا يموتون فيها- فى القصة دليل على ان الجنة مخلوقة وانها في جهة عالية وان عذاب النار للكفار مخلد تمسكت الحشوية بهذه القصة على عدم عصمة الأنبياء عليهم السلام قالوا كان آدم نبيا وارتكب المنهي عنه- وأجيب بانه لم يكن نبيا حينئذ والمدعى يطالب بالبرهان- او كان النهى للتنزيه وانما سمى نفسه ظالما وخاسرا لانه ظلم نفسه وخسر حظه بترك الاولى- او انه فعل ناسيا لقوله تعالى- فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً- لعله لما قاله إبليس ما نهاكما ربّكما وقاسمهما أورث فيه ميلانا طبعيا ثم انه كف نفسه عنه مراعاة لحكم الله الى ان نسى ذلك وزال شعوره بشرب الخمر فحمله الطبع عليه وانما عوتب بترك التحفظ عن اسباب النسيان- ولعله وان حط عن الامة لم يحط عن الأنبياء لعظم قدرهم- ويحتمل ان يكون رفع الخطاء والنسيان خاصة لهذه الامة- وسيجيئ المسألة اخر السورة- او فعله بسبب خطاء في اجتهاده حيث ظن النهى للتنزيه- او الاشارة الى عين تلك الشجرة فتناول من غيرها من نوعها وكان المراد في النهى الاشارة الى النوع وانما جرى عليه ما جرى على طريق السببية المقدرة دون المؤاخذة كتناول السم على الجهل والله اعلم- ولما ذكر الله تعالى دلائل التوحيد والنبوة وخاطب الناس عامة وعدّ انعاماته العامة- خاطب بنى إسرائيل خاصة وذكّرهم النعماء التي اختصت بهم لان السورة مدنية وكان غالب الخطاب في المدينة مع اليهود لانهم كانوا اهل علم والناس تبع لهم فلو اعترفوا بالنبوة اعتراف غيرهم
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اى أولاده والابن من البناء لانه مبنى أبيه ولذلك ينسب المصنوع الى الصانع- ويقال ابو الحرب وبنت فكر- وإسرائيل لقب يعقوب عليه السلام ومعناه بالعبرية عبد الله وايل هو الله- وقيل صفوة الله- وقرا ابو جعفر إسرائيل بغير همزة اذْكُرُوا احفظوا- والذكر يكون بالقلب وباللسان فانه دليل على ذكر القلب وقيل اشكروا لان فى الشكر ذكرا- قال الحسن- ذكر النعمة شكرها- نِعْمَتِيَ لفظها واحد ومعناها جمع الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ- قيد النعمة بهم حتى يحملهم على الرضاء والشكر- واما النعمة على غيرهم فقد يوجب الغيرة والحسد قال قتادة هى النعم التي خصت بها بنوا إسرائيل من فلق البحر وانجائهم من فرعون باغراقه وتظليل الغمام في التيه- وإنزال المن والسلوى- وبعث الأنبياء فيهم- وجعلهم ملوكا وإنزال التورية وغيرها- وقال غيره هى جميع النعم على العباد وَأَوْفُوا بِعَهْدِي بالايمان والطاعة أُوفِ بِعَهْدِكُمْ بالاثابة- والعهد يضاف الى المعاهد والمعاهد- ولعل اولا أضاف الى الفاعل وثانيا الى المفعول فان الله تعالى عهد إليهم بالايمان ووعدهم بالثواب- او في كليهما أضاف الى المفعول اى أوفوا بما عاهدتمونى أوف بما عاهدتكم- اخرج ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس قال- أوفوا بعهدي في اتباع محمد ﷺ أوف بعهدكم في رفع الاصار والاغلال- قال البغوي قال الكلبي عهد الله الى بنى إسرائيل على لسان موسى انى باعث في بنى إسماعيل نبيا اميا فمن تبعه وصدّق بالنور الذي يأتى به غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين اثنين وهو قوله وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعنى في امر محمد صلى الله عليه وسلم- قلت وهذا قوله تعالى في جواب ما قال موسى رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ- الى قوله إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ- الاية- وقال قتادة ومجاهد أراد بها ما ذكر في المائدة وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً الى ان قال لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ الاية- وقال الحسن هو قوله وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ- فهو شريعة التورية- قلت وان هذين القولين راجعان الى ما قال ابن عباس والكلبي فان في الاول وآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ- وكذلك شريعة التورية حاكمة بالايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم
وأسكنها في الوقف وشعبة بحذف الاولى كحفص في الاخرى- واثبت ابن عامر في رواية هشام ثمّ كيدون في الأعراف وفي رواية ابن ذكوان في الكهف فلا تسئلنى- وسياتى جميع ما ورد من ذلك الاختلاف في أماكنها ان شاء الله تعالى-.
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ يعنى القران عطف تفسيرى على أوفوا او تخصيص بعد التعميم فان الايمان هو العمدة في الوفاء بالعهود مُصَدِّقاً اى موافقا في القصص وبعث النبي ﷺ ونعته وفي الوعد والوعيد والدعوة الى التوحيد- والايمان بالأنبياء بلا تفريق بينهم وبما جاءوا به من ربهم والى امتثال الأوامر والانتهاء عن المناهي- او شاهدا على كونها من الله تعالى لِما مَعَكُمْ من الكتب الالهية التورية وغيرها- وفي التقييد بكون القران مصدّقا لمّا معهم تنبيه على ان اتباعها يوجب الايمان به ولذلك عرّض بقوله وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ-
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ اى
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ اى صلوة المسلمين وزكاتهم- فيه دليل على ان الكفار مخاطبون بالفروع- والزكوة مشتق من زكا الزرع إذ انما- او من تزكّى اى تطهر فان فيه تطهير المال وتنميته قال الله تعالى- يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ- وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) مع المصلين محمد ﷺ وأصحابه- ذكر بلفظ الركوع وهو ركن من اركان الصلاة لان صلوة اليهود لم يكن فيه ركوع- وفيه حث على الصلاة بالجماعة (مسئلة) الجماعة ركن عند داود- وقال احمد فريضة وليست بركن وعند الجمهور سنة مؤكدة قريب من الواجب يترك سنة الفجر مع كونها أكد السنن عند خوف فواتها- قال رسول الله ﷺ صلوة الجماعة تفضل صلوة الفرد بسبع وعشرين درجة- متفق عليه من- حديث ابن عمر.
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ- اى بالطاعة وفيه تقرير مع توبيخ وتعجيب والبرّ التوسع في الخير مشتق من البر وهو الفضاء الواسع يتناول كل خير- قال البغوي نزلت في علماء اليهود وذلك ان الرجل منهم كان يقول لقريبه وحليفه من المسلمين إذا ساله عن امر محمد ﷺ اثبت على دينه فان امره حق وقوله صدق- وكذا اخرج الواحدي عن ابن عباس- وقيل هو خطاب لاحبارهم حيث أمروا اتباعهم بالتمسك بالتورية وهم خالفوا التورية وغيروا نعت محمد ﷺ فيه- وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ تتركونها من البر كالمنسيات- وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ التورية وفيها نعت محمد ﷺ وصفته وفيها الوعيد على العناد ومخالفة القول العمل وترك البر أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) قبح صنعكم او أفلا عقل لكم يمنعكم عما تعلمون قبح عاقبته- والعقل في الأصل الحبس ومنه
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَاسْتَعِينُوا على ما يستقبلكم من الحوائج وانواع البلاء بِالصَّبْرِ بانتظار النجح والفرح توكّلا على الله وحبس النفس عن الجزع فانه لا يغنى من القدر شيئا وحبس النفس عن المعاصي وعلى الطاعات فانه تعالى يقول ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ- وقال مجاهد أراد بالصبر الصوم ومنه سمى شهر رمضان شهر الصبر وذلك ان الصوم يزهده في الدنيا والصلاة يرغبه في الاخرة- وَالصَّلاةِ قيل الواو بمعنى على اى استعينوا بالصبر على الصلاة- قال الله تعالى- وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها- او هى بمعناها وللصلوة مدخلا فى دفع الهموم وإنجاح الحوائج- روى احمد وابو داود وابن جرير من حديث عبد العزيز أخي حذيفة بن اليمان انه عليه الصلاة والسلام- كان إذا خرّ به امر فزع الى الصلاة- ويجوز ان يراد بها الدعاء قال رسول الله ﷺ من كانت له حاجة الى الله او الى أحد من بنى آدم فليتوضأ وليحسن وضوءه ثم ليصل ركعتين ثم يثنى على الله ويصلى على النبي صلى الله عليه وسلم- وليقل لا الله الا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العلمين أسئلك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل اثم لا تدع لى ذنبا الا غفرته ولا هما الا فرجته
الَّذِينَ يَظُنُّونَ اى يتوقعون لقاء الله او يستيقنون به- قال البغوي- الظن من الاضداد يكون شكا ويقينا يعنى مشترك بينهما- او يقال اطلق على اليقين مجازا لما شابهه في الرجحان قلت وفي إيراد لفظ الظن هاهنا دون العلم واليقين اشعار بان من كان غالب ظنه انه ملاقى الله وان الله تعالى مجازيه على اعماله فالعقل الصحيح يهوّن عليه الصبر على الطاعة وعن المعصية مخافة الضرر الا ترى ان من كان غالب ظنه ان ماء القدح مسموم فهو يصبر على مشقة العطش ولا يشرب من ذلك الماء وكذا من كان غالب ظنه ان ما في القدح يورث الشفاء والقوة فهو يصبر على مرارته ويشربه- فكيف من كان يؤمن بالله وبجزائه فانه يستحقر المشقة نظرا الى تحصيل رضائه وعظم جزائه بل يستلذ بامتثال امر المحبوب وتوقع لقائه ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام جعلت قرة عينى في الصلاة- أخرجه الحاكم والنسائي- أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ اى معاينوه يرونه في الاخرة- والصلاة معراج المؤمن تكون للعبد وسيلة الى رؤية الله قال الله تعالى وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً وعن ربيعة بن كعب قال كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فاتيته بوضوئه وحاجته فقال لى سل فقلت أسئلك مرافقتك في الجنة قال او غير ذلك قال هو ذاك قال فاعنّى على نفسك بكثرة السجود- رواه مسلم وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- اقرب ما يكون العبد الى الرب وهو ساجد-
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ كرره للتأكيد وتذكير التفضيل وهو أجل النعم وربطه بالوعيد الشديد وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ يريد تفضيل ابائهم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام وبعده ما لم يغيروا دينهم- فضلهم الله تعالى بما سنح عليهم من النبوة والكتاب والايمان والعلم والأعمال الصالحة والملك والعدالة ومناصرة الأنبياء وانما عد نعمة عليهم لان فضل الآباء يوجب شرفا في الأبناء- وفيه حثهم على تحصيل ذلك الفضل إذ لم يكن فضلهم الا باتباع الوحى والأنبياء والكتاب ويمكنهم تحصيله باتباع محمد ﷺ والقران وفيه اتباع موسى والتورية عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧) اى على عالمى زمانهم كذا اخرج ابن جرير عن مجاهد وابى العالية وقتادة- او على من لم يستجمع ذلك الفضائل من العالمين.
وَاتَّقُوا يَوْماً اى ما فيه من العذاب لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ كافرة- للايات والأحاديث الدالة على الشفاعة لاهل الكبائر وعليه انعقد الإجماع شَيْئاً من الحقوق فنصبه على المفعولية او لا تجزى شيئا من الجزاء فنصبه على المصدرية- وقيل لا تغنى شيئا من الإغناء وقيل لا تكفى شيئا من الشدائد- والعائد محذوف تقديره لا تجزى فيه ومن لم يجوز حذف العائد قال اتسع فيه فحذف الجار وأجري مجرى المفعول به ثم حذف وَلا يُقْبَلُ قرا ابن كثير وابو عمرو ويعقوب بالتاء المنقوطة من فوق والباقون بالياء فان الفاعل مؤنث غير حقيقى يجوز فيه التذكير والتأنيث مِنْها اى من العاصية او من الشافعة شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ اى فدية وقيل البدل وأصله التسوية وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) يمنعون من عذاب الله تعالى- والضمير لما دلت عليه النفس الثانية المنكرة الواقعة فى سياق النفي الدالة على العموم والكثرة- أريد بالآية نفى ان يدفع العذاب عن أحد من الكفار أحد بوجه من الوجوه- فانه اما ان يكون قهرا فهو النصرة- او بلا قهر مجانا وهو الشفاعة- او بأداء ما كان عليه وهو ان يجزى عنه او بغيره وهو ان يعطى عنه عدلا- والاية نزلت ردا لما كانت اليهود تزعم ان آباءهم يشفعهم-.
وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ- اى اسلافكم تفصيل لما أجمله من النعم عطف على نعمتى عطف الخاص
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فلقناه بدخولكم- وقيل معناه فرقنا لكم وذلك انه لما دنا هلاك فرعون وامر الله موسى ان يسرى ببني إسرائيل امر موسى قومه ان يسيروا بالليل ويسرّجوا
وإذ وعدنا- قرا ابو جعفر وابو عمرو وعدنا ووعدنكم حيث وقع بلا الف والباقون واعدنا بالألف ومعناهما واحد نحو عاقبت اللص- وقال الزجاج كان من الله الأمر ومن موسى القبول ومن ثم ذكر المواعدة- وقيل وعد الله الوحى ووعده موسى «١» المجيء الى الطور مُوسى قرا حمزة والكسائي بالامالة وكذا يميلان كل ما كان من الأسماء والافعال من ذوات الياء نحو موسى وعيسى ويحيى والموتى- وطوبى- وأخرى- وكسالى وأسارى- ويتمى وفرادى ونصرى- والأيامى والحوايا وبشرى وذكرى- وضيزى وشبهها مما الفه للتانيث وكذلك العمى والهدى والضّحى والرّؤيا- ومأويه وماويكم- ومثويه- ومثويكم وما كان مثله من المقصور وكذلك الأدنى- وازكى واولى وأعلى وشبهها من الصفات وكذا نحو اتى وسعى وزكّى- فسوّى- ويخفى ويرضى- ويهوى وشبهها من الافعال مما الفه منقلبة من ياء وكذلك اما لا انّى التي بمعنى كيف نحو انّى شئتم وانّى لك- وكذلك متى وبلى وعسى حيث كان وكذلك ما أشبهه مما هو مرسوم بالياء ما خلا حمس وهى حتّى ولدى وعلى والى وما زكى فانها مفتوحات اجماعا- وكذلك مفتوح بالإجماع جميع ذوات الواو من الأسماء والافعال نحو الصّفا وسنا برقه وبدا ودنا وعفا وعلا وشبهها ما لم يقع بين ذوات الياء فى سورة اواخر ايها ياء او تلحقه زيادة نحو تدعى- وتبلى- فمن اعتدى ومن استعلى وانجيكم ونجّينا ونجّيكم- وزكّيها وشبهها فانها بالزيادة التحقت بذوات الياء- وقرا ابو عمرو بالامالة مما تقدم ما كان فيها راء بعدها ياء وما كان راس اية في سورة او اخر ايها على ياء هاء والف او كان على وزن فعلى بفتح الفاء «٢» او الكسر او الضم ولم يكن فيه راء قراها بين اللفظين وما عدا ذلك بالفتح- وقرا ورش جميع ذلك بين بين الا ما كان في سورة او اخر ايها على هاء والف فانه أخلص الفتح فيه- وامال ابو بكر رمى في الأنفال وأعمى في الموضعين في سبحان وتابعه ابو عمرو على امالة أعمى في الاول لا غير وفتح ما عدا ذلك وامال حفص مجريها في هود لا غير- وروى عن ابى عمرو يويلتى يحسرتى وانّى إذا كان استفهاما بين اللفظين ويا سفى بالفتح- وكلما ذهب الالف الممال لاجتماع الساكنين وصلا لا يمال وصلا ويمال وقفا نحو هدى للمتّقين- وموسى الكتب فعند الوقف على هدى
(٢) فى الأصل بفتح العين وهو سبق قلم او من الناسخ- ابو محمد عفا الله عنه
ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ حين تبتم- والعفو محو الجريمة من عفا إذا درس- مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الاتخاذ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) لكى تشكرون- قيل الشكر هو الطاعة ويكون بالقلب واللسان والجوارح قال الحسن- شكر النعمة ذكرها- وقال سيد الطائفة جنيد شكر النعمة صرفها في رضاء المنعم- وقيل حقيقة الشكر العجز عن الشكر- قال البغوي حكى عن موسى قال- الهى أنعمت علىّ النعم السوابغ وأمرتني بالشكر وانما شكرى إياك نعمة منك- قال الله تعالى يا موسى تعلمت العلم الذي لا يفوقه علم حسبى من عبدى ان يعلم انّ ما به من نعمة فهو منى- وقال داود سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكرا كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة.
وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعنى التورية. وَالْفُرْقانَ قيل هى التورية ذكرها باسمين وقال الكسائي الفرقان نعت الكتاب والواو زائدة يعنى الفارق بين الحق والباطل وقيل أراد بالفرقان المعجزات الفارقة بين المحق والمبطل- او الشريعة الفارقة بين الحلال والحرام لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) بتدبر الكتاب-.
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ الذين عبدوا العجل يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ أضررتم أنفسكم بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا فارجعوا إِلى بارِئِكُمْ اى من خلقكم بريّا من التفاوت وميّز بعضكم عن بعض بصور وهيات مختلفة- واصل التركيب لخلوص الشيء من غيره اما على سبيل التقضي نحو برىء المريض والمديون او الإنشاء نحو برا لله آدم من الطين قرا ابو عمرو بارئكم في الحرفين ويأمركم- ويأمرهم- وينصركم- ويشعركم باختلاس حركة الاعراب وقيل بالإسكان فيصير الهمزة ياء «١» على مذهبه وقرا الباقون بتمام الحركة وامال الكسائي بارئكم بالحرفين والبارئ المصوّر- وسارعوا- ويسارعون ويسارع حيث وقع والجار في الموضعين وجبّرين في الموضعين والجوار في الشورى والرحمن وكورت ومن انصارى الى الله في المكانين وكمشكوة في النور وقرا ورش الجار والجبّارين بين بين- فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ اى ليقتل البريء منكم المجرم تماما لتوبتكم- ويجوز ان يكون الفاء لتفسير التوبة يعنى فاقتلوا أنفسكم هذه توبتكم
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وَإِذْ قُلْتُمْ حين امر الله موسى ان يأتيه في ناس من بنى إسرائيل معتذرين اليه من عبادة العجل فاختار سبعين رجلا من خيارهم- وقال لهم صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم ففعلوا فخرج بهم الى طور سيناء فقالوا له اطلب لنا نسمع كلام ربنا- فلما دنا موسى من الجبل وقع عليهم عمود الغمام وتغشى الجبل كله فدخل في الغمام وقال لهم حين دخلوا في الغمام خروا سجدا- وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد ان ينظر اليه فضرب دونهم الحجاب فسمعوه وهو يكلم بأمره وينهاه- وأسمعهم الله انى انا الله لا اله الا انا ذو بكة أخرجتكم من ارض مصر بيد شديدة فاعبدونى ولا تعبدوا غيرى- فلما فرغ موسى وانكشف الغمام واقبل إليهم- قالوا يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ اى لاجل قولك- او لن نقر لك ان الله الذي اعطاك التورية وكلمك او انك نبى حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً- عيانا وهى في الأصل مصدر جهرت بالقراءة- استعير للمعاينة ونصبها على المصدر لانها نوع من الرؤية او الحال من الفاعل او المفعول به
ثُمَّ بَعَثْناكُمْ أحييناكم والبعث اثارة الشيء من محله مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ قال قتادة أحياهم ليستوفوا بقية اجالهم وأرزاقهم ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا الى يوم القيامة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) نعمة البعث او ما كفرتموه لما رايتم بأس الله بالصاعقة-.
وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ الغمام من الغم أصله التغطية وهو يغطى وجه الشمس لما لم يكن لهم في التيه كنّ يسترهم فشكوا الى موسى عليه السلام فارسل الله غما ما ابيض رقيقا أطيب من غمام المطر فظلّهم من الشمس- وجعل لهم عمدا من نور تضىء لهم بالليل إذا لم يكن قمر- وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ فى التيه قيل هو الخبز الرقاق- والأكثرون على انه الترنجبين وقال مجاهد هو شىء كالصمغ كان يقع على الأشجار طعمه كالشهد فقالوا يا موسى قتلنا هذا لمن بحلاوته فادع لنا ربك يطعمنا اللحم فانزله الله وَالسَّلْوى وهو طائر يشبه السمانى- وقيل هو السمانى بعث الله تعالى سحابة فمطرت السمانى في عرض ميل وطول رمح في السماء بعضه على بعض وكان ينزل المن والسلوى كل صباح من طلوع الفجر الى طلوع الشمس فيأخذ كل واحد منهم ما يكفيه يومه وليلته فاذا كان يوم الجمعة أخذ ما يكفيه ليومين ولم يكن ينزل يوم السبت وقلنا لهم كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ حلالات لذيذات ما رَزَقْناكُمْ ولا تدخروا لغد ففعلوا فقطع الله ذلك عنهم وفسد ما ادخروه- روى احمد والشيخان عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- لولا بنوا إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم- ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها- وَما ظَلَمُونا فيه اختصار وأصله فظلموا بكفران النعمة وما ظلمونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) باستيجابهم عذابى وقطع مادة الرزق الذي ينزل عليهم بلا مشقة في الدنيا ولا حساب في الاخرة-.
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ قال ابن عباس هى أريحا وهى قرية الجبارين كان
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ظاهر الاية تدل على ان بنى إسرائيل لم يبدّلوا كلهم ولذا لم يضمروا بل بدّل بعضهم بما أمروا به من التوبة والاستغفار طلب ما يشتهون من اعراض الدنيا- روى البغوي بسنده من طريق البخاري عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ قيل لبنى إسرائيل ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا حبة في شعيرة فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا- كرره مبالغة في تقبيح أمرهم واشعارا بان الانزال عليهم بسبب ظلمهم بوضع غير المأمور به في موضعه- وإتيانهم موجب هلاكهم- قلت ولعله لتخصيص ذلك العذاب بالذين ظلموا منهم دون سائرهم رِجْزاً عذابا اخرج ابن جرير عن ابن عباس كل شىء في القران من الرجز عنى به العذاب- والرجز فى الأصل ما يعاف عنه ويتنفر عنه الطبع وكذلك الرجس مِنَ السَّماءِ قيل أرسل عليهم طاعون فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون الفا- واخرج ابن جرير عن ابن زيد- الطاعون رجز نزل على من كان قبلكم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) اى يخرجون من امر الله تعالى-.
وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ- لما عطشوا في التيه فسالوا موسى فَقُلْنَا اضْرِبْ
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وكانت من أس الجنة طولها عشرة اذرع على طول موسى ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا حملها آدم من الجنة فتوارثت الأنبياء حتى وصلت الى شعيب فاعطاها موسى الْحَجَرَ اللام فيه للعهد قال ابن عباس كان حجرا مربعا مثل رأس الرجل كان يضعه في مخلاته- وقال عطاء- كان للحجر اربعة وجوه لكل وجه ثلث أعين لكل سبط عين- قال سعيد بن جبير هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه ليغتسل ففرّ بثوبه «١» ومر به على ملإ من بنى إسرائيل حين رموه بالادرة- فلما وقف أتاه جبرئيل فقال ان الله عزّ وجلّ يقول ارفع هذا الحجر فلى فيه قدرة ولك فيه معجزة- فرفعه ووضعه في مخلاته- وقصة فرار الحجر في الصحيحين وليس فيهما انه لما وقف أتاه جبرئيل الى آخره- واخرج عبد بن حميد عن قتادة انه كان حجرا من الطور يحملونه معهم- قيل كان الحجر من الرخام وقيل كان من الكدان فيه اثنا عشرة حفرة ينبع كل حفرة عين ماء عذب فاذا فرغوا وأراد موسى حمله ضربه بعصاه فيذهب الماء- وكان يسقى كل يوم ستمائة الف- او كان اللام للجنس كما قال وهب- انه لم يكن حجرا معينا بل كان موسى يضرب اىّ حجر كان فينفجر عيونا- قال عطاء- كان موسى يضربه ثنتى عشرة ضربة فيظهر على موضع كل ضربة مثل ثدى المرأة يعرق منه ثم ينفجر الأنهار ثم يسيل- فَانْفَجَرَتْ متعلق بمحذوف تقديره فان ضربت انفجرت او فضرب فانفجرت- قال اكثر المفسرين انفجرت- وانبجست بمعنى واحد وقال ابو عمرو انبجست عرقت وانفجرت سالت مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً على عدد الأسباط قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ كل سبط مَشْرَبَهُمْ موضع شربهم لا يدخل سبط على غيره في شربه- وقلنا لهم كُلُوا من المن والسلوى وَاشْرَبُوا من الماء فهذا كله مِنْ رِزْقِ اللَّهِ الذي يأتيكم بلا مشقة وَلا تَعْثَوْا العثى أشد الفساد فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠) حال مؤكدة وقال البيضاوي- انما قيد لان العثى وان غلب في الفساد فانه قد يكون منه ما ليس بفساد كمقابلة الظالم المتعدى بفعله- ومنه ما يتضمن صلاحا راجحا كقتل الخضر الغلام وخرقه السفينة- قلت ويمكن ان يراد بالعثى مطلق التبذير كما في حديث عمر قال لرسول الله ﷺ كسرى وقيصر يعثيان فيما يعثيان فيه وأنت هكذا يعنى يبذّران المال تبذيرا- وحينئذ قوله تعالى مفسدين تقييد-.
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ يعنى ما رزقوا في التيه
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بمحمد ﷺ بألسنتهم أعم من ان يؤمنوا بقلوبهم أو لم يؤمنوا فدخل فيهم المنافقون وَالَّذِينَ هادُوا اى تهوّدوا- يقال هاد إذا دخل في اليهودية ويهود اما عربى من هاد بمعنى تاب سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل- او لقولهم انّا هدنا إليك واما معرّب يهودا سموا بذلك اسم اكبر أولاد يعقوب عليه السلام وَالنَّصارى جمع نصران كندمان والياء في النصراني للمبالغة كما في أحمري سموا بذلك لانهم نصروا المسيح او لانهم نزلوا مع المسيح في قرية يقال لها ناصرة او نصران- وَالصَّابِئِينَ قرا اهل المدينة بغير الهمزة والباقون بالهمزة وأصله الخروج يقال صبا فلان إذا خرج من دين الى اخر- وصبا ناب البعير إذا خرج- وهم خرجوا من كل دين- قال عمرو ابن عباس هم قوم من اهل الكتاب- فقال عمر يحل ذبائحهم وقال ابن عباس لا يحل ذبائحهم ولا مناكحتهم- وقال مجاهدهم قوم نحو الشام بين اليهود والمجوس من اهل الكتاب- وقال الكلبي هم بين اليهود والنصارى- وقال قتادة... هم قوم يقرءون الزبور ويعبدون الملائكة ويصلّون الى الكعبة أخذ ومن كل دين شيئا مَنْ آمَنَ منهم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مع محمد ﷺ بالقلب واللسان- وقيل المراد بالذين أمنوا المخلصين من امة محمد صلى الله عليه وسلم- وقيل هم المؤمنون من الأمم الماضية- وقيل هم الذين أمنوا قبل البعث وهم طلاب الدين مثل حبيب النجار- وقس بن ساعدة- وزيد بن عمرو بن نفيل- وورقة بن نوفل- والبراء الشنّى- وابى ذر الغفاري وسلمان الفارسي- وبحيرا الراهب- ووفد النجاشي فمنهم من أدرك النبي ﷺ وتابعه ومنهم من لم يدركه قال الخطيب الّذين أمنوا بإبراهيم عليه السلام وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ الذين كانوا على دين موسى وعيسى قبل النسخ- وحينئذ المراد بمن أمن اى مات منهم على الايمان- قلت ويمكن ان يكون من أمن اشارة الى الذين «١» كمل ايمانهم بتصفية القلب وتزكية النفس والقالب وهم الصوفية- كما في قوله عليه السلام... لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من والده وولده والناس أجمعين- رواه الشيخان واحمد والنسائي وابن ماجة عن انس
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ باتباع موسى والعمل بالتورية وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ وهو الجبل بالسريانية- قال البغوي وذلك ان الله تعالى انزل التورية على موسى عليه السلام فامر موسى قومه ان يقبلوها ويعملو باحكامها فابوا ان يقبلوها للاصار والاغلال التي فيها وكانت شريعة ثقيلة فامر الله تعالى جبرئيل فقلع جبلا على قدر عسكرهم وكان فرسخا في فرسخ فرفعه فوق رءوسهم مقدار قامة الرجل كالظلة وقال لهم ان لم تقبلوا التورية أرسلت هذا الجيل عليكم- كذا اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس وقال عطاء عن ابن عباس رفع الله فوق رءوسهم الطور وبعث نارا من قبل وجوههم وأتاهم البحر الملح من خلقهم انتهى- وقلنا لهم خُذُوا ما آتَيْناكُمْ من التورية بِقُوَّةٍ بجد واجتهاد وَاذْكُرُوا وادرسوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) لكى تتقوا المعاصي- او رجاء منكم ان تكونوا متقين- او لكى تتقوا من الهلاك في الدنيا والعذاب في الاخرة- فلما راوا ان لا مهرب قبلوا وسجدوا وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود- فصارت سنة في اليهود يسجدون على انصاف وجوههم ويقولون بهذا السجود رفع العذاب عنا.
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم عن الوفاء بالميثاق مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، يعنى بالامهال وتأخير العذاب- ويمكن ان يراد لولا فضل الله عليكم ببعثة محمد ﷺ حيث جعله رحمة للعالمين
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ اللام موطية للقسم- والسبت في الأصل القطع لان الله تعالى قطع فيها الخلق- او لان اليهود أمروا بقطع الأعمال فيه والتجرد للعبادة والقصة انهم كانوا زمن داود عليه السلام نحوا من سبعين «١» الفا بأرض حاضر البحر يقال لها ايلة حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت وابتلاهم بانه إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر الا اجتمع هناك يخرجون خراطيمهم من الماء حتى لا يرى الماء من كثرتها- ويوم لا يسبتون لا تأتيهم فاحتالوا للصيد وحفروا حياضا وشرعوا إليها الجداول فاذا كان يوم السبت اقبل الموج بالحيتان الى الحياض فلا يقدرن على الخروج منها لبعد عمقها وقلة مائها فيصطادون يوم الأحد- وقيل كانوا ينصبون الحبائل والشصوص يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد- وصار اهل القرية ثلثة اصناف صنف امسك ونهى وصنف امسك ولم ينه وصنف انتهك الحرمة- وكان الناهون اثنى عشر الفا فلما ابى المجرمون قبول نصحهم لعنهم داود وغضب الله عليهم فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا امر تكوين قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) باعدين مطرودين.
فَجَعَلْناها اى تلك العقوبة نَكالًا عبرة تنكل اى تمنع المعتبر ومنه النكل للقيد لِما بَيْنَ يَدَيْها اى لمعاصريهم وَما خَلْفَها اى من بعدهم فما بمعنى من او لاجل ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر- وقيل فيه تقديم وتأخير تقديره فجعلناها وما خلفها اى ما أعد لهم من العذاب في الاخرة نكالا لمّا بين يديها من ذنوبهم وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦) للمؤمنين من امة محمد صلى الله عليه وسلم.
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ أول هذه القصة قوله تعالى وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها- وانما قدمت عليه ليدل بالاستقلال على نوع اخر من مساويهم وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال وترك المسارعة الى الامتثال- والقصة انه كان في بنى إسرائيل رجل غنىّ اسمه عاميل وله ابن عم فقير لا وارث له سواه فلما طال له موته قتله ليرثه وحمله
(٢) اصل الحمزة في أمثاله النقل وإسقاط الهمزة- ابو محمد
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ اى ما حالها- كان حقه ان يقول اى بقرة- او كيف هى لان السؤال بما يكون عن الجنس غالبا لكنهم لما راوا ظهور القتل بذبح اىّ فرد من جنس البقرة مستبعدا وزعموا انها بائنة عن سائر البقرات بونا بعيدا حتى يكون كانه جنس اخر أجروه مجرى ما لا يعرفون حقيقته- قالَ موسى إِنَّهُ اى الشأن يَقُولُ يعنى الله تعالى إِنَّها اى البقرة المأمور بها- فان قيل عود الضمر إليها تدل على ان المراد من أول الأمر كانت بقرة معينة ويلزمه تأخير البيان عن وقت الخطاب- قلت تأخير البيان عن وقت الخطاب جائز- وانما لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة- وايضا عود الضمير إليها لا يدل على ان المراد كان من أول الأمر ذلك- كيف والمطلقة تدل على الإطلاق ولا دليل هناك على التقييد ومن ثم قال رسول الله ﷺ لو ذبحوا اىّ بقرة اجزتهم
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها- فاقع تأكيد لصفرة لونها مرفوع على الفاعلية قال ابن عباس شديد الصفرة وقال الحسن الصفراء السوداء- وليس بشىء فان الفقوع خلوص الصفرة ولذلك يؤكد به فيقال اصفر فاقع كما يقال اسود حالك- واحمر قانى- واخضر ناضر وابيض تقق للمبالغة تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) إليها «٢» - اى تعجبهم والسرور لذة في القلب عند حصول نفع او توقعه.
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ تكرير للسوال الاول واستكشاف
(٢) فى الأصل إليهم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ اى غير مذللة بالعمل تُثِيرُ الْأَرْضَ تقلبها للزراعة وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ لا زائدة والفعلان صفتا ذلول يعنى لا ذلول مثيرة وساقية مُسَلَّمَةٌ سلمها الله تعالى من العيوب او أهلها من العمل لا شِيَةَ فِيها اى لون يخالف لون جلدها- وهى في الأصل مصدر على وزن عدة من وشى يشى وشيا وشية فهو واش إذا خلط بلونه لونا اخر قال الجزري الوشي النقش قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ اى بحقيقة وصف البقرة وتمام بيانها- وطلبوها بكمال أوصافها فلم يجدوها الا مع الفتى فاشتروها بملا مسكها ذهبا فَذَبَحُوها فيه اختصار تقديره فحصلوا البقرة فذبحوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) لكثرة مراجعاتهم او لاختلافهم فيما بينهم او لخوف الفضيحة في ظهور القاتل او لعدم وجدانها بتلك الصفات او لغلاء ثمنها.
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً هذا أول القصة فَادَّارَأْتُمْ فِيها اى تدارأتم وتدافعتم يحيل بعضكم على بعض ويدفع عن نفسه وَاللَّهُ مُخْرِجٌ اى مظهر اعمل لانه حكاية مستقبل كما أعمل باسط ذراعيه لانه حكاية حال ماضية ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فان القاتل يكتم القتل.
فَقُلْنا اضْرِبُوهُ
عطف على ادّارءتم وبينهما اعتراض والضمير المنفس بتأويل الشخص بِبَعْضِها
اى ببعض البقرة اىّ بعض كان وفيه اختصار تقديره فضرب فحيى قال ابن عباس- ضربوه بالعظم الذي يلى الغضروف وهو المقتل- وقيل بعجب الذنب وقيل بلسانها وقيل بفخذه الايمن فقام القتيل حيا بإذن الله تعالى وأوداجه تشخب دما وقال قتلنى فلان- ثم سقط ميتا فحرم قاتله الميراث وفي الحديث ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة كَذلِكَ
مثل احياء ذلك القتيل يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى
خطاب لمن حضر حيوة القتيل او نزول الاية والظاهر هو الاول بدليل قوله وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
(٧٣)
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ القساوة عبارة عن الغلظ مع الصلابة والمراد به خروج الرحمة واللين والخير عن قلوبهم ويترتب عليه طول الأمل ونسيان الذكر واتباع الشهوات وكلمة ثم لاستبعاد القسوة بعد موجبات الرقة مِنْ بَعْدِ ذلِكَ يعنى احياء القتيل او جميع ما عد من الآيات قال الكلبي قالوا بعد ذلك نحن لم نقتله فَهِيَ فى القساوة كَالْحِجارَةِ أَوْ بل هى أَشَدُّ أزيد منها قَسْوَةً او انها مثلها بل مثل ما هو أشد منها قسوة فحذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه- وفي أشد من المبالغة في القساوة ما ليس في أقسى- ويكون او للتخيير في التشبيه او للترديد بمعنى من عرف حالها شبهها بالحجارة او بما هو أقسى منها وترك ضمير المنفصل عليه لعدم اللبس- وانما ذكر الحجارة دون الحديد والنحاس لان الحديد ونحوها تلين بالنار دون الحجارة ثم بين وجه الخير في الحجارة دون القلب القاسي فقال وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ يعنى عيونا دون الأنهار فينتفع بها عباد الله بخلاف قلوب الكفار حيث لا منفعة فيها أصلا وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ من أعلى الجبل مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وقلوبكم لا تلين ولا تخشع- فان قيل الحجر جماد فكيف يتصور منه الخشية قال البيضاوي الخشية مجاز عن انقيادها للاوامر التكوينية- قلت وهذا ليس بشىء فان الانقياد للاوامر التكوينية موجود في قلوب الكفار ايضا قال الله تعالى خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ- فهم انقادوا للختم وقال- وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً- وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ ان قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف يشاء ثم قال رسول الله ﷺ اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك- رواه مسلم- والتحقيق ما قال البغوي ان مذهب اهل السنة والجماعة ان لله تعالى علما في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره- فلها صلوة وتسبيح وخشية قال الله تعالى- وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا
- وقال- وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ- وقد مر الكلام في هذا الباب في ذكر عذاب القبر في تفسير قوله تعالى ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ قال البغوي روى ان النبي ﷺ كان على ثبير والكفار يطلبونه فقال الجبل انزل عنى فانى أخاف ان تؤخذ على فيعاقبنى الله تعالى بذلك- وقال له جبل حراء الىّ الىّ يا رسول الله وروى البغوي بسنده عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله ﷺ انى لاعرف حجرا بمكة كان يسلم علىّ قبل ان ابعث وانى لا عرفه الان هذا حديث صحيح أخرجه مسلم- قال وصح عن انس ان رسول الله ﷺ طلع له أحد فقال هذا جبل يحبنا ونحبه- وعن ابى هريرة قال صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ثم اقبل على الناس بوجهه فقال بينا رجل يسوق بقرة إذ عيي فركبها فضربها فقالت انا لم نخلق لهذا انما خلقنا لحراثة الأرض فقال الناس سبحان الله بقرة تتكلم فقال رسول الله ﷺ فانى او من به وابو بكر وعمرو ماهما ثم- وقال بينا رجل في غنم له إذ عدا الذئب على الشاة منها فادركها صاحبها فاستنقذها فقال الذئب فمن لها يوم السبع يوم لا راعى لها غيرى فقال الناس سبحان الله ذئب تتكلم فقال او من به وابو بكر وعمر وما هما ثم متفق عليه وصح عن ابى هريرة قال كان رسول الله ﷺ على حراء وابو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال النبي ﷺ اهدأ فما عليك الا نبى او صديق او شهيد أخرجه مسلم- وروى بسنده عن على قال كنا مع رسول الله ﷺ بمكة فرحنا في نواحيها خارجا من مكة بين الجبال والشجر فلم نمر بشجرة ولا جبل الا قال السلام عليك يا رسول الله- وروى بسنده عن جابر بن عبد الله يقول كان النبي ﷺ استند الى جذع نخلة من سوارى المسجد فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت
تلك السارية تحن كحنين الناقة حتى سمعها اهل المسجد حتى نزل رسول الله ﷺ فاعتنقها فسكنت- وقال قال...
مجاهد لا ينزل الحجر من أعلى الى أسفل الا من خشية الله تعالى وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) وعيد قرا ابن كثير يعملون بالياء التحتانية والباقون بالتاء الفوقانية.
أَفَتَطْمَعُونَ الخطاب لرسول الله ﷺ والمؤمنين أَنْ يُؤْمِنُوا يعنى اليهود لَكُمْ اى لاجل دعوتكم او يصدقوكم وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ يعنى التورية ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ اى فهموه بلا ريب
وَإِذا لَقُوا يعنى من اليهود الذين كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وقد مر ذكرهم من قبل الَّذِينَ آمَنُوا من اهل المدينة حين شاوروهم في اتباع محمد ﷺ قالُوا آمَنَّا يعنى صدقنا في أنفسنا بان رسولكم هو المبشر به في التورية فاتبعوه وأمنوا به- وقال ابن عباس المراد بهم المنافقون من اليهود وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا كايمانكم وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الى كعب بن الأشرف ووهب بن يهود او غيرهم من رؤساء اليهود لاموهم على ذلك وقالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وعلمه وبيّنه في التورية لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ يوم القيامة انهم كانوا يعلمون بصدق محمد ﷺ ويأمروننا باتباعه ومع ذلك كفروا به علانية او سرّا- وأشار البيضاوي الى البحث في هذا التقرير وقال وقيل عند ربّكم في القيامة وفيه نظر إذا لا خفاء لا يدفعها- قلت نعم الإخفاء لا يدفعها لكنهم لكمال حماقتهم قالوا هذا كما قالوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ مع ادعائهم بانزال التورية على موسى- وقد مر في قصصهم من أقوالهم وأفعالهم بعد ما راووا الآيات البينات من موسى عليه السلام ما لا يقولها إلّا مجنون- وكما ان اصحاب الصيب يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ مع ان جعلهم الأصابع في الاذان لا يجديهم من الصواعق شيئا ويؤيد هذا التفسير تذئيل الاية أَفَلا تَعْقِلُونَ والاية الذي بعده- او المراد لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ اى ليحتج اصحاب محمد ﷺ عليكم بما انزل ربكم في كتابه جعل محاجتهم بكتاب الله وحكمه محاجة عنده مجازا- كما يقال عند الله كذا ويراد به في كتابه وحكمه كذا- او كان بحذف المضاف اى عند كتاب ربكم- او عند رسول ربكم- وارتضى البيضاوي هذه التأويلات- وحمل الاية على مقال المنافقين دون من يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم من المجهرين بالكفر قلت وهذه التأويلات مع ما فيها
أَوَلا يَعْلَمُونَ هؤلاء اللائمين أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧) فاخفاؤهم نعت محمد ﷺ لا يدفع عنهم الاحتجاج- ويحتمل ان يكون ضمير يعلمون الى المنافقين فان نفاقهم وان كان النبي ﷺ والمؤمنون لا يعلمونه فا الله يعلمه ويجازيهم عليه- او الى اليهود أجمعين فان الله تعالى يعلم اسرار بعضهم بالكفر وإعلان بعضهم وإخفاء نعت محمد ﷺ وتحريف الكلم وسائر ما يعملون من موجبات غضب الله وعذابه في السر والعلانية.
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ اى جهاتهم لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ التورية إِلَّا أَمانِيَّ استثناء منقطع- والأماني جمع امنية وهى في الأصل ما يقدّره الإنسان في نفسه من منىّ والمراد الأكاذيب التي افتروها أحبارهم كذا قال مجاهد وقتادة- قال الفراء الأماني الأحاديث المفتعلة ومنه قول عثمان رضى الله عنه ما تمنيت منذ أسلمت اى ما كذبت- او المراد الّا ما تمناه أنفسهم من غير حجة مثل قولهم لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى - وقولهم- لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ كذا قال الحسن وابو العالية- او المراد به الا ما يقرءون الكتاب بألسنتهم غير عارفين بمعاني الكتاب منه قوله تعالى إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ كذا قال ابن عباس- قرا ابو جعفر أماني بتخفيف الياء في كل القران والباقون بالتشديد وَإِنْ هُمْ ما هم إِلَّا قوم يَظُنُّونَ (٨٨) بالتقليد لا علم عندهم.
فَوَيْلٌ اى تحسر وهلك قال الزجاج ويل كلمة يقولها كل واقع في هلكة- وقال ابن عباس شدة العذاب- وقال سعيد بن المسيب ويل واد في جهنم لو سيرت فيه جبال جهنم لانماغت ولذابت من شده حره- وروى البغوي بسنده عن ابى سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وَقالُوا اى اليهود لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً- المس إيصال الشيء بالبشرة بحيث يتاثر به الحاسة- قال ابن عباس كانت اليهود يقولون مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وانما نعذب بكل الف سنة يوما- وقال قتادة وعطاء يعنون أربعين يوما التي عبد فيها اباؤهم العجل- وقال الحسن وابو العالية قالوا ان ربّنا عتب علينا في امر فاقسم ليعذبنا أربعين يوما فلن تمسنا النار الا أربعين يوما تحلة القسم- فقال الله تعالى لتكذيبهم قُلْ يا محمد أَتَّخَذْتُمْ استفهام انكار- قرا ابن كثير وحفص بإظهار الذال في اتخذتم وأخذتم وما كان مثله من لفظه وادغم الباقون عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً عهده إليكم ان لا يعذب الا هذا المقدار فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ جواب شرط محذوف اى ان اتخذتم عهدا فلن يخلف- وفيه دليل على ان الخلف في وعد الله محال وانه من الرذائل قال ابن مسعود عهدا بالتوحيد يدل عليه الا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً يعنى قول لا الله الا الله يعنى ما قلتم الا اله الا الله حتى يكون لكم عند الله عهدا أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ () كذبا- أم يحتمل ان تكون متصلة ومنقطعة.
بَلى اثبات لما نفوه من مساس النار زمانا طويلا مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً معصية والكسب استجلاب النفع وتعليقه بالسيئة على سبيل التهكم نحو فبشّرهم بعذاب اليم وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ اى استولت عليه وشملت جملة أطرافه حتى صار كالمحاط بها لا يخلوا عنها شىء من جوانبه- فهذا لا يصدق الا على الكفار لا على من في قلبه
(٢) في الأصل الويل في جهنم.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ على نحو ما سبق من لا تعبدون اى لا يتعرض بعضهم بعضا بالقتل والاجلاء وانما جعل قتل الرجل او إخراجه غيره قتل نفسه وإخراجه لاتصاله نسبا ودينا كذا يطلقون في محاوراتهم وقيل معناه لا ترتكبوا ما يبيح سفك دمائكم وإخراجكم من دياركم وقيل معنى لا تخرجوا لا تسيؤا في الجوار فتلجؤهم بسوء جواركم ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بهذا العهد وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) على أنفسكم بالميثاق فهو تأكيد- او المعنى وأنتم ايها الموجودون تشهدون على اقرار اسلافكم فحينئذ أسند الإقرار إليهم مجازا-.
ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ استبعاد لما ارتكبوه بعد الميثاق أنتم مبتدأ وهؤلاء خبره والمعنى أنتم بعد ذلك هؤلاء الناقضون كقولك أنت ذلك الرجل الّذى فعل كذا- نزّل تغيير الصفة منزلة تغيير الذات والجملة بعده حال والعامل فيه معنى الاشارة- او بيان لجملة أنتم هؤلاء او يقال أنتم مبتدأ وهؤلاء تأكيد والخبر الجملة بعده او يقال هؤلاء بمعنى الذي والجملة صلته والمجموع خبر أنتم او يقال أنتم يا هؤلاء تقتلون تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ قرا عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الظاء بحذف تاء التفاعل وكذا في التحريم والباقون بالإدغام بين التاء من التاءين
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا استبدلوا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ يهون عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦) لا يمنعون من عذاب الله-.
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التورية وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ اى أرسلنا قفاه رسلا تترى فقوله من بعده تأكيد لمعنى قفينا لتضمنه معنى البعدية يعنى يوشع واشموئيل وشمعون وداؤد وسليمان وأيوب وشعيا وارميا وعزيرا «١» وحزقيل- واليسع- يونس وزكريا- ويحيى والياس وغيرهم صلوات الله عليهم أجمعين-.
وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ الدلالات الواضحات من إبراء الأكمه والأبرص واحياء الموتى وغير ذلك او المراد الإنجيل وَأَيَّدْناهُ قويناه- بِرُوحِ الْقُدُسِ قرا ابن كثير بسكون الدال والآخرون بضمها- والمراد بالروح جبرئيل- او الروح الذي نفخ في عيسى- والقدس الطهارة مصدر بمعنى الفاعل اى الطاهر- وهو الله تعالى اضافه الى نفسه تكريما- نحو بيت الله وناقة الله نظيره فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا- او الاضافة على طريقة حاتم الجود فيكون الطهارة في المعنى صفة للروح وطهارة جبرئيل وعيسى لاجل عصمتهما ولطهارة عيسى عن مس الشيطان عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما من بنى آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان غير مريم وابنها- متفق عليه ولانه لم يشتمل عليه أصلاب الفحول ولا أرحام الطوامث- وتائيد عيسى بجبرئيل انه امر ان يسير معه حيث سار حتى صعد به الى السماء- وقيل المراد بالروح اسم الله الأعظم الذي كان عيسى يحيى به الموتى ويرى الناس العجائب وقيل المراد به الإنجيل نظيره أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا- فان كتاب الله تعالى سبب لحيوة القلوب وعلى هذين التأويلين اضافة الروح الى الله وتوصيفه بالطهارة ظاهرة- قال البغوي فلما سمعت اليهود ذكر عيسى عليه السلام قالوا يا محمد لا مثل عيسى كما تزعم عملت ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت- فأتنا بما اتى به عيسى ان كنت صادقا فقال الله تعالى أَفَكُلَّما جاءَكُمْ يا معشر اليهود رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اى بما لا تحبه يقال هوى بالكسر إذا أحب وبالفتح إذا سقط معطوف على الجمل السابقة- ووسطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به توبيخا لهم على تعقيبهم ذاك بهذا وتعجيبا
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ جمع الا غلف وهو الّذى عليه غشاوة خلقية فلا تعى ولا تفقه ما تقول نظيره قوله تعالى قالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ- كذا قال مجاهد وقتادة- وقيل أصله غلف بضم اللام خفف ويؤيده قراءة الأعرج وما قرا ابن عباس بضم اللام وهو جمع غلاف اى قلوبنا اوعية لكل علم فلا نحتاج الى علمك كذا قال ابن عباس وعطاء وقال الكلبي معناه اوعية لكل علم فهى لا يسمع حديثا إلا وعته الا حديثك فلا يعقله ولا تعيه ولو كان فيه خيرا لوعته وفهمته فرد الله قولهم اى ليس قلوبهم مغشاة في اصل الخلقة كما قال رسول الله ﷺ ما من مولود الا يولد على الفطرة فابوه يهودانه وينصرانه ويمجسانه الحديث متفق عليه من حديث ابى هريرة- وليست اوعية للعلم ايضا بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ اى طردهم وابعدهم عن كل خير وخذلهم بِكُفْرِهِمْ كما قال الله تعالى فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ- فانى لهم دعوى العلم والاستغناء فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (٨٨) نصب قليلا على الحال وما مزيدة للمبالغة ومعناه فيؤمنون حال كونهم اقل قليل اى لا يؤمن منهم الا اقل قليل فان من أمن من المشركين اكثر ممن أمن من اليهود كذا قال قتادة- او منصوب على المصدرية يعنى إيمانا قليلا يؤمنون- او بنزع الخافض اى بقليل مما وجب الايمان به يؤمنون وهو ايمانهم ببعض الكتاب- وقال الواقدي معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا كقول الرجل للاخر ما اقل ما تفعل كذا اى لا تفعله أصلا- فالقلة مجاز عن العدم.
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعنى القران مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ يعنى التورية وجواب لمّا محذوف دل عليه جواب لمّا الثانية وَكانُوا اى اليهود مِنْ قَبْلُ اى قبل مبعث النبي ﷺ يَسْتَفْتِحُونَ يستنصرون عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا اى على مشركى العرب ويقولون اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في اخر الزمان الذي نجد صفته في التورية- وكانوا ينصرون وكانوا يقولون لاعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبى يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وثمود وارم او المعنى ان اليهود كانوا يفتحون على المشركين نعت النبي ﷺ ويعرّفونهم ان نبيا يبعث منهم وقد قرب زمانه والسين حينئذ
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ما بمعنى شيئا تميز لفاعل بئس المضمر فيه واشتروا صفته بمعنى باعوا وأنفسهم مفعول اشتروا الى بئس ما باعوا به حظ أنفسهم من الاخرة- او المعنى اشتروا به أنفسهم في ظنهم حيث خلصوها عن الذل بترك الرياسة أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ هو المخصوص بالذم بَغْياً مفعول له ليكفروا «١» «٢» دون اشتروا للفصل- واصل البغي الطلب والفساد يقال بغى يبغى بغيا إذا طلب وبغى الجرح إذا فسد- ويطلق الباغي على الظالم لانه مفسد وعلى الخارج على الامام لانه مفسد وطالب للظلم وعلى الحاسد فانه يظلم المحسود ويطلب ازالة نعمته- والمعنى انهم يكفرون حسدا وطلبا لما ليس لهم وفسادا في الأرض أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ القران متعلق ببغيا بتقدير اللام- قرا ابن كثير وابو عمرو ينزل وبابه إذا كان مستقبلا مضموم الاول بالتخفيف من الانزال حيث وقع واستثنى ابن كثير وما ننزّله في الحجر- وننزّل من القران- وحتّى تنزّل علينا في الاسراء واستثنى ابو عمرو على أن ينزّل اية في الانعام- والذي في الحجر ما ننزّل الملئكة الّا بالحقّ مجمع عليه بالتشديد- والباقون بالتشديد من التنزيل في الجميع غير ان حمزة والكسائي يخففان ينزل الغيث في موضعين أحدهما فى لقمان والثاني في الشورى مِنْ فَضْلِهِ بلا سبق عمل يقتضيه- عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يعنى محمدا ﷺ فَباؤُ بِغَضَبٍ بسبب كفرهم بمحمد ﷺ والقران عَلى غَضَبٍ قد سبق عليهم بكفرهم بعيسى والإنجيل وترك العمل بالتورية وعبادة العجل وقولهم عزير ابن الله والاعتداء في السبت وغير ذلك وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠) يراد به إذلالهم بخلاف عذاب العصاة من المؤمنين فانه لتطهيرهم عن الذنوب.
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ من القران وسائر الكتب الالهية قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا اى التورية وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ حال عن الضمير في قالوا- والوراء فى الأصل مصدر جعل ظرفا ويضاف الى الفاعل فيراد ما يتوارى به وهو خلفه- والى المفعول ويراد
(٢) فيه تسامح لانه غير داخلة في الضابطة لانه في قرارة ابن كثير ومن معه بفتح الاول- لعله رحمه الله أراد به وما ننزله وصدر من سباق قلم هذا- ابو محمد عفا الله عنه
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَلَقَدْ جاءَكُمْ قرا ابو عمرو وحمزة والكسائي وهشام بإدغام دال قد في الجيم حيث وقع- وكذا حيث وقع في الذال نحو لقد ذّرانا- والزاء نحو لقد زيّنّا- والسين نحو قد سمع- والشين نحو قد شّغفها- والضاد المعجمة نحو فقد ضلّ- والظاء المعجمة نحو فقد ظلم- واما الطاء المهملة فلم يقع في القران بعد دال قد والا لادغمت- وكذا ادغموا غير هشام «١» فى الصاد المهملة حيث وقع نحو لقد صرّفنا- وتابعهم ابن ذكوان فى الاربعة في الذال والزاء والضاد والظاء لا غير وورش في الأخيرين فقط وقرا ابن كثير وعاصم وقالون بغير ادغام في الاحرف الثمانية كلها ويدغم الدال في الدال اجماعا نحو قد دخلوا- وكذا في التاء اجماعا نحو قد تبيّن الا ان الحسين روى عن نافع الإظهار عند التاء مُوسى بِالْبَيِّناتِ بالدلالات الواضحات وهى تسع ايت بيّنت وغيرها من المعجزات ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ الها مِنْ بَعْدِهِ اى من بعد مجيى موسى او ذهابه الى الطور وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢) حال بمعنى اتخذتم العجل ظالمين بعبادته- او اعتراض بمعنى وأنتم قوم عادتكم الظلم- وسياق الاية وما بعدها للرد عليهم فى قولهم نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا- والتنبيه على ان طريقتهم مع الرسول ﷺ طريقة ابائهم مع موسى لا لتكرير القصة.
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ وقلنا لهم خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا يعنى استجيبوا وأطيعوا سميت الطاعة والاستجابة سمعا إطلاقا للسبب على المسبب قالُوا سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك قال اهل المعاني انهم لم يقولوا هذا بألسنتهم ولكن لمّا تلقوه بالعصيان نسب ذلك الى القول قلت
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قُلْ لهم يا محمد إِنْ كانَتْ لَكُمُ خبر كان الدَّارُ الْآخِرَةُ اسمها عِنْدَ اللَّهِ ظرف خالِصَةً يعنى خاصة بكم منصوب على الحال من الدار مِنْ دُونِ النَّاسِ سائرهم واللام للاستغراق او الجنس- او المسلمين واللام للعهد فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ يعنى فاسئلوه لانه من أيقن انه من اهل الجنة ومن أحباء الله تعالى تمنى التخلص إليها من الدار ذات الشوائب واشتاق الى لقاء الله تعالى اخرج ابن المبارك في الزهد والبيهقي عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ تحفة المؤمن الموت- والديلمي عن جابر مثله وعن الحسين بن على مرفوعا مثله بلفظ الموت ريحانة المؤمن- وقال حبان بن الأسود الموت جسر يوصل الحبيب الى الحبيب- وهذه الاية والأحاديث تدل على ان القبر أول منزل من منازل الاخرة رواه الترمذي وابن ماجة عن عثمان مرفوعا- وعلى ان الوصل بلا كيف مع الله تعالى يحصل بعد الموت قبل القيامة فوق ما كان حاصلا في الدنيا ولولا ذلك لما كان في تمنى الموت فائدة ولم يكن الموت جسرا موصلا الى الحبيب- وقيل معنى الاية ادعوا بالموت على الفرقة الكاذبة فهى نظيرة اية الابتهال- روى عن ابن عباس انه ﷺ قال لو تمنوا الموت لغض كل انسان منهم بريقه وما بقي على وجه الأرض يهودى الا مات أخرجه البيهقي في الدلائل وكذا أخرجه البخاري والترمذي عنه مرفوعا بلفظ لو تمنوا الموت لماتوا واخرج ابن ابى حاتم
عن ابى جحيفة- وابن ابى الدنيا والخطيب وابن عساكر عن ابى بكرة- وابن ابى شيبة والبيهقي عن ابى هريرة- والطبراني وابن عساكر عن العرباض بن السارية- واما ان كان التمني شوقا الى لقاء الله تعالى فذلك محمود- اخرج ابن عساكر عن ذى النون المصري قال الشوق أعلى المقامات وأعلى الدرجات إذا بلغها العبد استبطأ الموت شوقا الى ربه وحبا الى لقائه والنظر اليه شعر أروم وقد طال المدى منك نظرة- وكم من دماء دون مرماى ظلت قلت وهو المقصود بالخطاب الى اليهود حيث قال إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ شوقا الى لقاء ربكم ان كنتم صدقين وروى ابن سعد والشيخان عن عائشة قالت كنت اسمع انه لا يموت نبى حتى يخير بين الدنيا والاخرة قالت أصابت رسول الله ﷺ شديدة فى مرضه فسمعته يقول مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً فظننت انه خير وروى النسائي عنها قالت أغمي رسول الله ﷺ وهو في حجرى فجعلت امسحه وادعوا له بالشفاء بهذه الكلمات اذهب البأس رب الناس فافاق فانتزع يده من يدى فقال بل اسئل الله الرفيق الأعلى- واخرج الطبراني ان ملك الموت جاء الى ابراهيم ليقبض روحه فقال ابراهيم يا ملك الموت هل رايت خليلا يقبض روح خليله- فعرج ملك الموت الى ربه فقال قل له هل رايت خليلا يكره لقاء خليله فرجع فقال اقبض روحى الساعة- وقال يوسف تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ- وعن على رضى الله عنه انه قال لا أبالي أسقط على الموت او أسقط الموت على- أخرجه ابن عساكر في تاريخه وعن عمار رضى الله عنه انه قال بصفين الان الاقى الاحبة محمدا ﷺ وحزبه- أخرجه الطبراني في الكبير وابو نعيم في الدلائل وقال حذيفة حين احتضر جاء حبيب على فاقة لا أفلح من ندم- أخرجه ابن سعد عن الحسن- فان قيل روى احمد عن ابى امامة قال جلسنا الى رسول الله ﷺ فذكّرنا ورققنا فبكى سعد بن ابى وقاص فاكثر البكاء فقال يا ليتنى مت فقال النبي ﷺ يا سعد أعندي تتمنى الموت فردد ذلك ثلث مرات ثم قال يا سعد ان كنت خلقت للجنة فما طال عمرك وحسن عملك فهو خير لك- وهذا الحديث يدل على ان تمنى الموت لا يجوز وان لم يكن لاجل ضرّ نزل به في ماله او جسمه او نحو ذلك فان سعدا لم يتمن الا لخوف عذاب الله- قلت نعم لكن الموت لا يغنى من عذاب الله
الوصال عبيد نفسى- وفي الهجران مولى للموالى واما اليهود فلشدة جهلهم وعنادهم لما كانوا يدّعون انهم أحباء الله تعالى وانهم غير محتاجين الى الأعمال قيل لهم ان كنتم صادقين في دعواكم لا بد لكم من تمنى المنى ولما كانوا كاذبين في دعواهم رد الله تعالى عليهم قولهم وقال.
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً فى هذه الجملة اخبار بالغيب ومعجزة على اليهود بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من موجبات النار كالكفر بمحمد ﷺ والقران وتحريف التورية وغير ذلك من الأعمال- ولما كانت اليد العاملة مختصة بالإنسان فمعز الدولة لقدرته بها عامة صنائعه ومنها اكثر منافعه عبر بها عن النفس تارة وعن القدرة اخرى وَاللَّهُ عَلِيمٌ
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ اللام لام القسم والنون لتأكيد القسم وتجد من افعال القلوب مفعوله الاول ضمير الغائب ومفعوله الثاني احرص- وبتنكير حيوة أريد فرد من افرادها وهى المتطاولة وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا- معطوف على الناس من حيث المعنى كانه قال احرص من الناس ومن الذين أشركوا او على احرص ويكون متعلقا بمحذوف دل عليه ما قبله يعنى احرص من الذين أشركوا- وافرادهم بالذكر مع دخولهم في الناس للمبالغة والاهتمام كما في عطف جبرئيل على الملائكة فان حرص المشركين شديد إذ لم يعرفوا الا الحيوة الدنيا وزيادة حرصهم على الدنيا مع اعراضهم عن الاخرة وهم عالمون بالجزاء بخلاف المشركين دليل على كمال مصابرتهم على النار ففيه زيادة توبيخ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ قيل لو مصدرية بمنزلة ان الّا انها لا تنصب فهو مفعول يود وقال البيضاوي لو بمعنى ليت وكان أصله لو اعمّر فاجرى على الغيبة لقوله يود كقولك حلف بالله ليفعلن- فحينئذ كلمة التمني حكاية لو دادهم فحذف مفعول يود لما يدل عليه ما بعده وفيه بيان لزيادة حرصهم على سبيل الاستيناف ويحتمل ان يكون جملة يود صفة لمبتدأ محذوف والظرف المستقر يعنى من الذين أشركوا خبره تقديره ومن الّذين أشركوا أناس يودّ أحدهم لو يعمّر الف سنة- والمراد من الذين أشركوا اليهود القائلون عزير ابن الله- وقال ابو العالية والربيع أراد بالذين أشركوا المجوس فان تحية بينهم- زى هزار سال- فقال سبحانه اليهود احرص الناس فهم احرص من المجوس والمجوس يريد تعمير الف سنة- واصل سنة سنوة بدليل سنوات وقيل سنهة- وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ بمباعده مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ضمير هو راجع الى أحدهم وان يعمر فاعل مزحزحه والمعنى وما أحدهم بمن يزحزحه من العذاب تعميره او الى مصدر يعمر ويعمر بدل منه- او ضمير مبهم ان يعمر تفسيره- فان قيل طول العمر في الدنيا مباعد للعذاب الأخروي البتة فكيف يحكم بعدم التبعيد- قلت لما كان الف سنة بل تمام عمر الدنيا بالنسبة الى الاخرة المؤبدة كساعة من النهار او كلمح البصر بالنسبة الى الزمان المتناهي لم يعتد التبعيد الحاصل بتعمير الف سنة تبعيدا إذ المراد بنفي تبعيده من العذاب تبعيده بالعمل الصالح ففيه زيادة توبيخ حيث لا يزيدهم طول عمرهم الا العذاب وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٢) فيجازيهم- قرا يعقوب بالتاء للخطاب مع اليهود والباقون بالياء للغيبة انتهى-
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ حتى بلغ الكفرين قلت يا رسول الله والله ما قمت من عند اليهود الا إليك لا خبرك بما قالوا لى وقلت لهم فوجدت الله قد سبقنى- واسناده صحيح الى الشعبي واعتضد الطرق بعضها ببعض لكن الشعبي لم يدرك عمر واخرج ابن جرير من طريق السدى عن عمر- ومن طريق قتادة عن عمرو هما ايضا منقطعان واخرج ابن ابى حاتم من طريق اخر عن عبد الرحمن بن ابى ليلى ان يهوديا لقى عمر بن الخطاب فقال ان جبرئيل الذي يذكر صاحبكم عدوّ لنا فقال عمر من كان عدوّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكيل فان الله عدوه- قال فنزلت على لسان عمر- وقد نقل ابن جرير الإجماع على ان سبب نزول الاية ذلك- وروى البخاري عن انس قال سمع عبد الله بن سلام مقدم رسول الله ﷺ وهو في ارض يحترف فاتى النبي ﷺ فقال انى سائلك عن ثلاث لا يعلمهن الا نبى ما أول اشراط الساعة- وما أول طعام اهل الجنة- وما ينزع الولد الى أبيه والى امه- قال أخبرني بهن جبرئيل آنفا قال نعم قال ذلك عدو اليهود من الملائكة فقرا هذه الاية- قال الشيخ ابن حجر ظاهر السياق ان النبي ﷺ قرا الاية ردا على قول اليهود ولا يستلزم ذلك نزولها حينئذ وهذا هو المعتمد- واخرج احمد والترمذي والنسائي من طريق بكير بن شهاب عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال أقبلت اليهود الى رسول الله ﷺ فقالوا يا أبا القاسم انا نسئلك عن خمسة أشياء فان انبأتنا بهن عرفنا انك نبى فذكر الحديث-
مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ خصّهما بعد التعميم لاظهار فضلهما «١» كانهما من جنس اخر- ولان الكلام كان فيهما- وللتنبيه على ان
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ (٩٩) المتمردون في الكفر فان الفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي دل على عظمه كانه متجاوز عن حده واللام للجنس او العهد اشارة الى اليهود واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس انه قال قال مالك بن الضيف لمّا ذكر رسول الله ﷺ ما أخذ عليهم من الميثاق وما عهد إليهم في دين محمد ﷺ والله ما عهد إلينا في مجد ولا أخذ علينا الميثاق- فانزل الله تعالى.
أَوَكُلَّما الهمزة للانكار والواو للعطف على محذوف تقديره اكفروا بالآيات وكلما عاهَدُوا يعنى اليهود عَهْداً لان خرج محمد ﷺ لنؤمنن به يدل عليه قراءة ابى الرجاء العطاردي او كلّما عوهدوا- وقال عطاء- هى العهود التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين اليهود ان لا يعاونوا المشركين على قتاله فنقضوها كفعل بنى قريظة والنضير قوله تعالى الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ نَبَذَهُ نقضه وطرحه فَرِيقٌ مِنْهُمْ وان لم ينقض كلهم- ولما توهم هذا الكلام ان النابذين هم الأقلون قال بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) بالله او بالتورية فلا يعدون نقض المواثيق ذنبا.
وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من التورية نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ يعنى التورية وَراءَ ظُهُورِهِمْ ولم يعملوا به ولو عملوا به لامنوا بكل نبى- مثل لاعراضهم وعدم التفاتهم الى احكام التورية في الايمان والنصر لمن جاء بعدها من الأنبياء باعراض من يرمى شيئا خلفه فلا يلتفت اليه كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) انه كتاب الله أولا يعلمون بما فيه ولكنهم يتجاهلون عنادا.
وَاتَّبَعُوا اى عملوا يعنى اليهود وتحدثوا وتعلموا عطف على نبذ اى نبذوا كتاب الله واتبعوا
يقتل عليه الذكور دون الإناث يعنى عند الحنفية كما في المرتد وما ليس بكفر وفيه إهلاك النفس ففيه حكم قطاع الطريق ويستوى فيه الذكور والإناث ويقبل توبته إذا تاب وان كان سحره كفرا ومن قال لا يقبل توبته فقد غلط فان سحرة فرعون قبلت توبتهم مع كونهم كفارا انتهى- قلت وتعبير الله سبحانه السحر بالكفر وقوله وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وقوله تعالى وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ كل ذلك يدل على ان ألفاظ السحر واعماله كلها او عامتها من موجبات الكفر ومناقضا لشرائط الايمان وينبغى ان يكون كذلك فان الشيطان لا يرضى من الإنسان الا بالكفر فلا يتصور التقرب اليه وتسخيره الا به نعوذ بالله منه وما قال الشافعي والشيخ ابو منصور رحمهما الله فمبنى على الاحتمال العقلي (فائدة) واعلم انه من قتل إنسانا لا يحل قتله او اضره بسلب نعمة البدنية او المالية او غير ذلك بالسيفى والدعاء وان كان ذلك بأسماء الله تعالى الجلالية وان لم يكن ذلك كفرا فهو فاسق البتة وحكمه حكم قطاع الطريق قال الله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ
رأسه حياء- واما الآخران فكانا يقضيان بين الناس فاذا امسيا ذكرا اسم الله تعالى الأعظم وصعدا الى السماء فما مر عليهما شهر حتى افتتنا وذلك انه اختصم إليهما ذات يوم امرأة تسمى زهرة وزوجها وكانت ملكة من اهل فارس فعشقا عليها فراوداها عن نفسها فابت وقالت لا الا ان تعبدا الصنم وتقتلا النفس تعنى زوجها وتشربا الخمر فعرضت عليهما حتى شربا الخمر وزنيابها فراهما انسان فقتلاه فمسخ الله الزهرة شهابا فلما امسى هاروت وماروت بعد ما ارتكبا المعاصي وأراد الصعود ما طاوعتهما أجنحتهما فقصدا إدريس النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم وسالاه ان يشفع لهما الى الله فخيرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الاخرة فاختارا عذاب الدنيا لانقطاعها- فهما ببابل يعذبان معلقان بشعورهما في جب ملئت نارا- روى ابن راهويه وابن مردوية عن على قوله ﷺ لعن الله الزهرة فانما هى التي فتنت الملكين هاروت وماروت- والله اعلم-
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بمحمد ﷺ والقران وَاتَّقَوْا عذاب الله بترك المعاصي والسحر لَمَثُوبَةٌ يعنى ادنى ثواب سمى الجزاء ثوابا ومثوبة لان المحسن يثوب ويميل اليه مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ جواب لو واصله لا ثيّبوا مثوبة من عند الله خيرا ممّا شروا به أنفسهم او مما سواه فحذف الفعل وجعل الباقي جملة اسمية ليدل على ثبات المثوبة والجزم بخيريتها وحذف المفضل عليه إجلالا للمفضل من ان
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا يعنى انظر إلينا واسمع كلامنا او انتظر وتأنّ بنا حتى نفهم كلامك وَاسْمَعُوا ما تؤمرون به وأطيعوا والمعنى أحسنوا الاستماع مع جمع حتى لا تحتاجوا الى طلب المراعاة وَلِلْكافِرِينَ يعنى اليهود الذين سبوا رسول الله ﷺ لعنهم الله عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) اى مولم- كان المسلمون يقولون لحلفائهم من اليهود أمنوا بمحمد ﷺ فقالت اليهود ما هذا الذي تدعوننا اليه بخير مما نحن عليه ولو دونا لو كان خيرا فانزل الله تعالى تكذيبا لهم.
ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ الود محبة الشيء مع تمنيه ولذلك استعمل في كل منهما- ومن للبيان ولا زائدة عطف على اهل الكتاب أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ مفعول يودّ من الاولى مزيدة للاستغراق والثانية للابتداء والخير الوحى- والمعنى انهم يحسدونكم ولا يودون ان ينزل عليكم وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ- بنبوته مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٦) الفضل ابتداء احسان بلا علة- ولمّا قال المشركون ان محمدا ﷺ يأمر أصحابه بامر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه ما يقوله الا من تلقاء نفسه فانزل الله تعالى.
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ من بيانية- والنسخ عبارة عن شيئين أحدهما النقل والتحويل ومنه نسخ الكتاب وثانيهما الرفع والازالة يقال نسخت الشمس الظل والمراد هاهنا الثاني وهو في الحقيقة بيان لانتهاء التعبد بقراءتها فقط دون حكمها مثل اية الرجم-
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فهو كالدليل على قوله تعالى أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وعلى جواز النسخ ولذلك ترك العاطف وَما لَكُمْ يا معشر الكفار عند نزول العذاب مِنْ دُونِ اللَّهِ مما سواه مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧) الولي القريب وهو قد يضعف عن النصر والنصير قد يكون أجنبيا من المنصور فبينهما عموم وخصوص من وجه والله اعلم-
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ وقال البغوي نزلت في اليهود حين قالوا اتنا بكتاب من السماء جملة كما اتى موسى بالتورية- وقيل نزلت في المشركين حين قالوا لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ- واخرج ابن جرير عن مجاهد قال...
سالت قريش محمدا ﷺ ان يجعل لهم الصفا ذهبا فقال نعم وهو لكم كالمائدة لبنى إسرائيل ان كفرتم فابوا ورجعوا فنزلت- واخرج السدى قال سالت العرب محمدا ﷺ أن يأتيهم بالله فيروه جهرة فنزلت- وكذا قال البغوي انه قيل سالوه فقالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى... تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا- واخرج السدى عن ابى العالية قال قال رجل يا رسول الله لو كانت كفاراتنا ككفارات بنى إسرائيل فقال رسول الله ﷺ ما اعطاكم الله خيرا «١» كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفاراتها فان كفّرها كانت له خزى في الدنيا وان لم يكفّرها كانت له خزى في الاخرة وقد اعطاكم الله خيرا من ذلك قال الله تعالى مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
والصلاة الخمس والجمعة الى الجمعة كفارات لما بينهن- فانزل الله تعالى أم تريدون الاية- وأم منقطعة ومعناه بل أتريدون والمراد به التوصية بعدم الاقتراح بالسؤال- قال البغوي أم بمعنى الهمزة يعنى أتريدون والميم زائدة وقيل بل تريدون ويمكن ان يقال انها متصلة داخلة على الجملة للتسوية بين الجملتين معطوفة على الهمزة في قوله تعالى الم تعلم والخطاب فيه وان كان الى النبي ﷺ خاصة لكن المراد به هو وأمته امة الاجابة او الدعوة لقوله تعالى وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ- وانما أفرد لانه ﷺ أعلمهم ومبدا علمهم فالتقدير ألم تعلموا انّ الله له ملك السماوات والأرض قادر على الأشياء كلها يأمر وينهى كما أراد أم تعلمون ذلك وتقترحون بالسؤال كما اقترحت اليهود على موسى- وهذا انما يستقيم ان كان نزول الآيتين في واقعة دفعة واحدة واما على تقدير اختلاف شأن نزولهما فلا- ومنع السكاكي كونها متصلة وقال علامة كون أم متصلة وقوع المفرد بعدها وكونها منقطعة وقوع الجملة بعدها كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ ساله قومه أرنا الله جهرة وَمَنْ يَتَبَدَّلِ اى يستبدل الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس انها نزلت في حييّ وابى ياسر بنى اخطب من اليهود وكانا من أشد يهود حسدا للعرب إذا خصهم الله تعالى برسوله وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا لَوْ يَرُدُّونَكُمْ يا معشر المؤمنين- لو مصدرية تنوب ان في المعنى دون العمل في اللفظ فهو مفعول ودّ- او هو بمعنى ليت حكاية وبيان لودادهم مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً مرتدين جال من ضمير المخاطبين حَسَداً منصوب على انه علة ود- او على المصدرية اى يحسدونكم حسدا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ متعلق بود اى تمنوا ذلك من خبث أنفسهم لم يأمرهم الله تعالى بذلك- او بحسد اى حسدا منبعثا من عند أنفسهم مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ بالمعجزات ومعرفة النعوت المذكورة فى التورية فَاعْفُوا فاتركوهم وَاصْفَحُوا وتجاوزوا- كان هذا قبل الأمر بالقتال حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ الذي هو الاذن في القتال وضرب الجزية وقيل قتل قريظة واجلاء بنى النضير إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) فيقدر على الانتقام منهم.
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ عطف على فاعفوا يعنى اتركوهم وخالفوهم بالإلجاء الى الله تعالى بالعبادة وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ صلوة او صدقة او غير ذلك تَجِدُوهُ اى ثوابه عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠).
وَقالُوا اى اهل الكتاب من اليهود والنصارى لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى لف بين قولى الفريقين اعتمادا بفهم السامع- اى قالت اليهود لن يدخل الجنة الا من كان هودا ولا دين الا دين اليهودية- وقالت النصارى لن يدخل الجنة الا من كان نصارى ولا دين الا النصرانية حين اجتمع وفد نجران في مجلس رسول الله ﷺ مع اليهود فكذّب بعضهم بعضا قال الفرّاء هودا بمعنى يهودا حذف الياء الزائدة- وقال الأخفش اليهود جمع هائد كعود جمع عائد وحّد ضمير اسم كان وجمع الخبر نظرا الى اللفظ والمعنى تِلْكَ يعنى مودتهم ان لا ينزل عليكم خير من ربكم المستفادة من قوله تعالى ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا الاية وقوله تعالى وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
الآية- وان لا يدخل الجنة الا هم- او المضاف محذوف اى أمثال تلك الامنية يعنى لا يدخل الجنة الا هم أَمانِيُّهُمْ اى شهواتهم الباطلة جمع امنية افعولة من التمني كالاضحوكة والاعجوبة والجملة معترضة قُلْ يا محمد هاتُوا أصله أتوا قلبت الهمزة هاء بُرْهانَكُمْ على اختصاصكم بدخول الجنة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١) فى دعويكم فان الدعوى على امر مستقبل بلا برهان باطل كاذب والجواب محذوف دل عليه ما قبله.
بَلى يعنى ليس كما قالوا مَنْ أَسْلَمَ اى أخلص وَجْهَهُ والمراد به نفسه او قصده لِلَّهِ وحده وَهُوَ مُحْسِنٌ يعبد ربه بالإخلاص كانه يراه كذا مر تفسير الإحسان في المتفق عليه من حديث تعليم جبرئيل فَلَهُ أَجْرُهُ الذي وعده على عمله ثابتا عِنْدَ رَبِّهِ والجملة جواب من ان كانت شرطية وخبرها ان كانت موصولة والفاء فيها لتضمنها معنى الشرط والوقف على بلى وبهاتم الرد ان كانت شرطية وكذا يحتمل ان كانت موصولة- ويحتمل ان يكون الموصول مع صلتها فاعل فعل محذوف اى بلى يدخلها من اسلم- وحينئذ فله أجره جملة مبتدأة معطوفة على ما سبق وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) فى الاخرة اخرج ابن ابى حاتم من طريق سعيد وعكرمة عن ابن عباس انه لما قدم وفد نجران من النصارى على رسول الله ﷺ أتتهم أحبار اليهود فتنازعوا فقال رافع بن حريملة ما أنتم على شىء وكفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل وقال رجل من اهل نجران لليهود ما أنتم على شىء وجحدوا بنبوة موسى عليه السلام والتورية فانزل الله تعالى.
وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ يصح ويعتد به وَهُمْ والحال انهم يَتْلُونَ الْكِتابَ اى التورية التي تصدق عيسى والإنجيل- او الإنجيل التي يصدق موسى والتورية كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ اى مشركوا العرب وغيرهم من عبدة الأوثان والمجوس والقرون الخالية من الكفار حيث كذّب كل طائفة غيرها وان كانوا على الحق مِثْلَ قَوْلِهِمْ بيان لمعنى ذلك فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ اى يقضى بين الفريقين وغيرهم يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣) اى يكذّبهم ويدخلهم النار ويصدّق اهل الحق ويدخلهم الجنة- اخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن يزيد ان مشركى مكة لما صدوا النبي ﷺ يوم الحديبية انزل الله تعالى.
وَمَنْ أَظْلَمُ من مبتدأ استفهام واظلم خبره والمعنى لا أحدا ظلم
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ اى له الأرض كلها مشارقها ومغاربها ملكا وخلقا والمخلوقات كلها مظاهر وجوده ومجال نوره وهو نور السموات والأرض وقيم الأشياء فلا يختص به مكان دون مكان- وانما امر القبلة امر تعبدي والتكليف انما هو بقدر الطاقة فاذا لم تقدروا على استقبال القبلة في الفرائض لعدوّ- او اشتبه القبلة وتحريتم فيها وغلطتم فيه- او تحرجتم في نوافل السفر فى النزول عن المراكب والامتناع من السير والنوافل أسهل من امر الفرائض فَأَيْنَما شرط تُوَلُّوا مجزوم به اى الى اى جهة تولوا يعنى وجوهكم والجواب فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ اى جهة المأمور
وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً نزلت في يهود المدينة قالوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وفي نصارى نجران قالوا المسيح ابن الله وفي مشركى العرب قالوا الملائكة بنات الله- قرا ابن عامر قالوا بلا واو باعتبار انه استيناف قصة اخر والجمهور بالواو عطفا على قالت اليهود او على منع او على مفهوم من اظلم يعنى ظلموا وقالوا....
سُبْحانَهُ أسبحه سبحانا وانزهه تنزيها من ذلك فان التوليد يقتضى التشبه والتجزى عن ابن عباس عن النبي ﷺ كذّبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمنى ولم يكن له ذلك فامّا
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى مبدعهما وخالقهما وخالق كل شىء كما هو خالق ما فيهما او المعنى بديع سمواته وارضه وَإِذا قَضى أَمْراً اى أراد شيئا- واصل القضاء الفراغ ومنه إطلاقه على إتمام الشيء قولا كقوله تعالى وَقَضى رَبُّكَ- او فعلا كقوله تعالى فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ويطلق على تعلق الارادة الالهية بوجود شىء من حيث انه يوجبه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) من كان التامة لعدم الخبر اى أحدث فيحدث- واما كون الشيء موصوفا بصفة فليس مدلولا لهذه الاية- قرا الجمهور فيكون بالرفع استينافا او عطفا على يقول في جميع المواضع غير ان الكسائي تابع ابن عامر في النحل ويس فنصب- وقرا ابن عامر فيكون بالنصب في جميع المواضع «١»
وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قال ابن عباس المراد به اليهود- وكذا اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عنه انه قال قال رافع بن حريملة لرسول الله ﷺ ان كنت رسولا من الله كما تقول فقل لله فليكلمنا حتى نسمع كلامه- وقال مجاهد المراد به النصارى- وانما نفى العلم عن الفريقين لتجاهلهم- وقال قتادة المراد به الأميون من مشركى العرب لَوْلا هلّا وكذا كل ما في القران لولا فهو بمعنى هلّا الا في قوله تعالى فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ معناه فلو لم يكن يُكَلِّمُنَا اللَّهُ كما يكلم الملائكة وكلم موسى فلا يحتاج الى رسول او يكلمنا بانّك رسوله أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ حجة على صدقك والاول استكبار والثاني جحود لما أتاهم من الآيات استهانة
إِنَّا أَرْسَلْناكَ متلبسا بِالْحَقِّ ومؤيدا به قال ابن عباس المراد بالحق القران قال الله تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ بَشِيراً لاهل الطاعة وَنَذِيراً مخوفا لاهل المعصية وَلا تُسْئَلُ قرا نافع ويعقوب على صيغة النهى المبنى للفاعل- والباقون بالرفع على النقي المبنى للمفعول عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) هو معظم النار والمعنى على قراءة الجمهور انه لا تسئل انهم لم لم يؤمنوا انما عليك البلاغ وعلينا الحساب وعلى قراءة نافع النهى عن السؤال كناية عن شدة عقوبة الكفار يقال لا تسئل عن شر؟؟ فانه فوق ما تحسب او انه عسير مفزع سماعها- وما ذكر البغوي انه قال عطاء عن ابن عباس ان النبي ﷺ قال ذات يوم ليت شعرى ما فعل أبواي فنزلت هذه الاية- وقال عبد الرزاق أخبرني الثوري عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي عنه- واخرج ابن جرير من طريق ابن جريح أخبرني داود بن عاصم عنه فذكرا نحوه فليس بمرضى عندى وليس بقوى- ولو صح ذلك فهذا زعم من ابن عباس فانه لو سلم ان النبي ﷺ قال ليت شعرى ما فعل أبواي ونزلت في هذا اليوم تلك الاية اتفاقا فلا دليل فيه على ان المراد باصحاب الجحيم أبواه ﷺ وعلى تقدير التسليم فتلك الاية لا تدل على كفرهما فان المؤمن قد يكون من اصحاب الجحيم لاكتساب بعضى المعاصي حتى تدركه المغفرة بشفاعة شافع او دون ذلك او يبلغ الكتاب اجله- وقد صح عنه ﷺ انه قال بعثت من خير قرون بنى آدم قرنا فقرنا حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه رواه البخاري من حديث ابى هريرة وقال ﷺ ما افترق الناس فرقتين الا جعلنى الله فى خيرهما فاخرجت من بين أبوي ولم يصبنى شىء من عهد الجاهلية خرجت من نكاح لم اخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت الى ابى وأمي فانا خيركم نفسا وخيركم أبا- ورواه البيهقي في دلائل النبوة من حديث انس وابو نعيم في دلائل النبوة من حديث ابن عباس نحوه- وقد صنف الشيخ
وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ الملة ما شرع الله لعباده على لسان أنبيائه- من أمللت الكتاب إذا املاته- قيل انهم كانوا يسئلون الهدنة ويطمعونه انه ان امهلهم يؤمنوا فنزلت- واخرج الثعلبي عن ابن عباس ان يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون النبي ﷺ حين كان يصلّى الى قبلتهم فلما صرف القبلة الى الكعبة ايئسوا منه فنزلت- وفي الاية مبالغة في اقناط رسول الله ﷺ عن إسلامهم يعنى انهم يريدون ان تتبع ملتهم فكيف يتبعونك- ولعلهم قالوا مثل ذلك ولذا القن الله تعالى نبيه ﷺ جوابهم حيث قال قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ الذي هو الإسلام هُوَ الْهُدى اى الحق لا ما يدعون اليه وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ الهوى رأى يتبع الشهوة بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ اى الوحى او الدين المعلوم صحته ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠) يدفع عنك عقابه.
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ اى القران قال قتادة وعكرمة هم اصحاب محمد ﷺ وقيل هم المؤمنون عامة او المراد به مؤمنوا اهل الكتابين قال ابن عباس نزلت في اهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن ابى طالب وكانوا أربعين رجلا اثنان وثلثون من الحبشة وثمانية من رهبان الشام منهم بحيرا- وقال الضحاك هم الذين أمنوا من اليهود منهم عبد الله بن سلام وسعية بن عمرو وتمام بن يهودا وأسيد وأسد ابنا كعب بن يامين وعبد الله بن صوريا فحينئذ الموصول للمعهود يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ الضمير راجع الى الكتاب اى يتلون الكتاب بمراعاة اللفظ عن التحريف والتدبر فى معناه والعمل بمقتضاه «١» - وقال الكلبي الضمير راجع الى محمد ﷺ اى يصفونه في كتبهم حق صفته لمن سألهم من الناس- وهذا على تقدير كون المراد بالموصول مومنوا اهل الكتاب- وقوله تعالى يتلونه حق تلاوته حال مقدرة والخبر ما بعده او خبر وقوله تعالى أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ خبر بعد خبر اى بكتابهم او بمحمد ﷺ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ اى بالكتاب بالتحريف-
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) لمّا صدر قصتهم بالأمر بذكر النعمة والقيام بحقوقها والحذر عن اضاعتها والخوف عن الساعة وأهوالها كرر ذلك وختم به الكلام معهم مبالغة في النصح وإيذانا بانه فذلكة القصة والمقصود منها-.
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ- قرا هشام إبرهم في جميع هذه السورة وهى خمسة عشر وفي النساء ثلثة وهى الاخيرة وفي الانعام الحرف الأخير وفي التوبة الحرفان الآخران وفي ابراهم حرف وفي النحل الحرفان وفي مريم ثلثة أحرف وفي العنكبوت الحرف الأخير وفي الشورى حرف وفي الذاريات حرف وفي النجم حرف وفي الحديد حرف وفي الممتحنة الحرف الاول- فذلك ثلثة وثلثون حرفا وجملته تسع وستون «١» وقرا ابن ذكوان في البقرة خاصة بالوجهين «٢» والباقون ابراهيم بالياء في الجميع والابتلاء في الأصل التكليف بالأمر الشاق من البلاء وهو يستلزم الاختبار فظن ترادفهما والمراد بالكلمات مدلولاتها وهى الأوامر والنواهي قال عكرمة عن ابن عباس هى ثلثون سهما هن شرايع الإسلام لم يبتل أحد بهذا الدين فاقامه كلّه الا ابراهيم فكتب له البراءة فقال وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى- عشرة في براءة التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
وعشر في الأحزاب ان الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ- وعشر في المؤمنين وسال سائل قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ الاية الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ
(٢) فى الأصل الوجهين-
مناسك الحج- وقال الحسن ابتلاه الله بسبعة أشياء بالكوكب والقمر والشمس فاحسن فيها النظر وعلم ان ربه دائم لا يزول وبالنار فصبر عليها وبالهجرة وبذبح ابنه وبالختان فصبر عليها- وقال سعيد بن جبير هو قول ابراهيم وإسماعيل إذ يرفعان قواعد البيت رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا فرفعاه بسبحان الله والحمد لله ولا الله الا الله والله اكبر- وقال يمان بن رباب هن محاجة قومه قال الله تعالى وحاجّه قومه الى ان قال وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ- وقيل هى قوله الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ الى اخر الآيات- وقيل المراد بالكلمات ما تضمنه الآيات التي بعدها- قلت والجمع بين هذه الأقوال اولى فالمراد به والله تعالى اعلم ان الله ابتلاه بالأوامر والنواهي كلها منها الثلاثون ومنها العشرة ومنها السبعة وغير ذلك فَأَتَمَّهُنَّ اى فاداهن كلهن كملا وقام بهن حق القيام وقالَ الله تعالى إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً كلمة قال فعل تعلق به الظرف المتقدم اعنى إذ ابتلى معطوفة على ما قبلها- وان كان الظرف متعلقا بمحذوف يعنى اذكر فهى استيناف كانه قيل فماذا قال ربه حين اتمهن فاجيب بذلك او بيان لقوله ابتلى فيكون الكلمات ما ذكره من الامامة وتطهير البيت ورفع قواعده والإسلام وجاعل من الجعل الذي له مفعولان والمراد بالامامة هاهنا النبوة او ما هو أعم منه اعنى من يؤتم به ويجب اطاعته- وليس المراد به السلطنة او الامامة بالمعنى الأخص الذي اخترعه الامامية وليس له في اللغة والشرع اصل- وقد جعل الله تعالى لابراهيم عليه السلام امامة عامة حتى قال لسيد الأنبياء اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً قالَ ابراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِي عطف على الكاف اى بعض ذريتى- والذرية نسل الرجل فعليّة او فعّولة قلبت راءها الثالثة ياء كما في دسّها- مشتق من الذر بمعنى التفرق- او فعولة او فعيلة من الذرء بمعنى الخلق قلبت
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وَاذكر إِذْ جَعَلْنَا ادغم ابو عمرو وهشام الذال من إذ في الجيم هاهنا وحيث وقع وكذا فى الزاء نحو إذ زيّن وفي السين نحو إذ سمعتموه- والصاد نحو إذ صرفنا- والتاء نحو إذ تبرّا والدال نحو إذ دخلوا- وادغم ابن ذكوان في الدال وحدها وخلف «٢» في الدال والتاء واظهر خلاد والكسائي عند الجيم فقط ونافع وابن كثير وعاصم يظهرون الذال عند ذلك كله الْبَيْتَ الكعبة غلب عليها كالنجم على الثريا مَثابَةً لِلنَّاسِ اى مرجعا يثوبون اليه من كل جانب- او موضع ثواب لهم بحج وعمرة وصلوة فيها قال عليه الصلاة والسلام صلاته في المسجد الحرام بمائة الف صلوة- رواه ابن ماجة وَأَمْناً اى مأمنا يأمنون فيه من إيذاء المشركين فانهم كانوا لا يتعرضون لاهل مكة ويقولون هم اهل الله ويتعرضون لمن حوله كما قال الله تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ- قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة ان هذا البلد
(٢) وكذا خلف في اختياره- ابو محمد عفا عنه [.....]
وقوله عليه الصلاة والسلام انما الأعمال بالنيات- متفق عليه من حديث عمر لكنه للزوم الحرج في ذلك جازت الصلاة والحج بوجود النية عند الإحرام والزكوة بوجودها عند إفراز قدر الواجب عن المال- ولما كان في اشتراط النية عند أول جزء من الصيام يعنى عند طلوع الفجر وهو أوان نوم وغفلة غالبا حرج جاز الصوم بالنية من الليل بل عند ابى حنيفة رحمه الله يجوز النية في الصوم الى الضحوة الكبرى كذلك كان القياس تقييد ركعتى الطواف بالمقام لظاهر الاية لكنه جازت ركعتا «١» الطواف في المسجد بل في الحرم كلها للزوم الحرج في تعيين المصلى مع كثرة الطائفين- وقد سمى الله تعالى الحرم كله بالمسجد حيث قال الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ الاية- وقال ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ- واما صلوة عمر رضى الله عنه بذي طوى فكانه قضاء للواجب للضرورة- او نقول ذكر مقام
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا المكان بَلَداً آمِناً ذا أمن كقوله عيشة راضية اى ذات رضية- او أمنا من فيه كقولك ليل نائم وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ دعا بذلك لانه كان واديا غير ذى زرع- وفي القصص ان الطائف كانت من مدائن الشام بأردن- فلما دعا ابراهيم عليه السلام أمر الله جبرئيل حتى اقتلعها من أصلها وأدارها حول البيت سبعا ثم وضعها هاهنا ومنها اكثر ثمرات مكة مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ بدل من اهله بدل البعض خصهم بالدعاء كيلا يكون امانة للكفار على كفرهم قالَ الله تعالى وَمَنْ كَفَرَ عطف على من أمن والمعنى وارزق من كفر وتم الكلام- وفيه تنبيه على ان الرزق الذي هو رحمة دنيوية يعم المؤمن والكافر ولذلك يقال رحمن الدنيا
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ حكاية حال ماضية جمع قاعدة وهى الأساس صفة غالبة من القعود بمعنى الثبات مجاز من القعود ضد القيام- ورفعها البناء عليها فانه ينقلها من هيئة الانخفاض الى هيئة الارتفاع وقال الكسائي القواعد الجدر وكل جدار قاعدة ما وضع فوقه ورفعها بناؤها وَإِسْماعِيلُ عطف على ابراهيم وسبب فصله عنه
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ اى منقادين لجميع او أمرك ظاهرا وباطنا قال عليه الصلاة والسلام المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده- متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر والمعنى من لا يصدر عنه معصية فيسلم هو من عذاب الله ويسلم غيره من إيذائه او من خبث صحبته وهذا هو الإسلام الكامل المعبر بالإسلام الحقيقي ولا يتصور الا بعد اطمينان النفس وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ من للتبعيض دعوالهم بشفقة الابوة وخصا «١» بعضهم لما علما مما سبق ان يكون بعضهم كفارا- ويحتمل ان يكون من للبيان فصل به بين العاطف والمعطوف كما في قوله تعالى خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ- وَأَرِنا اى عرّفنا أصله أرانا على وزن اكفنا- قرا ابن كثير وابو شعيب أرنا وأرنى ساكن الراء حيث وقع بحذف الهمزة مع كسرتها للتخفيف وقرا ابو عمر بالاختلاس والباقون مكسور الراء بحذف الهمزة بعد نقل بعض حركتها او كلها الى الراء مَناسِكَنا اى شرائع ديننا واعلام حجنا والنسك في الأصل غاية العبادة شاع في الحج لما فيه من الكلفة غالبا- قال البغوي فاجاب الله دعوتهما وبعث جبرئيل فاراهما المناسك في يوم عرفة فلما بلغا عرفات قال عرفت يا ابراهيم قال نعم فسمى الوقت والمكان عرفة وَتُبْ عَلَيْنا قالا ذلك الدعاء هضما لانفسهما وإرشادا لذريتهما إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) لمن تاب إليك.
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ من أنفسهم فاجاب الله دعونهما وبعث محمدا صلى الله عليه وسلم- عن العرباض بن سارية عن رسول الله ﷺ قال انى عند الله مكتوب خاتم النبيين وان آدم لمنجدل في طينته وساخبركم باول امرى دعوة ابراهيم وبشارة عيسى عليهما السلام ورؤيا أمي التي رات حين وضعتني وقد خرج منها نور أضاءت لها منه قصور الشام- رواه البغوي في شرح السنة واحمد عن ابى امامة عن قوله ساخبركم الى آخره يَتْلُوا عَلَيْهِمْ يقرا آياتِكَ الدلائل على التوحيد والنبوة وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ القران وَالْحِكْمَةَ ما يكمل نفوسهم من المعارف والاحكام وقيل هى السنة- وقيل هى القضاء وقيل الفقه وَيُزَكِّيهِمْ اى يطهرهم من الشرك والذنوب- وقيل يأخذ الزكوة من أموالهم وقال ابن كيسان يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ استبعاد وانكار لان يكون أحد يرغب عن ملته الواضحة الغراء اى لا يرغب أحد عن ملته- والرغبة إذا عدى بالى فالمراد به الارادة وان عدى بعن فالمراد به الترك إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ السفه في الأصل الخفة ويقال لمن يتعجل في الافعال باتباع الهوى والشهوة من غير تدبر وتفكر في منافعه ومضاره خفيف وسفيه- وضده الحليم- ويسند السّفه بهذا المعنى الى نفس الشخص والى رأيه فيقال زيد سفيه وسفه نفسه وسفه رأيه اى خف نفسه فيأتى بالافعال على خلاف ما اقتضاه العقل وخف رأيه وحينئذ لا يتعدى الى مفعول وقد يستعمل بحرف الجر فيقال سفه زيد في نفسه وفي رأيه ولمّا كان السفه والخفة مستلزم لاهانة النفس واهلاكها وخفة الرأى مستلزم للجهل فيستعار ويقال سفه نفسه اى أهانها او أهلكها او جهلها فحينئذ يتعدى الى مفعول- او يقال تعدى الى مفعول بتضمين معنى أهلك- او أهان او جهل ولهذا قيل في تفسير الاية سفه نفسه اى جعلها مهانا وذليلا حيث كفر بخالقه وعبد مخلوقا مثله- وقال ابو عبيدة أهلك نفسه- وقال الأخفش نصب بنزع الخافض وإفضاء الفعل اليه والمعنى سفه في نفسه- وقال الفراء أصله سفه نفسه بالرفع فلما أسند الفعل الى صاحبها نصب على التميز كما يقال ضقت به ذرعا وطاب زيد نفسا في ضاق ذرعى وطاب نفس زيد- وقال ابن كيسان والزجاج معناه جهل نفسه وذلك انه من عبد غير الله فقد جهل نفسه لانه لم يعرف الله خالقها- وقد جاء من عرف نفسه فقد عرف ربه- قلت ومعنى من عرف نفسه فقد عرف ربه انه من عرف حقيقة نفسه انه ممكن لا يقتضى ذاته وجوده ولا بقاءه لا يتصور له في نفسه وجود ولا قيام ولا بقاء- ولا يجوز حمله على نفسه حملا أوليا نحو زيد زيد الا بعد انتسابه الى واجب وجوده قائم بنفسه قيوم لغيره لو لاه لم يوجد غيره وهو كالاصل للظلال وهو نور السموات والأرض قيم الأشياء واقرب الى الأشياء من أنفسها
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ يعنى نفسك الى الله عز وجل وفوض أمورك اليه كذا قال عطاء وقال الكلبي أخلص دينك وعبادتك له- قال ابن عباس قاله ذلك حين خرج من السرب- والظرف متعلق باصطفيناه تعليل له او منصوب بإضمار اذكر كانه قيل اذكر ذلك الوقت ليعلم انه المصطفى قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١) فوضت اليه أموري- ومقتضى هذا التسليم انه عليه السلام لما رمى مغلولا بالمنجنيق في نار نمرود قال له جبرئيل هل لك حاجة- فقال اما إليك فلا- فقال- فاسئل ربك- قال حسبى من سوالى علمه بحالي- فجعل الله تعالى ببركة تفويض أموره الى الله تعالى حظيرة النار روضة ولم يحترق منه إلا وثاقه رواه ( «١» ).
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ قرا اهل المدينة واهل الشام واوصى من الافعال وكذلك في مصاحفهم والباقون وصّى من التفعيل مثل نزّل وانزل والتوصية هو التقدم الى الغير بفعل فيه صلاح وقربة- أصلها الوصلة يقال وصّاه إذا وصله- وفصّاه إذا فصله كانّ الموصى يصل فعله بفعل الموصى- والضمير في بها راجع الى الملة او بقوله أسلمت على تأويل الكلمة بَنِيهِ الثمانية إسماعيل وامه هاجر القبطية وإسحاق وامه سارة
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ حاضرين إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ اى قاربه فام منقطعة تقديره ليس الأمر كما قلتم ايها اليهود بل أكنتم يعنى ما كنتم حاضرين فلم تدّعون دعاوى باطلة- وقيل الخطاب للمؤمنين والمعنى ما شهدتم ذلك وانما علمتموه بالوحى إِذْ قالَ لِبَنِيهِ بدل من إذ حضر ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي اى اى شىء تعبدونه أراد به تقريرهم على التوحيد والإسلام وأخذ ميثاقهم قال عطاء ان الله تعالى لم يقبض نبيا حتى خيره بين الموت والحيوة فلما خير يعقوب قال أنظرني حتى اسئل ولدي واوصيهم ففعل ذلك فجمع ولده وولد ولده وقال لهم قد حضر اجلى فما تعبدون بعدي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ عطف بيان لابائك وكان اسمعيل عمالهم والعرب يسمى العم أبا كما يسمى الخالة امّا قال رسول الله ﷺ عم الرجل صنو أبيه- رواه الترمذي وصححه من حديث على والطبراني عن ابن عباس- وقال عليه السلام في عمه العباس ردوا على ابى فانى أخشى ان تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود وذلك انهم قتلوه إِلهاً واحِداً بدل من المضاف في إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ وفائدته التصريح بالتوحيد ودفع التوهم الناشي من تكرير المضاف تتعذر العطف على المجرور به بدونه- او منصوب بمقدر اى نريد بإلهك واله آبائك إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) حال من فاعل نعبد او مفعوله او منهما- ويحتمل ان يكون اعتراضا.
تِلْكَ أُمَّةٌ اى جماعة يعنى ابراهيم ويعقوب وابناءهما- والامة في الأصل المقصود سمى بها الجماعة لان الفرق تأمّها قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ من العمل وَلَكُمْ
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
فلا ينفع حسناتهم إياكم بانتسابكم إليهم ما لم توافقوهم فيها وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) بل يسئل كل عن عمله دون عمل غيره- اخرج ابن ابى حاتم من طريق سعيد وعكرمة عن ابن عباس قال ابن صوريا لنبى الله ﷺ ما الهدى الا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتدى وقالت النصارى مثل ذلك- وقال البغوي قال ابن عباس ان رءوس يهود بالمدينة كعب بن اشرف ومالك بن الضيف ووهب بن يهودا وابى ياسر بن اخطب ونصارى اهل نجران السيد والعاقب وأصحابهما خاصموا المسلمين في الدين وزعمت كل فرقة انها أحق بدين الله فقالت اليهود نبينا موسى أفضل الأنبياء وكتابنا التورية أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد والقران- وقالت النصارى نبينا عيسى أفضل الأنبياء وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان وكفروا بمحمد والقران وقال كلا الفريقين للمؤمنين كونوا على ديننا فلا دين الا ذلك فانزل الله تعالى.
وَقالُوا اى اليهود والنصارى كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى كلمة او للتنويع يعنى مقالهم أحد هذين القولين تَهْتَدُوا جواب للامر قُلْ يا محمد بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ يعنى لا نكون هودا ولا نصارى بل تكون ملة ابراهيم اى اهل ملته او على ملته فحذف على فصار منصوبا- او المعنى بل نتبع ملة ابراهيم او المعنى بل اتبعوا أنتم ايها اليهود والنصارى ملة ابراهيم حَنِيفاً أصله من الحنف بمعنى الميل عن الطريق يعنى مائلا من الأديان كلها الى الإسلام منصوب على الحال من المضاف اى ملة مائلة من الباطل او من المضاف اليه يعنى ابراهيم مائلا كما في قوله تعالى وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً وعند نحاة الكوفة منصوب على القطع أراد بل ملة ابراهيم الحنيف فلما أسقطت الالف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منه فنصب وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) تعريض باهل الكتابين فانهم يدّعون اتباعه وهم مشركون.
قُولُوا ايها المؤمنون آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا يعنى القران قدم لانه سبب لنا للايمان بغيره وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وهو عشر صحف أنزلت على ابراهيم فتعبد بها هو وبنوه وأحفاده ولذا نسب انزالها إليهم كما نسب إنزال القران إلينا بمتابعة محمد ﷺ والأسباط بمعنى الجماعات من بنى إسرائيل كالقبائل من العرب
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ اى أمنوا إيمانا مثل ايمانكم فالباء زائدة كما في قوله جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها- او لفظ المثل مقحم كما في قوله تعالى وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ اى عليه ويشهد له قراءة ابن عباس فان آمنوا بما آمنتم به فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا اى اعرضوا عنه فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ اى خلاف من الحق وشق غير شق الحق وقيل في عداوة فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ «٢» وعد بالحفظ والنصر للمؤمنين وقد أنجز وعده بإجلاء النضير وقتل قريظة وضرب الجزية على اليهود والنصارى وَهُوَ السَّمِيعُ لاقوال المؤمنين والكفار الْعَلِيمُ (١٣٧) بنياتهم وأحوالهم كلهم يجزى
(٢) كتب في الأصل كما في قوله تعالى ثم حك منه لفظ تعالى لعله من الناسخ وهذه الجملة موجودة ابن القران في سورة يونس في اية ٢٧- ابو محمد عفا الله منه
صِبْغَةَ اللَّهِ اى دين الله كذا قال ابن عباس في رواية الكلبي وقتادة والحسن سمى الدين صبغة لظهور اثر الدين على المتدين كالصبغ على الثوب فهو منصوب على انه مصدر مؤكد لقوله امنّا- او على البدل من ملة ابراهيم- او على الإغراء اى عليكم صبغة الله وقيل المراد بصبغة الله الختان لانه يصبغ صاحبه بالدم فهو منصوب على الإغراء اى الزموا صبغة الله الختان قال ابن عباس كانت النصارى إذا ولد لهم ولد فاتت عليه سبعة ايام غمسوه في ماء لهم يقال له المعبودى يزعمون تطهيره بذلك يفعلونه مكان الختان فاذا فعلوا به ذلك قالوا الان صار نصرانيا حقا فاخبر الله تعالى ان دينه الإسلام وأحكامه من الختان وغيره وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً دينا وتطهيرا يعنى لا احسن منه وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨) تعريض لهم اى لا نشرك كشرككم معطوف على امنّا على تقدير كون صبغة الله منصوبا على المصدرية والا فهو معطوف على صبغة الله او على اتبعوا ملة ابراهيم بتقدير قولوا- يعنى الزموا صِبْغَةَ اللَّهِ وَقولوا نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ او المعنى اتبعوا ملة إبرهم وقولوا.
قُلْ يا محمد لليهود والنصارى أَتُحَاجُّونَنا تجادلوننا فِي اللَّهِ اى في دينه واصطفائه نبيا من العرب دونكم وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لا اختصاص له بقوم دون قوم يصطفى بالنبوة من يشاء من عباده وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لكل واحد جزاء عمله وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) وأنتم به مشركون فنحن أحق به منكم قال سعيد بن جبير الإخلاص ان يخلص العبد دينه وعمله لله فلا يشرك به في دينه ولا يرائى بعمله قال الفضل ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص ان يعافيك الله عنهما.
أَمْ منقطعة والهمزة للانكار وقيل أم بمعنى الهمزة فقط للتوبيخ تَقُولُونَ قرا ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص على الخطاب والآخرون على الغيبة إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وقد اخبر الله تعالى انه ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً بخلاف اليهود والنصارى فانهم مشركون- واما الذين كانوا على الدين الحق لموسى وعيسى قبل النسخ كانوا اتباعا لابراهيم في الدين وما كانوا مشركين وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ فكيف يتبع ابراهيم وموسى وعيسى بل
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١) تكرير للمبالغة في التحذير والزجر عن الافتخار بالآباء والاتكال عليهم- وقيل الخطاب فيما سبق لهم وفي هذه الاية لنا تحذيرا عن الاقتداء بهم وقيل المراد بالآية الاولى الأنبياء وبالثانية أسلاف اليهود والنصارى والله اعلم.
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ الذين خف عقولهم حيث ضيعوها بالتقليد والاعراض عن النظر الصحيح او العناد وهم المنافقون واليهود والمشركون ما وَلَّاهُمْ صرفهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها يعنى البيت المقدس وفائدة تقديم الاخبار توطين النفس واعداد الجواب- والقبلة في الأصل هى الحالة التي عليها الإنسان من الاستقبال كالجلسة نقل الى المكان المتوجه اليه عند الصلاة- نزلت في اليهود ومشركى مكة لما طعنوا في تحويل القبلة من بيت المقدس الى مكة اخرج ابن جرير من طريق السدى بأسانيده قال لما صرف الله النبي ﷺ نحو الكعبة بعد صلاته الى بيت المقدس قال المشركون من اهل مكة تحير محمد في دينه فتوجه بقبلته إليكم وعلم انكم اهدى منه سبيلا ويوشك ان يدخل في دينكم- وذكر البغوي انه قال رؤساء اليهود لمعاذ بن جبل رضى الله عنه ما ترك محمد قبلتنا إلا حسدا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ لا يختص به مكان دون مكان وانما امر القبلة امر تعبدى والعبرة فيها لامر الله تعالى لا دخل فيه لخاصية في المكان يَهْدِي مَنْ يَشاءُ من عباده إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) اى الى ما يرتضيه.
وَكَذلِكَ اشارة الى مفهوم الاية المتقدمة اى هديناكم الى صراط مستقيم- او الى ما مر سابقا اى كما اصطفينا ابراهيم فى الدنيا وجعلناه في الاخرة من الصالحين جَعَلْناكُمْ يا امة محمد ﷺ أُمَّةً وَسَطاً- «١» خيارا ممن عداهم عدولا مزكين بالعلم والعمل والمعرفة- وهو في الأصل اسم للمكان
الا لنعلم- ويحتمل ان يكون كنت عليها بمعنى أنت عليها الان يعنى الكعبة الا لنعلم- وقيل في تفسيره وما جعلنا القبلة الان الجهة التي كنت عليها قبل الهجرة وهى الكعبة- وهذا مبنى على انه ﷺ كان يصلى قبل الهجرة الى الكعبة وهذا التأويل يستلزم النسخ مرتين ويخالف سياق قوله تعالى سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها فان
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ تردد وجهك في جهة السماء تطلّعا للوحى- كان يودّ ان يحوله الله الى الكعبة لانها قبلة أبيه ابراهيم عليه السلام وادعى للعرب الى الايمان ومخالفة اليهود- وهذا أول القصة وامر القبلة أول ما نسخ من امور الشرع بعد الهجرة- واختلف العلماء في كيفية قبلته ﷺ قبل الهجرة بمكة فقال قوم انه ﷺ كان يصلى وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه- رواه احمد عن ابن عباس ورواه ابن سعد ايضا وسنده جيد واطلق آخرون وقالوا انه كان يصلى الى بيت المقدس- وقال البغوي كان يصلى الى الكعبة فلما هاجر الى المدينة استقبل بيت المقدس- روى ابن جرير وغيره بسند جيد قوى عن ابن عباس قال لما هاجر رسول الله ﷺ الى المدينة امره الله ان يستقبل بيت المقدس- وقال ابن جريح انه ﷺ أول ما صلى الى الكعبة ثم صرف الى بيت المقدس وهو بمكة فصلى ثلاث حجج ثم هاجر الى المدينة- والاول أصح وأقوى وعند الجمع يؤل اليه الأحاديث- واختلف الرواية في انه كم صلى بعد الهجرة الى بيت المقدس فعند ابى داود وغيره عن ابن عباس سبعة عشر شهرا وعند الطبراني والبزار عن عمرو بن عوف وعند ابن ابى شيبة، وابى داود وغيرهما عن ابن عباس وعنه الامام مالك وغيره عن سعيد بن المسيب ستة عشر شهرا وعند البخاري عن البراء بن عازب
النساء فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين- قال الواحدي هذا عندنا اثبت- فصلى الظهر أربعا ثنتين الى بيت المقدس وثنتين الى الكعبة فخرج عباد بن بشر رضى الله عنه وكان صلى مع رسول الله ﷺ فمر على قوم من الأنصار ببني حارثة وهم راكعون في صلوة العصر فقال اشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل البيت- فاستداروا- وفي صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب انه ﷺ صلى أول صلوة صلاها الى الكعبة صلوة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على اهل مسجد وهم راكعون فقال اشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة فداروا كما هم قبل مكة- فمحمول على ان البراء لم يعلم صلاته ﷺ فى مسجد بنى سلمة الظهر- او المراد انه أول صلوة صلاها كاملا الى الكعبة- او أول صلوة صلى في مسجده ﷺ هو العصر- واما اهل قبا فلم يبلغهم الخبر الا في صلوة الفجر من الغد كما في الصحيحين عن ابن عمر بينما الناس بقبا في صلوة الصبح إذ جاءهم ات فقال ان رسول الله ﷺ قد أمران نستقبل الكعبة فاستقبلوها- وكانت وجوههم الى الشام فاستداروا الى الكعبة وقال رافع بن خديج انه أتانا ات ونحن نصلى في بنى عبد الأشهل فقال ان رسول الله ﷺ قد أمران يوجه الى الكعبة فادارنا امامنا الى الكعبة ودرنا معه- وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ خطاب للامة فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ خص الرسول ﷺ اولا بالخطاب تعظيما له وذلك الخطاب وان كان شاملا للامة لكن بعد ذلك خوطب الامة تصريحا لعموم الحكم وتأكيدا لامر القبلة روى البخاري عن ابن عباس قال لما دخل رسول الله ﷺ البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال هذه القبلة- وفي الصحيحين عن ابن عمر ان النبي ﷺ دخل الكعبة هو واسامة وبلال وعثمان بن طلحة وأغلقها عليه ثم مكث فيها- قال ابن عمر سالت بلالا حين خرج ماذا صنع رسول الله ﷺ قال جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه وثلثة اعمدة وراءه ثم صلى- وكان البيت يومئذ على ستة اعمدة- قلت وهذين الحديثين الواقعتين «١» فلا تعارض
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ برهان على ان الكعبة قبلة واللام موطية للقسم ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ يعنى الكعبة جواب قسم مقدر ساد مسد جواب الشرط يعنى انما تركوا قبلتك عنادا لا لاجل شبهة تزيلها بالحجة وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ يعنى امر القبلة محكم مستمر لا ينسخ ابدا- وفيه قطع لاطماعهم في رجوعه ﷺ الى قبلتهم- وقبلتهم وان تعددت لكنها متحدة من جهة البطلان ومخالفة امر الله تعالى وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ لان اليهود يستقبل بيت المقدس وهو في المغرب من المدينة والنصارى يستقبل مطلع الشمس لا يرجى توافقهم كما لا يرجى موافقتهم لك وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فى امر القبلة وظهر لك من الحق إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) صدق الشرطية لا يقتضى صدق طرفيها كما فى قوله تعالى قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ فلا ينافي العصمة- والمقصود من الاية نهى الامة وتهديدهم عن اتباع الأهواء على خلاف العلم الذي جاء من الله تعالى بأبلغ الوجوه حيث أورد الله سبحانه الشرط مؤكدا بالقسم المقدر واللام الموطئة وتعليق الفعل بكلمة ان فانه يدل على انه اىّ جزء يوجد من الاتباع فهو ظلم- والخطاب الى النبي ﷺ مع كونه حبيبا لله تعالى فغيره اولى بالتهديد- والتفصيل بعد الإجمال في قوله ما جاءك من العلم- وتعظيم العلم بذكره معرفا باللام والجزاء بانّ المؤكدة- واللام في خبرها- والجملة الاسمية- والتعبير بإذن- وكلمة من فان قولك زيد من العلماء ابلغ من قولك زيد عالم- وتعريف الظالم المستلزم لنسبة كمال الظلم اليه لان المطلق محمول على الكامل- وتعميم الظلم حيث حذف متعلقة.
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ يعنى علماءهم يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لِكُلٍّ وِجْهَةٌ
التنوين في كل عوض من المضاف اليه والوجهة اسم للمتوجه اليه اى لكل امة من اهل الأديان قبلةوَ
الضمير راجع الى كل وقال الأخفش كناية عن الله تعالى وَلِّيها
أحد المفعولين محذوف اى مولّيها وجهه اى مقبلها عليه يقال وليته ووليت اليه إذا أقبلت عليه ووليت عنه إذا أدبرت عنه- وقرا ابن عامر هو مولّيها اى مصروف إليها يعنى ان الله تعالى يولى الأمم الى قبلتهم جعل لموسى عليه السلام قبلة ولمحمد ﷺ قبلة ولكل نبى قبلة فامر القبلة امر تعبدى لا يدرك بالرأى ولا يجوز فيه النزاع وليس ذلك لاقتضاء مكان كونه قبلة حتى يبحث عن ترجيح
يعنى بادروا بامتثال كلما أمركم الله وان كان قدم أمركم في بعض الأحيان بالاستقبال الى بيت المقدس وفي بعضها الى الكعبة فانه تعالى يحكم ما يشاء فلا تنازعوا في امر القبلةيْنَ ما تَكُونُوا
فى مكان مرضى لله تعالى من حيث الاستقبال او غير مرضى أْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً
يقبض الله تعالى أرواحكم ثم يحشركم الى الجزاء فيجازيكم على حسب أعمالكم ولو قبض أرواحكم وأنتم في الصلاة او فارغ الذمة من الواجب فذلك غاية السعادة او المعنى ان لكل من المسلمين قبلة وهى جانب الكعبة هو مولى وجهه «١» إليها ان علم بها وان غم عليه جهة القبلة فقبلته جهة التحري وان كان متنفلا خارج المصر على الدابة فاىّ جهة استقبلتها دابته فهى قبلته امر الله تعالى بالتولية إليها فاستبقوا الخيرات وبادروا بالصلوات ولا تؤخروها عن أوقاتها عند اشتباه القبلة اين ما تكونوا من أقطار الأرض شرقا او غربا يأت بكم الله تعالى يعنى بصلاتكم الى القبلة ويجعلها الى جهة واحدة كانها بحذاء الكعبةنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
(١٤٨).
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ كلمة حيث متروك الاضافة والجار مع المجرور متعلق بخرجت والمعطوف عليه مقدر تضمّن معنى الشرط فادخل الفاء في الجواب تقديره أينما كنت ومن حيث اى من اىّ مكان خرجت فول- وقيل من حيث خرجت بمعنى اين ما كنت وتوجهت مجازا- وقال التفتازانيّ حيث مضاف الى خرجت والجار مع المجرور متعلق بقوله تعالى فول وما بعد الفاء في مثله يعمل فيما قبله- لكن يلزم حينئذ اجتماع الواو والفاء الا ان يقدر المعطوف عليه تقديره فول وجهك اين ما كنت ومن حيث خرجت فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إذا صليت كرر هذا الحكم لبيان ان حكم صلوة السفر والحضر واحد عن حذيفة قال قال رسول الله ﷺ فضلنا على الناس بثلث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء- رواه مسلم وفي رواية لمسلم فضلت على الأنبياء بستة الحديث وَإِنَّهُ وان هذا الأمر لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) قرا ابو عمرو بالياء التحتانية والباقون بالفوقانية.
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ قيل كرر هذا الحكم لتعدد علله فانه تعالى ذكر للتحويل ثلث علل تعظيم الرسول ﷺ بابتغاء مرضاته وجرى العادة الالهية على ان يولى كل امة من
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ يا معشر قريش- خاطبهم والناس تبع لهم لقوله تعالى لابراهيم إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ يعنى ابراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ولقوله ﷺ الناس تبع لقريش- متعلق بأتم يعنى لاتم نعمتى إتماما كما اتممتها بإرسال رسول منكم- قال محمد بن جرير دعا ابراهيم دعوتين أحدهما اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ والثانية ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ- فمعنى الاية أجيب دعوة ابراهيم فيكم بان أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين وأتم
والسلوك على بعض تفاصيلها- وتطبيق احوال المريدين ومواجيدهم على احوال الأكابر ومواجيدهم كى يظهر صحة أحوالهم وتطمئن به قلوبهم- وكثيرا ما يتكلمون بتلك المعارف في غلبة الحال- فالطريق السوي للعوام عند مطالعة كتبهم وسماع كلامهم عدم الإنكار وحمله على ظاهر الشريعة مهما أمكن بالتأويلات فان كلامهم رموز وإشارات او تفويض علمه الى علام الغيوب كما هو شأن المتشابهات فان في كلامهم مجازات واستعارات مصروفة عن الظاهر وليس شىء منها مخالفا للشرع بل هى لب الكتاب والسنة رزقنا الله سبحانه بفضله ومنه- ولما كان طريق تحصيل تلك المعارف منحصرا في الإلقاء والانعكاس وكان كثرة الذكر والمراقبة اما في ملإ من الذاكرين او في خلإ من الناس يفيد للقلب والنفس صلاحية تلك الانعكاس من مشكوة صدر النبي ﷺ بلا واسطة او بوسائط- عقب الله سبحانه لقوله.
فَاذْكُرُونِي «١» قرا ابن كثير بفتح الياء والباقون بالإسكان أَذْكُرْكُمْ- عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ انا عند ظن عبدى بي وانا معه إذا ذكرنى فان ذكرنى في نفسه ذكرته في نفسى وان ذكرنى في ملإ ذكرته في ملا خير منه وان تقرب الى شبرا تقرّبت اليه ذراعا وان تقرب الى ذراعا تقربت اليه باعا وان أتاني يمشى أتيته هرولة متفق عليه- وروى البغوي عن انس عنه وفيه قال سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا على قضاء حوائجكم الدينية والدنيوية خصوصا على نيل درجات القرب والمعارف اللدنية بِالصَّبْرِ عن الشهوات فان النار محفوفة بها- وعلى المكاره في النفوس والأموال فان الجنة محفوفة بها وعلى الذكر والطاعات والعزلة عن سوء
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ اى هم أموات نزلت في قتلى بدر من المسلمين وكانوا اربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار- كان الناس يقولون لمن يقتل في سبيل الله مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا فانزل الله هذه الاية بَلْ أَحْياءٌ يعنى ان الله تعالى يعطى لارواحهم قوة الأجساد فيذهبون من الأرض والسماء والجنة حيث يشاؤن وينصرون أولياءهم ويدمرون أعداءهم ان شاء الله تعالى ومن أجل ذلك الحيوة لا تأكل الأرض أجسادهم ولا أكفانهم قال البغوي قيل ان أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش الى يوم القيامة- قال عليه السلام ان الشهداء إذا استشهدوا انزل الله جسدا كاحسن جسد ثم يقال لروحه ادخلى فيه فينظر الى جسده الاول ما يفعل به ويتكلم فيظن انهم يسمعون كلامه وينظر إليهم فيظن انهم يرونه حتى تأتيه أزواجه من الحور العين فيذهبن به- رواه ابن منذر مرسلا- وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود مرفوعا أرواح الشهداء عند الله في طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوى الى قناديل تحت العرش- فذهب جماعة من العلماء الى ان هذه الحيوة مختص بالشهداء والحق عندى عدم اختصاصها بهم بل حيوة الأنبياء أقوى منهم وأشد ظهورا اثارها في الخارج حتى لا يجوز النكاح بأزواج النبي ﷺ بعد وفاته بخلاف الشهيد- والصديقون ايضا أعلى درجة من الشهداء والصالحون يعنى الأولياء ملحقون بهم كما يدل عليه الترتيب في قوله تعالى مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ ولذلك قالت الصوفية العلية أرواحنا أجسادنا وأجسادنا أرواحنا- وقد تواتر عن كثير من الأولياء انهم ينصرون أولياءهم ويدمرون أعداءهم ويهدون الى الله تعالى من يشاء الله تعالى- وقد
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ اى لنصيبنكم يا امة محمد إصابة من يختبر لاحوالكم هل تصبرون للبلاء وتستسلمون للقضاء حتى يفاض عليكم بركات من السماء وانما أخبرهم بذلك قبل وقوعه لتوطينهم عليه نفوسهم بِشَيْءٍ قليل وانما قلله بالاضافة الى ما وقاهم عنه وذكر بالتنكير للتقليل ليخفف عليهم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أُولئِكَ اى اهل هذه الصفة عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ الصلاة في الأصل الدعاء ومن الله ما يترتب عليه من البركة والمغفرة والرحمة جمعها للتنبيه على كثرة أنواعها وذكر الرحمة بعدها تأكيدا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) للحق والصواب حيث استرجع ورضى بقضاء الله سبحانه- كتب رسول الله ﷺ في كتاب الى معاذ يعزيه في ابن له قبضه
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ جبلين بمكة مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الشعائر جمع شعيرة وهى العلامة- والمراد هاهنا المناسك الّتى جعلها الله تعالى اعلاما لطاعته فان الطواف بينهما واجب في الحج والعمرة اجماعا الا في رواية عن احمد فقال سنة لقوله تعالى فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما فان نفى الجناح تدل على الإباحة وكذا قوله فَمَنْ تَطَوَّعَ- والحق ان الإباحة والتطوع كل واحد منهما أعم من الوجوب فلا ينفيانه والحج لغة القصد والاعتمار الزيارة وفي الشرع عبارتان عن العبادتين المعروفتين والجناح بمعنى الميل عن القصد والمعنى لا اثم عليه- واصل يطوّف يتطوّف أدغمت التاء فى الطاء والمعنى ان يدور بهما- وسبب نزول هذه الاية انه كان على الصفا والمروة صنمان اساف ونائلة فكان اساف على الصفا ونائلة على المروة وكان اكثر اهل الجاهلية يطوفون بينهما تعظيما للصنمين و
عن ابن عباس قال سال معاذ بن جبل وسعد بن معاذ وخارجة ابن زيد نفرا من أحبار اليهود عن بعض ما في التورية فكتموهم إياه وأبوا ان يخبروهم فانزل الله تعالى.
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ الشاهدة على صدق محمد ﷺ وَالْهُدى اى ما يهدى الى الطريق المستقيم واتباع محمد صلى الله عليه وسلم- مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ اى التورية أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) اصل اللعن الطرد- ومعنى يلعنهم اللّاعنون انهم يسئلون الله لعنهم- واللّاعنون الذين يأتى منهم اللعن عليهم من الملائكة وللمسلمين من الجن والانس ودواب الأرض كلها- عن البراء بن عازب قال كنا مع النبي ﷺ في جنازة فقال ان الكافر يضرب بين عينيه فيسمعه كل دابة غير الثقلين فيلعنه كل دابة سمعت صوته فذلك قول الله تعالى وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ- أخرجه ابن ماجة وابن ابى حاتم وابن جرير قال ابن عباس جميع الخلائق الا الجن والانس- وقال قتادة هم الملائكة وقال عطاء الجن والانس- وقال الحسن جميع عباد الله- وقال مجاهد اللّاعنون البهائم
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا عن الكتمان وغيره من المعاصي وَأَصْلَحُوا ما أفسدوا بالتدارك وَبَيَّنُوا ما في التورية فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ أتجاوز عنهم فان التوبة من العبد الرجوع من المعصية ومن الله الرجوع من العقوبة وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) المبالغ في قبول التوبة والرحمة- عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ ان العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه- متفق عليه وعن انس قال قال رسول الله ﷺ لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب اليه من أحدكم كان راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فايس منها فاتى شجرة فاضطتجع في ظلها قد ايئس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فاخذ بحطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدى وانا ربك من شدة الفرح- رواه مسلم.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ يعنى ومن لم يتب من الكاتمين حتى مات أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) قال ابو العالية هذا يوم القيامة يوقف الكافر فيلعنه الله ثم يلعنه الملائكة ثم يلعنه الناس- فان قيل الملعون من الناس فكيف يلعن نفسه قيل قال الله تعالى يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً- وقيل انهم يلعنون الظالمين وهم منهم.
خالِدِينَ فِيها اى في اللعنة او في النار واضمارها قبل الذكر تفخيما لشأنها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) لا يمهلون من الانظار- او لا ينتظرون ليعتذروا- او لا ينظر إليهم نظر رحمة- قال البغوي ان كفار قريش قالوا يا محمد صف وانسب لنا ربك فانزل الله تعالى سورة الإخلاص وقوله تعالى.
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ وصف الإله بالواحد للتأكيد مع دلالة تنوين الله على الوحدة وفيه تقدير للوحدانية ما ليس في قولك إلهكم واحد والخطاب عام اى المستحق للعبادة منكم ايها العالمين الله واحد لا يمكن له نظير ولا شريك- ويجوزان يكون خطابا للكاتمين زجرا لهم على معاملتهم مع الله تعالى حيث يكتمون التوحيد ويقولون عزير ابن الله والمسيح ابن الله بعد زجرهم على كتمان الرسالة لا إِلهَ إِلَّا هُوَ صفة ثانية لتقرير الوحدانية وتأكيدها بعد تقرير- او هو خبر إلهكم بعد خبر الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) خبران آخران لقوله إِلهُكُمْ- او المبتدأ محذوف- وفيه اشارة الى الحجة على استحقاقه العبادة فانه المنعم على الإطلاق مولى النعم كلها أصولها وفروعها
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وما فيها من الشمس والقمر والكواكب- واخرج ابن ابى حاتم وابن مردوية من طريق جيد موصول عن ابن عباس قال قالت قريش للنبى صلى الله عليه وسلم- ادع الله ان يجعل لنا الصفا ذهبا نتقوى به على عدونا فاوحى الله تعالى الى النبي ﷺ انى معطيهم ولكن ان كفروا بعد ذلك عذبتهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين فقال رب دعنى وقومى فادعوهم يوما بيوم- فانزل الله تعالى هذه الاية يعنى انهم كيف يسئلون الصفا ذهبا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم منه في الوجود ومثله في الإمكان وَالْأَرْضِ وما فيها من الأشجار والأنهار والجبال والبحار والجواهر وانواع النباتات والحيوانات واختلاف التأثيرات والأقطار والأقاليم- وانما جمع السموات وأفرد الأرض لان تعدد السموات كان مقررا عند المخاطبين بناء على مشاهدتهم تعدد حركات الكواكب بخلاف الأرض فان تعددها لم يثبت الا بالشرع والاستدلال انما هو بما هو معلوم عندهم- وقيل لان السموات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين فان كلها من جنس واحد وهو التراب- وقيل لان طبقات السموات متفاصلة بخلاف الأرضين وهذا ليس بشىء فان الثابت بالسنة كون كل واحد من السموات والأرضين متناصلة كما روينا الأحاديث سابقا في تفسير قوله تعالى فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ اى تعاقبهما في الذهاب والمجيء وقصر الليالى وطول الأيام في الصيف وعكسها في الشتاء وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ كيف سخرها الله تعالى لكم تحمل الأثقال ولا ترسب في البحر- والفلك واحد وجمعه سواء فاذا أريد به الجمع تؤنث صفته وإذا أريد به المفرد يذكر نحو أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
- وكُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ- وتَجْرِي فِي الْبَحْرِ- بِما يَنْفَعُ النَّاسَ اى ينفعهم او بالذي ينفعهم من الركوب عليها والحمل فيها في التجارات والمكاسب وانواع المطالب وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ من الاولى للابتداء والثانية للبيان فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بالنبات بَعْدَ مَوْتِها يبسها وجذوبتها
قال ويل لمن قرا ولم يتفكر فيها- وقيل للاوزاعى فما غاية التفكر فيهن قال يقرا وهو يعقلهن- والله اعلم.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً أصناما او رؤساءهم الذين كانوا يطيعونهم او ما هو أعم منهما يعنى كل ما كان مشغلا عن الله تعالى مانعا عن امتثال او امره يُحِبُّونَهُمْ يعظمونهم ويطيعونهم كَحُبِّ اللَّهِ كتعظيمهم لله اى يسوون بينه وبينهم في المحبة والطاعة والمحبة
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا منصوب بتقدير اذكر او بدل من إذ يرون وَرَأَوُا الْعَذابَ الواو للحال وقد مضمرة او للعطف على تبرا وكذا في قوله تعالى وتقطّعت وذلك التبري يوم القيامة حين يجمع الله القادة والاتباع فيتبرا بعضهم من بعض وقيل الشياطين يتبرءون من الانس وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ اى عنهم الْأَسْبابُ (١٦٦) اى اسباب المحبة التي كانت بينهم في الدنيا وهى توقعات فاسدة في النفع ودفع الضرر- واصل السبب ما يوصل به الى شىء من ذريعة او قرابة او مودة ومنه يقال للجبل وللطريق سبب.
وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً اى رجعة الى الدنيا فَنَتَبَرَّأَ منصوب على جواب لو بمعنى ليت مِنْهُمْ اى من المتبوعين كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا اليوم كَذلِكَ الاراءة يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ ندامات عَلَيْهِمْ حسرات ثالث مفاعيل يرى ان كان من روية القلب والا فحال ما تركوا من الحسنات واتباع الرسول يندمون على تضييعها وما اثروا من السيئات واختاروا الدنيا على الاخرة يتحسرون على إتيانها- قال السدى يرفع لهم الجنة فينظرون إليها والى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله فيقال لهم تلك مساكنكم لو أطعتم الله تعالى ثم يقسم بين المؤمنين فبذلك يندمون ويتحسرون وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧) أصله ما يخرجون فعدل الى الجملة الاسمية للمبالغة في الخلود والاقناط عن الخلاص والرجوع الى الدنيا.
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر ابن صعصعة وبنى مدلج فيما حرموا على أنفسهم من الحرث والانعام والبحيرة
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ السوء في الأصل اسم لما يسوء صاحبه يقول ساءه يسوءه سواء ومساءة اى أحزنه وسأته فسىء اى حزنته فحزن- والفحشاء مصدر على وزن بأساء وضراء والمراد بهما الإثم والعطف لاختلاف الوصفين فانه سوء لاغتمام العاقل به وفحشاء لاستقباحه إياه وقيل السوء مطلق المعصية والفحشاء الكبيرة او ما فيه حد- والمراد بامره وسوسته وذالا يقتضى سلطانه الا على من اتبعه من الغاوين عن جابر قال قال رسول الله ﷺ ان إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه يفتنون الناس فادناهم منه منزلة أعظم فتنة يجىء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا- ثم يجىء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت- رواه مسلم وعن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ ان للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فاما لمة الشيطان فايعاد بالشر وتكذيب بالحق واما لمة الملك فايعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم انه من الله فليحمد الله ومن وجد الاخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرا الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ- رواه الترمذي وفى حديث ابن عباس قوله ﷺ الحمد لله الذي رد امره الى الوسوسة- رواه ابو داود- وَأَنْ تَقُولُوا في موضع الجر عطفا على السوء عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩) من تحريم الحرث والانعام-.
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اى لليهود اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قصة مستانفة والضمير عن غير مذكور- اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس قال دعا رسول الله ﷺ اليهود الى
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً النعق والنعيق صوت الراعي بالغنم والاية ان كانت في عبدة الأوثان فلا حاجة في تأويلها ومعناه مثل الذين كفروا فى عبادتهم ودعائهم للاوثان حيث لا يسمعون دعاءهم كمثل الذي ينعق
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ حلالات مستلذات ما رَزَقْناكُمْ عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان الله طيب لا يقبل الا الطيب وان الله امر المؤمنين بما امر المرسلين فقال يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً- وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ- ثم ذكر الرجل يطيل السفر يمديده الى السماء يا رب يا رب اشعث اغبر مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذّى بالحرام فانى يستجاب لذلك- رواه مسلم وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) يعنى ان صح انكم تخصونه بالعبادة
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ قرا ابو جعفر الميّتة في كل القران بالتشديد والباقون انما شددوا البعض وسنذكرها ان شاء الله تعالى فان قيل كلمة انما الحصر وكم من حرام لم يذكر- قلنا المختار عند الحنفية ما قال نحاة الكوفة ان كلمة انما ليست للقصر بل هى مركبة من انّ للتحقيق وما الكافة وعلى تقدير التسليم فالقصر إضافي بالنسبة الى ما حرمه الكفار من بحيرة وسائبة ووصيلة وحام ونحوها والله اعلم- والميتة حيوان مات من غير ذكوة وقد كان من شانها الذكوة فالسمك والجراد غير داخلتين فيها او هما خصتا منها بالحديث قال رسول الله ﷺ أحل لنا ميتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال- أخرجه ابن ماجة والحاكم من حديث ابن عمرو الحق بها بالسنة ما أبين من الحي اخرج ابو داود- والترمذي وحسنه عن ابى واقد الليثي قال قال رسول الله ﷺ ما قطع من البهيمة وهى حية فهو ميتة- واجمعوا على انه لا يجوز بيع الميته ولا أكل ثمنه ولا الانتفاع بشحمه ولا بجلده قبل الدباغ عن جابر انه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة ان الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول الله ارايت شحوم الميتة فانه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام ثم قال عند ذلك قاتل الله اليهود ان الله لمّا حرم شحومها اجملوه ثم باعوه فاكلوا ثمنه- متفق عليه وعن عمران رسول الله ﷺ قال قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها- متفق عليه وعن عبد الله ابن عكيم قال أتانا كتاب رسول الله ﷺ الا لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب رواه احمد والشافعي واصحاب السنن الاربعة- وفي رواية للشافعى واحمد وابى داود «١» - قبل موته بشهر وفي رواية احمد بشهر او شهرين قال الترمذي حسن صحيح- وعن جابر ان رسول الله ﷺ قال لا ينتفع من الميتة بشىء- رواه ابو بكر الشافعي واسناده حسن وعن اسامة ان رسول الله ﷺ نهى عن جلود السباع- رواه ابو داود والنسائي والحاكم وصححه وزاد وان يفترش- وعن معاوية بلفظ نهى عن ركوب النمار- رواه ابو داود والنسائي وعن المقدام بن معديكرب قال نهى رسول الله صلى الله
خص اللحم بالذكر لانه معظم ما يقصد من الحيوان وسائر اجزائه كالتابع له- ويدل على حرمة عينه قوله تعالى فانّه رجس وسنذكر تفسيره في سورة الانعام ان شاء الله تعالى وهل يجوز الانتفاع بشعره قال ابو حنيفة ومالك يجوز الانتفاع به للخزر للضرورة- ومنع منه الشافعي وكرهه احمد- ولو وقع في الماء القليل أفسده وعند محمد لا يفسد لان اطلاق الانتفاع دليل طهارته- ولابى يوسف ان الإطلاق للضرورة ولا يظهر الضرورة الا في حالة الاستعمال وحالة الوقوع بغايرها- كذا في الهداية وقال الفقيه ابو الليث لو لم يوجد الا بالشراء جاز شراؤه- وقال ابن همام قد قيل ايضا أن الضرورة ليست ثابتة في الخرز به بل يمكن ان يقام بغيره وقد كان ابن سيرين لا يلبس خفا خرز بشعر الخنزير قال ابن همام فعلى هذا لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ قال الربيع بن انس يعنى ما ذكر عند ذبحه اسم غير الله والإهلال أصله روية الهلال يقال اهل الهلال ثم لما جرت العادة برفع الصوت بالتكبير عند روية الهلال سهى لرفع الصوت مطلقا الإهلال- وكان الكفار إذا ذبحوا لالهتهم يرفعون أصواتهم بذكرها فجرى ذلك من أمرهم حتى قيل لكل ذابح وان لم يجهر مهلّ- واما متروك
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ يعنى آيات التورية في شأن محمد صلى الله عليه وسلم- نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والمأكل-
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فى الاخرة بكتمان الحق لاغراض دنيّة دنيوية فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) يعنى ما أشد صبرهم عليها تعجيب للمؤمنين على اختيارهم موجبات النار مع علمهم بتحقيق المصير إليها كانهم صبروا عليها والا فاىّ صبر.
ذلِكَ العذاب ومحله الرفع وقيل محله النصب يعنى فعلنا ذلك بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ يعنى التورية او جنس الكتاب التورية والقران وغيرهما بِالْحَقِّ فاختلفوا- وقيل معناه ذلك الاجتراء من اليهود على الله وصبرهم على النار من أجل ان الله تعالى نزل الكتاب بالحق وهو قوله تعالى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ اللام للجنس واختلافهم ايمانهم ببعض الكتاب وكفرهم بالبعض- او للعهد والاشارة اما الى التورية واختلافهم فيه اتباعهم بعض أحكامه وتركهم بعضه وهو اتباع محمد صلى الله عليه وسلم- واما الى القران واختلافهم فيه قولهم انه سحر او كلام يقوله بشرا وأساطير الأولين لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (١٧٢) عن الحق-.
لَيْسَ الْبِرَّ قرا حفص وحمزة بالنصب على انه خبر ليس واسمها ما بعده والباقون بالرفع بعكس التركيب- والبر كل فعل مرضى لله تعالى أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة قال كانت اليهود يصلى قبل المغرب يعنى الى بيت المقدس والنصارى
(٢) وفي القران وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
- قال البيضاوي في ذوى القربى واليتامى يريد المحاويج منهم ولم يقيد لعدم الالتباس- قلت هذا التقييد غير ظاهر فان الكلام في إيتاء المال تطوعا او ما هو أعم من الفريضة والتطوع واما الزكوة المفروضة فسيرد ذكره بعد ذلك والإيتاء تطوعا لا يتقيد بالمحاويج فان صلة الرحم وتفريح اليتيم قد يكون مع كون المعطى له غنيا بل لا يتوقف الصلة على اسلام المعطى له قال الله تعالى وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً- عن اسماء بنت ابى بكر قالت قدمت على أمي وهى مشركة فقال رسول الله ﷺ صليها- متفق عليه- وعن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ان ال ابى فلان ليسوا لى باولياء انما وليي الله وصالحوا المؤمنين ولكن لهم رحم ابلها ببلالها- متفق عليه وعن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ليس الواصل بالمكافئ لكن الواصل إذا قطعت رحمه وصلها- رواه البخاري- وقال رسول الله ﷺ انا وكافل اليتيم في الجنة هكذا- وفي رواية-
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى القصاص المساوات والمماثلة- قال البغوي قال الشعبي والكلبي وقتادة نزلت هذه الاية في حيين من احياء العرب اقتتلوا فى الجاهلية قبل الإسلام بقليل فكانت بينهما قتلى وجراحات لم يأخذها بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام قال مقاتل بن حبان كانت بين القريظة والنضير- وقال سعيد بن جبير كانت بين الأوس والخزرج- قالوا جميعا- وكان لاحد الحيين على الاخر طول في الكثرة والشرف وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهود
(٢) فى الأصل ابو حنيفة
واختلفوا في واحد قتل جماعة فقال ابو حنيفة ومالك- ليس عليه الا القود لجماعتهم ولا يجب عليه شىء اخر- وقال الشافعي ان قتل واحدا بعد واحد قتل بالأول وللباقين الديات وان قتلهم في حالة واحدة اقرع بين اولياء المقتولين فمن خرجت قرعته قتل له وللباقين الديات- وقال احمد ان حضر الأولياء وطلبوا القصاص قتل بجماعتهم ولا دية عليه وان طلب بعضهم القصاص وبعضهم الدية قتل لمن طلب القصاص ووجب الدية لمن طلبها وان طلبوا كلهم الدية كان لكل واحد منهم دية كاملة- واتفقوا على انه لا قصاص في الخطاء انما القصاص في العمد- واختلفوا في تفسير العمد فقال ابو حنيفة رحمه الله- هو ما تعمد ضربه بسلاح او ما جرى مجرى السلاح كالمحدد من الخشب والمروة ونحو ذلك والنار- وقال الشعبي والنخعي والحسن البصري- لا عمد الا بحديد فحسب ولا قود في غيره واما ما تعمد ضربه بما ليس بسلاح ولا ما اجرى مجرى السلاح فهو شبه العمد لا قود فيه وفيه الدية- وقال ابو يوسف ومحمد والشافعي واحمد إذا ضربه بحجر عظيم او بخشبة عظيمة يقتل به غالبا فهو عمد وفيه القود وكذا ان أغرقه في الماء او خنقه او منعه من الطعام والشراب أياما يموت فيه غالبا فمات- وقال مالك ان تعمد ضربه بعصا او سوط او حجر صغير لا يقتل به غالبا فمات به فهو ايضا عمد وفيه القود
الله عليه وسلم رأسه بين حجرين- ولما روى ان النبي ﷺ قال من غرق غرقناه ومن حرق حرقناه رواه البيهقي في المعرفة من حديث عمرو بن نوفل بن
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ عرّف القصاص ونكّر الحيوة ليدل على ان في هذا الجنس من الحكم نوعا عظيما من الحيوة- وذلك لان العلم به يردع القاتل عن القتل فيكون سببا لحيوة نفسين ولانهم كانوا يقتلون غير القاتل والجماعة بالواحد فتثور الفتنة فاذا اقتص من القاتل سلم الباقون ويصير ذلك سببا لحياتهم- وعلى الاول التقدير ولكم في شرع القصاص حيوة- وعلى الثاني ولكم في القصاص حيوة للباقيين- وايضا في القصاص حيوة للقاتل في الاخرة فانه إذا اقتص منه فى الدنيا لم يؤاخذ في الاخرة فيحيى هناك حيوة طيبة- وخاطب اولى الألباب لانهم هم الذين يفهمون الحكم والمصالح في الاحكام الشرعية لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) عن القتل مخافة القود او تتقون بالقصاص عن عذاب الاخرة او تتقون عن ترك القصاص بالاطلاع على الحكمة-.
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ اى حضر أسبابه وغلب على الظن اقترابه إِنْ تَرَكَ خَيْراً ذكر الماضي وأراد المستقبل يعنى ان كان له خير يتركه- والخير هو المال قال الله تعالى وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ- وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ- وقيل المراد بالخير المال الكثير لما روى عن على رضى الله عنه ان مولى له أراد ان يوصى وله تسعمائة درهم فمنعه وقال قال الله تعالى ان ترك خيرا والخير هو المال الكثير- رواه ابن ابى شيبة في المصنف وعن عائشة- ان رجلا أراد ان يوصى فساكته كم مالك فقال ثلاثة آلاف فقالت كم عيالك قال اربعة قالت انما قال الله تعالى ان ترك خيرا وان هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك- الْوَصِيَّةُ مفعول سد مسد الفاعل لكتب وترجح تذكير الفعل مع جواز التأنيث لوجود الفصل او على تأويل ان يوصى او الإيصاء ولذلك ذكّر الراجع في قوله فمن بدّله والعامل في إذا الافتراض المدلول لكتب لا الوصية لتقدمه عليها لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ متعلق بالوصية
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
فَمَنْ خافَ اى توقع وعلم كقوله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ مِنْ مُوصٍ قرا حمزة والكسائي وابو بكر ويعقوب بفتح الواو وتشديد الصاد من التفعيل والباقون بسكون الواو والتخفيف من الافعال جَنَفاً ميلا من الحق خطا أَوْ إِثْماً ظلما عمدا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ قال مجاهد معناه ان الرجل إذا حضر مريضا وهو يوصى فراه يميل عن الحق فامره بمعروف ونهاه عن منكر كما نهى رسول الله ﷺ سعيد بن ابى وقاص عن زيادة الوصية على الثلث ونهى على وعائشة عن اصل الوصية كما مرو عن النعمان بن بشير ان أباه اتى به الى رسول الله ﷺ فقال انى نحلت ابني هذا غلاما فقال أكل ولدك نحلت مثله قال لا قال فارجعه وفي رواية قال لا اشهد على جور- متفق عليه- وقال الآخرون معناه انه إذا أخطأ الميت في وصيته أو جاف متعمدا فوليه او وصيه او والى امور المسلمين يردّ الوصية الى العدل والحق ولا ينفذ الوصية الباطلة- قلت والاولى ان يراد به أعم المعنيين فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بل كان الإثم على الموصى وللمصلح اجر الإصلاح- عن ابى هريرة عن رسول الله ﷺ قال ان الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فيجب لهما النار- رواه ابو داود
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ اى فرض عَلَيْكُمُ الصِّيامُ والصوم في اللغة الإمساك يقال صام النهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة لان الشمس إذا بلغت كبد السماء يرى كانها وقفت ساعة- وفي الشرع عبارة عن الإمساك عن الاكل والشرب والجماع مع النية في وقت مخصوص كما سيظهر فيما بعد كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأنبياء والأمم والظاهر ان التشبيه فى نفس الوجوب- وذلك لا يقتضى المشابهة من كل جهة في الكيفية والوقت وغير ذلك قال سعيد بن جبير كان صوم من قبلنا من العتمة الى الليل القابلة- وكذلك كان في ابتداء الإسلام فاشتبها- وقال جماعة من اهل العلم ان صيام رمضان كان واجبا على النصارى كما فرض علينا فربما كان يقع في الحر الشديد فيشق عليهم لاجل العطش او في البرد الشديد فيشق عليهم لاجل الجوع- فاجتمع علماؤهم ورؤساؤهم فجعلوه في الربيع وزادوا فيه عشرة ايام كفارة لما صنعوا فصار أربعين- ثم اشتكى ملكهم فجعل لله عليه ان برىء من مرضه ان يزيد في صومهم اسبوعا فبرىء فزاد فيه اسبوعا ثم ولا هم ملك اخر فقال اتموه خمسين يوما- وقال مجاهد أصابهم موتان فقالوا زيدوا في صيامكم.. فزادوا عشرا قبل وعشرا بعد- قال الشعبي لو صمت السنة كلها لا فطرت اليوم الذي يشك فيه فيقال من شعبان ويقال من رمضان وذلك ان النصارى فرض عليهم شهر رمضان فصاموا قبل الثلثين يوما وبعدها يوما ثم لم يزل القرن الاخر يستن بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا الى خمسين يوما- كذا قال البغوي وأخرجه ابن جرير عن السّدى لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) المعاصي فان الصوم يكسر الشهوة قال رسول الله ﷺ يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فانه اغض للبصر وأحصن للفرج- ومن لم يستطع فعليه بالصوم- متفق عليه من حديث ابن مسعود- او المعنى تتقون الإخلال بالصوم.
أَيَّاماً منصوب بمقدر اى صوموا لا بالصيام للفصل بالاجنبى
فيه على مرادهم فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يعنى فكتب عليه او فالواجب عليه صيام عدة ايام مرضه وسفره من ايام اخر ان أفطر حذف الفعل او المبتدأ والمضاف والمضاف اليه والشرط للعلم بها بدلالة المقام- وبإطلاق الاية تثبت ان التتابع ليس بشرط في القضاء وعليه انعقد الإجماع- وقال داود يجب التتابع- ويؤيد اطلاق الاية حديث ابن عمر عن النبي ﷺ في قضاء رمضان قال- ان شاء فرق وان شاء تابع- رواه الدارقطني متصلا ومرسلا وحديث محمد بن المنكدر قال بلغني ان رسول الله ﷺ سئل عن تقطيع قضاء شهر رمضان فقال ذلك إليك- الحديث رواه الدارقطني مرسلا واسناده حسن وقد روى موصولا ولا تثبت وروى الدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو في اسناده الواقدي وابن لهيعة ضعيفان- وروى سعيد بن منصور عن انس نحوه واخرج البيهقي حديث ابى عبيد ومعاذ بن جبل وانس وابى هريرة ورافع بن خديج- واحتج داود بحديث ابى هريرة قال من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه- رواه الدارقطني فيه عبد الرحمن بن ابراهيم بن العاص قال ابن معين ليس بشىء- وقال الدارقطني ضعيف ليس بالقوى-
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ- قلت وعلى هذا التقدير فالمريض والمسافر كانا حينئذ مخيرين في ثلثة امور الصوم والفطر بنية القضاء والفدية ثم إذا انسخت الفدية بقي لهما التخييريين الصوم والقضاء- وقال قتادة هى خاصة في الشيخ الكبير الذي يطيق الصوم ولكن يشق عليه رخص له في ان يفطر ويفدى ثم نسخ بذلك
(٢) فى الأصل تصبحوا
(٣) فى الأصل واخرج عنه الشافعي عنه-
فقال- انزل القران جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان الى بيت العزة في السماء الدنيا ثم نزل به جبرئيل عليه السلام على رسول الله ﷺ نجوما في عشرين سنة فذلك قوله تعالى عز وجل بِمَواقِعِ النُّجُومِ- وقال داود بن ابى هند قلت الشعبي شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ اما كان ينزل في سائر السنة قال بلى ولكن جبرئيل عليه السلام
(٢) فى الأصل واصل القرا
لم يكن حكم الفدية منسوخا وكان المراد بقوله تعالى أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ هو شهر رمضان لا غير فحينئذ لم تكن لتكرار حكم المريض والمسافر فائدة- فائدة ويلحق بالمريض والمسافر في حق وجوب القضاء الحائض والنفساء بالإجماع والأحاديث عن معاذة العدوبة انها قالت لعائشة ما بال الحائض تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة قالت عائشة كان تصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة- رواه مسلم- مسئلة وبهذه الاية يثبت ان المسافر والمريض إذا صح واقام فعليه قضاء الصيام عدد ما أدرك من الأيام صحيحا مقيما طاهرا بعد رمضان فمن فاته عشرة من صيام رمضان وأدرك بعد الصحة والاقامة يومين من غير رمضان ثم مات يجب عليه قضاء يومين فحسب واختلفوا في انه من أدرك عدة من ايام اخر ولم يقض حتى مات هل يجب على الوارث الفدية او القضاء فقال ابو حنيفة ومالك لا يجب على الوارث شىء الا ان يوصى الميت بالفدية فيجب إنفاذ وصيته من الثلث لا فيما زاد على الثلث الا برضاء الورثة وكذا إذا كان عليه صوم نذر او كفارة- وقال الشافعي في القديم صام عنه وليه سواء كان من رمضان او من نذر وفي الجديد
(٢) فى الأصل فجاء
(٣) فى الأصل اتباعها-
فريضة وقيام ليلة تطوعا ومن تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن ادى فريضة فيما سواه ومن ادى فيه فريضة كان كمن ادى سبعين فريضة فيما سواه- وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وشهر المواساة وشهر يزداد فيه الرزق من فطّر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل اجره من غير ان ينقص من اجره شىء- قالوا يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطّر به الصائم قال رسول الله ﷺ يعطى الله هذا الثواب لمن فطّر صائما على مذقة لبن او تمرة او شربة من ماء ومن أشبع صائما سقاه الله عز وجل من حوضى شرية لا يظمأ حتى يدخل الجنة وهو شهر اوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار فاستكثروا فيه بأربع خصال خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غنى بكم عنهما اما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة ان لا الله الا الله وتستغفرونه واما اللتان لاغنى
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ يعنى فقل لهم انى قريب- واخرج عبد الرزاق عن الحسن سال اصحاب رسول الله ﷺ النبي ﷺ ابن ربنا فانزل الله- وهذا مرسل قلت ولعل السائل هو الاعرابى- واخرج ابن عساكر عن على قال قال رسول الله ﷺ لا تعجزوا عن الدعاء فان الله انزل علىّ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قالوا لا نعلم اىّ ساعة ندعوا فنزلت الى قوله يرشدون- قال البغوي روى الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس قال قال يهود المدينة يا محمد كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم ان بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام وان غلظ كل سماء مثل ذلك فنزلت هذه الاية قلت والظاهر ان تشريف السائل بالاضافة الى نفسه في قوله تعالى وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي يأبى ان يكون السائل يهوديا متعنتا في السؤال والله اعلم
من السوء مثله ما لم يدع بإثم او قطيعة رحم- وقيل ان الله يجيب دعوة المؤمن في الوقت ويؤخر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته ويعجل إعطاء من لا يحبه لانه يبغض صوته وقيل ان للدعاء آدابا وشرائط وهى اسباب الاجابة فمن استكملها كان من اهل الاجابة ومن اخلّ بها كان من اهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق الاجابة- وقد مر حديث ابى هريرة انه ﷺ ذكر الرجل يطيل السفر يمد يده الى السماء يا رب اشعث اغبر مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فانى يستجاب لذلك رواه مسلم والتحقيق في الباب عندى ان ما ذكرنا من الأقوال كلها صحيحة وانه ليس كل دعاء مستجاب ومدلول الاية ان مقتضى الدعاء الاجابة فانه تعالى جواد كريم قادر على كل شىء ومن كان هذا صفته لا يمنع مسئوله عقلا ونقلا روى الترمذي وابو داود عن سلمان قال قال رسول الله ﷺ ان ربكم حى كريم- يستحيى من عبده إذا رفع يديه ان يردهما صفرا- وانما يظهر تخلف الاستجابة عن الدعاء او تاخره عنه اما لحكمة او لمانع من الاستجابة او فقد شرط عقوبة للداعى والله اعلم-.
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ الرفث كناية عن الجماع-
(٢) فى الأصل وعلىّ-[.....]
الحرج فاشترط في الصلاة اقترانها بجزئها الاول اعنى التحريمة حتى تعتبر باقيه حكما مع جميع اجزائها- ولم يشترط ذلك في الصوم اجماعا لان الجزء الاول من الصوم حين طلوع الفجر او ان غفلة غالبا فجوزوا الصوم بنية سبقت من شروعه وتعتبر باقية اجماعا ما لم يرفض- واختلفوا في انه هل يجوز الصوم بنية بعد طلوع الفجر أم لا- فقال ابو حنيفة يصح أداء صوم رمضان والنذر المعين والنفل بنية قبل نصف النهار الشرعي وقال الشافعي واحمد يصح النفل بنية قبل الزوال لا غير وقال مالك لا يصح شىء من الصيام بنية من النهار وهو القياس- ويؤيده حديث حفصة ان النبي ﷺ قال من لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له- رواه احمد وابو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة في صحيحه وابن ماجة والدارقطني والدارمي- وفي رواية فلا يصوم وفي رواية لا صيام لمن لم يفرضه من الليل وفي رواية من لم يثبت الصيام قبل الفجر فلا صيام له- فان قيل قال ابو داود لا يصح رفعه- وقال الترمذي الموقوف أصح- قلنا رفعه ابن جريح وعبد الله بن ابى بكر كلاهما عن الزهري عن سالم عن
العشر الأواخر من رمضان سنة مؤكدة لحديث عائشة ان النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى يتوفاه الله عز وجل ثم اعتكفه أزواجه من بعده- متفق عليه وحديث ابن عمر كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان- يتفق عليه وعن انس قال كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاما فلما كان العام المقبل اعتكف العشرين- رواه للترمذى ورواه ابو داود وابن ماجة عن ابى بن كعب- قلت لكن تركه اكثر الصحابة قال ابن نافع انه كان كالوصال وأراهم تركوه لشدته ولم يبلغنى عن أحد من السلف انه اعتكف الا عن ابى بكر بن عبد الرحمن- وقال الحافظ قد حكيناه عن غير واحد من الصحابة- قلت ومن أجل تركه من اكثر الصحابة قال بعض الحنفية انه سنة على الكفاية والله اعلم تِلْكَ الاحكام التي ذكرت من حرمة الاكل والشرب والجماع في الصوم وحرمة المباشرة
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ كالدعوى الزور والشهادة بالزور او الحلف بعد إنكار الحق او الغصب والنهب والسرقة والخيانة او القمار واجرة المغني ومهر البغي وحلوان الكاهن وعسب التيس والعقود الفاسدة او الرشوة وغير ذلك من الوجوه الّتى لا يبيحه الشرع- وبين منصوب على الظرف او الحال من الأموال والاية بنزلت في امر القيس بن عابس الكندي ادعى عليه ربيعة بن عبدان الحضرمي عند رسول الله ﷺ أرضا انه غلبنى عليها فقال رسول الله ﷺ للحضرمى ألك بينة قال لا قال فلك يمينه فانطلق يحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- اما ان حلف على ماله ليأكل ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض- كذا اخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ عطف على المنهي- او نصب بإضمار أن اى ولا تلقوا حكومتها الى الحكام- قال مجاهد يعنى لا تخاصم وأنت ظالم وقال ابن عباس هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه بينة فيجحد المال ويخاصم به الى الحاكم ليحلف كاذبا- وقال الكلبي هو ان يقيم الشهادة الزور- قلت واللفظ يعم ذلك كله لِتَأْكُلُوا بالتحاكم فَرِيقاً طائفة مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ اى بما يوجب الإثم كالشهادة الزور واليمين الكاذبة او متلبسين «١» بالإثم وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) انكم مبطلون بخلاف الحكام فانهم لا يعلمون بحقيقة الحال
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الانصاريين قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يمتلى نورا ثم يعود دقيقا كما بدا لا يكون على حال واحد- كذا ذكر البغوي- وأخرجه ابو نعيم وابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق السدى الصغير عن ابن عباس- واخرج ابن ابى حاتم من طريق العوفى عنه قال سال الناس عن الاهلة فنزلت- واخرج ابن ابى حاتم عن ابى العالية قال- بلغنا انهم قالوا يا رسول الله لم خلقت الاهلة فنزلت قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ- ان كان السؤال عن الحكمة في اختلاف حال القمر وتبدل امره فقد طابق الجواب السؤال حيث امر الله سبحانه بان يجيب بان الحكمة الظاهرة في ذلك ان يكون معالم للناس يوقتون بها أمورهم ومعالم للعبادات الموقتة كالحج والصوم وغير ذلك يعرف بها أوقاتها- وان كان السؤال عن علة تبدل احوال القمر وهو الظاهر فهو جواب على اسلوب الحكيم تنبيها بان اللائق بحال السائل ان يسئل بالفائدة دون العلة إذ لا فائدة في ذلك السّؤال إذ حينئذ يلزمه الاشتغال بما لا يعنيه وهذا يدل على ان الاشتغال بالعلوم الغريبة كالهيئة والنجوم وغير ذلك مما ليس فيه فائدة دينية معتدة بها لا يجوز والمواقيت جمع ميقات اسم فمعز الدولة من الوقت والمراد به ما يعرف به اوقات الحج والصوم وآجال الديون وانقضاء العدة وغير ذلك-
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فى طاعة الله الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ يعنى الذين يتوقع منهم القتال وَلا تَعْتَدُوا بقتل النساء والصبيان والشيوخ الكبار والرهبان ومن القى إليكم السلم- عن بريدة رضى الله عنه قال كان النبي ﷺ إذا بعث جيشا قال اغزوا باسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا امراة ولا وليدا ولا شيخا كبيرا- رواه البغوي وروى مسلم في حديث طويل وفيه ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا- وعن عبد الله بن عمر قال نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان- متفق عليه وعن انس ان رسول الله ﷺ قال انطلقوا بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امراة ولا تغلوا وضموا غنائكم وأصلحوا وأحسنوا ان الله يحب المحسنين- رواه ابو داود فعلى هذا التأويل الاية محكمة غير منسوخة وهو قول ابن عباس ومجاهد- وقيل كان في ابتداء الإسلام امر الله تعالى رسوله ﷺ بالكف عن قتل المشركين ثم لمّا هاجر الى المدينة امره بقتال من قاتلهم منهم بهذه الاية قال الربيع هذه اوّل اية نزلت في القتال ثم امر بقتال المشركين كافة قاتلوا او لم يقاتلوا بقوله تعالى وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً- فحينئذ معنى قوله تعالى وَلا تَعْتَدُوا اى لا تبدوهم بالقتال إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) اى لا يريد بهم الخير.
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ قال مقاتل بن حبان هذه الاية منسوخة
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
فَإِنِ انْتَهَوْا عن القتال والكفر فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يغفر لهم ما قد سلف رَحِيمٌ (١٩٢) بالعباد.
وَقاتِلُوهُمْ يعنى المشركين حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ اى شرك وفساد وَيَكُونَ الدِّينُ الطاعة والعبادة لِلَّهِ وحده ولا يعبد غيره عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا الله الا الله وان محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ قلت ويحتمل ان يقال فى التأويل فان انتهوا فلا عدوان اى لا اثم العدوان الا على الظالمين فانكم ان تعرضتم للمنتهين صرتم ظالمين وينعكس الأمر- عن المقداد بن الأسود انه قال يا رسول الله ارايت ان لقيت رجلا من الكفار فاقتتلنا فضرب احدى يدى بالسيف فقطعها ثم لازمنى بشجرة فلما أهويت لا قتله قال لا الله الا اللهء أقتله بعد ان قالها- قال لا تقتله قال يا رسول الله انه قطع احدى يدى فقال رسول الله ﷺ لا تقتله فان قتلته فانه بمنزلتك قبل ان تقتله وأنت بمنزلته قبل ان يقول كلمة التي قال- متفق عليه واخرج ابن جرير عن قتادة ان النبي ﷺ وأصحابه خرجوا معتمرين ومعهم الهدى في ذى القعدة سنة ست فصده المشركون بالحديبية فصالح اهل مكة على ان ينصرف عامه ذلك ويأتى من قابل فرجع رسول الله ﷺ وقضى عمرته في ذى القعدة سنة سبع واقام بمكة ثلث ليال وكان المشركون قد فخروا عليه حين ردوه فانزل الله تعالى الشَّهْرُ الْحَرامُ يعنى ذى القعدة اللاتي دخلتم بمكة فيه وقضيتم عمرتكم بِالشَّهْرِ الْحَرامِ
وَأَنْفِقُوا أموالكم فِي سَبِيلِ اللَّهِ فى الجهاد وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ قيل الباء زائدة وعبر بالأيدي عن الأنفس وقيل فيه حذف اى لا تلقوا أنفسكم بايديكم يعنى باختياركم والإلقاء طرح الشيء وعدى بالى لتضمن معنى الانتهاء- والقى بيده لا يستعمل الا في الشر إِلَى التَّهْلُكَةِ اى الهلاك- قيل كل شىء يصير عاقبته الى الهلاك فهو التهلكة وقيل التهلكة ما يمكن الاحتراز عنه والهلاك ما لا يمكن الاحتراز عنه روى البخاري عن حذيفة قال نزلت هذه الاية في النفقة واخرج ابو داود والترمذي وصححه ابن حبّان والحاكم وغيرهم عن ابى أيوب الأنصاري رضى الله عنه قال نزلت هذه الاية فينا معشر الأنصاري لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرا ان أموالنا قد ضاعت وان الله تعالى قد أعز الإسلام فلو أقمنا في أموالنا فاصلحنا ما ضاع منها- فانزل الله تعالى يردّ علينا ما قلنا فكانت التهلكة الاقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو- قلت المعنى انكم لو تركتم الغزو يغلب عدوكم عليكم فتهلكون- قال البغوي فما زال ابو أيوب رضى الله عنه يجاهد في سبيل الله حتى كان اخر غزوة غزاها بقسطنطنية فاستشهد ودفن في اصل سور قسطنطنية وهم يستسقون به وروى عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من مات ولم يغز ولم يحدث
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ هذه الاية حجة على وجوب الحج والعمرة ووجوب إتمامهما وعدم جواز فسخ الحج بالعمرة- اما وجوب الحج فقد انعقد الإجماع على انه فرض محكم على الأعيان وهو أحد اركان الإسلام قال الله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وقال رسول الله ﷺ بنى الإسلام على خمس شهادة ان لا الله الا الله وان محمدا رسول الله واقام الصلاة وإيتاء الزكوة والحج وصوم رمضان- متفق عليه وفي الباب أحاديث كثيرة- واما وجوب العمرة فهو مذهب احمد وبه قال الشافعي في أصح قوليه وهو مروى عن
وهو بالبطحاء فقال بما أهللت- قال أهللت كاهلال النبي ﷺ قال هل معك من هدى قال لا فامرنى فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أحللت ثم أهللت بالحج يوم التروية- فقدم عمر (يعنى في خلافته) فقال ان نأخذ بكتاب الله فان الله امر بالإتمام قال الله تعالى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ- وان نأخذ بسنة النبي ﷺ فانه لم يحل حتى نحر الهدى- وعن جابر قال قد أهلوا بالحج مفردا فقال لهم رسول الله ﷺ أحلوا من إحرامكم بطواف البيت والصفا والمروة وقصروا ثم اقيموا حلالا الحديث- وحديث ابن عباس أمرهم ان يجعلوها عمرة- وحديث
ويحل المحصر في ذلك اليوم ولا يختص عنده للذبح يوم النحر وقال ابو يوسف ومحمد في الحج يختص الذبح بيوم النحر فلا حاجة الى تعينه عندهما- وقال مالك والشافعي واحمد محله هو ذبحه بالموضع الذي أحصر فيه سواء كان في الحل او في الحرم لحديث المسور بن مخرمة في قصة الحديبية قال فلما فرغ من قصة الكتاب قال رسول الله ﷺ لاصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا فو الله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات فلمّا لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقى من الناس فقالت أم سلمة يا نبى الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم بكلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك
- وخبر الواقدي في المغازي مقبول إذا لم يخالف الاخبار الصحيحة- ثانيهما ان جزم الشافعي بان جماعة تخلفوا بغير عذر انما هو مبنى على زعم الراوي وشهادته على نفى العذر غير مقبول فمن تخلف عن الخروج لعله كان له عذر وانهم قضوا عمرتهم بعد ذلك ولنا ايضا حديث حجاج بن عمر الأنصاري قال قال رسول الله ﷺ من عرج او كسر فقد حل وعليه الحج من قابل والله اعلم فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ ايها المحرمون مَرِيضاً بحيث يحوجه المرض الى الحلق أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ كجراحة او قمل فحلق فَفِدْيَةٌ اى فالواجب عليه فدية وكذلك الحكم على من تطيب او لبس المخيط بعذر قياسا على الحلق مِنْ صِيامٍ ثلثة ايام لانه ادنى الجمع ولا يشترط فيها التتابع لاطلاق النص
ذلك في الإحرام جاز اجماعا ولا يجوز بعد ذلك لعدم الإحرام بعد ذلك على ان الصوم يوم النحر وايام التشريق حرام فلا يتادى به الواجب في الصحيحين عن عمر بن الخطاب قال هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم واليوم الاخر تأكلون فيه من نسككم- متفق عليه وكذا في المتفق عليه من حديث ابى سعيد وحديث ابى هريرة وغيرهم- وعن عمرو بن العاص انه قال لابنه في ايام التشريق انها الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صومهن وامر بفطرهن رواه ابو داود وابن المنذر وصححه ابن خزيمة والحاكم- وروى مسلم عن كعب بن مالك مرفوعا ايام منى ايام أكل وشرب- وكذا عند مسلم عن بنشة الهذلي وحديث بشر بن سحيم مثله رواه النسائي بسند صحيح وحديث عقبة بن عامر رواه اصحاب السنن والحاكم وابن حبان بسند صحيح- وعند البزار عن عبد الله بن عمر مرفوعا ايام التشريق ايام أكل وشرب وصلوة فلا يصومها أحد- وفي الباب أحاديث كثيرة غيرها وقال مالك والشافعي واحمد المتمتع ان لم يجد الهدى ولم يصم قبل يوم النحر جاز له ان يصوم في ايام التشريق واما في يوم النحر فلا
(٢) فى الأصل الحديثين-
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ شهران وتسعة ايام او عشرة ليال الى طلوع الصبح يوم النحر وايضا قوله تعالى فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ يستلزم ان لا يكون ايام التشريق فى الحج فانها ايام كل وشرب ورفث يعنى جماع ويجوز فيه الصيد وغير ذلك والله اعلم ومن قدر على الهدى في خلال الصوم او بعده قبل الحلق يجب عليه الذبح خلافا لمالك والشافعي واحمد لنا انه قدر على الأصل قبل تادى الحكم بالخلف فصار كمن وجد الماء وهو يصلى بالتيمم وان وجد المهدى بعد الحلق وقد صام ثلثة ايام لا يجب الهدى عليه اتفاقا كمن وجد الماء بعد الصلاة بالتيمم- وان فاتت صوم الثلاثة في الحج تعين الدم- وقال مالك والشافعي يقضى تلك الثلاثة بعد الحج بناء على انه قضاء بمثل معقول- وقلنا ان الصوم بدل من الهدى والابدال لا ينصب الا شرعا
وليل على تأويلنا لان اللام يستعمل فيما يجوز لنا ان نفعله ولذا قلنا في تقديره جاز ولو كان المشار اليه وجوب الهدى كان تقديره يجب فكان المناسب حينئذ كلمة على وما ذكرنا من التأويل مروى عن عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس رضى الله عنهم روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر انه سئل عن متعة الحج فقال ان الله أنزله في كتابه وسنة نبيه واباحه للناس غير اهل مكة قال الله تعالى ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ- وقال ابن همام صح عن عمر انه قال ليس لاهل مكة تمتع ولا قران- والمراد ب حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ عند ابى حنيفة رحمه الله ان يكون دون الميقات وبه قال عكرمة وقال الشافعي كل من كان وطنه من مكة على اقل من مسافة السفر- وقال طاؤس وطائفة هم اهل الحرم لان المسجد غير مراد اجماعا فالمراد به الحرم كما في قوله تعالى هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ وقوله تعالى الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ- وقال مالك
مفردا ويحل يوم النحر- ويسمى هذا عند الفقهاء تمتعا وكل ذلك جائز اجماعا لا خلاف فيه- انما الخلاف في انه ايها أفضل- وفي ان النبي ﷺ هل كان فارنا في حجة الوداع او متمتعا او مفردا- وفي ان القارن هل يكفيه طواف واحد وسعى واحد للحج والعمرة جميعا كما قال به الجمهور او لا بد له من طوافين «١» وسعيين كما قال به ابو حنيفة وهذه أبحاث طويلة ذكرناها في منار الاحكام والتحقيق انه ﷺ كان قارنا وان القران أفضل من التمتع ان ساق الهدى- والتمتع أفضل ان لم يسق الهدى وكل منهما أفضل من الافراد- وانه ﷺ لما قدم مكة طاف وسعى بين الصفا والمروة ثم لم يقرب الكعبة بطوافه بها حتى رجع من عرفة رواه البخاري قلت وذلك الطواف والسعى كان لعمرته وكفاه عن طواف القدوم لحجه- وكان ذلك الطواف والسعى ماشيا- كما هو مصرح في حديث حبيبة بنت ابى تجراه وابن عمر وجابر عند مسلم وغيره ثم انه ﷺ سعى بين الصفا والمروة ثانيا بعد طواف الزيارة كما يدل عليه حديث جابر قال طاف رسول الله ﷺ على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسئلوه رواه مسلم- وفي رواية طاف في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن بمحجنه الحديث- هذا ما حصل لى بعد جمع الروايات المختلفة والله اعلم الْحَجُّ اى وقت الحج بل وقت إحرام الحج فان وقت اركان الحج انما هو يوم عرفة ويوم النحر لا غير أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ اخرج الطبراني عن ابى امامة قال قال رسول الله ﷺ شوال وذو القعدة وذو الحجة- قلت المراد شوال وذو القعدة
الفور كان هذا المشيء مكان جواب الاذان فان اجابة الداعي بالفعل أقوى منه بالقول- وليس معنى التلبية الا الألباب والقيام الى الطاعة والله اعلم- واستدل صاحب الهداية على ذلك بقوله ﷺ من قلد بدنة فقد احرم- وهذا الزبير قال ابن همام وقفه ابن ابى شيبة في مصنفه على ابن عباس وابن عمر قلت لا مساس لهذين الأثرين بالمدعى لانه كان مذهب ابن عباس وابن عمر انه من بعث الى مكة هديا وهو لا يريد الحج فهو إذا قلد هديا يحرم عليه ما يحرم على المحرم حتى ينحر هديه بمكة وهو المراد بقول ابن عباس وابن عمر من قلد هديا فقد احرم وكذا روى عن غيرهما من الصحابة ثم انعقد الإجماع على خلاف ذلك- روى البخاري في صحيحه ان زياد بن ابى سفيان كتب الى عائشة ان عبد الله بن عباس قال من اهدى هديا حرم عليه
وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً- وسيجيئ البحث عنه في سورة المائدة ان شاء الله تعالى ومنها ازالة الشعر والظفر قال الله وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ- وقتل القمل المتولد من الوسخ ملحق بالشعر- ومنها استعمال الطيب في الثوب او البدن قال رسول الله ﷺ لا تلبسوا شيئا مسّه زعفران او ورس- متفق عليه عن ابن عمر- وهذه الأشياء عامة حرمتها للرجال «١» والنساء- ومنها ما اختص بالرجال وهو أمران لبس المخيط والخفين الا انه من لم يجد النعلين فيلبس الخفين ومن لم يجد الإزار فيلبس السراويل كذا في المتفق عليه من حديث ابن عباس وعن جابر نحوه وتغطية الرأس واما تغطية الوجه فيعم الرجال والنساء عند ابى حنيفة ومالك رحمهما الله وقال الشافعي واحمد بل يختص بالنساء لقول ابن عمر إحرام الرجل في راسه وإحرام المرأة في وجهها- رواه الدارقطني والبيهقي وقد روى مرفوعا ولا يصح ولحديث عثمان ابن عفان كان رسول الله ﷺ يخمر وجهه وهو محرم رواه الدارقطني وقال الدارقطني الصواب انه موقوف- فى المؤطا عن الفراقصة انه راى عثمان بالعرج يغطى وجهه وهو محرم- ولنا حديث ابن عباس في قصة رجل- وقصته راحلته وهو محرم قال عليه الصلاة والسلام لا تخمروا رأسه ولا وجهه فانه يبعث يوم القيمة ملبيا- رواه مسلم والنسائي وابن ماجة والسابع ما اختلفوا في حرمتها في الإحرام وهو عقد النكاح فقال مالك والشافعي
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا تطلبوا فَضْلًا عطاء ورزقا مِنْ رَبِّكُمْ بالتجارة ونحو ذلك في سفر الحج روى البخاري عن ابن عباس قال ثلاث كانت اسواقا في الجاهلية عكّاظ- ومجنة- وذو المجاذ فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها فانزل الله تعالى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فى مواسم الحج قال البغوي كذا قرا ابن عباس واخرج احمد وابن ابى حاتم وابن جرير والحاكم وغيرهم من طرق عن ابى امامة التيمي قال قلت لابن عمر انا قوم نكرى في هذا الوجه يعنى الى مكة فيزعمون ان لا حج لنا فقال ألستم تحرمون كما يحرمون وتطوفون كما يطوفون وترمون كما يرمون قلت بلى قال أنت حاجّ جاء رجل الى النبي ﷺ فساله عن الذي سالتنى عنه فلم يجب بشىء حتى نزل جبرئيل بهذه الاية فَإِذا أَفَضْتُمْ دفعتم والافاضة دفع بكثرة مِنْ عَرَفاتٍ جمع عرفة جمعت بما حولها وسميت بها وهى بقعة واحدة- وانما سمى الموقف عرفات واليوم عرفة لانه نعت لابراهيم عليه السلام فلما أبصره عرفه أخرجه ابن جرير عن السدى- او لانه كان جبرئيل يدور به في المشاعر فلما أراه قال عرفت أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وعلى- وذكر البغوي قال عطاء وذكر البغوي ايضا انه قال الضحاك ان آدم عليه السلام لما اهبط الى الأرض وقع بالهند وحواء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات يوم عرفة فتعارفا- وقال السدى لمّا اذّن ابراهيم في الناس بالحج وأجابوه بالتلبية وأتاه من أتاه امره الله ان يخرج الى عرفات ونعتها له فخرج فلما بلغ الشجرة عند العقبة استقبله الشيطان يرده فرماه بسبع حصياة يكبر مع كل حصاة فطار فوقع على الجمرة الثانية فرماه وكبر قطار فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبر فلما راى الشيطان انه لا يطيقه ذهب فانطلق ابراهيم حتى اتى ذا المجاز ثم انطلق حتى وقف بعرفات فعرفها بالنعت فسمى الوقت عرفة والموضع عرفات حتى إذا امسى ازدلف الى جمع فسمى المزدلفة- وروى عن ابى صالح عن ابن عباس ان ابراهيم راى ليلة التروية في منامه انه يؤمر بذبح ابنه فلما أصبح روّى يومه اجمع اى فكر أمن الله هذه الرؤيا أم من الشيطان فسمى اليوم يوم التروية ثم راى ذلك ليلة عرفة ثانيا
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ- اخرج ابن جرير عن ابن عباس قال كانت العرب تقف بعرفة- وكانت قريش تقف دون ذلك بالمزدلفة فانزل الله- ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ- واخرج ابن المنذر عن اسماء بنت ابى بكر قالت كانت قريش تقف بالمزدلفة وتقف النّاس بعرفة الا شيبة بن ربيعة فانزل الله هذه الاية- قال البغوي كانت قريش وهم الحمس وحلفاوهم يتعظمون ان يقفوا مع سائر العرب بعرفات ويقولون نحن اهل الله ووطان حرمه فلا نخلف الحرم ولا نخرج منه- وسائر الناس يقفون بعرفات فاذا أفاض الناس من عرفات أفاض الحمس من المزدلفة فامرهم الله تعالى ان يقفوا بعرفات ويفيضوا منها الى جمع مع سائر الناس وأخبرهم انه سنة ابراهيم وإسماعيل- فالمراد بالناس على هذه الروايات العرب كلهم غير الحمس- وقال الضحاك الناس هاهنا ابراهيم عليه السلام وحده كقوله تعالى أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ وأراد به محمدا ﷺ وحده وكذا في قوله تعالى قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ والمراد بالناس الاول نعيم بن مسعود الأشجعي- وقال الزهري الناس هاهنا آدم عليه السلام وحده دليله قراءة سعيد بن جبير ثمّ
ثم بعد ما اجمعوا على ان الوقوف بمزدلفة ليس بركن اختلفوا في انه واجب يجب بفواته الدم او سنة فقال الشافعي رحمه الله سنة وقال الجمهور واجب ثم القائلون بالوجوب اختلفوا في القدر الواجب منه فقال ابو حنيفة الوقوف بمزدلفة بعد طلوع الفجر من يوم النحر واجب- وقال مالك المبيت بمزدلفة ليلة النحر ولو ساعة واجب- وقال احمد المبيت ما بعد نصف الليل واجب وهذه الاية حجة للقائلين بالوجوب على الشافعي فان قوله تعالى فَإِذا «١» أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ- يدل بعبارته على وجوب الوقوف بمزدلفة وبإشارته على وجوب الوقوف بعرفات فان سوق الكلام للامر بالذكر عند المشعر الحرام والافاضة من عرفات شرط له فهذا اولى بالوجوب فان قيل الذكر غير واجب اجماعا فالامر بالذكر انما هو للاستحباب فكيف يحتج به في الخلافية وهو وجوب الوقوف بمزدلفة قلنا الذكر عبارة عن طرد الغفلة وذلك كما يحصل بالقول باللسان يحصل بالعمل بالجوارح ايضا قال صاحب الحصين كل مطيع لله ذاكر فالوقوف بمزدلفة بنية العبادة ذكر لا محالة وهو المامور به فهو واجب- ثم التلبية والدعاء وصلوة العشاءين والفجر لازم للوقوف وكل ذلك ذكر فيمكن ان يطلق اللازم ويراد به الملزوم كما في قوله تعالى فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ يعنى صلوا ما تيسر- ويؤيد مذهبنا من السنة حديث عروة بن مضرس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- من شهد صلاتنا هذه يعنى الفجر يوم النحر بمزدلفة ووقف معنا حتى ندفع ووقف بعرفة قبل ذلك ليلا او نهارا فقدتم حجه- رواه اصحاب السنن الاربعة وابن حبان والحاكم وقال
الحج ومناسكها وذلك يوم النحر بعد رمى جمرة العقبة والذبح والحلق والطواف والسعى اعلم ان اركان الحج الإحرام والوقوف بعرفة وطواف الزيادة بالإجماع وقال الشافعي السعى والحلق ايضا وقد مر بحث السعى وسنذكر بحث الحلق في سورة الحج ان شاء الله تعالى فَاذْكُرُوا اللَّهَ بالتكبير والتحميد والثناء عليه كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ وذلك ان العرب كانوا إذا فرغوا من الحج وقفوا عند البيت فذكروا مفاخر ابائهم فامرهم الله تعالى بذكره فان الله تعالى مولى النعم إليهم والى ابائهم وهو خالقهم دون ابائهم فهو اولى بالذكر قال الله تعالى أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ- قال ابن عباس وعطاء معناه فَاذْكُرُوا اللَّهَ كذكر الصبيان الصغار الآباء- قلت وعلى هذا كان ذكر الأمهات اولى من الآباء أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً يعنى بل أشد ذكرا- وأشد اما مجرور معطوف على الذكر يعنى واذكروا الله ذكرا كذكركم او كذكر أشد منه ذاكرية- او على ما أضيف اليه يعنى كذكر قوم أشد منكم ذاكرية- واما منصوب بالعطف على ابائكم فحينئذ
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً التنكير للتعظيم يعنى حسنة عظيمة هو اخلاص العمل لله والعافية ويحتمل ان يراد به جنس الحسنة عموما والنكرة في الإثبات قد تعم بمصاعدة المقام والقرينة كما في قوله ﷺ تمرة خير من جرادة يعنى كل تمرة خير من كل جرادة- فاعطاء التمرة في جزاء قتل الجرادة يكفى للمحرم فهذه الاية نظير ما ورد في السنة اللهم انى أسئلك من الخير كله عاجله واجله ما علمت منه وما لم اعلم وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وهى رضوان الله تعالى او كل شىء من نعماء الاخرة وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١) بالعفو والمغفرة روى البغوي بسنده عن انس رضى الله عنه قال راى رسول الله ﷺ رجلا قد صار مثل الفرخ فقال هل كنت تدعو الله بشىء او تسئله إياه قال يا رسول الله كنت أقول اللهم ما كنت معاقبى به في الاخرة فعجله لى في الدنيا فقال سبحان الله لا تستطيعه او لا تطيقه هلا قلت رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ وعنه قال كان رسول الله ﷺ يكثر ان يقول رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ- متفق عليه وعن عبد الله بن السائب انه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين ركن بنى جمح والركن الأسود رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ- رواه ابو داود والنسائي وابن حبان والحاكم وابن ابى شيبة- وروى ابو الحسن بن الضحاك عن انس رضى الله عنه قال كان رسول الله ﷺ لو دعا بمائة مرة يفتح بها ويختم بها رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ولو دعا بدعوتين لجعلها أحدهما- وروى تقى بن مخلد عنه قال- كان في أول دعاء رسول الله ﷺ وفي وسطه وفي آخره اللهم اتنا في الدّنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النّار.
أُولئِكَ اشارة الى القريق الثاني وقيل إليهما لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا سمى الدعاء كسبا لانه من الأعمال
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ وهى ايام التشريق سميت معدودات لقلتهن كذا روى عن ابن عباس وغيره ويدل على ذلك قوله تعالى فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ من ايام التشريق يعنى استعجل في النفر ونفر في ثانى ايام التشريق- اتفقوا على انه من لم ينفر ودخل عليه الثالث من ايام التشريق وجب عليه رمى ذلك اليوم واختلفوا في انه هل يعتبر دخول الليلة الثالثة من ليالى ايام التشريق او الثالث من أيامها فقال الجمهور المعتبر دخول الليل فمن اقام بمنى حتى دخلت الليلة الثالثة لا يحل له النفر حتى يرمى الجمار في اليوم الثالث- وقال ابو حنيفة لا يجب ذلك حتى يصبح بمنى وله ان ينفر من الليل وإذا طلع الفجر لزمه الرمي- قال ابو حنيفة وقت الرمي انما هو النهار فمن نفر من الليل كان كمن سافر قبل وقت الجمعة- وقال غيره الليل وان لم يكن وقت المرمى فهو وقت للمبيت والمبيت بمنى واجب فبعد دخول الليل وجب المبيت فلا يحل النفر- والله اعلم فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فانه أخذ بالرخصة وَمَنْ تَأَخَّرَ فى النفر حتى يرمى اليوم الثالث فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وهو اولى وأفضل وفيه رد على اهل الجاهلية كان منهم من اثم المتعجل ومنهم من اثم المتأخر لِمَنِ اتَّقى اى هذه الاحكام لمن اتقى فانه هو المنتفع به- وقيل لمن اتقى ان يصيب في حجه شيئا مما نهاه الله عنه رجع مغفورا لا ذنب عليه سواء تعجل في النفر او تأخر قال البغوي هذا قول على وابن مسعود رضى الله عنهما- ويؤيده من المرفوع قوله ﷺ من حج لله ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته امه- متفق عليه من حديث ابى هريرة وعنه في الصحيحين مرفوعا الحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة- وعن ابن مسعود قال- قال رسول الله ﷺ الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب كما ينفى الكبير خبث الحديد رواه الشافعي والترمذي وعن عمر ونحوه رواه احمد اعلم ان المقام بمنى ايام التشريق والمبيت بها في لياليها وكذا الرمي ليس بركن اجماعا لقوله تعالى فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ فان الترتيب والتعقيب يدل على المغائرة- واختلفوا فى وجوبها فقال احمد المبيت والرمي كلاهما واجبان- وقال مالك المقام والمبيت واجب والرمي سنة مؤكدة- وقال ابو حنيفة بالعكس وهو رواية عن احمد- وللشافعى قولان أحدهما كاحمد والثاني كابى حنيفة- وقال بعضهم انما شرع الرمي حفظا للتكبير فان ترك وكبر أجزأه حكاه ابن جرير
بواجب اجماعا بل هو مقيد بمنى يدل عليه قوله تعالى فَمَنْ تَعَجَّلَ يعنى في النفر الاية ولا شك ان المقام هناك بنية التقرب ذكر وانضمام الذكر اللساني اولى وأفضل فمحمل الاية هو المقام بمنى دون الرمي قلنا هذا لا ينافى ان يكون محمل الاية كلا الامرين المقام والرمي كما لا يخفى والله اعلم واعلم انه ثبت بالسنة وهو بيان لا جمال الاية ان الرمي يوم النحر في جمرة العقبة بسبع حصيات ووقته من طلوع الفجر يوم النحر عند ابى حنيفة ومالك- ومما بعد نصف الليل من ليلة النحر عند احمد والشافعي- ومن طلوع الشمس يوم النحر عند مجاهد والحجة لمجاهد حديث ابن عباس ان رسول الله ﷺ قدّم ضعفة اهله وقال لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس- رواه الترمذي وقال هذا حديث صحيح- قلنا هذا محمول على الاستحباب ويدل على الجواز بعد الصبح قبل طلوع الشمس ما رواه الطحاوي بأسانيده عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ بعثه مع النقل وقال لا ترموا
(٢) فى الأصل انه
(٣) فى الأصل يوم القر
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ اى يعظم في قلبك وتستحسنه قَوْلُهُ يعنى الأخنس كذا اخرج ابن جرير عن السدى- واخرج ابن ابى حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس قال لما أصيب السرية التي يعينها عاصم ومرثد بالرجيع قال رجلان من المنافقين- يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا لا هم قعدوا في أهليهم ولا هم أدوا رسالة صاحبهم فانزل الله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قوله فِي الْحَياةِ الدُّنْيا متعلق بيعجبك يعنى يعجبك قوله في الحيوة الدنيا حلاوة وفصاحة ولا يعجبك في الاخرة لما يعتريه الفضيحة او متعلق بالقول اى قوله في معنى الدنيا من ادعاء المحبة واظهار الإسلام وَيُشْهِدُ اللَّهَ ذلك المنافق اى يحلف بالله ويستشهده عَلى ما فِي قَلْبِهِ يعنى على ان ما فى قلبه مطابق للسانه فيقول والله انى بك مومن ولك محب وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) اى أشد الخصومة والجدال للمسلمين والخصام مصدر خاصمه خصاما- وقال الزجاج هو جمع خصم مثل بحر وبحار- والجملة حال من فاعل يشهد- عن عائشة عن النبي ﷺ ان ابغض الرجال الى الله عز وجل الألد الخصم- قال قتادة هو شديد القسوة في المعصية جدل بالباطل يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة.
وَإِذا تَوَلَّى اى أدبر سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ روى ان الأخنس كانت بينه وبين ثقيف خصومة فبيّنهم ليلا فاخرق زروعهم وأهلك مواشيهم- وقال مقاتل خرج الى الطائف مقتضيا مالا له على
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَإِذا قِيلَ لَهُ للاخنس اتَّقِ خف الله أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ حملته الانفة وحميّة الجاهلية والتكبر بِالْإِثْمِ اى على الإثم يقال أخذته بكذا اى حملته عليه وألزمته إياه- او الباء للسببية والمعنى أخذته العزة من أجل الإثم الذي في قلبه وهو الكفر فَحَسْبُهُ كفته جزاء- وعذابا جَهَنَّمُ علم لدار العقاب وهو في الأصل مرادف لنار وقيل معرّب وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) اى الفراش جواب قسم مقدر والمخصوص بالذم محذوف يعنى جهنم- قال البغوي قال ابن مسعود ان من اكبر الذنب عند الله ان يقال للعبد اتق الله فيقول عليك بنفسك- وروى انه قيل لعمر بن الخطاب رضى الله عنه اتق الله فوضع خده على الأرض تواضعا لله عز وجل.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي اى يبيع ويبذل في الجهاد او الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر نَفْسَهُ حتى يقتل نظيره قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ الاية عن ابى امامة ان رجلا قال يا رسول الله اىّ الجهاد أفضل- قال أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر- رواه احمد وابن ماجة والطبراني والبيهقي- وابن ماجة عن ابى سعيد ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ- طلبا لرضائه كانّ مرضات الله ثمن يطلبها ببذل نفسه وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧) حيث ارشدهم لمثل هذه التجارة الرابحة- اخرج الحارث بن ابى اسامة في مسنده وابن ابى حاتم عن سعيد بن السيب قال اقبل صهيب مهاجرا الى النبي ﷺ فاتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته ثم قال يا معشر قريش لقد علمتم انى من ارماكم رجلا وايم الله لا تصلون الىّ حتى ارمى كل سهم معى في كنانتى ثم اضرب بسيفى ما بقي منه شىء ثم افعلوا ما شئتم وان شئتم وللتم على ما لى بمكة وخليتم سبيلى قالوا نعم- فلما قدم على النبي ﷺ المدينة قال ريح البيع أبا يحيى ريح البيع أبا يحيى ونزلت هذه الاية واخرج الحاكم في المستدرك نحوه من طريق ابن المسيب عن صهيب نفسه موصولا واخرج ايضا من طريق حماد بن سلمة عن انس وفيه التصريح بنزول الاية فيه وقال صحيح على شرط مسلم- واخرج ابن جرير عن عكرمة
فقال والله ما أحب ان محمدا ﷺ الان في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وانا جالس في أهلي فقال ابو سفيان ما رايت من الناس أحدا يحب أحدا كحب اصحاب محمد ثم قتله نسطاس- واما خبيب فابتاعه بنو الحارث حيث قتل خبيب الحارث يوم بدر فلبث خبيث عندهم أسيرا حتى اجمعوا على قتله فاستعار من بعض بنات الحارث موسى لتستحد بها فاعارث فدرج بنى لها وهى غافلة فما راع المرأة إلا بخبيب قد اجلس الصبى على فخذه والموسى بيده فصاحت المرأة- فقال خبيب أتخشين ان اقتله ما كنت لأفعل ذلك ان الندر ليس من شأتنا- فقالت بعد- والله ما رايت أسيرا خيرا من خبيب والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وهو الموثق بالحديد وما كان بمكة من ثمرة الا كان رزقا رزقه الله ثم انهم خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل وأرادوا ان يصلبوا فقال لهم دعونى أصلي ركعتين فتركوه فكانّ خبيبا هو سنّ لكل مسلم قتل صبرا الصلاة فركع ركعتين ثم قال لهم لولا ان تحسبوا ان مابى من جزع لزدتّ فقال اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا «١» ولا تبق منهم أحدا وإنشاء يقول (شعر) ولست أبالي حين اقتل مسلما على اى شق كان في الله مصرع وذلك في ذات الإله وان يشاء يبارك في او ضال شلو؟؟ ممزع- فصلبوه حيا رواه البخاري فقال خبيب اللهم بلغ سلامى رسولك. ويقال كان رجل من المشركين يقال له سلامان ابو ميسرة معه رمح فوضعه بين ثدى خبيب فقال له خبيب اتق الله فما زاده ذلك الا عتوا وطعنه فابعده- فذلك قوله تعالى وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ الاية- روى محمد بن عمرو بن مسلمة عن اسامة بن زيد سمعنا رسول الله ﷺ يقول عليه السلام ورحمة الله وبركاته هذا جبرئيل يقرؤنى من خبيب السلام- فلما بلغ النبي ﷺ الخبر قال لاصحابه أيكم يختزل «٢» خبيبا من خشبته وله الجنة- فقال الزبير انا وصاحبى المقداد بن الأسود- فخرجا يمشيان بالليل ويكتمان بالنهار حتى أتيا التنعيم ليلا وإذا حول الخشبة أربعون من المشركين فانزلا فاذا هو رطب يتثنى لم يتغير منه شىء بعد أربعين يوما ويده على جراحته ينض «٣» دما اللون لون الدم والريح ريح المسك
(٢) يختزل اى يقتطع ويذهب به ويتفرد به- نهاية منه- رح
(٣) ينض وما اى ينبع يقال نضّ الماء من العين اى نبع (منه رحمه الله).
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً السلم بالكسر والفتح الاستسلام والطاعة لذلك يطلق على المصلح والإسلام والمراد هاهنا الإسلام قرا نافع وابن كثير والكسائي السّلم هاهنا بفتح السين والباقون بكسرها- وفي سورة الأنفال بالكسر ابو بكر والباقون بالفتح وفي سورة محمد ﷺ بالكسر حمزة وابو بكر والباقون بفتحها- وكآفّة اسم للجملة لانها تكف الاجزاء من التفرق حال من الضمير أو السلم لانها تؤنث كالحرب- والمعنى استسلموا لله وأطيعوه جملة ظاهرا وباطنا- قلت وذا لا يتصور الا عند الصوفية- او المعنى ادخلوا في الإسلام بكليتكم ولا تخلطوا به غيره- او في شعب الإسلام وأحكامه كلها ولا تخلّوا بشىء منها- قال حذيفة بن اليمان في هذه الاية ان الإسلام ثمانية أسهم فعدّ الصلاة والصوم والزكوة والحج والعمرة والجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قال وقد خاب من لا سهم له- قلت انما ذكر ما ذكر على سبيل التمثيل والا فالمراد بالآية الامتثال بكل ما امر الله به والانتهاء عن كل ما نهى عنه او يقال ان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يشتمل الجميع- فان الأمر بالمعروف يقتضى الإتيان به والنهى عن المنكر يقتضى الانتهاء عنه عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ الايمان بضع وسبعون شعبة فافضلها قول لا الله الا الله وأدناها اماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الايمان- رواه مسلم وابو داود والنسائي وابن ماجة وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ قد مر اختلاف القراءة فيه الشَّيْطانِ يعنى إنارة من تحريم السبت وتحريم الإبل وغير ذلك بعد ما نسخ إِنَّهُ لَكُمْ
(٢٠٨) ظاهر العداوة عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ حين أتاه عمر فقال انا نسمع أحاديث من يهود يعجبنا افترى ان نكتب بعضها- فقال «١» أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه الا اتباعى- رواه احمد والبيهقي في شعب الايمان.
فَإِنْ زَلَلْتُمْ يعنى زلت أقدامكم فلم تستقيموا على الإسلام مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ الآيات والحجج الشاهدة على انه الحق فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه الانتقام حَكِيمٌ (٢٠٩) لا ينتقم الا بحق ولا يمهل الا لحكمة فيه دفع توهم الناشي من الامهال.
هَلْ يَنْظُرُونَ النظر بمعنى الانتظار يعنى ما ينتظرون إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ جمع ظلة وهى كلما اظلك مِنَ الْغَمامِ قال البغوي هو السحاب الأبيض الرقيق سمى غماما لانه يغم اى يستر- وقال مجاهد هو غير السحاب ولم يكن الا لبنى إسرائيل في تيههم وقال مقاتل كهيئة الضباب ابيض- وقال الحسن في سترة من الغمام فلا ينظر اليه اهل الأرض وَالْمَلائِكَةُ قرا ابو جعفر بالجر عطفا على الغمام او يكون الجر للجوار والباقون بالرفع اى ويأتيهم الملائكة وَقُضِيَ الْأَمْرُ وجب العذاب للكفار والثواب للمؤمنين- وفزع من الحساب وذلك يوم القيامة والله اعلم- اجمع علماء اهل السنة من السلف والخلف ان الله سبحانه منزه عن صفات الأجسام وسمات الحدوث فلهم في هذه الاية سبيلان أحدهما الايمان به وتفويض علمه الى الله تعالى والتحاشى عن البحث فيه وهو مسلك السلف قال الكلبي هذا من المكتوم الذي لا يفسر وكان مكحول والزهري والأوزاعي ومالك وابن المبارك وسفيان الثوري والليث واحمد وإسحاق رحمهم الله تعالى يقولون فيه وفي أمثاله امرّوها كما جاءت بلا كيف قال سفيان بن عيينة كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لاحدان يفسره الا الله ورسوله وبه قال ابو حنيفة رحمه الله حيث قال في المتشابهات ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ بالوقف عليه ثانيهما تأويله بما يليق به بناء على ما قيل ما يَعْلَمُ «٢» تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ بالعطف قال البيضاوي وغيره الا ان يأتيهم الله اى امره او بأسه بحذف المضاف فهو كقوله تعالى وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
- جاءَهُمْ بَأْسُنا- او المعنى- ان يأتيهم الله
(٢) وفي القران وما يعلم إلخ
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
سَلْ يا محمد بَنِي إِسْرائِيلَ يهود المرينة والمراد بهذا السؤال تقريعهم كَمْ آتَيْناهُمْ يعنى آباءهم وأسلافهم وكم استفهامية معلقة سل عن المفعول الثاني- او خبرية وهى ثانى مفعولى اتينا ومميزها مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ظاهرة ويحتمل ان يكون كم مبتدأ والعائد من الخبر محذوف يعنى كم من اية بينة آتيناهم ايالها فبدلوها بعد معرفتها وجملة كم آتيناهم على تقدير كونها استفهامية حال اى سل بنى إسرائيل قائلا كم
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا والمزين هو الله تعالى حيث خلق الأشياء الحسنة والمناظر العجيبة وخلق فيهم القوى الشهوانية- واشرب محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وقال الزجاج زين لهم الشيطان يعنى وسوس إليهم الخواطر الشهوانية- قلت والله سبحانه خالق افعال العباد ومنهم الشياطين فهو المزين نعم تجوّز الاسناد الى الشياطين من حيث كونها كاسبة للوسوسة والله اعلم قيل نزلت الاية في مشركى العرب ابى جهل وأصحابه وهم يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا اى يستهزءون فقراء المؤمنين- قال ابن عباس أراد بالذين أمنوا عبد الله بن مسعود وعمارا وصهيبا وبلالا وخبيبا وأمثالهم- وقال مقاتل- نزلت في المنافقين عبد الله بن ابى وأصحابه كانوا يتنعمون «١» فى الدنيا ويسخرون من ضعفاء المؤمنين ويقولون انظروا الى هؤلاء الذين يزعم محمد ﷺ انه يغلب بهم وقال عطاء نزلت في رؤساء اليهود كانوا يسخرون بفقراء المؤمنين فوعد الله المؤمنين ان يعطيهم اموال بنى قريظة والنضير بغير قتال وَالَّذِينَ اتَّقَوْا يعنى هؤلاء الفقراء الذين كنوا بالّذين أمنوا وضع المظهر موضع المضمر ليدل على انهم متقون وان استعلاء هم للتقوى وان العمل خارج من الايمان فَوْقَهُمْ فى المكان او الرتبة او الغلبة لان المتقين فى أعلى عليين وفي كرامة الله ويتطاولون على الكفار فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا والكفار في أسفل السافلين وفي مذلة يَوْمَ الْقِيامَةِ كما ان المؤمنين خير واشرف عند الله من الكفار في الدارين عن سهل بن سعد رضى الله عنه قال مرّ رجل على رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده جالس ما رأيك في هذا- فقال رجل من اشراف الناس هذا والله حرّى ان خطب ان ينكح وان شفع ان يشفع- قال فسكت رسول الله ﷺ ثم مر رجل فقال له رسول الله ﷺ ما رأيك في هذا فقال يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً اخرج البزار في مسنده وابن جرير وابن ابى حاتم وابن المنذر في تفاسيرهم والحاكم فى المستدرك وصححه عن ابن عباس قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا وكذا اخرج ابن ابى حاتم عن قتادة انهم كانوا عشرة قرون كلهم علماء يهتدون من الحق ثم اختلفوا فبعث الله نوحا وكان نوح أول رسول أرسله الله الى الأرض- وقال الحسن وعطاء كان الناس من وقت وفات آدم الى مبعث نوح عليه السلام امة واحدة على الكفر أمثال البهائم فبعث الله نوحا وغيره من النبيين- والجمع بين القولين انهم كانوا اولا كلهم مسلمين ثم اختلفوا حتى صاروا كلهم كفارا في زمن نوح غير أبوي نوح فانهما كانا مؤمنين بدليل قول نوح رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ الاية- وقيل المراد بالناس العرب قال الحافظ عماد الدين بن كثير كان العرب على دين ابراهيم الى ان ولى عمرو بن عامر الخزاعي مكة اخرج احمد في مسنده عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال أول من سيّب السوائب وعبد الأصنام ابو حزاعة عمرو بن عامر وانى رايت قصبه في النار- وفي الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ رايت عمرو بن عامر بن لحى ابن قمعة بن خندق يجر قصبه في النار انه أول من سيّب السوائب- واخرج ابن جرير في تفسيره عنه نحوه وفيه انه أول من غير دين ابراهيم- لكن يأبى تأويل الناس بالعرب صيغة النبيين بالجمع إذ لم يبعث في العرب غير محمد صلى الله عليه وسلم- لينذر قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ وروى عن ابى العالية عن ابى بن كعب قال كان الناس حين عرضوا على آدم و
أَمْ حَسِبْتُمْ- أم منقطعة لان المتصلة يلزمه الهمزة وهى بمعنى بل والهمزة فبل للاضراب عن اختلاف اليهود والنصارى- والهمزة لانكار حسبان المؤمنين واستبعاده والغرض منه تشجيعهم على الصبر والثبات على البأساء والضراع وقال الفراء معناه احسبتم والميم زائدة وقال الزجاج بل حسبتم- نزلت الاية يوم الأحزاب حين أصاب النبي ﷺ وأصحابه بلاء وحضروا شدة الخوف والبرد وانواع الأذى قال الله تعالى وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً- وقيل
يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ بيّن المصرف بالعبارة وجواب السائل بالاشارة بتعميم ما أنفقتم من خير بناء على ان ملاحظة المصرف أهم فان اعتداد النفقة باعتباره وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ اىّ خير كان صدقة او غير ذلك فيه معنى الشرط وحوابه فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
(٢١٥) يعلم به كنهه ونياتكم فيوفى ثوابه على حسب نياتكم قال اهل التفسير كان هذا قبل فرض الزكاة فنسخت بالزكاة- والحق انه لا ينافى فرضية الزكوة حتى ينسخ به فالاية محكمة.
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ قال عطاء الجهاد تطوع والمأمورون بالآيات اصحاب رسول الله ﷺ خاصة دون غيرهم واليه ذهب الثوري محتجا بقوله تعالى فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى قالا لو كان القاعد تاركا للفريضة لم يكن وعدا له بالحسنى- وقال سعيد بن المسيب انه فرض عين على كافة المسلمين الى قيام الساعة والحجة له هذه الاية وحديث ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من مات ولم يعز ولم يحدث نفسه بالغزو ومات
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ بدل اشتمال يعنى يسئلونك عن قتال في الشهر- اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم والطبراني في الكبير وابن سعد والبيهقي في سننه عن جندب بن عبد الله ان رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن جحش وهو ابن عمة رسول الله ﷺ في جمادى الاخر سنة قبل قتال بدر بشهرين وبعث معه ثمانية نفر من المهاجرين سعد بن ابى وقاص الزهري- وعكاشة بن محصن الأسدي- وعتبة بن غزوان السلمى- وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة- وسهيل بن بيضاء وعامر بن ربيعة- وواقد بن عبد الله- وخالد بن بكير- وذكر بعضهم سهل بن بيضاء ولم يذكر سهيلا ولا خالدا ولا عكاشة وذكر بعضهم المقداد بن عمر- قال ابن سعد كانوا اثنى عشر كل اثنين يعتقبان بعيرا وكتب لاميرهم عبد الله بن جحش كتابا وقال سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين فاذا نزلت فافتح الكتاب واقراه على أصحابك ثم امض ما امرتك ولا تستكرهن أحدا من أصحابك على السير معك فسار وكان قبل مسيره قال يا رسول الله اىّ ناحية قال النجدية فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فاذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة فترصد بما عير قريش لعلك ان تأتينا منه بخير فلما نظر في الكتاب قال سمعا وطاعة-
كما في قوله عليه السلام- تمرة خير من جرادة ولولا هاهنا النكرة للعموم لما استقام جواب السؤال واستدل ابن همام على نسخ الحرمة بالعمومات نحو قوله تعالى وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً «٢» - وقوله عليه السلام أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا الله الا الله- قلت وهذا ليس بسديد فان عموم تلك الآيات في المكلفين وأحوالهم دون الازمنة حتى يدخل فيها الأشهر الحرم فيلحقها الفسخ بل عموم الازمنة لو ثبت لثبت باقتضاء النص ولا عموم للمقتضى فلا يجرى فيه التخصيص والنسخ وكيف يدعى نسخ حرمة القتال في الأشهر الحرم مع ان قوله تعالى إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ يعنى بالقتال فيهن وَقاتِلُوا
(٢) فى الأصل اقتلوا المشركين
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كروا الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد كانهما مستقلان فى تحقق الرجاء أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ اى ثوابه اثبت لهم الرجاء اشعارا «١» بان العمل غير موجب ولا قاطع في الدلالة لا سيما انما العبرة بالخواتيم وَاللَّهُ غَفُورٌ لما فعلوا خطأ رَحِيمٌ (٢١٠) بإعطاء الثواب.
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ اخرج احمد عن ابى هريرة قال قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر فسالوا رسول الله ﷺ منهما فانزل الله يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ فقال الناس ما حرم علينا انما قال اثم كبير وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم صلى رجل من المهاجرين امّ أصحابه في المغرب خلط فى قرأته فانزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى الاية ثم نزلت اغلظ من ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الاية في المائدة الى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قالوا انتهينا ربنا الحديث- قال البغوي جملة القول ان الله تعالى انزل في الخمر اربع آيات نزلت بمكة وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً فكان المسلمون يشربونها وهى لهم حلال يومئذ ثم لما نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار لما أتوا رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فانهما مذهبتان «٢» للعقل مسلبتان «٣» للمال فانزل الله هذه الاية فتركها قوم لقوله تعالى إِثْمٌ كَبِيرٌ وشربها قوم لقوله منافع للنّاس الى ان صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا ناسا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
(٢) فى الأصل مذهبة
(٣) فى الأصل مسلبة
اختلف العلماء في ان الخمر ما هو فقال ابو حنيفة رحمه الله هو التي من ماء العنب إذا صار مسكر او قذف بالزبد ولم يشترط صاحباه القذف بالزبد- وقال مالك والشافعي واحمد كل شراب أسكر كثيره فهو خمر- قالت الحنفية الخمر اسم خاص لما ذكرنا وهو المعروف عند اهل اللغة ولهذا اشتهر استعماله فيه واشتهر في غيرها مما ذكرنا من المسكرات اسم اخر كالمثلث- والطلا- والمنصف- والباذق- ونحو ذلك واللغة لا يجرى فيها القياس- وقال الجمهور اسم الخمر لغة لكل ما خامر العقل- والتحقيق عندى ان الخمر لفظ مشترك بين الخاص والعام اما حقيقة واما بعموم المجاز والمراد في الاية هو المعنى الأعم- قال صاحب القاموس الخمر ما أسكر من عصير العنب او عام والعموم أصح- وقال ابن عمر حرمت الخمر وما بالمدينة منها شىء رواه البخاري وحديث انس كنت ساقى القوم يوم حرمت الخمر وما شرابهم الا الفضيح البسر والتمر- متفق عليه وفي رواية- انى لقائم أسقي أبا طلحة فلانا فلانا وسمى في بعض الروايات أبا عبيدة بن الجراح وابى بن كعب وسهيلا «١» إذ جاء رجل فقال قد حرمت الخمر فقالوا أهرق هذا القلال يا انس قال فما سالوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل- وعنه قال لقد حرمت الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب الا قليلا وعامة خمرنا اليسر والتمر- فهذه الآثار تدل على ما ذكرت ان الخمر قد يستعمل فى المعنى الأخص لكن المراد بالآية هو المعنى الأعم ولو بالمجاز وان كان المراد بالخمر في الاية المعنى
أسكر كثيره فقليله حرام- رواه الترمذي وحسنه وابو داود وابن ماجة وحديث عائشة عنه ﷺ قال ما أسكر منه الفرق فملا الكف منه حرام- رواه احمد والترمذي وحسنه وابو داود وابن حبان في صحيحه وعن أم سلمة قالت نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر رواه ابو داود وعن ديلم الحميرى قال قلت لرسول الله ﷺ انا بأرض باردة ونعالج فيها عملا شديدا وانا نتخذ شرابا من هذا القمح نتقوى به على عملنا وعلى برد بلادنا قال هل يسكر قلت نعم قال فاجتنبوه قلت ان الناس غير تاركيه قال ان لم يتركوه قاتلوهم رواه ابو داود وعن ابى مالك الأشعري انه سمع رسول الله ﷺ يقول ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها- رواه ابو داود- وفي الباب عن على عند الدارقطني- وعن خوات بن جبير في المستدرك واحتجوا على اباحة النبيذ بأحاديث منها حديث ابن عباس ان النبي ﷺ كان ينبذله أول الليلة فيشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التي تجىء والغد والليلة الاخرى والغد الى العصر فان بقي شىء سقاه الخادم او امر به فصب- رواه مسلم قالوا لو كان حراما لما سقاه الخادم- والجواب انه ان لم يكن مسكرا ولكن ذهب حلاوته وخاف ان سيكون مسكرا اعطى الخادم وان غلب على ظنه كونه مسكرا امر به فصب فلا حجة فيه- واحتجوا على ان الحرام مما سوى الخمر القدح الأخير دون قليله بما أسند الى ابن مسعود
عباس فتفرد به القاسم بن بهرام قال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به بحال- واما حديث ابى مسعود فيه عبد العزيز بن
عاق ولا قمار ولا منان ولا مدمن خمر رواه الدارمي وعن ابن عمر مرفوعا ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة مد من الخمر والعاق والديوث- رواه احمد والنسائي وعن ابى امامة قال قال رسول الله ﷺ ان الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للعالمين وأمرني ربى عز وجل بمحق المعازف والمزامير والأوثان والصليب وامر الجاهلية وحلف ربى عز وجل بعزتي لا يشرب عبد من عبيدى جرعة من خمر الا سقيته من الصديد مثلها ولا يتركها مخافتى إلا سقيته من حياض القدس- رواه احمد وعن ابى موسى الأشعري ان النبي ﷺ قال ثلاثة لا يدخل الجنة مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق السحر- رواه احمد وعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ مدمن الخمر ان مات لقى الله كعابد وثن- رواه احمد- وروى ابن ماجة عن ابى هريرة والبيهقي- وعن ابى موسى انه كان يقول ما أبالي شربت الخمر او عبدت هذه السارية دون الله- رواه النسائي وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ فان في الخمر لذة عند شربها والفرح واستمراء الطعام وتشجيع الجبان وتوقير المروة وتقوية الطبيعة- ودفع بعض الأمراض وفي الميسر إصابة المال من غير كد ولا تعب (مسئلة) اجمعوا على انه لا يجوز الانتفاع بالخمر في حالة الاختيار واما في حالة الإكراه والاضطرار فيجوز لقوله تعالى إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ- وقوله تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ- فمن غص بلقمة ولم يجد غير الخمر جاز له
وهو ضعيف
الناس انما الصدقات عن ظهر غنى- رواه البزار وابو داود ابن حبان والحاكم عند البزار في بعض المغانم والباقيين في بعض المغازي فان قيل لهذا الحديث والاية يدلان على كراهة انفاق جميع المال وكراهة جهد المقل- فان العفو ضد الجهد وحديث ابى امامة يدل على وجوب انفاق جميع المال- وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم- انه سئل اىّ صدقة أفضل قال جهد المقل وابدأ بمن تقول- رواه ابو داود من حديث ابى هريرة- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لو كان لى مثل أحد ذهبا لسرنى ان لا يمر على ثلاث ليال وعندى منه شىء الا شىء ارصده لدين رواه البخاري وعن اسماء قالت قال رسول الله ﷺ انفقى ولا تحصى فيحصلى الله عليك ولا توعى فيوعى الله عليك ارضحى ما استطعت- متفق عليه قلت الحكم يختلف باختلاف الاشخاص والأحوال فمن كان بعد ما يتصدق كل ماله يتكفف الناس ولا يستطيع الصبر على الفقر لا يجوز له ذلك ومن يقدر على الصبر وليس عليه حق من حقوق الناس فالافضل
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ الظرف متعلق بيبين تقدير الكلام يبين الله لكم الآيات ما يصلح لكم في امر الدنيا والاخرة لعلكم تتفكرون وقيل الظرف متعلق بتتفكرون والمعنى تتفكرون فيما يتعلق بالدنيا والاخرة فتأخذون بما هو
وقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً الاية تحرج المسلمون تحرجا شديدا حتى عزلوا اموال اليتامى عن أموالهم فكان يصنع لليتيم طعام فيفضل منه شىء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد فاشتد ذلك عليهم وسالوا رسول الله ﷺ فانزل الله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ يعنى إصلاح اموال اليتامى وأمورهم خير فان رايتم الإصلاح في المجانبة فذاك وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ ورايتم إصلاحهم في المخالطة فَإِخْوانُكُمْ اى انهم إخوانكم فى الدين والنسب والاخوان يعين بعضهم بعضا ويصيب بعضهم من مال بعض على وجه الإصلاح وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ يعنى الذي يقصد بالمخالطة الخيانة وإفساد مال اليتيم وأكله بغير حق مِنَ الْمُصْلِحِ الذي يقصد به الإصلاح وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ اى لضيّق عليكم وما أباح لكم ذلك ولكنه خفف عنكم فاباح لكم مخالطتهم على قصد الإصلاح إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب يحكم ما يشاء سهّل على العبادا وشق عليهم حَكِيمٌ يحكم بفضله على ما يقتضيه الحكمة ويتسع له الطاقة والله اعلم قال البغوي بعث رسول الله ﷺ أبا مرثد الغنوي الى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرّا- فلما قدمها سمعت به امراة مشركة يقال لها عناق وكانت خليلة له في الجاهلية فاتته وقالت يا أبا مرثد
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وكذا اخرج ابن المنذر وابن ابى حاتم والواحدي عن مقاتل- وقال السيوطي ليس هو في نزول هذه الاية انما هو في نزول اية سورة النور الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً الاية كذا أخرجه ابو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن عمر وهذه الاية منسوخة في حق الكتابيات لقوله تعالى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وهن مشركات حيث يعبدون عزيرا او مسيحا وَلَأَمَةٌ اى امراة حرة كانت او امة فان الناس عباد الله واماؤه مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ يعني بمالها وجمالها وشمائلها- والواو للحال ولو بمعنى ان تعليل لما سبق من النهى- قال البغوي نزلت في خنساء وليدة كانت كحذيفة بن اليمان فاعتقها فتزوجها واخرج الواحدي من طريق الواقدي عن ابى مالك عن ابن عباس انه كانت امة سوداء لعبد الله بن رواحة وانه غضب عليها فلطمها ثم فزع فاتى النبي ﷺ فاخبره بذلك فقال له عليه السلام وما هى يا عبد الله فقال هى تشهدان لا الله الا الله وانك رسول الله وتصوم رمضان وتحسن الوضوء وتصلى- فقال هذه مؤمنة- قال عبد الله فو الذي بعثك بالحق لاعتقها ولا تزوجها ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا أتنكح امة وعرضوا عليه حرة مشركة فانزل الله هذه الاية- ويستفاذ من هذه الاية بالقياس ان امرأة تقية ذات اخلاق حسنة وان كانت فقيرة ذميمة اولى بالنكاح من امراة فاسقة سيئة الأخلاق وان كانت غنية جميلة- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ تنكح المرأة لاربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك- متفق عليه وعن عبد الله بن عمر ومرفوعا خير متاع الدنيا المرأة الصالحة- رواه مسلم وعن ابى سعيد الخدري مرفوعا اتقوا النساء فان أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء رواه مسلم-
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ- المحيض مصدر كالمجئ والمبيت- والمعنى يسئلونك عما يفعل بالنساء في المحيض- ذكر الله سبحانه يسئلونك بغير واو ثلثا ثم بالواو ثلثا لعله كانت السؤالات السابقة في اوقات متفرقة والثلاثة الاخيرة كانت في وقت واحد فلذلك ذكرها بلفظ الجمع. قُلْ يا محمد هُوَ يعنى المحيض أَذىً قذر مستقذر فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ والمراد باعتزال النساء ترك الوطي اجماعا- دون ترك المخالطة في الاكل والشرب والمضاجعة وغير ذلك- روى البخاري ومسلم في حديث انس المذكور انه حين نزل قال رسول الله ﷺ اصنعوا كل شىء الا النكاح وعن عائشة قالت كنت اغتسل انا والنبي ﷺ من اناء واحد وكلانا جنب وكان يأمرنى فاتزر فيباشرنى وانا حائض وكان يخرج رأسه الىّ وهو معتكف فاغسله وانا حائض متفق عليه وعنها قالت كنت اشرب وانا حائض ثم انا وله النبي ﷺ فيضع فاه موضع فيّ فيشرب واتعرق العرق وانا حائض ثم انا وله النبي ﷺ فيضع فاه موضع فيّ رواه مسلم وعنها قالت كان النبي ﷺ يتكى في حجرى وانا حائض ثم يقرأ القران متفق عليه وعنها قالت قال لى النبي ﷺ ناولنى الخمرة من المسجد فقلت
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- وجهوا هذه البيوت عن المسجد فانى لا أحل المسجد لحائض ولا جنب رواه ابو داود وقال رسول الله ﷺ لا تقرا الحائض ولا الجنب شيئا من القران- رواه الترمذي وابن ماجة والدارقطني- وله شاهد من حديث جابر- رواه الدارقطني مرفوعا وفي اسناد هذين الحديثين مقال والله اعلم فَإِذا تَطَهَّرْنَ اتفق القراء هاهنا على التشديد فظهر ان الاغتسال شرط لاباحة الوطي فَأْتُوهُنَّ فجامعوهن يعنى أبا حكم الله الجماع بعد التطهر مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ يعنى الفرج دون الدبر-
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ- يعنى مواضع حرث لكم شبههن بها تشبيها لما يلقى في أرحامهن من النطف بالبذور يعنى أبيح لكم إتيانهن ضرورة ابقاء النسل فَأْتُوا حَرْثَكُمْ يعنى فروجهن فهو كالبيان لقوله فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنَّى شِئْتُمْ يعنى كيف شئتم فان كلمة انى مشتركة في معنى كيف واين ولا يتصور هاهنا معنى اين فانه تدل على عموم المحل ومحل الحرث ليس؟؟ فتعين معنى كيف ويقتضيه ما سنذكر من التحقيق في سبب نزول الاية والله اعلم وبما قلنا من حرمة إتيان النساء فى أدبارهن قال ابو حنيفة واحمد وجمهور اهل السنة- ويحكى عن مالك جواز إتيان المرأة في دبرها واكثر أصحابه ينكرون ان يكون ذلك مذهبا له والصحيح انه كان مذهبا له ثم رجع عنه هو او رجع عنه أصحابه- والشافعي فيه قولان القول القديم عنه ما حكى عن ابن عبد الحكم عن الشافعي انه قال لم يصح عن رسول الله ﷺ في تحريمه ولا في تحليله شىء والقياس انه حلال فكانه قاس
الله عن خزيمة- ومن طريق هرمى ايضا أخرجه احمد والنسائي وابن حبان وهو لا يعرف حاله ايضا- وقال البزار لا اعلم في هذا الباب حديثا صحيحا وكلما روى عن خزيمة بن ثابت فغير صحيح وكذا روى الحاكم عن الحافظ ابى على النيشابوري ومثله عن النسائي وقال قبلهما البخاري- واما حديث ابى هريرة ان النبي ﷺ قال ملعون من اتى امراة في دبرها وفي لفظ لا ينظر الله يوم القيمة الى رجل اتى امراة في دبرها- رواه احمد وابو داود وبقية اصحاب السنن من طريق سهيل بن ابى صالح عن الحارث بن مخلد عن ابى هريرة- وأخرجه البزار وقال- الحارث بن مخلد ليس بمشهور- وقال ابن القطان لا يعرف حاله- وقد اختلف فيه على سهيل فرواه إسماعيل بن عيّاش عنه عن محمد بن المنكدر عن جابر أخرجه الدارقطني وابن شاهين- ورواه عمر مولى عفرة عن سهيل عن أبيه عن جابر أخرجه ابن عدى واسناده ضعيف- ولحديث ابى هريرة طريق اخر أخرجها احمد والترمذي من طريق حماد بن سلمة عن حكيم الأثرم عن ابى تميمة عنه بلفظ من اتى حائضا او امرأة في دبرها او كاهنا فصدقه ما يقول فقد كفر بما انزل على محمد قال الترمذي غريب لا نعرفه الا من حديث حكيم وقال البخاري لا يعرف لابى تميمة سماعا عن ابى هريرة- وقال البزار هذا حديث منكر وحكيم لا يحتج به وما تفرد به فليس بشىء- وله طريق ثالث أخرجها النسائي من رواية الزهري عن ابى سلمة عنه- قال حمزة الكتاني هذا حديث منكر وعبد الملك راويه قد تكلم فيه دحيم وابو حاتم وغيرهما- والمحفوظ الموقوف وله طريق رابع أخرجها النسائي من طريق بكر بن خنيس عن ليث عن مجاهد عن ابى هريرة بلفظ- من اتى شيئا من الرجال او النساء في الأدبار فقد كفر وبكر وليث ضعيفان- وله طريق خامس رواه عبد الله بن عمر بن حبان عن مسلم بن خالد الزنجي عن العلاء عن أبيه عن ابى هريرة بلفظ ملعون من اتى النساء في أدبارهن- رواه احمد والنسائي ومسلم ضعفه النسائي وغيره وقال الذهبي صدوق وثقة يحيى بن معين وغيره-
وابن مردوية من طريق عبد الله بن نافع عن هشام بن سعد عن زيد بن اسلم عن عطاء بن يسار عن ابى سعيد الخدري ان رجلا أصاب امراة في دبرها فانكر الناس عليه ذلك فانزل الله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ- قلت هذا وهم من ابن عمر وابى سعيد اخطئا في تاويل الاية- ولو كان هذا سبب نزول هذه الاية لما طابق الحكم الوقعة فان قوله تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ حكم بإتيان الحرث لا بإتيان الدبر فانه ليس بمحل الحرث فلا ينتهض حجة لاباحة الدبر- وقيل هذا وهم من نافع لما روى عن عبد الله بن الحسن انه لقى سالم بن عبد الله فقال له يا أبا عمر ما حديث يحدث نافع عن ابن عمر
قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها اجر قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيه وزر فكذلك إذا وضعها في حلال كان له اجر- رواه مسلم في حديث ابى ذر وعن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلثة صدقة جارية او علم ينتفع به او ولد صالح يدعو له- رواه مسلم وعنه ان رسول الله ﷺ قال لا يموت لاحد من المسلمين ثلثة من الولد فتمسه النار الا تحله القسم- متفق عليه وعنه قال قال رسول الله ﷺ لنسوة من الأنصار لا يموت لاحداكن ثلثة من الولد فتحتسبه الا دخلت الجنة فقالت امراة منهن او اثنان يا رسول الله قال واثنان- رواه مسلم وعن ابن عباس مرفوعا من كان له فرطان من أمتي ادخله الله بهما الجنة- فقالت عائشة فمن كان له فرط من أمتك قال ومن كان له فرط الحديث- رواه الترمذي ويمكن ان يقال قوله تعالى وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ عطف تفسيرى لقوله فَأْتُوا حَرْثَكُمْ- ومعناه ان في إتيانكم حرثكم تقديم منكم لانفسكم من الافراط والدعوات والاستغفارات من صالحى الأولاد وبه يظهر فائدة النكاح وان لم تكن له نية صالحة- وقال عطاء ومجاهد المراد به التسمية والدعاء عند الجماع- روى البخاري عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال- لو ان أحدكم إذا أراد ان يأتى اهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا- فانه ان يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان ابدا وَاتَّقُوا اللَّهَ بالاجتناب عن معاصيه وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ فيجزيكم بأعمالكم ان خيرا فخيرا وان شرا فشرا وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٣٣) عن صهيب قال قال رسول الله
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ اى الحلف بالله او يمين الله على حذف المضاف عُرْضَةً فعلة بمعنى المفعول كالقبضة يطلق لما يعرض دون الشيء فيكون حاجزا عنه يعنى لا تجعلوا الحلف بالله مانعا عن الحسنات لِأَيْمانِكُمْ اللام صلة لعرضة لما فيها من الاعتراض- والمراد- بالايمان الأمور التي يحلف عليها أَنْ تَبَرُّوا مع ما عطف عليه عطف بيان لايمانكم- ويحتمل ان يكون اللام في لايمانكم للتعليل ويتعلق ان بالفعل او بعرضة اى لا تجعلوا الله عرضة لاجل ايمانكم لان تبرّوا- وقد يطلق عرضة للمعرض للامور لا يزال يقع عليه يقال جعلته عرضة لكذا اى نصبته له وفي القاموس العرضة الاعتراض في الخير والشر يعنى لا تقعوا على الحلف بالله في كل امر ولا تجعلوه كالهدف المنصوب للزمى- ولا تعرضوا باليمين في كل ساعة فحينئذ أَنْ تَبَرُّوا اما علة للنهى اى أنهاكم عن الحلف لان تبروا وعلة للمنهى بتقدير لا اى لا تكثر والحلف لان لا تبروا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وبهذه الاية تبت ان الإكثار بالحلف مكروه وان الحلّاف مجترئ على الله لا يكون برا متقيا ولا موثوقا به في إصلاح ذات البين قال رسول الله ﷺ الحلف حنث او ندم- رواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عمر ورواه البخاري في تاريخه- وانه من حلف على ترك عمل من اعمال البر يجب عليه ان لا يجعل يمينه مانعا من البر بل يحنث ويكفر- عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال من حلف بيمين فراى غيرها خيل منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير- رواه مسلم وفي الصحيحين عن عبد الرحمن بن سمرة نحوه وعن ابى موسى قال قال رسول الله ﷺ انى والله ان شاء الله لا احلف على يمين فارى غيرها خيرا منها الا كفرت عن يمينى وأتيت الذي هو خير- متفق عليه وقيل هذه الاية نزلت في الصديق رضى الله عنه لما حلف ان لا ينفق على مسطح لافترائه على عائشة أخرجه ابن جرير عن ابن جريج وَاللَّهُ سَمِيعٌ لايمانكم عَلِيمٌ (٢٢٤) لنياتكم-.
عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ والكفارة راجعة إليها- فان قيل لو كانت الكفارة مبينة على الإثم والإثم مرفوع عن الخطاء والنسيان بالإجماع والحديث فلم تجب الكفارة على القتل خطأ قلنا امر القتل أشد فجعل الله تعالى إثمين اثم القتل نفسه وهو كبيرة وذلك في القتل عمدا ولا يرتفع بالكفارة فلهذا لم نقل بوجوب الكفارة فيه وقد ارتفع ذلك الإثم بالخطأ واثم ترك الاحتياط وانما وجبت الكفارة في الخطأ لذلك الإثم- وقال سعيد بن جبير اللغو في اليمين هو اليمين على المعصية لا يؤاخذه الله بالحنث فيها بل يحنث ويكفر- وعلى هذا القول يتحدا للغو مع المنعقدة فى مادة والاية تدل على القسمة وهى ثنا في الشركة- وايضا القول بوجوب الكفارة تنافي القول بعد ما لمؤاخذة إذا الكفارة تبتنى على الإثم- وقال مسروق ليس عليه كفارة في اليمين على المعصية اتكفر خطوات الشيطان- وقال الشعبي في الرجل حلف على المعصية كفارته ان
على نوعين الاول ان يجرى على اللسان من غير قصد سواء وقع في الخير الماضي او المستقبل صادقا كان او كاذبا او في الإنشاء وهو اللغو من اليمين وهو غير معتد به ولا يتعلق به حكم الا ما ذكرنا خلاف ابى حنيفة في الإنشاء- والثاني ما يتعلق به القصد وهو على نوعين اما في الخبر واما في الإنشاء فان كان في الخبر فالخبر ان كان صادقا في الواقع وفي زعم المتكلم ايضا كقولك والله ان محمدا رسول الله وان الساعة لاتية لا ريب فيها وانه لقد طلعت الشمس فلا كلام فيه انه عبادة ومن ثم لا يجوز الحلف بغير الله تعالى عن ابن عمر ان رسول الله ﷺ قال- ان الله ينهاكم ان تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله او ليصمت- متفق عليه- وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول- من حلف بغير الله فقد أشرك- رواه الترمذي- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لا تحلفوا بآبائكم ولا بامهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا بالله الا وأنتم صادقون- رواه ابو داود والنسائي- وان كان كاذبا في الواقع صادقا في زعم المتكلم فان كان زعمه مبنيا على دليل ظنى كحديث الآحاد وقد كذب فيه الراوي او أخطأ هو في تأويله او اثر من السلف الصالح او غلط في الحس او استصحاب الحال او نحو ذلك ولم يكن هناك دليل قاطع على كذبه فهو اليمين المظنون واللغو على تفسير ابى حنيفة وقد ذكرنا حكمه- وان لم يكن زعمه مبنيا على
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ اى يحلفون ان لا يجامعوهن- والالية اليمين وتعديته بعلى لكن لما ضمن معنى البعد عدى بمن قال قتادة كان الإيلاء طلاقا لاهل الجاهلية- وقال سعيد بن المسيب كان ذلك ضرارا من اهل الجاهلية كان الرجل لا يحب امرأته ولا يريد ان يتزوجها غيره فيحلف ان لا يقرابها ابدا فيتركها لا ايمان ولا ذات بعل وكانوا عليه في ابتداء الإسلام فضرب له أجل في الإسلام تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مبتدأ خبره ما قبله او فاعل للظرف- والتربص الانتظار والتوقف أضيف الى الظرف على الاتساع- اى للمولى حق التلبث في هذه المدة لا يقع
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ قال مالك والشافعي واحمد معناه ان لم يفيؤا بعد الأشهر
(٢) فى الأصل وأبا بكر
وَالْمُطَلَّقاتُ هذا اللفظ عام يشتمل الرجعيات والبائنات الحاملات والحائلات والمدخول بهن وغيرهن والحرائر والإماء- خص الإماء عنها بالسنة والإجماع قال رسول الله ﷺ طلاق الامة طلقتان وعدتها حيضتان- رواه الترمذي وابو داود وابن ماجة والدارمي من حديث عائشة وسنذكر البحث فى هذا الحديث وما فى هذه المسألة من تخصيص العام من الكتاب بخبر الآحاد فى تفسير قوله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ ان شاء الله تعالى- ونسخ حكم هذه الاية فى الحوامل بقوله تعالى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وفى غير المدخول بها بقوله تعالى فى الأحزاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ يَتَرَبَّصْنَ خبر بمعنى الأمر للتأكيد بِأَنْفُسِهِنَّ فيه بعث للنساء على التربص اى يحبسن انفسهن ويغلبنّها وان كان على خلاف هواها ثَلاثَةَ قُرُوءٍ فلا يتزوجن فيها- والقرء لفظ مشترك من الاضداد يطلق على الحيض والطهر كليهما بإجماع اهل اللغة فقال الشافعي ومالك وهو المروي عن عائشة وابن عمرو زيد بن ثابت ان المراد هاهنا
(٢) فى الأصل أحد-
الطَّلاقُ الذي يعقب الرجعة بدليل ما سيأتى من ذكر الثالثة وذكر الإمساك بعد المرتين «١» مَرَّتانِ روى انه ﷺ سئل اين الثالثة فقال عليه السلام او تشريح بإحسان- أخرجه ابو داود فى ناسخه وسعيد بن منصور فى سننه وابن مردوية من حديث ابن رزين الأسدي وأخرجه الدارقطني وابن مردوية من حديث انس قال البغوي روى عروة بن الزبير قال كان الناس فى ابتداء الإسلام يطلقون من غير حصر ولا عدد كان الرجل يطلق امرأته فاذا قاربت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها كذلك ثم راجعها بقصد مضارتها فنزل الطّلاق مرّتن فاذا طلق ثالثا لم تحل له الا بعد نكاح زوج اخر- وفيما قال مرتان دون ثنتان دلالة على كراهة الطلقتين دفعة واحدة فان كلمة مرتان تدل بالعبارة على التفرق وبالاشارة على العدد واللام للجنس وليس وراء الجنس شىء فكان القياس ان لا يكون الطلقتين المجتمعتين معتبرة شرعا- وإذا لم يكن الطلقتين معتبرة لم يكن الثلاث مجتمعة معتبرة بالطريق الاولى لوجودهما فيها مع زيادة- وقيل المراد بالطلاق التطليق والمعنى ان التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق فى الاطهار دون الجمع وحينئذ لم يرد بالمرتين التثنية بل التكرير كما فى قوله تعالى ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يعنى كرة بعد كرة لكن يشكل حينئذ عطف قوله تعالى فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ وقوله تعالى فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ له من بعد لان قوله تعالى الطلاق على هذا التأويل يشتمل الطلقات الثلاث أيضا وعلى كلا التأويلين يظهران جمع الطلقتين او ثلاث تطليقات بلفظ واحد أو بألفاظ مختلفة فى طهر واحد «٢» حرام بدعة مؤثم خلافا للشافعى فانه يقول لا بأس به- لكنهم أجمعوا على انه من قال لامراته أنت طالق ثلاثا يقع ثلاثا بالإجماع وقالت الامامية ان طلق ثلاثا دفعة واحدة لا يقع أصلا لهذه الاية- وقال بعض الحنابلة- يقع طلقة واحدة لما روى فى الصحيحين ان أبا الصهباء قال لابن عباس- الم تعلم ان الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وابى بكر وستين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال ان الناس قد استعجلوا فى امر كان لهم اناءة فلو أمضيناه عليهم فامضاه عليهم- واى تاخرا منه رح
(٢) فى الأصل واحدة
زوجا غيرك قال فانما طلاقى إياها واحدة فقال ابن عباس انك أرسلت بين يديك ما كان لك من فضل- وفى مؤطا مالك مثله عن ابن عمرو روى وكيع عن الأعمش عن حبيب بن ثابت قال جاء رجل الى على بن ابى طالب فقال انى طلقت امراتى الفا فقال بانت منك بثلث واقسم سائرهن على نسائك- وروى وكيع عن معاوية بن ابى يحيى قال جاء رجل الى عثمان بن عفان فقال طلقت امراتى الفا فقال بانت منك بثلاث وأسند عبد الرزاق عن عبادة بن الصامت ان أباه طلق امراة له الف تطليقة فانطلق عبادة فسال رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ بانت بثلاث فى معصية الله وبقي تسعمائة وسبع وتسعون عدوان وظلم ان شاء عذبه وان شاء غفر له- وروى الطحاوي عن انس قال لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره- وكان عمر بن الخطاب إذا اتى برجل طلق امرأته ثلاثا أوجع ظهره- وروى ايضا
فَإِنْ طَلَّقَها الاية والأحسن من ذلك كله إذا اضطر الرجل الى طلاق امرأته ان يطلقها واحدة ثم ان لم يرد المراجعة يتركها حتى تنقضى عدتها- لان الطلاق ابغض المباحات عند الله والحاجة اندفعت بالواحدة قال الله تعالى فى ذم السحر فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ- وعن جابر قال قال رسول الله ﷺ ان إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه يفتنون الناس فادناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجىء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا ثم يجىء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته فيدنيه ويقول نعم أنت- قال الأعمش أراه قال فيلتزمه- رواه مسلم وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال ابغض الحلال الى الله الطلاق- رواه ابو داود-
ترجيح مذهب ابى حنيفة بانا قد أثبتنا من قبل ان الطلاق لا بد فيه من التفريق على الاطهار فعدد الطلقات لا يتصور الا على عدد الاطهار وقد اجمعوا ان عدة الامة حيضتان فثبت ان طلاق الامة ايضا طلقتان والله اعلم وهاهنا إشكال على مذهب ابى حنيفة ان العام على اصل ابى حنيفة قطعى الشمول لافراده لا يجوز تخصيص العام من الكتاب بخبر الآحاد او القياس كما لا يجوز نسخه بهما وقوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ- وقوله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ كل منهما عام يشتمل الحرائر والإماء فتخصيصهما بقوله عليه السلام- طلاق الامة ثنتان وعدتها حيضتان وهو من حديث الآحاد لا يصح لا يقال العام القطعي إذا خص منه اولا بقطعى يصير فى الباقي ظنيا فحينئذ يجوز تخصيصه بخبر الآحاد والقياس وقوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ خص اولا بالآيات من قوله تعالى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ الاية وقوله تعالى وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ الاية فجاز تخصيصه بحديث الآحاد لانا نقول المخصص لا يكون الا متصلا وما كان متراخيا فهو ناسخ وليس بمخصص وما تلوتم من الآيات ليس شيئا منها متصلا بهذه الاية بل متراخ فهو ناسخ ونسخ الحكم عن بعض افراد العام لا يجعل العام فى الباقي ظنيا بل هو قطعى فى الباقي كما كان من قبل- والتفصى عن هذا الاشكال بان يقال لما ثبت اجماع الامة على ان اية العدة واية الطلاق مخصوصتان بالاحرار يظهر بذلك ان الأوائل من اهل الإجماع وهم الصحابة قد سمعوا قولا من رسول الله ﷺ قاطعا فى حقهم خصوا بذلك القول تلك الآيات وان لم يصل ذلك القول إلينا بالتواتر ولو لم يسمعوا فى ذلك من رسول الله ﷺ لم يجترؤا
او انه إذا لم يطلق امرأته ان تعتدى عليه- وفى الكلام التفات من الخطاب
وقد عقب الطلاق الافتداء فان لم يقع الطلاق بعد الخلع تبطل موجب الفاء والقول بانه متصل باول الكلام وقوله تعالى وَلا يَحِلُّ لَكُمْ الى قوله الظَّالِمُونَ معترض تحكّم وإخلال بنظم الكلام بلا دليل- وما قال الشافعي ان الله سبحانه ذكر الطلاق فى أول الاية وآخرها وذكر الخلع فيما بين ذلك ليس بشىء فانه لم يذكر الخلع والفسخ فى الكلام أصلا انما ذكر افتداء المرأة وسكت عن فعل الزوج فليس فعله الا ما ذكر من الطلاق فظهر ان الطلاق المذكور سابقا ان لم يكن بمال فهو رجعى وان كان بمال فهو بائن حتى يتحقق الافتداء ولا يجتمع البدل والمبدل منه فى ملك الزوج سواء كان ذلك بلفظ الطلاق او بلفظ الخلع او غيرهما مما يؤدى معناه وتسميته خلعا اصطلاح لم يثبت من القران والله اعلم-
فَإِنْ طَلَّقَها بعد الثنتين وهو أحد محتملى قوله تعالى أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ خص الله سبحانه ذلك الاحتمال بحكم فقال فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ذلك وبقي الاحتمال الثاني وهو الترك من غير تطليق الى انقضاء العدة على الأصل وهو حل النكاح مع الزوج الاول حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ يعنى تتزوج نكاحا صحيحا وانما قيدنا بالصحيح لان المطلق ينصرف
فقال ان رجلا طلق امرأته ثلاثا فانطلق أخ له من غير موامرة فتزوجها ليحلها للاول فقال- لا الا نكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله ﷺ لعن الله المحلّل والمحلّل له وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ اى الاحكام المذكورة يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) يفهمون ويعملون بمقتضى العلم.
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ اى عدتهن الاجل يطلق على المدة وعلى منتهاها فيقال لعمر الإنسان وللموت الذي به ينتهى عمره والمراد هاهنا منتهاه لان شروع العدة عقيب الطلاق والبلوغ هو الوصول الى الشيء وقد يقال للدنو منه على المجاز وهو المراد فى الاية ليصح ان يترتب عليه فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ إذ لا
((مسئلة)) هل يجوز نكاح الحرة العاقلة البالغة من غير ولى- فقال ابو حنيفة وابو يوسف يجوز لها نكاحها نفسها بعبارتها وعبارة وكيلها برضاها وان لم يعقد عليها ولى سواء كان الزوج كفوالها اولا الا انه فى غير الكفو للولى الاعتراض وفى رواية عنهما لا ينعقد فى غير الكفو وعند محمد ينعقد فى الكفو وغيره موقوفا على اجازة الولي- وقال مالك ان كانت ذات شرف وجمال او مال يرغب فى مثلها لا يصح نكاحها الا بولي وان كانت بخلاف ذلك جاز ان يتولى نكاحها اجنبى برضاها ولا يجوز النكاح بعبارتها وقال الشافعي واحمد لا نكاح الا بولي وهى رواية عن ابى يوسف احتجوا بهذه الاية وقد سمعت ما عليه وبأحاديث منها حديث عائشة ان رسول الله ﷺ قال أيما امراة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فان دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها فان اشتجر فالسلطان ولى من لا ولى له- رواه اصحاب السنن من حديث ابن جريح عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة وحسنه الترمذي- قال الطحاوي حدثنا ابن ابى عمران قال أخبرنا يحيى بن معين عن ابن علية عن ابن جريح انه قال لقيت الزهري فأخبرته عن هذا الحديث فانكره- وأجاب عنه ابن الجوزي بان الزهري اثنى على سليمان بن موسى فكان الإنكار عن نسيان من الزهري- وحديث عائشة قالت قال رسول الله ﷺ لا نكاح الا بولي والسلطان ولى من لاولى له رواه الترمذي وابو داود وابن ماجة وفيه الحجاج بن ارطاة ضعيف- وعنها قالت قال رسول الله ﷺ لا نكاح الا بولي وشاهدى عدل رواه الدارقطني وفيه يزيد بن سنان وأبوه قال الدارقطني هو وأبوه ضعيفان وقال النسائي هو متروك الحديث وضعفه احمد وغيره وعنها قالت قال رسول الله ﷺ لا بد للنكاح من أربعة الولي والزوج وشاهدين رواه الدارقطني وفيه نافع بن ميسر ابو خطيب مجهول- وحديث ابى بردة عن أبيه ابى موسى عن النبي ﷺ لا نكاح الا بولي رواه احمد وحديث ابن عباس مرفوعا لا نكاح
ابى سلمة بن عبد الرحمن قال جاءت امراة الى رسول الله ﷺ فقالت ان ابى انكحنى رجلا وانا كارهة فقال رسول الله ﷺ لابيها لا نكاح لك اذهبي انكحى من شئت رواه ابن الجوزي قالوا هذا مرسل والمرسل ليس بحجة قلنا المرسل حجة- وبحديث عائشة ان فتاة دخلت عليها فقالت ان ابى زوجنى ابن أخيه ليرفع خسيسته وانا كارهة- قالت اجلسي فجاء رسول الله ﷺ فاخبرته فأرسل الى أبيها فجعل الأمر إليها فقالت
صحيح وقول البيهقي انه مرسل لا يضر فانه مرسل من بعض الطرق والمرسل حجة ومتصل من طرق اخر صحيحة قال ابن القطان حديث ابن عباس هذا صحيح وليست هذه خنساء بنت خدام التي زوجها أبوها وهى ثيب فكرهت فرد النبي ﷺ نكاحها رواه البخاري وقال ابن همام روى ان خنساء ايضا كانت بكرا اخرج النسائي حديثها وفيه انها كانت بكرا لكن رواية البخاري يترجح وروى الدارقطني حديث ابن عباس ان رسول الله ﷺ رد نكاح بكر وثيب انكحهما أبو هما وهما كارهتان وروى الدارقطني عن ابن عمران رجلا زوج ابنته بكرا فكرهت ذلك فرد النبي ﷺ نكاحها وفى رواية اخرى عن ابن عمر قال كان النبي ﷺ ينتزع النساء من أزواجهن ثيبات وأبكار ابعد ان يزوجهن الآباء إذا كرهن ذلك وروى الدارقطني عن جابران رجلا زوج ابنته وهى بكر من غير أمرها فاتت النبي النبي ﷺ ففرق بينهما وحديث عائشة قالت جاءت فتاة الى النبي ﷺ فقالت ان ابى نعم الأب هو زوجنى ابن أخيه ليرفع من خسيسته «١» قالت «٢» فجعل الأمر
(٢) فى الأصل قال
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ أضاف الأولاد إليهن لتكون باعثا على العطف والأوضاع وهذا امر عبر عنه بالخير للمبالغة وهو للوجوب لكنه نسخ ذلك فيما إذا تعاسرت الامّ من الإرضاع اى لم تقدر ويقدر الأب على الاستيجار ويرتضع الصبى من غيرها بقوله تعالى وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى - او مخصوص بقوله تعالى لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وبقي الحكم فيما سوى ذلك على أصله- ومن ثم قال ابو حنيفه رحمه الله ان استأجر رجل زوجته او متعته لترضع ولدها لم يجز وقال الشافعي يجوز استيجارها- لنا ان الإرضاع مستحق عليها ديانة الا انه عذرت قضاء لظن عجزها حين امتنعت عن الرضاع مع وفور شفقتها فاذا أقدمت عليه بالأجر ظهرت قدرتها وكان الفعل واجبا عليها فلا يجوز أخذ الاجر عليه فان قيل هذا الدليل يقتضى ان لا يجوز استيجار المطلقة بعد انقضاء عدتها لترضع ولدها مع انه جائز اتفاقا- قلنا جواز استيجارها بعد انقضاء العدة ثبت بقوله تعالى فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ الاية فظهر بهذا ان إيجاب الإرضاع على الام مقيد بايجاب رزقها على الأب بقوله تعالى وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ففى حالة الزوجية والعدة هو قائم برزقها وفيما بعد العدة ليس عليه رزق فيقوم الاجرة مقامه حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ أكده بصفة الكمال لانه يتسامح فيه وكان مقتضى هذا القيد وجوب الإرضاع الى كمال الحولين لكن لما عقب الله سبحانه بقوله فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما
لان مورد النص الصغير والصغر من اسباب الاحتياج فيلتحق كل واحد منهم بالصغير بجامع الاحتياج بخلاف الفقير المكتسب فانه غنى بكسبه فلا يلتحق بالصغير ولا يجب نفقته على غيره- ويعتبر قدر الميراث لان اضافة الحكم الى المشتق يدل على علية مأخذ الاشتقاق فيكون النفقة على الام والجد أثلاثا- ونفقة الأخ الزمن المعسر على الأخوات المتفرقات الموسرات أخماسا على قذر الميراث وقال العلماء المعتبر اهلية الإرث لا إحرازه إذ هو لا يعلم الا بعد الموت فالمعسر إذا كان له خال وابن عم يكون نفقته على خاله دون ابن عمه ولا يجب النفقة لهم مع اختلاف الدين لبطلان اهلية الإرث وهو العلة للوجوب- ولا يجب النفقة على الفقير لانها يجب صلة وهو يستحقها على غيره فكيف يستحق عليه وأما ما قال ابو حنيفة انه يجب على الرجل ان ينفق على أبويه وأجداده وجداته إذا
شاء الله تعالى- فان قيل على تقدير حمل الفصال على ما قبل الحولين ايضا يلزم نسخ التحديد بالحولين قلنا وجوب الإرضاع الى تمام الحولين مقيد بقوله لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ- وهذه الاية تدل على اباحة الفصال عند ارادتهما بالتراضي والتشاور فلا منافاة ولا نسخ- والله اعلم عَنْ تَراضٍ اى صادرا عن تراض مِنْهُما من الأبوين وَتَشاوُرٍ اى تشاور من اهل العلم به فيجيزوا ان الفطام في ذلك الوقت لا يضر بالولد والمشاورة استخراج الرأى فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فى ذلك وانما اعتبر تراضيهما لئلا يقدم أحدهما على ما يتضرر به الطفل لغرض او غيره وهذا يدل على انه لا يجوز لاحد هما قبل الحولين الفصال من غير تراض بينهما وتشاور مع اهل الرأى وَإِنْ أَرَدْتُمْ ايها الآباء أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ مراضع غير أمهاتهم ان أبت أمهاتهم ان يرضعنهم لعلة بهن او انقطاع لبن او أردن نكاحا او طلبن اجرا زائدا على غيرهن وانما قيدنا بهذه القيود لما سبق من دفع الضرار عن الوالدين وحذف المفعول الاول للاستغناء عنه فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ الى أمهاتهم اى مرضعاتهم ما آتَيْتُمْ يعنى أعطيتم اى ما أردتم ايتاءه كقوله تعالى إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ- او المراد بما أتيتم ما سميتم لهن من اجرة الرضاع بقدر ما أرضعن- او المعنى إذا سلمتم أجور المراضع إليهن والتسليم ندب لا شرط للجواز اجماعا- قرا ابن كثير ما أتيتم هاهنا وفي الروم وما أتيتم من ربا بقصر الالف ومعناه ما فعلتم والتسليم حينئذ بمعنى الاطاعة وعدم الاعتراض يعنى إذا أطاع أحد الأبوين ما فعله الاخر
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ اى يموتون والتوفى أخذ الشيء وافيا بتمامه يعنى يتوفون اجالهم حال كونهم مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ اى ينتظرن الضمير عائد الى الأزواج يعنى تتربص أزواجهم او المضاف محذوف في المبتدأ يعنى ازواج الذين يتوفون يتربصن بعدهم بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً انث العشر باعتبار الليالى لانها غرر الشهور والأيام- والعرب إذا أبهمت العدد بين الليالى والأيام غلبت عليها الليالى ولا يستعمل التذكير فى مثله قط حتى انهم يقولون صمت عشرا وقال الله تعالى إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً ثم قال إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً والاية تشتمل الحوامل وغيرهن ثم نسخ حكمها في الحوامل بقوله تعالى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ قال ابن مسعود من شاء باهلته ان سورة النساء القصرى يعنى سورة الطلاق نزلت بعد سورة النساء الطولى يعنى سورة البقرة وعليه انعقد الإجماع- عن المسور بن مخرمة ان سبيعة الاسلمية نفست بضم الفاء اى ولدت بعد زوجها بليال فجاءت النبي ﷺ فاستأذنته ان تنكح فاذن لها فنكحت- رواه البخاري وكذا في الصحيحين من حديث سبيعة- ومن حديث أم سلمة- ورواه النسائي انها ولدت بعد وفات زوجها لنصف شهر وفي رواية البخاري بأربعين ليلة وفي رواية قريبا من عشر ليال- ورواه احمد من حديث ابن مسعود فقال بعده بخمس عشرة وروى عن على وابن عباس انها تعتد الى ابعد الأجلين أخرجه ابو داود في ناسخه عن ابن عباس وروى عن عمرانه قال لو وضعت وزوجها على السرير حلت- رواه مالك والشافعي وابن ابى شيبة ((مسئلة)) وعدة الامة المتوفى عنها زوجها شهران وخمسة ايام اجماعا ((فصل)) يجب الإحداد في عدة الوفاة بالإجماع الا ما حكى عن الحسن والشعبي انه لا يجب- وفي عدة الطلاق الرجعى لا أحد أدبا بالإجماع- واختلفوا في المعتدة للبائن فقال ابو حنيفة يجب وقال مالك لا يجب وعن الشافعي واحمد كالمذهبين- ولا احداد عندنا على الصغيرة فانها
ولا بالحناء فانه خضاب قلت باى شىء امتشط يا رسول الله قال بالسدر تغفلين به رأسك رواه ابو داود والنسائي وعنها عن النبي ﷺ قال المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل رواه ابو داود والنسائي وعن زينب بنت كعب ان الفريعة بنت مالك بن سنان وهى اخت ابى سعيد الخدري
(٢) فى الأصل الا زوج
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ايها الخطاب فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ الخطبة الاستنكاح والتعريض من الكلام ما يفهم به السامع مراد المتكلم من غير ان يكون اللفظ موضوعا لمراده حقيقة ولا مجازا- والكناية هى الدلالة على الشيء- بذكر لوازمه كقولك طويل النجاد لطول القامة وكثير الرماد للضايف ومن التعريض ما روى ان سكينة بنت حنظلة تايّمت من زوجها فدخل عليها ابو جعفر محمد بن على الباقر عليهم السلام في عدتها وقال يا بنت حنظلة انا من قد علمت قرابتى من رسول الله صلى الله
(٢) فى الأصل أخرجه
لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ وقرا حمزة والكسائي «١» لا تمسّوهنّ بالألف هاهنا وفي الأحزاب على المفاعلة والمعنى واحد اى لم تجامعوهن أَوْ تَفْرِضُوا يعنى الا ان تفرضوا او حتى تفرضوا او وتفرضوا اى تسموا لَهُنَّ فَرِيضَةً فعلية بمعنى المفعول والتاء لنقل اللفظ من الوصفية الى الاسمية فهو منصوب على المفعولية ويحتمل ان يكون منصوبا على المصدرية- والمعنى انه لا يجب عليكم المهر إن طلقتم قبل المسيس الا ان تفرضوا فحينئذ يجب نصف المفروض كما سيجيئ حكمه فيما بعد واما إذا كان الطلاق بعد المسيس فيجب المفروض كله بقوله تعالى آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وان لم يفرض يجب مهر المثل اجماعا وَمَتِّعُوهُنَّ عطف على مقدر فطلقوهن ومتعوهن اى أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به وهذه المتعة واجبة عند ابى حنيفة والشافعي واحمد يعنى إذا طلق قبل المسيس ولم يفرض لها مهر وقال مالك- لا يجب بل هى مستحبة والأمر للندب قلنا كلمته حقا وكلمة على في قوله تعالى حقّا على المحسنين ينفى الاستحباب والأصل فى الأمر الوجوب- واختلفوا في مقدار الواجب فقال ابو حنيفة ثلاثة أثواب درع وخمار وملحفة من كسوة مثلها يعتبر بحالها لقيامها مقام مهر المثل لا يجاوز نصف مهر المثل ولا ينقص من خمسة دراهم وهو قول الكرخي والصحيح انه يعتبر حاله لقوله تعالى عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ قال ابن همام وهذا التقدير مروى عن عائشة وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء والشعبي وقال البغوي روى عن ابن عباس أعلاها خادم وأوسطها ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار ودون ذلك وقاية او شىء من الورق وقال الشافعي فى أصح قوليه واحمد في رواية انه مفوض الى اجتهاد الحاكم وعن الشافعي انه مقدر بما يقع عليه اسم المال قل أو جل والمستحب عنده ان لا ينقص عن ثلاثين درهما- وفي رواية عن احمد انها مقدرة بكسوة يجوز فيها صلاتها وذلك ثوبان درع وخمار قال البغوي- طلق عبد الرحمن بن عوف امراة ومتعها جارية سوداء ومتع الحسن بن على امراة بعشرة آلاف درهم مَتاعاً نصب على المصدر بِالْمَعْرُوفِ بالوجه الذي يستحسنه الشرع لا بإكراه
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ اى الواجب نصف ما فرضتم لهن ولا يجب المتعة زائدا على نصف المهر في هذه الصورة عند الجمهور الا ما روى عن الحسن وسعيد بن جبير ان لكل مطلقة متعة سواء كان قبل الفرض والمسيس او بعد الفرض قبل المسيس لقوله تعالى وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ ولقوله تعالى في سورة الأحزاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا وهن يشتملن المفوضات وغير «١» المفروضات- وللجمهور ان يقولوا المتعة في هذه الصورة هو نصف المهر فان المهر في مقابلة البضع والبضع عادت إليها سالما فلم يجب نصف المهر الا على سبيل المتعة إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ اى المطلقات اى يتركن النصف فيعود جميع الصداق الى الزوج أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ اى الزوج المالك لعقده وحله بترك ما يعود اليه بالتشطير فيسوق المهر إليها «٢» كاملا- والتفسير للّذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ بالزوج أخرجه الطبراني في الأوسط عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا وأخرجه البيهقي في سننه عن على وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والشعبي وشريح ومجاهد وقتادة وهو مذهب ابى حنيفة والجديد الراجح من مذهب الشافعي وتسميتها عفوا اما على المشاكلة واما لانهم كانوا يسوقون المهر الى النساء عند التزوج فمن طلق قبل المسيس استحق استرداد النصف فاذا لم يستردها فقد عفا عنها «٣» - وعن جبير بن مطعم انه تزوج امراة وطلقها قبل الدخول فاكمل لها الصداق وقال انا أحق بالعفو أخرجه البيهقي في سننه- وقيل المراد بالّذى بيده عقدة النّكاح هو الولي أخرجه البيهقي عن ابن عباس وهو مذهب مالك والقول القديم للشافعى وعن احمد روايتان كالقولين فمعنى الاية عندهم الا ان تعفو المرأة بترك نصف المهر الى الزوج ان كانت ثيبا من اهل العفو او يعفو وليها ان كانت المرأة بكرا او غير جائزة الأمر فيجوز عفو وليها وهو قوله علقمة وعطاء والحسن والزهري وربيعة- لنا ان المهر خالص حقها فلا يجوز لغيرها
(٢) فى الأصل اليه
(٣) فى الأصل عنه
لما طال الكلام في احكام الأزواج والأولاد نبّه الله سبحانه على ان الاشتغال بشأنهم لا يلهيهم عن ذكر الله وعن الصلاة التي هى عماد الدين ومكفرة الذنوب وصداء القلوب فقال.
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ بالأداء لاوقاتها والمداومة عليها وإتمام أركانها وصفاتها- اجمع الامة على انها فريضة قطعية يكفر جاحدها- واما تارك الصلاة عمدا فقال احمد يكفر وقال مالك والشافعي وهو رواية عن احمد انه لا يكفر لكن يستتاب فان تاب والا قتل وقال ابو حنيفة لا يقتل لكن يحبس ابدا حتى يموت او يتوب وجه رواية احمد حديث جابر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة رواه مسلم وحديث بريدة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم العهد الذي بيننا وبينهم ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر رواه احمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وحديث عبد الله بن عمر وعن النبي صلّى الله عليه وسلم انه ذكر الصلاة يوما فقال من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نورا ولا برهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبيّ بن خلف رواه احمد- والجمهور يؤولون هذه الأحاديث بناء على عطف اقامة الصلاة على الايمان- وحاصل هذه الأحاديث ان امر الصلاة أشد من سائر الاحكام والعبادات فمن تركها فكانه كفر او المعنى انه من تركها استخفافا فقد كفر والله اعلم وفي فضائل الصلاة أحاديث كثيرة جدا عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ارايتم لو ان نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا هل يبقى من درنه شىء قالوا لا يبقى من درنه شىء قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا متفق عليه- وعن عبادة ابن الصامت قال قال رسول الله ﷺ خمس صلوات افترضهن الله تعالى من احسن وضوئهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهدا ان
قالت إذا بلغت هذه الاية فاذنّى فلما بلغتها أذنت فاملات حافظوا على الصّلوت والصّلوة الوسطى وصلوة العصر وقالت سمعتها من رسول الله صلّى الله عليه وسلم رواه
وصليت خلف عثمان فلم يقنت وصليت خلف على فلم يقنت ثم قال اى بنى بدعة واسم ابى مالك سعد بن طارق بن الأسلم قال البخاري طارق بن الأسلم له صحبة واسناد هذا الحديث صحيح وفي نفى قنوت الفجر تسعة أحاديث- وما رووه في قنوت الفجر اما ضعيف واما محمول على قنوت النوازل والكلام طويل لا يسعه المقام- وقال الشعبي وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وطاءوس القنوت الطاعة قال الله تعالى امّة قانتا اى مطيعا قال الكلبي ومقاتل لكل اهل دين صلوة يقومون فيها عاصين فقوموا أنتم فى صلاتكم قانتين اى مطيعين- وقيل معناه مصلين كقوله تعالى أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ اى
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً رجالا جمع راجل مثل صاحب وصحاب وقائم وقيام ونائم ونيام وركبان جمع راكب واستدل الشافعي واحمد بهذه الاية على جواز الصلاة حال المسابقة واحتج ابن الجوزي بما رواه البخاري عن نافع ان ابن عمر كان إذا سئل عن صلوة الخوف وصفها ثم قال وان كان الخوف أشد من ذلك صلوا رجالا وقياما على أقدامهم او ركبانا مستقبلى القبلة او غير مستقبليها قال نافع لا ارى ابن عمر ذكر ذلك الا عن رسول الله ﷺ وقال ابو حنيفة لا يجوز الصلاة حال المشي والمسابقة وليس في الاية دليل على جواز الصلاة حال المسابقة فانه ليس معنى الراجل الماشي بل الراجل القائم على الرجلين وكذا في الحديث رجالا وقياما عطف تفسيرى لا يدل على جواز الصلاة ماشيا على ان كونه مرفوعا زعم من نافع ليس في صريح الرفع- فان قيل قد جوز في صلوة الخوف الذهاب والمجيء اجماعا كما سنذكر في سورة النساء ان شاء الله تعالى فليجز الصلاة حالة المشيء ايضا- قلنا ما ثبت شرعا مما لا مدخل للرأى فيها لا يتعداه على ان المشي في أثناء الصلاة كالمشى لاجل الوضوء للذى أحدث في الصلاة أهون من الصلاة ماشيا فلا يلحق الا على بالأدنى (مسئلة) بناء على هذه الاية اجمعوا على انه ان اشتد الخوف صلوا ركبانا يؤمون بالركوع والسجود الى اى جهة كان إذا لم يقدروا على التوجه الى القبلة لكن قال ابو حنيفة لا يجوز الافرادى وعن محمد انهم يصلون بجماعة قال في الهداية وليس بصحيح لانعدام الاتحاد في المكان (مسئلة) لا ينتقص عدد الركعات بالخوف عند الائمة الاربعة والجمهور وروى مسلم عن مجاهد عن ابن عباس قال فرض الله تعالى الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة وهو قول عطاء وطاووس والحسن ومجاهد وقتادة وسنذكر مسائل صلوة الخوف في سورة النساء ان شاء الله تعالى فَإِذا أَمِنْتُمْ وزال خوفكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ صلوا الصلاة تامة بشرائطها وأركانها وآدابها كَما ذكرا مثل ما عَلَّمَكُمْ على لسان نبيه صلّى الله عليه وسلم وما مصدرية او موصولة ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) مفعول ثان لعلّم-.
وَيجب لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ يعنى على الموسع قدره وعلى المقتر قدره حق ذلك حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) عن الشرك- قيل المراد بمتاع في هذه الاية نفقة ايام العدة كما هو المراد فيما سبق من قوله تعالى وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ- بجامع ان المرأة في كلا الصورتين الموت والطلاق محبوسة لحقوق الزوج فيجب الانفاق في ماله وهذا الحكم وهو وجوب الانفاق في عدة الطلاق مجمع عليه ان كان الطلاق رجعيا- واما إذا كان الطلاق بائنا فكذلك الحكم عند ابى حنيفة رحمه الله تعالى لعموم اللفظ في هذه الاية ولقوله تعالى أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ- فانه في قراءة ابن مسعود بلفظ اسكنوهنّ من حيث سكنتم وأنفقوا عليهنّ من وجدكم ولحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم
كَذلِكَ اشارة الى ما سبق من احكام الطلاق والعدة يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وعد بانه سيبين لعباده من الدلائل والاحكام ما يحتاجون اليه معاشا ومعادا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢) اى تفهمون وتستعملون العقل فيها-.
أَلَمْ تَرَ تعجيب وتشويق لاستماع ما بعده فصار مثلا في التعجيب ويخاطب به من لم ير ولم يسمع قبل- او هو تقرير لمن سمع قصتهم من اهل الكتاب وارباب التواريخ او المعنى الم تعلم باعلامى إياك وفيه ايضا تعجيب وهكذا التأويل في كل ما ورد في القران لفظ الم تر ولم يره النبي ﷺ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ قال عطاء
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إذ الفرار عن الموت لا يفيد والمقدر واقع لا محالة فالاولى القتال في سبيل الله إذ لو جاء أجلهم ففى سبيل الله والا فالنصر والثواب وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لما يقوله المتخلف والسابق عَلِيمٌ (٢٤٤) بما يضمر انه والله اعلم روى البخاري في صحيحه وابن ابى حاتم وابن مردوية عن ابن عمر انه قال لما نزلت قوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ الاية- قال رسول الله ﷺ رب زدامتى فانزل الله تعالى.
مَنْ ذَا الَّذِي من استفهامية مرفوعة
(٢) فى الأصل سبحان ربنا
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ هى الجماعة من وجوه الناس واشرافهم يجتمعون للتشاور لا واحد له من لفظه كالقوم وجمعه إملاء مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ موت مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ قال قتادة هو يوشع بن نون وقال السدى شمعون والأكثر انه اشموئيل قال وهب وابن ابى إسحاق والكلبي وغيرهم انه لما مات موسى خلف في بنى إسرائيل يوشع فمات فخلف فيهم كالب فمات فخلف حزقيل فلما مات وعظمت فى بنى إسرائيل الأحداث ونسوا عهد الله حتى عبدوا الأوثان بعث الله تعالى الياس بتجديد ما نسوا من التورية ثم خلقه اليسع فمات وخلفت فيهم خلوف وعظمت الخطايا وظهر عليهم عدوهم العمالقة فوم جالوت ساكنوا ساحل البحر بين مصر وفلسطين غلبوا على ارضهم وسبوا ذراريهم وأسروا من أبناء ملوكهم اربعمائة وأربعين غلاما وضربوا عليهم الجزية
وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ولما كان من بنى إسرائيل سبط النبوة سبط لاوى بن يعقوب وسبط المملكة سبط يهودا وكان طالوت من سبط بنيامين وكان رجلا فقيرا قالُوا أَنَّى من اين يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا
فانّا من سبط المملكة والواو للحال وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ ونحن اغنياء قالَ نبيهم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ قال الكلبي كان اعلم الناس بالحرب وَالْجِسْمِ وكان طالوت أجمل في بنى إسرائيل وأطولهم يمد رجل يده حتى يبلغ رأسه- وقيل أتاه الوحى حين اوتى الملك- قلت ولمّا احسن الله الثناء على طالوت بالاصطفاء وبسطة العلم والظاهر ان المراد بالعلم علم الشرائع فان به يصلح امور الدين والدنيا ظهر ان ما يذكرون في قصة طالوت انه حسد داود عليه السلام في اخر الأمر وأراد قتله فهرب داود وطعن علماء بنى إسرائيل طالوت فقتل طالوت كل عالم منهم الى اخر القصة باطل لا اصل له ولذا لم اذكره وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ اى واسع الفضل يوسع على الفقير ويغنيه عَلِيمٌ (٢٤٧) بمن يليق بالملك- رد الله تعالى استبعادهم ملكه اولا بان السبب الحقيقي للتملك إيتاء الله واصطفاؤه وذالا يتوقف على سبق قابلية من جهة النسب او الحسب او غير ذلك- وثانيا بان السبب الظاهري لصلاحية التملك وإصلاح امور الناس العلم والقدرة على العمل على وفق العلم بالقوة والجسامة فى البدن دون كثرة المال فان المال غاد ورايح لا عبرة لوجوده وفقده- وثالثا بانه لا يجوز الاستبعاد بعد ما قضى الله ورسوله فانه تعالى اعلم بالمصالح منكم.
وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ لما طلبوا منه اية على اصطفائه إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فعلوت من التوب اى الرجوع فانه لا يزال يرجع اليه ما يخرج منه- قيل أريد به الصندوق كان من خشب الشمشاد مموها بالذهب نحوا من ثلاثة اذرع في ذراعين أخرجه ابن المنذر عن وهب ابن منبه فقيل ان الله تعالى انزل تابوتا على آدم فيه صور الأنبياء فكان عند آدم ثم كان عند شيث وتوارثه الأنبياء حتى وصل الى موسى فكان موسى يضع فيه التورية وشيئا من متاعه فاذا مات موسى تداولته أنبياء بنى إسرائيل- وقيل كان صندوقا للتورية فكانوا إذا حضر القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم فاذا سار التابوت ساروا وإذا وقف وقفوا فِيهِ اى في إتيانه سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعنى تسكن به قلوبكم فلا تشكوا في ملك طالوت او الضمير راجع الى التابوت يعنى مودع فيه ما تسكتون اليه وهو التورية- او المعنى ان فيه خاصية ان تسكن قلوبكم بحضوره اخرج ابن إسحاق
فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ اى خرج والفصل في الأصل القطع وهو فعل متعد يعنى فصل نفسه عن بلده فلما كثر استعماله حذف مفعوله فصار كاللازم بمعنى انفصل عن بلده شاخصا الى العدو بِالْجُنُودِ هو في موضع الحال من فاعل فصل اى مختلطا بالجنود وذلك انهم لما راوا التابوت واستيقنوا النصر تسارعوا الى الجهاد كلهم فقال طالوت لا يخرج معى إلا شاب نشيط فارغ فخرج على هذا سبعون الفا على قول مقاتل وقيل ثمانون الفا وكانوا فى حر شديد فسالوا ان يجرى الله لهم نهرا قالَ طالوت اما بوحي الله ان كان نبيا واما بإرشاد نبيهم إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ قال ابن عباس والسدىّ هو نهر فلسطين وقال قتادة نهر بين الأردن وفلسطين- والابتلاء الاختبار- يعنى يعاملكم معاملة المختبر ليظهر المطيع من العاصي فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي اى من اتباعى او ليس بمتحد معى وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ اى لم يذقه من طعم لشىء إذا اذاقه ماكولا او مشروبا فَإِنَّهُ مِنِّي قرا نافع وابو عمرو بفتح الياء والباقون بالإسكان إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ استثناء من قوله فمن شرب وانما قدمت الجملة الثانية للعناية بها والمعنى الرخصة في القليل دون الكثير- ولعل الحكمة في ذلك ان شرب الماء الكثير في شدة الحر والعطش يضربا لناس يهلك او يضعف عن القتال- ويحتمل ان يكون ذلك التحريم عقابا لهم لما اقترحوا بجريان النهر- قرا اهل الحجاز والبصرة غرفة بفتح الغين والباقون بالضم قال الكسائي بالضم ما يحصل في الكف من الماء عند الاغتراف وبالفتح الاغتراف فهو منصوب على المفعولية او المصدرية على اختلاف القراءتين فَشَرِبُوا مِنْهُ اى كرعوا فيه إذ المعنى الحقيقي لمن الابتدائية ان
وَلَمَّا بَرَزُوا طالوت وجنوده لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ اى تراء الفئتان والتقيا قالُوا يعنى طالوت ومن معه رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) هذا سنة الأنبياء والصالحين انهم إذا استصعبوا امرا التجئوا الى الله تعالى بالدعاء.
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ اى بنصره او مصاحبين بنصره- وكان داود عليه السلام مع أبيه في ثلاث عشر ابنا له في جند طالوت وعبر معه النهر
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
تِلْكَ الرُّسُلُ اشارة الى جماعة المرسلين التي علمت بقوله وانّك لمن المرسلين واللام للاستغراق والموصوف مع الصفة مبتدأ خبره فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ الفضل هو زيادة أحد الشيئين على اخر في وصف مشترك بينهما وفي العرف والاصطلاح يختص ذلك بوصف الكمال وهو ما يقتضى مدحا في الدنيا وثوابا في الاخرة- فان كان أحدهما مختصا بوصف كمال والاخر بوصف كمال اخر فلكل واحد منهما فضل جزئى على الاخر في مطلق الكمال اعنى في استحقاق المدح والثواب والفضل الكلى لمن له زيادة الثواب ومزية القرب عند الله تعالى فالرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام شركاء في درجة الرسالة او النبوة وموجبات الاجر والثواب وفيما بينهم تفاضل عند الله تعالى بناء على كثرة الثواب ومزيد القرب لا يعلمه كما هو الا الله تعالى وقد يدرك بعض ذلك بتعليمه تعالى كقوله مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ قال اهل التفسير هو موسى عليه السلام لقوله تعالى وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، وهذه الاية لا يقتضى تخصيصه عليه السلام بذلك الفضيلة فقيل انه موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام كلم الله موسى على الطور ومحمدا ليلة المعراج حين كان قاب قوسين او ادنى فاوحى الى عبده ما اوحى وشتان ما بينهما وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ على بعضهم او على كلهم- اما رفع درجات
من بين أصابعه وغير ذلك من المعجزات
مع تجويز نقيضه وان كان قطعيا يجب الاعتقاد به وكذا الحال في تفضيل غير الأنبياء بعضهم على بعض- واما قوله عليه السلام لا تخيرونى على موسى ولا أقول ان أحدا أفضل من يونس بن متى فمحمول على انه كان قبل علمه بافضليته ﷺ على جميع الأنبياء والله اعلم ((مسئلة)) وهذه الاية حجة لاهل السنة على المعتزلة في ان الحوادث كلها بيد الله تعالى تابعة لمشيته خيرا كان او شرا إيمانا كان او كفرا- وليس الأصلح ولا شىء من الأشياء واجبا عليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ ان قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ثم قال رسول الله ﷺ اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك رواه مسلم وروى عنه احمد والترمذي نحوه والترمذي وابن ماجة عن انس واحمد عن ابى موسى نحوه.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا ما أوجبت عليكم إنفاقه مِمَّا رَزَقْناكُمْ
لا تقدرون فيه على تدارك ما فرطتم والخلاص من عذاب الله إذ لا بَيْعٌ فِيهِ فتحصلون الأموال وتنفقونها في سبيل الله او تفتدون بها من العذاب فتشترون به أنفسكم وَلا خُلَّةٌ حتى يعينكم عليه اخلاءكم او يسامحونكم به وَلا شَفاعَةٌ الا بإذن الله قرا ابن كثير وابو عمر وكلها مبنيا على الفتح من غير تنوين على الأصل وكذلك في سورة ابراهيم لا بيع فيه ولا خلل وفي سورة الطور لا لغو فيها ولا تأثيم وقرا الآخرون كلها بالرفع لانها فى تقدير جواب هل فيه بيع او خلة او شفاعة وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) حيث يضعون العبادة في غير موضعها ويضعون الأموال في غير موضعها ويصرفونها على غير وجهها- وايضا هم يظلمون أنفسهم بترك ما أمرهم الله وتعريض أنفسهم للعذاب فلا تكونوا ايها الذين أمنوا على هيئتهم- او المعنى والكافرون الذين ينكرون فريضة الزكوة هم الظالمون- وقال البيضاوي أراد بالكافرين التاركين للزكوة وضع الكافرون موضعه تغليظا كقوله من كفر مكان من لم يحج وكقوله تعالى ويل للمشركين الّذين لا يؤتون الزّكوة إيذانا بان ترك الزكوة من صفات الكفار عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه- قال لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب وقالوا لا نؤدى زكوة فقال ابو بكر لو منعونى عقالا لجاهدتهم عليه فقلت يا خليفة رسول الله تالف الناس وارفق بهم فقال لى أجبّار في الجاهلية وخوّار في الإسلام انه قد انقطع الوحى وتم الدين أينقص وانا حى رواه رزين-.
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ مبتدأ وخبر والمعنى انه تعالى هو المستحق للعبادة لا غير الْحَيُّ هو الذي يصح ان يعلم ويسمع ويبصر ويقدر ويريد وكل ما يصح له فهو واجب له ما زال ولا يزال ثابت له ازلا وابدا لامتناعه عن القوة والإمكان فالحيوة صفة لله تعالى سبد الجميع صفات الكمال الْقَيُّومُ ٥ قرا عمرو ابن مسعود القيّام وقرا علقمة القيّم- قال البغوي كلها لغات بمعنى واحد قال ابن مجاهد القيوم القائم على كل شىء قال الكلبي القائم على كل نفس بما كسبت وقيل هو القائم بالأمور وقال ابو عبيدة الذي لا يزول وقال البيضاوي الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه فيقول من قام بالأمر إذا حفظه وقال السيوطي الدائم البقاء قلت مرجع الأقوال انه دائم الوجود القائم بنفسه وقيم الأشياء كلها لا يتصور قيام شىء وبقاؤه
(٢) قال البغوي ورواه المسعودي عن عمرو بن مرة وقال حجاب الدار ١٢ منه
فرحمته فخليت سبيله قال اما انه قد كذبك وسيعود فعرفت انه سيعود لقول رسول الله ﷺ انه سيعود فرصدته فجاء يحثوا من الطعام فاخذته فقلت لا رفعنك الى رسول الله ﷺ قال دعنى إلخ كما قال اولا وقال رسول الله ﷺ كما قال اولا ثم قال ابو هريرة في المرة الثالثة هذا اخر ثلاث مرات انك تزعم لا تعود ثم تعود قال دعنى أعلمك كلمات ينفعك الله بها إذا أويت الى فراشك فاقرأ اية الكرسي اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الاية فانك لن تزال عليك من الله حافظا ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله- فاصبحت فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ فقال رسول الله ﷺ قد خير أصحابكم فان اختاروكم فمنكم وان اختاروهم فاجلوهم معهم- وقال مجاهد كان ناس مسترضعين في اليهود من الأوس فقال «٢» الذين كانوا المسترضعين فيهم لنذهبن معهم او ليدينن بدينهم فمنعهم أهلهم فنزلت- واخرج ابن جرير من طريق سعيد او عكرمة عن ابن عباس قال نزلت في رجل من الأنصار من بنى سالم بن عوف يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلما فقال للنبى ﷺ الا استكرههما فانهما قد أبيا الا النصرانية فانزل الله تعالى لا اكراه في الدّين يعنى لا يتصور الإكراه في ان يؤمن أحد إذ الإكراه الزام الغير فعلا لا يرضى به الفاعل وذالا يتصور الا فى افعال الجوارح واما الايمان فهو عقد القلب وانقياده لا يوجد بالإكراه- او المعنى لا تكرهوا في الدين فهو اخبار بمعنى النهى- ووجه المنع اما ما ذكرنا انه لا يوجد الايمان بالإكراه فلا فائدة فيه
(٢) فى الأصل فقال المسترضعين-
اى لا «١» انقطاع وَاللَّهُ سَمِيعٌ لدعائك إياهم ولا قوالك وأقوالهم عَلِيمٌ (٢٥٦) بحرصك إياهم وبنيات كل حثّ على تصحيح الأعمال والنيات وتهديد على الكفر والنفاق.
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا محبهم ومتولى أمرهم والمراد به من أراد إيمانه يُخْرِجُهُمْ بهدايته وتوفيقه مِنَ الظُّلُماتِ ظلمات الجهل واتباع الهوى وقبول الوساوس والشبه المؤدية الى الكفر إِلَى النُّورِ ٥ الى الهدى الموصل الى الايمان- قال الواقدي كل ما في القران من الظلمة والنور فالمراد به الكفر والايمان غير ما في الانعام جعل الظّلمت والنّور فانه الليل والنهار- وهذه الاية تدل على ان الايمان امر وهبى والجملة خبر بعد خبرا وحال من المستكن في الخبر او من الموصول او منهما او استيناف مبيّن او مقرد للولاية وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يعنى شياطين الجن والانس منهم كعب بن الأشرف وحيى بن اخطب وغيرهما- او المضلات من الهوى والشياطين وغيرهم فهؤلاء متولى أمورهم ومحبيهم فى زعمهم وإلا ففي الحقيقة هم أعداؤهم يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ الذي هو في اصل الفطرة كما في حديث ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما من مولود الا يولد على الفطرة فابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه متفق عليه واخرج ابن جرير عن عبدة بن ابى لبابة قال هم الذين كانوا أمنوا بعيسى فلما جاءهم محمد ﷺ كفروا به إِلَى الظُّلُماتِ اى الشكوك والشبهات والانهماك في الشهوات وفساد الاستعداد الموجب الى الكفر- واسناد الإخراج الى الطاغوت باعتبار السبب والكسب لا يأبى تعلق قدرته تعالى وإرادته به- والطاغوت يكون مذكرا ومؤنثا وواحدا وجمعا قال الله تعالى يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ- وقال والّذين اجتنبوا الطاغوت ان يعبدوها- اخرج ابن جرير عن مجاهد قال كان قوم آمنوا بعيسى وقوم كفروا به فلما بعث الله محمدا ﷺ أمن به الذين كفروا بعيسى وكفر به الذين آمنوا بعيسى فانزل الله تعالى هذه الاية واخرج ابن المنذر والطبراني في الكبير عن ابن عباس انها نزلت في قوم آمنوا بعيسى فلما بعث محمد كفروا به والله اعلم
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ تعجيب من محاجة نمرود وحماقته قال البغوي هو أول من وضع التاج على رأسه وتجبر في الأرض وادّعى الربوبية أَنْ اى لان آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ فطغى اى كان محاجته لاجل بطر الملك وطغيانه- او أسند المحاجة الى إيتاء الملك على طريقة العكس يعنى كان الواجب عليه الشكر فعكس كما يقال عاديتنى لانى أحسنت إليك- او المعنى وقت ان أتى الله الملك وهو حجة على منع إيتاء الملك الكافر من المعتزلة قال البغوي ملك الأرض اربعة مؤمنان وكافران سليمان وذو القرنين ونمرود وبخت نصر قيل لما كسر ابراهيم الأصنام سجنه نمرود ثم أخرجه ليحرقه فقال من ربك الذي تدعونا اليه- وقيل كان هذا بعد القائه في النار قحط الناس فكانوا يمتارون من عند نمرود فكان نمرود إذا أتاه رجل ساله من ربك فان قال أنت باع منه الطعام فاتاه ابراهيم فقال من ربك قال ربّى الّذى يحيى ويميت فحاجه ولم يعطه شيئا فرجع ابراهيم فمر على كثيب من رمل فاخذ منه تطيبا لقلوب اهله فلما اتى اهله ووضع متاعه نام- فقامت امرأته الى متاعه ففتحته فاذا هو أجود طعام فصنعت له منه فقرّبت اليه فقال من اين هذا؟ قالت «١» من الطعام الذي جئت به فحمد الله تعالى إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ ظرف لقال انا احيى وأميت- وهو بيان لحاج- او هو استيناف في جواب سوال مقدر كانه قيل كيف حاج او الظرف متعلق لحاجّ وقال بيان له او استيناف- او الظرف بدل من ان آتاه الله الملك ان كان المصدر مقدرا بالوقت رَبِّيَ قرا حمزة بإسكان الياء وصلا ووقفا وكذا في رَبِّيَ الْفَواحِشَ- وعَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ- وقُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ وآتانِيَ الْكِتابَ- ومَسَّنِيَ الضُّرُّ- وعِبادِيَ الصَّالِحُونَ- وعِبادِيَ الشَّكُورُ- ومَسَّنِيَ الشَّيْطانُ- وإِنْ أَرادَنِيَ «٢» اللَّهُ وإِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ- ووافقه ابن عامر والكسائي في لعبادى الّذين أمنوا- وابن عامر في آياتي الّذين وو فتح الآخرون كلها الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ جواب لقول نمرود من ربك الذي تدعونا اليه استدل ابراهيم عليه السلام على وجود الصانع الواجب الوجود بالآثار الدالة عليه من الاحياء
(٢) فى الأصل إرادتي-
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ يعنى بيت المقدس او دير هرقل كما سنذكر القصة والكاف زائدة والموصول معطوف على الذي حاج- والذي مر هو آدميا وهو الخضر عليه السلام على ما رواه محمد بن إسحاق- واخرج الحاكم عن علىّ وإسحاق بن بشير عن عبد الله بن سلام وابن عباس انه عزيز- وقال مجاهد هو كافر شك في البعث نظرا الى نظمه مع نمرود وهذا ليس بشىء فان الكافر لا يستحق تلك الكرامة ولو قيل انه أمن حين راى الاحياء بعد الاماتة قلنا هذا ليس إيمانا بالغيب فلا يعتد به ونظم القصتين معا انما هو لاشتراكهما في التعجيب بلا دعاء الربوبية فمن يرى عجزه في كل حين وزمان اعجب من الحيوة بعد الممات بإذن الله تعالى فان ذلك شائع كما ترى تصير النطفة رجلا والبذر شجرا ونحو ذلك وَهِيَ خاوِيَةٌ خالية ساقطة حيطانها عَلى عُرُوشِها يعنى سقطت سقوفها ثم وقعت حيطانها عليها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ القرية اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها قال ذلك على الطلب والتمني في إحيائها مع استبعادها عادة وهضما لنفسه عن مرتبة الاستجابة- وكان القصة على ما روى محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه ان الله تعالى بعث ارميا الى ناشية بن اموص ملك بنى إسرائيل ليسدد امره وكان ملكا صالحا
كَمْ لَبِثْتَ فلما زعم ارميا ان الشمس غربت من ذلك اليوم الذي نام فيه قالَ لَبِثْتُ يَوْماً ثم التفت فراى بقية من الشمس فقال أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ له الملك بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ يعنى التين وَشَرابِكَ يعنى العصير لَمْ يَتَسَنَّهْ اى لم يتغير فكان التين كانّه قطف من ساعته والعصير كانّه عصر من ساعته قال الكسائي كانّه لم يأت عليه السنون قرا حمزة والكسائي ويعقوب لم يتسنّ بحذف الهاء في الوصل وإثباته في الوقف وكذلك فبهديهم اقتد وقر الآخرون بالهاء وصلا ووقفا فمن أسقط الهاء في الوصل جعلها صلة زائدة ومن أثبتها جعلها اصلية «١» قالوا اشتقاقه من السنة والهاء اصلية ان قدر لام السنة هاء أصله سنهة بدليل سنيهة والفعل منه مسانهة- وهاء سكت ان قدر لامه واوا فابدلت الفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فحذف الالف للجزم وزيدت الهاء في الوقف- وقيل أصله لم يتسنّن من الحماء المسنون فابدلت النون الثالثة حرف علة كما فى قوله تعالى دسّها- وأفرد الضمير لان الطعام والشراب كالجنس الواحد وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فنظر قيل فراه قائما واقفا كهيئته يوم ربطه حيا لم يطعم ولم يشرب مائة عام ونظر الى حبله في عنقه جديدة لم يتغير- وقيل راى حماره قد هلك وبليت عظامه فبعث الله ريحا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهبت بها الطيور والسباع فاجتمعت- قلت والظاهر هو القول الثاني يدل عليه تكرار كلمة انظر ولو كان الحمار باقيا على حاله كالطعام والشراب لكان المناسب ان يقال فانظر الى طعامك وشرابك وحمارك وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ على البعث بعد الموت قيل الواو مقحمة وقال الفراء دخلت الواو فيه دلالة على انها متعلق بفعل مقدر اى وفعلنا ذلك لنجعلك اية وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ اى عظام الحمار على تقدير كونه هالكا وبه قال اكثر المفسرين- وقال قوم أراد به عظام نفسه أحيا الله عينه ورأسه وسائر جسده ميت صار عظاما بيضاء متفرقا ويردّ
وَاذكر إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قال الحسن وقتادة وعطاء الخراسانى وابن جريح كان سبب هذا السؤال انه كانت جيفة حمار بالساحل فكان إذا مدّ البحر أكلت منها دواب البحر وإذا جزر أكلت السباع والطيور فراها ابراهيم وتعجب وقال يا رب قد علمت انك تجمعها من البحر والبر فارنى كيف تحييها لاعاين فازداد يقينا- وقيل لما قال نمرود انا أحيي وأميت وقتل أحد الرجلين واطلق الاخر قال ابراهيم ان الله يحيى بعد ما يميت فقال له نمرود أنت عاينته فلم يقدر ان يقول نعم فحينئذ سال ربه ان يريد احياء الموتى حتى إذا قيل له بعد ذلك أنت عاينته يقول نعم وقال سعيد بن جبير لما اتخذ الله ابراهيم خليلا جاء ملك الموت بإذن الله الى ابراهيم ليبشره بذلك فبشره فقال ابراهيم ما علامة ذلك قال ان الله يجيب دعاءك ويحيى الموتى بسوالك فحينئذ سال ابراهيم ذلك قالَ الله تعالى أَوَلَمْ تُؤْمِنْ بانى قادر على الاحياء باعادة التركيب بعد الاماتة وانما قال ذلك وقد علم انه أقوى الناس في الايمان ليجيب بما أجاب فيعلم السامعون قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ويزيد بصيرتى وسكون قلبى بضم العيان الى الوحى والاستدلال او ليطمئن قلبى انك اتخذتني خليلا وتجيبنى إذا دعوتك عن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ نحن أحق بالشك من ابراهيم إذ قال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى الاية ورحم الله لوطا لقد كان يأوي الى ركن شديد ولو لبثت السجن طول ما لبث يوسف لاجبت الداعي متفق عليه وللعلماء في هذا المقام مقال فقال إسماعيل بن يحيى المزني لم يشك النبي ﷺ ولا ابراهيم في ان الله يحيى الموتى وانما شكافى انه هل يجيبهما الله تعالى الى ما سالاه وهذا القول لا يصاعده قوله تعالى أَوَلَمْ تُؤْمِنْ
- وقال الامام ابو سليمان الخطانى ليس في الحديث اعتراف بالشك على نفسه ولا على ابراهيم بل فيه نفى الشك عنهما يعنى إذا لم أشك انا فابراهيم اولى بان لا يشك وانما قال النبي ﷺ ذلك تواضعا وهضما لنفسه وكذلك قوله لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لاجبت الداعي وفيه اعلام بان المسألة من ابراهيم لم تعرض من جهة الشك لكن لاجل طلب زيادة العلم بالعيان فان العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال قال رسول الله ﷺ ليس الخبر كالمعائنة ان الله اخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا القى الألواح فانكسرت رواه احمد والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس وروى الطبراني عن انس والخطيب عن ابى هريرة بسند حسن وليس فيه ذكر موسى- وقيل لما نزلت هذه الاية قال قوم شك ابراهيم ولم يشك نبينا ﷺ فقال رسول الله ﷺ تواضعا وتقديما لابراهيم على نفسه- قلت هذا القول وهذا التأويل في الحديث ضعيف لان نفى الشك عن ابراهيم ثبت بنفس كلام الله تعالى حيث قال بلى ولكن ليطمئن قلبى فكيف يقال شك ابراهيم وايّ حاجة الى دفع ذلك التوهم- والتحقيق عندى ما قالت الصوفية العلية ان لاهل الله تعالى في السلوك مقامان الاول مقام العروج وهو الانخلاع عن الصفات البشرية والتلبس بالصفات الملكية والصفات القدسية ويحكى عن هذا المقام قوله ﷺ حين نهى عن صوم الوصال لست كهيئتكم أبيت عند ربى يطعمنى ويسقينى ويقال فى اصطلاحهم بهذا السير السير الى الله والسير في الله- والثاني مقام النزول وهو التلبس بالصفات البشرية ثانيا بعد الانخلاع التام وهذا المقام مقام التكميل ودعوة الخلق الى الله تعالى ويقال لهذا السير السير من الله بالله والحكمة في النزول انه لا بد بين المفيض والمستفيض من المناسبة حتى يتيسر به الاستفاضة على طريقة الصبغ والانصباغ ولاجل هذا أرسل الرسل من البشر لدعوة البشر ولم يتصور للعوام أخذ الفيض من الله تعالى لفقد المناسبة وهو تعالى غنى عن العالمين ولا من الملائكة قال الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا
وقال وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ وكلّما كان لرجل نزوله أتم كان دعوته أشمل وأكمل كما ان الرامي إذا كان في أعلى مكان من المرمى اليه
(٢) الصحيح ابن ابى رباح- ابو محمد عفا الله عنه [.....]
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الجهاد او غير ذلك من أبواب الخير كَمَثَلِ حَبَّةٍ فيه تقدير المضاف اما في المبتدأ او في الخبر يعنى مثل نفقة الّذين ينفقون كمثل حبّة او مثلهم كمثل باذر حبّة أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ أسند الإنبات الى الحبة مجازا لما كانت من الأسباب عادة فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ كما يكون في الدخن وغير ذلك وَاللَّهُ يُضاعِفُ ما يشاء من الأضعاف لِمَنْ يَشاءُ من عباده في الدنيا والاخرة وَاللَّهُ واسِعٌ لا يضيق عليه ما يتفضل به من الزيادة عَلِيمٌ (٢٦١) بنيات المنفقين يجزى على حسب نياتهم الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال البغوي قال الكلبي جاء عبد الرحمن بن عوف باربعة آلاف درهم صدقة الى رسول الله ﷺ فقال كانت عندى ثمانية آلاف فامسكت منها لنفسى وعيالى اربعة آلاف واربعة آلاف اقرضتها ربى فقال له رسول الله ﷺ بارك الله فيما أمسكت وفيما أعطيت- وعثمان جهّز المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلاسها فنزلت هذه الاية وقال قال عبد الرحمن ابن سمرة جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبّها في حجر النبي ﷺ فرايت النبي ﷺ يدخل فيها يده ويقلبها ويقول ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم فانزل الله تعالى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وروى احمد عن عبد الرحمن بن سمرة وليس فيه ذكر نزول الاية ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً ذكر كلمة ثم للتفاوت بين الانفاق وترك المن والأذى- والمن ان يعتد بإحسانه على من احسن اليه والأذى ان يتطاول عليه او يقول الى كم تسئل وكم تؤذيني او يذكر إنفاقه عليه عند من لا يجب وقوفه قال البغوي قال عبد الرحمن بن زيد بن اسلم كان ابى يقول إذا أعطيت رجلا شيئا ورايت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك عنه لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
(٢٦٢) لعله لم يدخل الفاء فيه وقد تضمين المبتدأ معنى الشرط إيهاما بانهم اهل لذلك وان لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا.
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ كلام حسن ورد جميل على السائل قال الكلبي دعاء صالح يدعو لأخيه بظهر الغيب وقال الضحاك نزل في إصلاح ذات البين وَمَغْفِرَةٌ اى تجاوز عن السائل الملح بالرد الجميل وقال البغوي اى يستر على السائل خلته ولا يهتك عنه ستره وقيل المراد به نيل مغفرة من الله بالرد الجميل- وقيل المراد مغفرة السائل المسئول عنه بان يعذره ويغتفر رده وقال الكلبي والضحاك والمراد بالمغفرة التجاوز عن من ظلمه خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً خبر عنهما وانما صح الابتداء بالنكرة لاختصاصها بالصفة وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن انفاق بمن وإيذاء حَلِيمٌ (٢٦٣) عن معاجلة من يمن ويؤذى بالعقوبة-.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا أجور صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ على السائل وقال ابن عباس بالمن على الله وَالْأَذى اى بكل واحد منهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ﷺ لا يدخل الجنة منان ولا عاق- رواه النسائي والدارمي كَالَّذِي الكاف في محل النصب على المصدر او الحال اى ابطالا كابطال الذي او مماثلين الذي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ منصوب على السببية او الحال او المصدرية اى لان يرى الناس او مرائيا او إنفاقا رياء وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ليس هذا قيدا لابطال الصدقة فان الصدقة يبطل بالرياء وان كان المنفق مؤمنا بالله واليوم الاخر لكن ذكر هذا تنبيها على ان الانفاق رياء ليس من شأن المؤمن بل هو من سيرة المنافق فَمَثَلُهُ اى المرائى كَمَثَلِ صَفْوانٍ حجرا ملس قيل هو واحد جمعه صفى وصفى وقيل جمع واحده صفواته عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ مطر عظيم القطر فَتَرَكَهُ صَلْداً أملس نقيّا من التراب لا يَقْدِرُونَ الضمير راجع الى الموصول باعتبار المعنى فان المراد به الجنس او الجمع عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا اى لا يقدرون في الاخرة على الانتفاع بشيء ممّا كسبوا في الدنيا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤) فيه تعريض بان الرياء والمن والأذى من صفات الكفار لا ينبغى لمؤمن ارتكابه او المعنى انه من فعل من هذه الأمور
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
عليه وسلم ركبتى فقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تعالى تسعر بهم النار يوم القيامة-.
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ اى لطلب رضائه وَتَثْبِيتاً للاسلام وتصديقا بما وعده الله من الجزاء واحتسابا- ويحتمل ان يكون معناه تثبيتا للمال فان الباقي من المال ما ينفعه في الاخرة وما سوى ذلك هالك عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ ايّكم مال وارثه أحب اليه من ماله- قالوا يا رسول الله ما منا أحد الا ماله أحب اليه من مال وارثه قال فان ماله ما قدم ومال وارثه ما اخر- رواه البخاري وعن عائشة قالت انهم ذبحوا شاة فقال النبي ﷺ ما بقي منها قالت ما بقي منها الا كتفها قال رسول الله ﷺ بقي كلها غير كتفها رواه الترمذي وصححه مِنْ أَنْفُسِهِمْ من للابتداء متعلق بالتثبيت يعنى تثبيت الايمان والتصديق او المال يبتدى من نفسه- او للتبعيض ويكون ظرفا مستقرا صفة لمفعول محذوف اى تثبيتا شيئا من أنفسهم على الايمان فان للنفس قوى بعضها مبدأ لبذل المال وبعضها مبدأ لبذل الروح والمال شقيق الروح فمن بذل المال لوجه الله فقد ثبّت بعض نفسه على الايمان ومن بذل المال والروح جميعا فقد ثبت كل نفسه عليه قال البيضاوي فيه تنبيه على ان حكمة الانفاق للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال قلت ومن ثم قال ابو حنيفة لا يجب الزكوة في مال الصبى حتى يؤديها الولي لان الحكمة فيها ابتلاء المكلف ببذل ما هو شقيق الروح ابتغاء مرضات الله تعالى وذا لا يحصل بأداء الولي كَمَثَلِ جَنَّةٍ اى بستان بِرَبْوَةٍ قرا ابن عامر وعاصم هاهنا والى ربوة في سورة المؤمنين بفتح الراء والباقون بالضم وهما لغتان وهى المكان المرتفع المستوي الذي تجرى فيه الأنهار فلا يعلوه الماء ولا يعلوا عن الماء وانما قيد الجنة بهذه لان شجرها يكون احسن وازكى أَصابَها وابِلٌ مطر عظيم القطر فَآتَتْ اعطت أُكُلَها قرا نافع وابن كثير وابو عمرو بإسكان الكاف للتخفيف والباقون بالضم يعنى ثمرتها ضِعْفَيْنِ نصبه على الحال اى مضاعفا ومثلى ما كانت تثمر بلا وابل فالمراد بالضعف المثل كما أريد بالزوج
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ الهمزة للانكار وهذه الاية مرتبطة بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جعل النخيل والأعناب بيانا للجنة مع ما فيها من سائر الأشجار تغليبا لهما لشرفهما وكثرة منافعهما ثم ذكر ان فيها من كل الثمرات ليدل على عدم اقتصار الجنة عليهما وَأَصابَهُ الْكِبَرُ بحيث لا يقدر على الكسب والواو للحال بمعنى وقد أصابه الكبر او للعطف حملا على المعنى بمعنى أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ صغار او نساء لا يقدرون على الكسب والواو للعطف على أصابه او للحال من ضمير المفعول لاصابه فَأَصابَها إِعْصارٌ ريح عاصفة ترتفع الى السماء كانها عمود عطف على أصابه او على تكون باعتبار المعنى فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ والمعنى انه لا يود أحدكم ان يكون له مال جيد كما ذكر فيحترق في حال كمال حاجته الى ذلك المال فيخيب ويتحسر ما دام حيّا في عالم الفناء فكيف يود أحدكم ان يبطل حسناته يوم القيامة في حال كمال حاجته إليها فيخيب ويتحسر ابدا في عالم البقاء قال عبيد بن عمير قال عمر رضى الله عنه لاصحاب النبي ﷺ فيم ترون هذه الاية نزلت أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ الاية قالوا الله اعلم فغضب عمر وقال قولوا نعلم اولا نعلم فقال ابن عباس في نفسى منها شيء قال عمر يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ جياد وقال ابن مسعود ومجاهد من حلالات ما كَسَبْتُمْ عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ لا يكسب عبد مال حرام فيتصدق منه فيقبل منه ولا ينفق منه فيبارك له فيه ولا يترك خلف ظهره الا كان زاده الى النار لا يمحو السّيء بالسّيئ لكن يمحو السّيّء بالحسن ان الخبيث لا يمحو الخبيث رواه احمد- وهذه الاية سند للاجماع وحجة للجمهور على داود حيث قال لا يجب الزكوة الا فى الانعام او النقود وعند الجمهور يجب في العروض والعقار ايضا إذا كان للتجارة وانما شرطوا بنية التجارة لان النمو شرط لوجوب الزكوة بالإجماع ولا نمو في العروض الا بنية التجارة- عن ابن عمر ليس في العروض زكوة الا ما كان للتجارة رواه الدارقطني وعن سمرة بن جندب كان يأمرنا رسول الله ﷺ ان نخرج الزكوة مما نعد للبيع رواه ابو داود والدارقطني والبزار- وعن سليمان بن سمرة عن أبيه عند البزار وفي اسناده جهالة- ومما يدل على وجوب الزكوة في العروض ما روى عن حماس قال مررت على عمر بن الخطاب وعلى عنقى ادمة احملها فقال الا تودى زكاتك يا حماس فقال مالى غير هذا اوهب في القرط قال تلك مال ضعها فوضعها بين يديه فحسبها فوجدها قد وجبت الزكوة فيها فاخذ منها الزكوة رواه الشافعي واحمد وان ابى شيبة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور والدارقطني- وعن ابى ذر ان رسول الله ﷺ قال في الإبل صدقتها وفي البقر صدقتها وفي البز صدقته قالها بالزاء المعجمة رواه الدارقطني بثلاثة طرق ضعاف مدار الطريقين على موسى بن عبيدة الزيدي قال احمد لا يحل الرواية عنه وفي الطريق الثالث عبد الله بن معاوية بن عاصم ضعفه النسائي وأنكره البخاري وفيه ابن جريح عن عمر ان ابن أنيس قال البخاري لم يسمع ابن جريح عنه وله طريق رابع رواه الدارقطني والحاكم فى الإبل صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البقر صدقتها وفي البز صدقته ومن رفع دراهم او دنانير لا يعدها لغريم ولا ينفقها في سبيل الله فهو كنز يكون به يوم القيامة وهذا اسناد لا بأس به قال ابن دقيق الذي رايته في نسخة المستدرك البر بضم الباء الموحدة والراء المهملة ثم اختلف
حديث معاذ ورواه ابو داود وغيره من حديث على- وقال مالك والشافعي لا زكوة الا فيما يقتات به كالرطب والعنب والحنطة والشعير والحمص والارز ونحوها لا غير- وقال ابو يوسف ومحمد واحمد يجب فيما يبقى في أيدي الناس مما يكال او يوزن فيجب عندهم في مثل السمسم والشهرانج واللوز والبندق والفستق والزعفران والكمون والقرطم ايضا- احتجوا على نفى الصدقة في الخضروات بحديث معاذ قال فيما سقت السماء والسيل العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر يكون ذلك من التمر
كتب رسول الله ﷺ الى اهل اليمن انما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب وقد روى الزكوة في خمسة الاربعة المذكورة والذرة لكنه ضعيف واه- قلت ولما اجمع العلماء على عدم حصر الزكوة في هذه الاربعة وجب تأويله بحذف المضاف يعنى لا زكوة الا في مثل هذه الاربعة فاعتبر مالك والشافعي المماثلة في الاقتيات في حالة الاختيار والاولى ان يعتبر المماثلة في الكيل او الوزن والادخار لان المقصود في باب الزكوة الغناء الحاصل بالمال لا الاقتيات وكل ما يكال ويؤزن ويدخر يحصل به الغناء فيجب فيه الزكوة- ولا يشترط في زكوة الزرع حولان الحول اجماعا لان اشتراطها للتفمية وهذا انماء كله- ولا يشترط العقل والبلوغ لوجوب العشر عند ابى حنيفة ايضا كما لا يشترطان عند غيره في جميع الأموال وجه الفرق لابى حنيفة ان زكوة الأموال عبادة محضة لا بد فيه من النية واما العشر فهو عبادة فيه معنى المئونة فمن حيث كونه عبادة يشترط فيه الإسلام فيجب على الكافر الخراج دون العشر وكذا إذا اشترى الكافر أرضا عشرية عند الجمهور خلافا لمحمد- ومن حيث كونه مؤنة يجب على الصغير والمجنون ايضا كما يجب عليه نفقة الزوجة ونحوها- واختلفوا في اشتراط النصاب فقال ابو حنيفة لا يشترط فيه النصاب وتجب الصدقة في الخارج وان قل للعمومات المذكورة في الخلافية الاولى وهو المروي عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد وابراهيم النخعي اخرج عبد الرزاق وابن ابى شيبة عن الثلاثة فيما أنبتت من قليل او كثير العشر وزاد في حديث النخعي حتى في عشر وستجات بقل وستجة واخرج ابو يوسف عن ابى حنيفة عن حماد عن ابراهيم نحوه- وقال مالك والشافعي واحمد وابو يوسف ومحمد يشترط فيه النصاب وذلك
ولو كانت المسألة مجمعا عليها لم يختف على ابن عبد العزيز-
ويؤيد مذهب ابى حنيفة ما رواه البيهقي من حديث ابى هريرة مرفوعا قال في الركان الخمس قيل يا رسول الله ما الركاز قال الذهب والفضة التي خلقت في الأرض يوم خلق الله السموات والأرض لكن الحديث ضعيف- والجواب عن حجة الشافعي ان يقال المراد بالزكاة فيما قال الراوي أخذ رسول الله ﷺ الزكوة من المعدن القبلية هو الخمس مجازا الا ترى ان الكنز مع ان الواجب فيه الخمس اجماعا يصرف عند الشافعي مصرف الزكوة ويطلق عليه لفظ الزكوة- قال في المنهاج فقه الشافعي انما يملك الكنز الواجد ويلزمه الزكوة والله اعلم وعلى تقدير التعارض حديث في الركان الخمس أصح وأقوى والله اعلم- وَلا تَيَمَّمُوا اى لا تقصدوا- كان في الأصل تا ان أسقطت إحداهما فقرا ابن كثير برواية البترى بتشديد التاء في الوصل في احدى وثلاثين موضعا في القران برد الساقطة أحدها
(٢) اليابس الفاسد من التمر وقيل الضعيف الذي لا قوى له أصلا نهايه منه نور الله مرقده
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ والوعد يستعمل في الخير والشر لكن إذا لم يكن هناك قرينة يقال في الخير وعدته وفي الشر أوعدته- والفقر سوء الحال وقلة ذات اليد أصله من كسر الفقار- يعنى الشيطان يخوفكم بالفقر إذا تصدقتم وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ اى المعصية وهى منع الزكوة او ما يعم ذلك قال الكلبي كل فحشاء في القران فهو الزنى الا هذا وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ فى الانفاق مَغْفِرَةً مِنْهُ لذنوبكم وَفَضْلًا خلفا أفضل مما أنفقتم في الدارين او في الاخرة وَاللَّهُ واسِعٌ الفضل لمن أنفق عَلِيمٌ (٢٦٨) عن ابى هريرة مرفوعا ما من يوم يصبح العباد فيه الا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الاخر اللهم أعط ممسكا تلفا- متفق عليه وعن اسماء قالت قال رسول الله ﷺ انفقى ولا تحصى فيحصى الله عليك ولا توعى فيوعى الله عليك ارضحى ما استطعت- متفق عليه- وعن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ هم الأخسرون ورب الكعبة قلت ومن هم قال هم الأكثرون أموالا الا من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم- متفق عليه- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار وجاهل سخى أحب الى الله من عابد بخيل- رواه الترمذي- وعنه قال قال رسول الله ﷺ السخا شجرة في الجنة فمن كان سخيا أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله الجنة والشح شجرة في النار فمن كان شحيحا أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله النار... رواه البيهقي وعن عليّ مرفوعا بادروا بالصدقة فان البلاء لا يتخطاها- رواه رزين.
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ اى العلم النافع على ما هو في نفس الأمر الموصل الى رضاء الله تعالى
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ قليلة او كثيرة في سر او علانية في حق او باطل أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ اى ما أوجبتم لله تعالى على أنفسكم من الطاعات بشرط او غير شرط فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ فيجازيكم عليه- الضمير عائد الى ما وَما لِلظَّالِمِينَ الذين
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ اى تظهروها «١» لا على قصد الرياء فَنِعِمَّا هِيَ اى فنعم شيئا ابداؤها- قرا ابن كثير وورش وحفص هنا وفي النساء بكسر النون والعين- وقالون وابو بكر وابو عمرو بكسر النون وإخفاء حركة العين ويجوز إسكانها والباقون بفتح النون وكسر العين وكلها لغات صحيحة وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ مع الإخفاء فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وأفضل من الصدقة العلانية عن ابى امامة قال قال رسول الله ﷺ صدقة السّر تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر- رواه الطبراني بسند حسن- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله امام عادل- وشاب نشأ في عبادة الله- ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود اليه- ورجلان تحابا في الله عز وجل اجتمعا على ذلك وتفرقا- ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه- ورجل دعته امراة ذات حسب وجمال فقال انى أخاف الله تعالى- ورجل تصدق بصدقة فاخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه- متفق عليه وعن ابن مسعود يرفعه قال ثلاثة يحبهم الله رجل قام من الليل يتلو كتاب الله- ورجل تصدق بصدقة بيمينه يخفيها (أراه قال) من شماله ورجل كان في سرية فانهزم أصحابه فاستقبل العدو- رواه الترمذي- وعن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم «٢» الله فاما الذين يحبهم الله فرجل اتى قوما فسالهم بالله لم يسئلهم لقرابة بينه وبينهم فمنعوه فتخلف رجل بأعيانهم فاعطاه سرا لا يعلم عطيته الا الله والذي أعطاه وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤسهم فقام يتملقنى ويتلوا آياتي ورجل كان في سرية فلقى العدو فهزموا فاقبل بصدر حتى يقتل او يفتح له- والثلاثة الذي يبغضهم الشيخ الزاني والفقير المختال والغنى الظلوم- رواه الترمذي والنسائي وَيُكَفِّرُ قرا ابن كثير وابو عمرو وابو بكر بالنون على صيغة المتكلم المعلوم والرفع وقرا حفص وابن عامر بالياء على صيغة الغائب والرفع على انه جملة فعلية مبتدئة او اسمية معطوفة
(٢) فى الأصل يبغضهم
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ فامر بالصدقة على كل انسان من كل دين- وكذا ذكر البغوي قول سعيد بن جبير وروى ابن ابى شيبة مرسلا عن سعيد بن جبير قال قال رسول الله ﷺ لا تصدقوا الأعلى اهل دينكم فانزل الله تعالى لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ الاية فقال عليه الصلاة والسلام تصدقوا على اهل الأديان كلها- يعنى لا يجب عليك ان تجعل الناس مهديين حيث تمنعهم من الصدقة ليدخلوا في الإسلام لحاجة منهم إليهم- وذكر البغوي قول الكلبي في سبب نزوله ان ناسا من المسلمين كانت لهم قرابة واصهار في اليهود وكانوا ينفقونهم قبل ان يسلموا فلما اسلموا كرهوا ان ينفقوهم وارادوهم على ان يسلموا وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي اى يجعل مهديا مَنْ يَشاءُ فان الهداية من الله تعالى وبمشيته وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ من نفقة معروفة او المراد بالخير المال فَلِأَنْفُسِكُمْ يعنى يعود نفعها الى أنفسكم فلا تمنوا به على الفقير ولا تنفقوا الخبيث وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ الواو للحال من فاعل تنفقوا يعنى ما تنفقوا من خير غير منفقين الا ابتغاء وجه الله فهو لا نفسكم- او هو عطف على ما قبله يعنى ليس نفقتكم ايها المؤمنون الا ابتغاء وجه الله فما لكم تمتون بها على الفقير او تنفقون الخبيث فهو اخبار عن حال للمؤمنين يقتضى ذلك الحال ترك المن ونحو ذلك او هو نفى لفظا ونهى معنى يعنى لا تنفقوا الا ابتغاء وجه الله- وهذا يقتضى تحريم الانفاق إذا لم يكن فيه ابتغاء وجه الله فانه
لِلْفُقَراءِ الظرف اما لغو متعلق بقوله ما تُنْفِقُوا يعنى ما تنفقوا من خير للفقراء فهو لانفسكم يؤف إليكم او هو متعلق بفعل محذوف دل عليه ما سبق يعنى اعمدوا للفقراء او اجعلوا ما تنفقونه للفقراء- او هو ظرف مستقر خبر مبتدأ مقدر قبله يعنى صدقاتكم للفقراء او مقدر بعده يعنى للفقراء الذين أحصروا حق عليكم الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فى تحصيل العلوم الظاهرة والباطنة والجهاد لا يَسْتَطِيعُونَ لاشتغالهم بالعلم والجهاد ضَرْباً ذهابا فِي الْأَرْضِ للكسب والتجارة يَحْسَبُهُمُ قرا ابو جعفر وابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين في المضارع على وزن يسمع وقرا الآخرون
(٢) خموش الخدوش نهاية خدوش جمع خدش وخدش الجلد قشره بعود او نحوه نهاية الكدوح الخدش وكل اثر من خدش او عض فهو كدح- نهاية منه رحمه الله
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً يعنى في جميع الأوقات والأحوال كلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا في قضائها ولم يؤخروه ولم يعللوا بوقت ولا حال- اخرج ابن المنذر عن ابن المسيب انها نزلت في عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان في نفقتهم في جيش العسرة- واخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ابى حاتم والطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس قال نزلت في على بن ابى طالب كانت معه اربعة دراهم فانفق باليل درهما وبالنهار درهما وسرا درهما وعلانية درهما- وذكر البغوي عن الضحاك عن ابن عباس قال لما نزلت لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا الاية بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير كثيرة الى اصحاب الصفة وبعث على بن ابى طالب في جوف الليل بوسق من تمر فانزل الله تعالى فيهما عنى بالنهار علانية صدقة عبد الرحمن وبالليل سرا صدقة على- وذكر البغوي انه قال ابو امامة وابو الدرداء ومكحول والأوزاعي انها نزلت في الذين يرتبطون الخيل للجهاد فانها تعتلف ليلا ونهارا سرا وعلانية وكذا اخرج الطبراني وابن ابى حاتم عن يزيد بن عبد الله بن غريب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ ويزيد وأبوه مجهولان- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة وزيدت الالف بعدها تشبيها بواو الجمع لا يَقُومُونَ من قبورهم كذا اخرج عبد الرزاق في تفسيره عن عبد الله بن سلام إِلَّا كَما يَقُومُ اى قياما كقيام الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ يعنى الجن والخبط الضرب الشديد والإفساد- فى القاموس خبط الشيطان فلانا مسّه بأذى كتخبطه او يتخبطه يفسده مِنَ الْمَسِّ اى الجنون او اللمس متعلق بيقوم او بيتخبط اى لا يقومون الا كما يقوم من الجنون الذي مسّه الشيطان بأذى وأفسد عقله او الا كقيام الذي يفسده الشيطان من اللمس يعنى عرضه الجنون وفساد العقل بمس الشيطان وخبطه والمرض والصرع والجنون قد يحصل بمس الشيطان فلا يحتاج ذلك الى ما قيل انه وارد على ما يزعمون ان الشيطان يخبط الإنسان فان حدوث المرض بمس الشيطان ثابت بالكتاب والسنة قال الله تعالى في قصة أيوب عليه السلام ربّ انّى مسّنى الشّيطن بنصب وعذاب وقال رسول الله ﷺ في المستحاضة ركضة من ركضات الشيطان وقيام أكلة الربوا هكذا لاجل ان الله تعالى يربى ما في بطونهم ما أكلوه من الربوا فيكون بطونهم كالبيوت فيها حيات فاثقلهم- عن ابى سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ في قصة الاسراء قال فانطلق بي جبرئيل الى رجال كثيرة كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم متصدين على ساهلة ال فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا قال فيقبلون مثل الإبل المنهومة يخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فاذا أحس بهم اصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون ثم يقوم أحدهم فتميل به بطنه فيصرع فلا يستطيعون ان يبرحوا حتى يغشاهم الى فرعون فيترددونهم مقبلين ومدبرين فذالك عذابهم في البرزخ
فانه نفى داخل على مصدر منكر في زمان منكر من الازمنة المستقبلة والنكرة في حيز النفي تفيد العموم- فمعناه ان تأبيد هذا العذاب مخصوص بالكفار واما من ارتكبه من المؤمنين فقد يلحقه ذلك العذاب الى ان يتداركه شفاعة من نبيه او رحمة من ربه وكلمة لا الله الا الله محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكان الأصل- انما الربوا مثل البيع لكن عكس للمبالغة في نفى تحريم الربوا كانهم جعلوا أصلا في الحل وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ قال فخر الإسلام البيع لغة مبادلة المال بالمال وكذا في الشرع لكن زيد فيه قيد التراضي- والصحيح ان التراضي مأخوذ في المعنى اللغوي ايضا فانه ما لا يكون بالتراضي يطلق عليه في اللغة اسم الغصب دون البيع- والمبادلة بالاختيار والتراضي لا بد فيه من التميز ومن ثم انعقد الإجماع على انه لا يصح بيع المجنون والصبى الذي لا يعقل- واختلفوا في بيع الصبى العاقل فقال مالك والشافعي لا يصح لقصور عقله- وقال ابو حنيفة واحمد يصح لكن يشترط انضمام رأى الولي لدفع ضرر عنه متوقع من قصور عقله وهذا الاشتراط ثابت بالشرع قال الله تعالى فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وقال الله تعالى وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ- وذلك المبادلة إنشاء امر يحصل بالإيجاب والقبول بلفظي ماض نحو بعت واشتريت فان الشرع وضع تلك الألفاظ لذلك الإنشاء- ويقوم المعاطاة مقام الإيجاب والقبول عند ابى حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى وهو رواية عن الشافعي واحمد- وقال الكرخي انما ينعقد بالتعاطى في الخسيس دون النفيس وبه قال احمد والراجح من مذهب الشافعي انه لا ينعقد بالتعاطى- قلنا التعاطي يدل على التراضي كالقول وهو المقصود قال الله تعالى إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ- ويشترط في المباشر من ولاية شرعية كائنة من ملك او وكالة او وصية او قرابة او غير ذلك (مسئلة) واختلفوا في بيع الفضولي فقال ابو حنيفة ومالك الاجازة اللاحقة كالوكالة السابقة فيصح بيعه ويتوقف على اجازة المالك- وكذلك شراء الفضولي عندهما يتوقف على اجازة المشترى له إذا أضاف الفضولي العقد الى المشترى له بان قال بع عبدك لزيد فقال بعت فقال الفضولي اشتريت لزيد- واما إذا لم يضف ينفذ على العاقد وبه قال الشافعي
به قال البيهقي انما ضعفه الشافعي لان قومه غير معروف فهو مرسل كذا قال الخطابي- وروى الكرخي بسند اخر عن شبيب بن عرفدة أخبرنا الحسن عن عروة البارقي فذهب الإرسال واتصل وايضا المرسل عندنا حجة وقد اعتضد بمسند ذكرنا قبله عن ابى لبيد عن عروة- وروى الترمذي من طريق حبيب بن ابى ثابت عن حكيم ابن حزام ان النبي ﷺ دفع اليه دينارا ليشتري أضحية فاشترى شاة ثم باعها بدينارين ثم اشترى شاة بدينار فجاء بالشاة والدينار الى النبي ﷺ فاخبره بذلك فقال النبي ﷺ بارك الله في صفقتك فاما الشاة فضحى بها واما الدينار
(٢) فى الأصل البدلين
موزون يثبت فيه لا فيما ليس بمكيل ولا موزون كالبيض وفي الجديد علة الربوا عنده الطعم مع الجنس فيثبت الربوا في جميع المطعومات من الثمار والفواكه والبقول والادوية- وجه قول مالك والشافعي في كون العلة هو الثمنية والطعم او الاقتيات ان اشتراط التقابض والتماثل في هذه الأموال يشعر بالعزة والخطر كاشتراط الشهادة فى النكاح لاظهار خطر البضع فوجب تعليلها بعلة يوجب العزو في الطعم بل في الاقتيات ذلك لتعلق بقاء النفوس به وفي الثمنية التي بها يتوصل الى جميع المقاصد اولى ان يعتبر العز والخطر ولا اثر للجنسية والكيل والوزن في ذلك فجعلناه شرطا والحكم قد يدور مع الشرط كالرجم مع الإحصان
يدل على ان الرطوبة ليست من اجزاء الاصلية الرطب والمعتبر المساوات في الاجزاء وذا لا يدرك فلا يجوز بيعه متفاضلا ولا متساويا- وقال الحنفية الرطب ان كان من جنس التمر جاز البيع لقوله ﷺ بيعوا مثلا بمثل- وان كان من غير جنسه جاز لقوله ﷺ فبيعوا كيف شئتم- قلنا انه من جنسه لكن لاجل رطوبته وتخلخل اجزائه لا يدرك المماثلة بالكيل فصار كالمجاز؟؟ فة- والعددى المتقارب كالجوز والبيض ايضا من المثليات فالظاهر ان لا يجوز بيع الجوز بالجوز وكذا البيض بالبيض إذا كانا من حيوان واحد لاحتمال التفاضل في الاجزاء الا بالوزن فان الوزن معتبر للتسوية شرعا ويحصل في هذا النوع به التسوية
امة على ان يعتقه او يكاتبه او يستولدها- روى ابن حزم في المحلى والطبراني في الأوسط والحاكم في علوم الحديث والخطابي من طريق محمد بن سليمان الذهلي عن عبد الوارث ابن سعيد قال قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن ابى ليلى وابن شبرمة فسالت أبا حنيفة عن رجل باع بيعا وشرط شرطا قال البيع باطل والشرط باطل- ثم أتيت ابن ابى ليلى فسالته فقال- البيع جائز والشرط باطل- ثم أتيته ابن شبرمة فسالته فقال- البيع جائز والشرط جائز- فقلت سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسئلة واحدة فاتيت أبا حنيفة فاخبرته فقال ما أدرى ما قالا حدثنى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ انه نهى عن بيع وشرط البيع باطل والشرط باطل- ثم أتيت ابن ابى ليلى فاخبرته فقال ما أدرى ما قالا حدثنى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أمرني النبي ﷺ ان اشترى بريرة فاعتقها البيع جائز والشرط باطل- ثم أتيت ابن شبرمة فاخبرته فقال ما أدرى ما قالا حدثنى مسعر عن محارب بن دثار عن جابر قال بعت من النبي ﷺ ناقة وشرط لى حملانها الى المدينة البيع جائز والشرط جائز انتهى فان قيل حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرسل عند كثير من اهل العلم- أجيب بان هذا إذا لم يصرح بمرجع
للبلال اقضه دينه وزده وزاد قيراطا- واحتج ابن الجوزي على جواز البيع والشرط بحديث جابر هذا- وبما روى بسنده عن عائشة عن رسول الله ﷺ قال المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق- وعن انس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ المسلمون على شروطهم ما وافق الحق من ذلك- فلا بد هاهنا من البحث والتأمل حتى يندفع تعارض الأحاديث ويظهر المراد فنقول قوله عليه الصلاة والسلام ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط- لا يعارض قوله ﷺ المسلمون على شروطهم ما وافق الحق من ذلك فان كلا الحديثين يدلان على ان من الشروط ما هو باطل ومنها ما هو صحيح وعليه انعقد الإجماع حيث يجوز في البيع شرط الخيار اجماعا ويبطل شرط ان يكون الولاء للبائع اجماعا فظهر ان حديث سمرة نهى رسول الله ﷺ عن بيع وشرط ليس على عمومه بل المراد منه بعض انواع الشرط فحينئذ لا بد ان يبحث عن الشروط ايها يبطل في نفسها ولا يفسد به البيع ويكون ذلك محملا لقصة بريرة- وايها يبطل بحيث يفسد به البيع فيكون موردا للنهى في حديث سمرة- وايها لا يبطل فيكون محملا لحديث انس وعائشة فنقول اما الذي يبطل في نفسه ولا يفسد به البيع فمنها شرط لا يمكن للمشروط عليه إتيانه مثل شرط ان لا يقع العتق بإعتاق المشترى او ان يكون الولاء للبايع فمثل هذا الشرط باطل لغو وان كان مائة شرط ويعتبر كانه لم يكن فلا يفسد البيع وقصة بريرة من هذا الباب قال الشيخ ابن حجر ليس فيه التصريح بانهم اشترطوا العتق بل انما اشترطوا الولاء لهم- ومنها شرط ليس على مقتضى العقد حتى يصح وليس فيه منفعة لاحد حتى يكون في معنى الربوا كبيع ثوب على ان يلبسه المشترى في الأعياد او دابة على ان يكثر لها العلف فهو لغو لا يفسد البيع به- واما الذي لا يبطل من الشروط ويجب الإتيان بها ويكون محملا لحديث انس وعائشة فمنها ما كان على مقتضى العقد كشرط ان يحبس البائع المبيع الى ان يقبض الثمن فيجوز لانه مؤكد لموجب العقد- ومنها ما ثبت تصحيحه شرعا بما لا مرد له كشرط الاجل في الثمن في البيع المطلق- وفي المثمن في السلم فيجوز ايضا للنص وان كان على
اولا بالتخبط حيث قال لا يقومون الّا كما يقوم الّذى يتخبّطه الشّيطن وثانيا بالخلود في النار حيث قال ومن عاد فاولئك اصحاب النّار هم فيها خلدون وثالثا بالحق حيث قال يمحق الله الرّبوا ورابعا بالكفر حيث قال وذروا ما بقي من الرّبوا ان كنتم مؤمنين وخامسا بالحرب حيث قال فان لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله- وعن عمر بن الخطاب ان اخر ما نزلت اية الربوا وان رسول الله ﷺ قبض ولم يفسره لنا فدعوا الربوا والريبة- فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعنى بلغه بتبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا اى يذهب بركته ويهلك المال الذي يدخل فيه- عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال ما أحد اكثر من الربوا الا كان عاقبة امره الى قلة رواه ابن ماجة وصححه الحاكم وفي رواية له الربوا وان كثر فان عاقبته الى قل وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ اى يضاعف ثوابها ويبارك فيما أخرجت منه- قد مر حديث ابى هريرة مرفوعا ان الله يقبل الصدقة فيربيها كما يربى أحدكم فلوه الحديث- متفق عليه وعنه ان رسول الله ﷺ قال ما نقصت صدقة من مال ومازاد الله بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله الا رفعه- رواه مسلم والترمذي وروى احمد من حديث عبد الرحمن بن عوف بلفظ- ما نقص مال من صدقة- وقد تقدم حديث الملكين النازلين كل يوم يقول أحدهما- اللهم أعط منفقا خلفا الحديث وَاللَّهُ لا يُحِبُّ اى يبغض فان مقتضى القيومية المحبة ولا ينتفى المحبة الا بعارض يوجب البغض وهو الكفر ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- الخلق عيال الله فاحب الخلق الى الله من احسن الى عياله- رواه البيهقي في الشعب عن عبد الله كُلَّ كَفَّارٍ مصر على تحليل المحرمات أَثِيمٍ (٢٧٦) منهمك في الآثام.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسله وبما جاءوا به منه وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ- أتوا بما أمرهم الله على لسان رسله وانتهوا عما نهى عنه ومنه الربوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ خصهما بعد التعميم لاظهار شرفهما
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا اى اتركوا بقايا ما شرطتم على الناس من الربوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) بقلوبكم فامتثلوا بما أمركم الله به فان امتثال الا وامر والنواهي دليل صدق الايمان- واخرج ابن جرير عن عكرمة انها نزلت في ثقيف اربعة اخوة منهم مسعود وعبدياليل وحبيب وربيعة بنوا عمرو بن عمير كذا قال مقاتل وقال البغوي قال السدى نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربوا الى بنى عمرو بن عمير ناس في ثقيف فجاء الإسلام ولهما اموال عظيم في الربوا فانزل الله هذه الاية فقال النبي ﷺ في حجة الوداع في خطبته يوم عرفة- الا كل شيء من امر الجاهلية تحت قدمى موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وان أول دم أضعه من دمائنا دم ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بنى سعد فقتله هزيل وربوا الجاهلية موضوعة وأول ربوا أضعها ربوا عباس بن عبد المطلب فانها موضوعة كلها وروى مسلم في حديث جابر في قصة حجة الوداع في خطبة يوم عرفة هذه العبارة ولم يذكر ذكر نزول الاية فيه- وقال البغوي قال عطاء وعكرمة ان العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان رضى الله عنهما اسلفا في التمر فلما حضر الجذاذ قال لهما صاحب التمر ان أنتما أخذتما حقكما لا يبقى لى ما يكفى عيالى فهل لكما ان تأخذ النصف وتؤخر النصف وأضعف لكما ففعلا فلما حل الاجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا اى لم تذروا ما بقي من الربوا فَأْذَنُوا قرا حمزة وابو بكر فاذنوا بالمد على وزن أمنوا وكسر الذال اى فاعلموا غيركم انكم حرب الله ورسوله- واصله من الاذن اى أوقعوا في الاذان وقرا الآخرون فاذنوا بهمزة ساكنة على وزن المجرد بفتح الذال اى اعلموا أنتم وأيقنوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ تنكير الحرب للتعظيم- قال سعيد بن جبير عن ابن عباس يقال لا كل الربوا يوم القيامة خذ سلاحك للحرب وعن ابن عباس قال- نهى رسول الله ﷺ ان يشترى التمرة حتى يطعم وقال إذا ظهر الربوا في قرية فقد أحلوا بانفسهم عذاب الله رواه الحاكم وقال صحيح الاسناد وعن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من قوم يظهر فيهم الربوا الا أخذوا بالسّنة وما من قوم يظهر فيهم الرشا الا أخذوا بالرّعب رواه احمد وَرَسُولِهِ قال اهل المعاني حرب الله النار وحرب الرسول السيف- ومن ثم قال البيضاوي ذلك يقتضى ان يقاتل المربى بعد الاستتابة حتى يفىء الى امر الله كالباغى- قلت والظاهر انه ان لم يكن له منعه يجب على الامام ان يحبسه حتى يتوب وان كان له منعه لا يقدر الامام على حبسه فهو الباغي يقاتل معه حتى يفىء الى امر الله وهذا هو الحكم فيمن ترك فريضة من الفرائض كالصلوة والزكوة ونحوهما او ارتكب كبيرة من الكبائر وأصر عليها بالإعلان روى رزين عن عمر بن الخطاب في مناقب ابى بكر- انه لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب وقالوا لا نؤدى زكوة فقال ابو بكر لو منعونى عقالا لجاهدتهم عليه فقلت يا خليفة رسول الله تالف الناس وارفق بهم فقال لى أجبّار في الجاهلية وخوار في الإسلام انه قد انقطع الوحى وتم الدين أينقص وأنا حي- وفي الصحيحين من حديث ابى هريرة قال ابو بكر- والله لا قاتلن من فرق بين الصلاة والزكوة فان الزكوة حق المال والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها الى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها قال فعرفت انه الحق وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ بأخذ الزيادة عليها وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) بالمطل والنقصان عن رأس المال- عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال مطلق الغنى ظلم وإذا اتبع على ملئى فليتبع- متفق عليه قال البيضاوي يفهم منه انهم ان لم يتوبوا
وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ كان هاهنا تامة لا يقتضى الخبر يعنى ان وقع غريم ذو عسرة- وقال البغوي لم يأت لها بخبر وذلك جائز في النكرة يقول ان كان رجل صالح فاكرمه- قلت يعنى ان كان ذو عسرة غريما- قرا ابو جعفر عسرة بضم السين والباقون بالإسكان فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ اى فالحكم نظرة او فعليكم نظرة- او فليكن نظرة وهى الامهال قرا نافع بضم السين والباقون بفتحها عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من يسر على معسر «١» يسر الله عليه في الدنيا والاخرة- رواه مسلم في حديث وابن حبان هكذا مختصرا وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ اكثر ثوابا من الانظار- ويحتمل ان يراد بالتصدق هو الانظار لحديث عمران ابن حصين مرفوعا لا يحل دين امر مسلم فيؤخره الا كان له بكل يوم صدقة- رواه احمد يعنى الانظار خير لكم مما تأخذون- والظاهر ان المراد بالتصدق الإبراء وهو خير واكثر ثوابا من الانظار عن ابى هريرة قال اشهد على رسول الله ﷺ لسمعته يقول ان أول الناس يستنظل في ظل الله يوم القيامة لرجل انظر معسرا حتى يجد شيئا او تصدق عليه مما يطلبه يقول مالى عليك صدقة ابتغاء وجه الله ويحرق صحيفته- رواه الطبراني وروى البغوي في شرح السنة بلفظ من نفّس عن غريم او محى عنه كان في ظل العرش يوم القيامة- وعن عثمان بن عفان نحوه- وروى البغوي عن ابى اليسر نحوه وروى الطبراني في الكبير من حديث اسعد بن
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ اى يوم القيامة او يوم الموت فتاهبوا لمصيركم اليه- قرا ابو عمرو ويعقوب بفتح التاء اى تصيرون والآخرون بضم التاء وفتح الجيم على البناء للمفعول اى تردون ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ اى جزاء ما كسبت من خير او شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) بتنقيص ثواب او تضعيف عقاب قال ابن عباس هذه اخر اية نزلت على رسول الله ﷺ فقال له جبرئيل ضعها على رأس مأتى اية وثمانين اية من سورة البقرة كذا قال البغوي وأخرجه الثعلبي من طريق السدى الصغير عن الكلبي عن ابى صالح عنه وعاش رسول الله ﷺ بعد نزولها أحد وعشرين يوما كذا قال البغوي وقيل أحد وثمانين يوما أخرجه الفرياني عن ابن عباس وقيل سبع ليال ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الاول حين زاغت الشمس سنة أحد عشر من الهجرة كذا أخرجه ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير والله اعلم وان الله قد ختم الوحى باية التهديد-.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ اى تعاملتم معاملة يجب فيه دين في ذمة أحد المتعاقدين- وانما قيدنا بقولنا في ذمة أحد المتعاقدين- لانه لا يجوز بيع الكالى بالكالئ بالإجماع مستندا بحديث ابن عمر- نهى رسول الله ﷺ عنه- رواه الدارقطني وهذه الاية يشتمل البيع والسلم والاجارة والقرض بل النكاح والخلع والصلح ايضا بِدَيْنٍ انما ذكره لئلا يتوهم من التداين المجازات وليكون مرجعا لضمير فاكتبوه- وهو نكرة وقع في حيز الشرط فيعم كل دين ثمنا كان او مثمنا مكيلا او موزونا او غيرهما مؤجلا كان او حالا- وبقوله
ابو حنيفة شرطا سابعا وهو تسمية مكان التسليم إذا كان لحمله مؤنة- وقال باقى الائمة مكان التسليم متعين وهو مكان العقد- وايضا زاد ابو حنيفة شرطا ثامنا وهو ان يكون المبيع موجودا من وقت العقد الى محله- وقال الجمهور لا يشترط ذلك بل يكفى وجوده عند محله- وجه قول الجمهور انه لم يرد هذا الشرط من الشرع والأصل العدم والعمومات كافية للاباحة- ووجه قول ابى حنيفة ما رواه ابو داود وابن ماجة واللفظ له عن ابن إسحاق عن رجل نجرانى قلت لعبد الله بن عمر اسلم في نخل قبل ان تطلع قال لا قلت لم قال لان رجلا اسلم في حديقة نخل فى عهد رسول الله ﷺ قبل ان يطلع النخل فلم يطلع النخل شيئا ذلك العام فقال المشترى أؤخرك حتى تطلع وقال البائع انما النخل هذه السنة فاختصما الى رسول الله ﷺ فقال للبائع أخذ من نخلك شيئا قال لا قال بم تستحل ماله اردد اليه ما أخذت منه ولا تسلموا في نخل حتى تبدأ صلاحها واخرج البخاري عن ابى البختري- سالت ابن عمر عن السلم في النخل قال نهى رسول الله ﷺ عن بيع النخل حتى يصلح وعن بيع الورق نسأ بناجز- وسالت ابن عباس عن السلم في النخل قال نهى رسول الله ﷺ عن بيع النخل حتى يؤكل- قلت وذلك الحديث فيه رجل نجرانى مجهول وابن إسحاق مختلف فيه والآثار لا يصلح حجة لكن قول ابى حنيفة أحوط في
وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه- قال ابن الجوزي قال ابو ذرعة عبد الملك الذمارى منكر الحديث- وقال الرازي ليس بالقوى ووثقه العلاس واما إسحاق بن ابراهيم فمجهول- قلت لعل الحاكم عرف إسحاق حتى حكم بصحة الحديث والظاهر ان الحديث حسن قال ابن همام تضعيف ابن معين ابن حوتا فيه نظر بعد تعدد ما ذكر من الطرق الصحيحة والحسان مما هو بمعناه يرفعه الى الحجية بمعناه- وفي الباب اثر ابن مسعود رواه ابو حنيفة عن حماد بن ابى سليمان عن ابراهيم قال دفع عبد الله بن مسعود الى زيد بن خويلة البكري مالا مضاربة فاسلم زيد الى عريس بن عرقوب الشيباني فى قلائص فلما حلت أخذ بعضها وبقي بعض فاعسر عريس وبلغه ان المال لعبد الله فاتاه يسترفقه فقال عبد الله افعل زيد فقال نعم فارسل اليه يسئله فقال عبد الله اردد ما أخذت وخذ رأس مالك ولا تسلمن ما لنا في شيء من الحيوان- قال صاحب التنقيح فيه انقطاع يعنى بين ابراهيم وعبد الله فانه انما يروى بواسطة علقمة او الأسود- قال ابن همام هذا غير قادح عندنا خصوصا فى إرسال ابراهيم النخعي- قلت لو صح هذا الحديث انه ﷺ نهى عن السلف في الحيوان لكان سندا لابى حنيفة في خلافية اخرى وهو انه لا يجوز قرض الحيوان عنده خلافا لمالك والشافعي واحمد احتجوا على جواز فرض الحيوان بحديث ابى رافع ان النبي ﷺ استسلف من رجل بكرا فاتاه ابل من ابل الصدقة فقال أعطوه فقالوا لا نجد الا رباعيا خيارا قال أعطوه فان خير الناس أحسنهم قضاء رواه مسلم وحديث ابى هريرة- كان لرجل على رسول الله ﷺ حقّا فاغلظ له فهم له أصحابه فقال دعوه فان لصاحب الحق مقالا فقال لهم اشتروا سنّا فاعطوه إياه فقالوا انا لا نجد سنّا الا خيرا من سنه قال اشتروه وأعطوه فان خيركم أحسنكم قضاء- متفق عليه وجه قول ابى حنيفة في عدم جواز القرض فى الحيوان انه لا ينضبط فلا يجوز قرضه كما لا يجوز جعله ثمنا في البيع نسية والسلم فيه- وهذا التعليل في مقابلة الحديثين الصحيحين غير مقبول ما لم يصح حديث النهى عن السلف في الحيوان فان السلف يعم السلم والقرض فان صح حديث ابن عباس يجب تقديم المحرم
فمن ادى القرض بمثله كان كمن دفع المأخوذ بعينه ولاجل ذلك لا يلزم الاجل في القرض كما لا يلزم في العادية فان للمعير استرداد ماله من المستعير متى شاء فكلما يمكن فيه ذلك التوجيه قلنا بجواز الاقراض فيه ومالا فلا- وإذا تمهد هذا فنقول لا يتصور الاقراض الا في الدراهم والدنانير وما كان مثليا ينتفع به بالاستهلاك كالطعام واما ما كان باقيا بعد الانتفاع به كالثوب والدابة والعبد والامة والدار ونحو ذلك فلا يتصور ذلك التوجيه فيه إذ مع بقاء عين المدفوع الى المستقرض
- او لا يأب ان ينفع غيره بكتابته كما نفعه الله بتعليمها كقوله تعالى أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ- فَلْيَكْتُبْ تلك الكتابة المعلمة- امر بها بعد النهى عن الإباء بها تأكيدا- ويجوز ان يكون كما علّمه متعلقا به فيكون الأمر بالكتابة مطلقا في ضمن النهى عن الإباء عنها ثم الأمر بها مقيدة- واختلفوا في وجوب الكتابة على الكاتب وتحمل الشهادة على الشاهد- فقال مجاهد بوجوبها إذا طولب- وقال الحسن بوجوبها إذا تعين نهما يعنى واجب على الكفاية وقال الضحاك- كانت واجبة على الكاتب والشاهد فنسخها قوله تعالى وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وفيه ما ذكرنا فيما قبل وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ- والإملال والاملاء لغتان فصيحتان بمعنى واحد- يعنى ليكن الممل «١» على الكاتب المديون لان إقراره حجة عليه بخلاف الدائن فان قوله لا يعتد به ما لم يقربه المديون او يحكم به الحاكم بعد ثبوت شرعى وَلْيَتَّقِ المملل او الكاتب اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ
اى لا ينقص من الحق الذي عليه او مما املى عليه المديون شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً ناقص العقل مبذرا ويدخل فيه المجنون والمعتوه أَوْ ضَعِيفاً اى صغيرا او شيخا كبيرا اختل عقله وقيل هو ضعيف العقل «٢» لصغر أو عته او جنون أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ لخرس اوعى او جهل باللغة او حبس او مرض
(٢) فى الأصل ضعيف عقل-
فليستشهد رجل وامرأتان- واشتراط عدم تيسر رجلين للاستشهاد بالمرأتين مع الرجل يشعر كونهما بدلا من الرجل وان الأصل عدم الاستشهاد بهن فلشبهة البدلية لا يجوز شهادة النساء فيما يندرىء بالشبهات من الحدود والقصاص اجماعا- ويؤيده ما روى ابن ابى شيبة حدثنا حفص عن حجاج عن الزهري قال مضت السنة من رسول الله ﷺ والخليفتين بعده انه لا يجوز شهادة النساء في الحدود والدماء انتهى- وهذا مرسل والمرسل عندنا حجة وتخصيص
(٢) فى الأصل وهذين الحديثين
عن ابى هريرة ونقل عن أحمد أن حديث الأعرج ليس في الباب أصح منه وروى الطحاوي عن سهيل بن ابى صالح عن أبيه عن زيد بن ثابت نحوه- وقال الطحاوي- منكر لان أبا صالح لا يعرف وله رواية عن زيد وفيه عثمان بن الحكم شيخ عبد الله بن وهب ليس بالذي يثبت مثل هذا بروايته- قلت قال الذهبي عثمان بن الحكم الجرامى شيخ لابن وهب قال ابو حاتم ليس بالمتين- قال ابو حنيفة- هذا الحديث لو صح فهو حديث احاد لا يجوز به الزيادة على الكتاب مع انه معارض بما هو أقوى منه روى الشيخان في الصحيحين عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ قال لو ان الناس اعطوا بدعواهم لادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه- ورواه البيهقي بلفظ ولكن البيّنة على المدعى واليمين على من أنكر- وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه- رواه الدارقطني والترمذي- وحديث وائل بن حجر ان رسول الله ﷺ قال للمدعى بينتك فقال ليس لى بينة قال يمينه قال إذا يذهب بها يعنى بالأرض قال ليس الا ذلك- رواه الطحاوي بطرق- وجه التعارض ان النبي ﷺ جعل جنس اليمين على المدعى عليه وليس سوى الجنس شىء يرد على المدعى- وايضا القسمة بين المدعى والمدعى عليه بالبينة واليمين ينافى الشركة قال الطحاوي وما رويتم انه ﷺ قضى بالشاهد واليمين يحتمل ان يكون مراده كما ذكرتم من يمين المدعى مع شاهد واحد ليحكم له ويجوز ان أريد به يمين المدعى عليه يعنى لما يقم المدعى على دعواه الا شاهدا واحدا فلم يعتد به
وجيها ذا مروة يغلب على الظن انه لا يكذب في الشهادة او دلت القرائن على صدقه يقبل شهادته- واختار المتأخرون تحليف الشهود مقام التزكية- فان قيل هذا تعليل فى مقابلة النص فلا يقبل- قلنا بل هو مقتضى النص فان قوله تعالى وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ... -
مِمَّنْ تَرْضَوْنَ يقتضى كون الشهداء من رجال كل قرن مرضيين منهم وكيف يمكن في قرتنا هذا ان تستشهد مثل ابى حنيفة إذ لا يوجد عادل في هذا القرن وقد قال رسول الله ﷺ لاصحابه انكم في زمان من ترك منكم عشر ما امر به هلك ثم يأتى زمان من عمل منهم عشر ما امر به نجا- رواه الترمذي عن ابى هريرة- وتأويل هذا الحديث ان الله سبحانه يغفر ذنوب رجال يريدون الله والدار الاخرة في الازمنة الفاسدة اكثر مما يغفر ذنوب رجال صالحين من القرون الصالحة وان كان ذنوبهم اكثر من ذنوب أولئك لان المعاصي صارت مباحة في هذه القرون ومثل الفريقين كمثل العسكرين عسكر يجاهدون كلهم كمال المجاهدة وعسكر في أكثرهم وصبر بعضهم نوع صبر ولم يفروا فالسلطان يعطى هؤلاء الصابرين اكثر مما يعطى أولئك المجاهدين والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ويغفر لمن يشاء الكبائر ويعذب من يشاء على الصغائر مِنَ الشُّهَداءِ كلمة من للتبعيض فهو يدل على ان الفاسق ايضا اهل للشهادة فان قبل القاضي
ففرض كفاية ولو سلمنا فهو مندوب ولا يجوز أخذ الاجرة على العبادة عندنا وقد قال رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في النار رواه الطبراني في الصغير عن ابن عمر بإسناد حسن- وَلا تَسْئَمُوا اى لا تملوا من كثرة مدايناتكم أَنْ تَكْتُبُوهُ اى الدين او الحق او الكتاب صَغِيراً كان الحق أَوْ كَبِيراً مضافا إِلى أَجَلِهِ اى وقت حلوله ذلِكُمْ اشارة الى ان تكتبوه أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ اى اكثر عدلا وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ اى اثبت لاداء الشهادة وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا اى اقرب ان لا تشكوا عند الشهادة في جنس الدين او قدره او اجله او نحو ذلك وهما مبيّنان لاقسط- او يكون المعنى ذلك اى الكتابة اقسط عند الله في حق من له ومن عليه الحق فلا ينسى ما له وما عليه فلا يدعى المدعى الزيادة ويقربه المدعى عليه وأقوم في حق الشاهد للشهادة فلا يزيد ولا ينقص فى الشهادة وقت الأداء وأدنى ان لا ترتابوا ايها الخصماء والشهداء- قيل فائدة الكتابة في الشاهد ليس الا ان يتذكر الوقعة التي شهدها ولا يجوز للشاهدان راى خطه ان يشهد الا ان يتذكر شهادته كذا ذكر في القدورى وغيره وقال صاحب الهداية هذا قول ابى حنيفة وعندهما يحل له الشهادة إذا راى خطه وان لم يتذكر وقيل هذا يعنى عدم جواز الشهادة بالاتفاق- وانما الخلاف فيما إذا وجد القاضي شهادته في ديوانه وهو تحت ختمه يؤمن عليه من الزيادة والنقصان هل يجوز للقاضى العمل عليه- ولا كذلك الشهادة فى الصك إذا كان في يد المدعى لانه لا يؤمن من التغير والخط يشبه الخط وهذا يدل على انه ان كان المكتوب عند الشاهد بحيث لا يحتمل التغير يجوز للشاهد ان يشهد عليه وان لم يتذكر عند ابى يوسف ومحمد وقال ابو حنيفة لا يجوز وجه قول الصاحبين ان المكتوب إذا كان مامونا من التغير فهو كالمتذكر الا ترى ان الصحابة والتابعين كانوا يعملون على كتب النبي ﷺ وخلفائه كما كانوا يعملون على خطاباته- وقد مرقصة عبد الله بن جحش وكتابه في تفسير قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ- ووجه قول ابى حنيفة ان الشهادة مبنىّ على المشاهدة ومن ثم يشترط لفظ الشهادة
رسول الله فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين- قلت وعندى ان النبي ﷺ انما حكم كذلك لعلمه بانه قد بايع وان الاعرابى كاذب في إنكاره لا بشهادة خزيمة وحده وانما جعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين لما راى قوة إيمانه ولمال عقله ودرايته- ويستنبط من هذا الحديث ان القاضي لو كان عالما بالحق يسعه الحكم على وفق علمه لان علمه فوق ما يحصل من الظن بشهادة رجلين- كما ان أبا بكر حكم على فاطمة بمنع الإرث بحديث سمعه من النبي ﷺ نحن معاشر الأنبياء لا نورث- وان السلطان او القاضي او غيرهما لو ابتاع من غيره شيئا او كان له حقّ «٣» على الغير وهو يعلم ذلك يقينا وسعه ان يأخذ من ذلك الغير حقه جبرا وان كان ذلك الغير
(٢) فى الأصل فطق
(٣) فى الأصل حقا
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
(٢٨٢) كرر لفظ الله في الجمل الثلاث لاستقلالها فان الاولى حث على التقوى والثانية وعد بانعامه والثالثة تعظيم لشأنه-.
وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ اى مسافرين وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ قرأ ابن كثير وابو عمرو بضم الراء والهاء والباقون فرهان بكسر الراء والف بعد الهاء- ورهن جمع رهن بفتح الراء وسكون الهاء مثل بغل وبغال- ورهن بالضمتين جمع رهان جمع الجمع كذا قال الفراء والكسائي وقال ابو عبيد وغيره رهن بالضمتين جمع رهن بالفتح والسكون ايضا على وزن يسقف وسقف- والرهن لغة حبس الشيء قال الله تعالى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ- وفي الشرع جعل اسما لما يحبس بحق يمكن استيفاؤه منه- ولما كان الحبس هو معناه اللغوي والمعنى اللغوي يكون معتبرا في المعنى الشرعي فهو عقد لازم لا يجوز للراهن استرداده من المرتهن ما بقي عليه درهم- وقوله تعالى فرهن خبر مبتدأ محذوف او فاعل فعل محذوف مبنى للمفعول اى فالذى يستوثق به رهن او فليؤخذ رهن او فعليكم رهان- والأمر ليس للايجاب اجماعا بل للارشاد والشرط خرج مخرج العادة على الأعم الا غلب فليس مفهوم معتبرا عند القائلين بالمفهوم ايضا حيث يجوز الرهن في الحضر ومع وجود الكاتب اجماعا وقال مجاهد وداود لا يجوز الا في السفر عند عدم الكاتب- لنا حديث عائشة رواه الائمة الستة وحديث انس رواه البخاري ان النبي ﷺ رهن درعه بالمدينة من يهودى بعشرين صاعا من شعير اخذه لاهله ومات عليه السلام وكان درعه مرهونا عنده مَقْبُوضَةٌ لاجل هذا القيد قال ابو حنيفة والشافعي واحمد لا يجوز الرهن اى لا يلزم بدون القبض- وقال مالك يلزم بنفس العقد ويجبر الراهن على التسليم لنا ان مشروعيته ولزومه ثبت بنص القران مقبوضة وكان
المرتهن فقط ولا يتعلق به حق سائر غرماء الراهن لانه كان مالكا يدا من الابتداء ومستحقا لملك الرقبة وكان يده يد استيفاء (مسئلة) وان هلك الرهن في يد المرتهن من غير تعد كان مضمونا عند ابى حنيفة ومالك لانه كان مالكا يدا ويده كان يد استيفاء وبالهلاك تقرر الاستيفاء فلو وجب على الراهن أداء الدين ثانيا لزم الربوا- فقال مالك- يضمن بالقيمة لوقوع الاستيفاء به وقال ابو حنيفة- بالأقل من الدين والقيمة والفضل امانة- كذا روى الطحاوي عن عمر رضى الله عنه- وعند شريح والحسن والشعبي مضمون بالدين وقال الشافعي واحمد أمانته فى يد المرتهن لا يضمن الا بالتعدي لقوله ﷺ لا يعلق الرهن من صاحبه الذي رهنه الرهن لمن رهن له غنمه وعليه غرمه- رواه ابن حبان في صحيحه والدارقطني والحاكم من طريق زياد
مبالغات- وقد مر في الحديث اية المنافق ثلث وذكر فيه إذا اؤتمن خان وَلا تَكْتُمُوا ايها الشهداء الشَّهادَةَ على المديونين إذا ما خانوا ولم يؤدوا ما أمن بعضكم بعضا وأنكروا الحق الذي عليهم- ويحتمل ان يكون المراد لا تكتموا ايها المديونين الشهادة بالحقوق الذي عليكم اى أقروا على أنفسكم وَمَنْ يَكْتُمْها اى الشهادة بالحق فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ مرفوع بالفاعلية او الابتداء اى يأثم قلبه او قلبه اثم- والجملة خبران وأسند الإثم الى القلب لان الكتمان فعل القلب ففى الاسناد اليه تأكيد ومبالغة كما يقال رايته بعيني وسمعته بأذنى وحفظته بقلبي او لانه رئيس الأعضاء وأفعاله أعظم قال رسول الله ﷺ ان في جسد بنى آدم لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله الا وهى القلب- متفق عليه عن النعمان بن بشير قيل أراد به مسخ القلب نعوذ بالله منها وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الشهادة والكتمان عَلِيمٌ (٢٨٣) تهديد وهذه الاية دليل على ان كتمان الشهادة حرام وأداؤها فريضة وان لم يسئله المشهود له- وإذا كان المشهود له لا يعلم بشهادة الشاهد يجب على الشاهد ان يعلّمه بانه شاهد- وقال قوم الشهادة من قبل ان يستشهد مذموم لحديث عمران بن حصين قال قال رسول الله ﷺ خير أمتي قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم ان بعدهم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن- وفي رواية ويحلفون ولا يستحلفون- متفق عليه- وعن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- أكرموا أصحابي فانهم خياركم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يظهر الكذب حتى ان الرجل ليحلف ولا يستحلف ويشهد ولا يستشهد رواه النسائي واسناده صحيح وفي الباب حديث ابى هريرة نحوه وحديث ابن مسعود بلفظ يسبق شهادتهم ايمانهم وايمانهم شهادتهم- روى الطحاوي الحديثين بطرق- قلنا المراد بهذه الشهادة المذمومة الشهادة على الكذب بقرينة قوله ثم يفشوا الكذب وقوله ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون- وقد روى الطحاوي بسنده من طريق مالك عن زيد بن خالد الجهني ان رسول الله صلى الله عليه وسلم
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا وملكا قيل فيه دليل على ان كل ما سواه تعالى متحيز ولا شىء من الممكنات مجردا والا لكان بيان خالقيته ومالكيته قاصرا لان الأهم اثبات مالكية المجردات وهذا ليس بشىء بل التحقيق ان من الممكنات مجردات وهى أرواح البشر والملائكة وغيرهم وقد انكشف على ارباب القلوب من المجردات القلب والروح والسر والخفي والأخفى والله تعالى اعلم بخلقه ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وانما اقتصر هاهنا على ذكر ما في السموات وما في الأرض بناء على قصر نظر العوام عليها وذكرها كاف للاستدلال على الصانع جلت قدرته- ولان الاستدلال لا يتصور الا بامور مشهودة معلومة للعوام لا بامور مختفية على الخواص ومن ثم لم يذكر هاهنا العرش والكرسي مع انهما ليسا في السموات والأرض والله اعلم- وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ من الرذائل كالنفاق والرياء والعصبية «١» وحب الدنيا والغضب والكبر والعجب والأمل والحرص وترك التوكل والصبر والحسد والحقد ونحو ذلك مما هو من افعال القلوب والنفوس- عن جبير بن مطعم قال قال رسول الله ﷺ ليس منا من دعا على عصبيته وليس منا من مات على عصبيته رواه ابو داؤد وعن حارثة بن وهب قال قال رسول الله ﷺ الا أخبركم باهل الجنة كل ضعيف متضعّف لو اقسم على الله لابره الا أخبركم باهل النار كل عتلّ «٢» جوّاظ «٣» مستكبر- متفق عليه- وفي رواية لمسلم كل جواظ زنيم «٤» متكبر- وعن الحسن مرسلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- حب الدنيا رأس كل خطيئة- رواه البيهقي في شعب الايمان عن انس قال قال رسول الله ﷺ حب ابى بكر وعمر ايمان وبغضهما نفاق- رواه ابن عدى- وعن جابر مرفوعا حب ابى بكر وعمر من الايمان وبغضهما كفر وحب الأنصار من الايمان وبغضهم كفر وحب العرب من الايمان وبغضهم «٥» كفر ومن سب أصحابي فعليه لعنة الله ومن حفظنى فيهم فانا احفظه يوم القيامة- رواه ابن عساكر وعن النبي ﷺ قال- حب علىّ عبادة «٦» وعن علىّ قال والذي فلق الحبة وبرىء النسمة لعهد النبي الأمي ﷺ الى ان لا يحبنى الا مؤمن ولا يبغضنى الا منافق رواه مسلم وعنه قال قال رسول الله ﷺ فيك مثل من عيسى «٧» أبغضته اليهود حتى بهتوا امه وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليست له- ثم قال يهلك فيّ رجلان محب مفرط يفرطنى بما ليس في ومبغض يحمله شتانى على ان يبهتنى- رواه احمد وعن ابى هريرة مرفوعا
(٢) عتل الشديد الجافي الفظ الغليظ من الناس- منه رح
(٣) الجواظ الجموع المنوع وقيل الكثير اللحم المختال- منه رح
(٤) الزنيم الملحق بالقوم ليس منهم- منه رح
(٥) فى الأصل وبعضهم
(٦) هكذا بياض في الأصل- ابو محمد [.....]
(٧) وفي الأصل مثل عيسى
يقول وعدنى ربى ان يدخل الجنة من أمتي سبعين الفا لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل الف سبعون الفا وثلاث حثيات «١» من حثيات ربى- رواه احمد والترمذي وابن ماجة- وعن اسماء بنت يزيد عن رسول الله ﷺ قال يحشر الناس في صعيد واحد يوم القيامة فينادى مناد فيقول اين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يؤمر سائر الناس الى الحساب- رواه البيهقي- وعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ يدخل الجنة من أمتي سبعون الفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكّلون- متفق عليه وعنه كذلك في حديث طويل قلت والذي يظهر من سياق الكتاب والسنة ان هؤلاء الذين لا يحاسبون هم الصوفية العلية المتعشقة فان الله سبحانه علق الحساب برذائل النفس حيث قال وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ- وذكر ابدائها واخفائها للتسوية كما في قوله تعالى اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ- وانما علقه برذائل النفس دون اعمال الجوارح مع ان الحساب ليس مختصا بها لانها أشد واغلظ من اعمال الجوارح ولانه منشأ للمعاصى القالبية غالبا وبعد تزكية النفس
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ قلت لعل الصحابة حين نزلت وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ الاية فهموا منه ان الله يحاسب على خطرات الأنفس- او انهم بناء على هضم أنفسهم اتهموا أنفسهم بالرذائل فاشتد ذلك عليهم فعلمهم النبي ﷺ طريقة التسليم والرضاء والتوكل التي هى صفات النفوس المطمئنة الكريمات- وانزل الله تعالى لرفع ظنهم عن محاسبة الخطرات وتسلّيتهم بالشهادة على صدق ايمانهم وصحة نياتهم وتزكية نفوسهم وتصفية قلوبهم فان زوال رذائل النفس مقتضى الايمان- والايمان الحقيقي الكامل لا يكون الا بعد فناء النفس وزوال رذائلها والمطلق ينصرف الى الكامل- والمراد بالمؤمنين المؤمنون الموجودون في ذلك الزمان وهم الصحابة رضى الله عنهم كما في قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والتحق بهم من كان ايمانهم كايمانهم من اهل السنة والجماعة قال رسول الله ﷺ ان بنى إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة- قالوا من هى يا رسول الله قال ما انا عليه وأصحابي رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو كُلٌّ التنوين فيه عوض عن المضاف اليه اى كل واحد منهم- قال البيضاوي لا يخلو من ان يعطف المؤمنون على الرسول فيكون الضمير الذي ينوب عنه التنوين راجعا الى الرسول والمؤمنين او يجعل المؤمنون مبتدأ فيكون الضمير للمؤمنين وباعتباره يصح وقوع كل مع خبره خبر مبتدأ- ويكون افراد الرسول بالحكم اما لتعظيمه أو لأن إيمانه عن مشاهدة وعيان وايمانهم عن نظر واستدلال آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ قرأ حمزة والكسائي وكتابه على الافراد يعنى القران والايمان به يتضمن الايمان بجميع الكتب او المراد بالكتاب الجنس والفرق بينه وبين الجمع انه شائع في وحدان الجنس والجمع في جموعه ولذلك قيل الكتاب اكثر من الكتب وَرُسُلِهِ وقالوا او قائلين لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ اى في الايمان بهم كما فرق اليهود فقالوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض- وأحد نكرة فى سياق النفي فعمت كلهم ولذلك دخل عليه بين- وقرأ يعقوب لا يفرّق على الغيبة والضمير راجع
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها اى ما يسعه قدرتها وذلك فيما يبتنى من الاحكام على القدرة الممكّنة- او ما دون مدى قدرتها وذلك فيما يبتنى من الاحكام على القدرة الميسرة كالزكوة على نمو المال وحولان الحول وغير ذلك- وهذا يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال ولا يدل على امتناعه- والمراد بالقدرة هاهنا هى القدرة الموهومة الموجودة قبل الفعل من سلامة الأسباب والآلات بعد اقامة الدلائل والبراهين على الأوامر والاحكام من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة- لا القدرة الحقيقية التي لا توجد الا مع الفعل- ولهذا يتوجه الخطاب والعذاب الى قوم نوح وفرعون وابى جهل وأشباههم الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة واخبر عنهم بانهم لا يؤمنون قال الله تعالى لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ- ومشية الله تعالى غير مقدور للبشر فكذا مشيته التي علقت بمشيت الله تعالى- وهذا سر من اسرار الله تعالى يجب الايمان به والسكوت عنه وترك البحث فيه فانه مزلة الاقدام قال ابو هريرة فيما روى عنه الشيخان وغيرهما ان الصحابة لما اشتد عليهم نزول قوله تعالى إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ الاية وقالوا يعنى بتعليم النبي ﷺ سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ انزل الله تعالى هذه الاية فنسخ بهذا ذلك قلت وقول ابى هريرة فنسخ بهذا ذلك مبنى على التجوز فان حقيقة النسخ هو رفع حكم شرعى بعد ثبوته وذا لا يتصور الا في الاحكام دون الاخبار- وذلك اخبار بالمؤاخذة على افعال القلوب- وهذا اخبار بعدم وقوع التكليف فوق الطاقة فلا يحتمل النسخ غير ان هذه الاية لما كان مزيلا لظنهم بالمؤاخذة على حديث النفس وموجبا لتسليتهم عبر ابو هريرة بالنسخ مجازا
وعن النعمان بن بشير ان رسول الله ﷺ قال
بتصحيح: مولانا غلام نبى تونسوى الراجي الى مغفرة ربه القوى ١٤١٢ هـ ١٩٩١ م.
فهرس للتفسير المظهرى من الفاتحة الى اخر البقرة
المضمون/ الصفحة
فاتحة الكتاب
٢ حديث هى أم القران وفاتحة الكتاب والسبع المثاني- ٢ حديث انها أنزلت من كنز تحت العرش- ٢ البسملة- ٢ ما ورد فيه- ٣ الحمد- ٤ الإدغام الكبير- ٤ الروم والإشمام في نستعين- ٨ مسئلة اختلاف القراء في حركة هاء عليهم ٩ إليهم- لديهم- بهم الأسباب ونحوها- إشباع ضمير الجمع- ٩ حديث المغضوب عليهم اليهود ١٠ والضّالّين النصارى- ما ورد في أمين- ١٠ فصل في فضائل الفاتحة- ١١.
سورة البقرة
١٢ الم تحقيق المقطعات على الرواية والكشف ١٢ فيه مسئلة إشباع هاء ضمير الغائب- ١٧ ذكر المتقين- ١٨ ما ورد في التقوى وصلاح القلب اى فناء القلب- ١٨ حديث الحلال بين إلخ- ١٨ حديث ان في الجسد مضغة إلخ- ١٨ يؤمنون- ١٨ مسئلة همزة مفردة ساكنة- ١٨ مسئلة الايمان التصديق بالقلب واللسان ١٩ جميعا بما جاء به النبي ولا يعتبر التصديق بالقلب بدون اللسان الا في حالة الإكراه ولا يعتبر التصديق باللسان بدون القلب أصلا- مسئلة الأعمال غير داخلة في الايمان- ١٩ المضمون/ الصفحة حديث جبرئيل في الإسلام والايمان والإحسان- ١٩ حديث ثلاثة لهم أجران رجل من اهل الكتاب إلخ ٢١ مسئلة مد منفصل ومتصل ولازم ٢١ وبالاخرة- ٢١ مسئلة نقل الحركة من الهمزة المفردة وحذفها ٢١ والسكتة قبلها- مسئلة يمدورش مدا قصيرا ومتوسطا وطويلا على ٢١ كل مدة وقع بعد همزة ثابتة او محذوفة او مبدلة- ذكر الّذين كفروا- ٢٢ ءانذرتهم- ٢٢ مسئلة الهمزتين المتحركتين في أول الكلمة ٢٣ ختم الله على قلوبهم- ٢٣ مسئلة خلق العلم بعد استعمال الحراس وكذا بعد ٢٣ ترتيب المقدمتين امر عادى- حديث ان القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن- ٢٣ حديث ان المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء- ٢٤ مسئلة الامالة وفتح أبصارهم وكل الف بعدها راء ٢٤ ذكر المنافقين- ٢٥ مسئلة امالة الف النّاس في موضع الجر- ٢٥ مسئلة امالة زاد- جاء- شاء- ران- خاف- ٢٦ خاب- طاب حاق- زاغ- (وضاق ابو محمد) مسئلة إشمام قيل- غيض- جىء- حيل- سيق ٢٦ سيئت- سىء- مسئلة الهمزتين المتحركتين اجتمعتا من كلمتين و ٢٧ حركتهما مختلفة مسئلة حذف الهمزة للفردة المضمومة قبل الواو ٢٨ بعد الكسر نحو مستهزءون حديث المستهزئ بالناس يفتح له باب الى الجنة ٢٨ فاذا اتى اغلق-
لم يشكر الناس لم يشكر الله- ٥٦ حديث خلقت الملائكة من نور إلخ- ٥٦ قصة اسكان آدم الجنة وإخراجه- ٥٧ حديث قتل الحيات- ٥٨
كيف- ١١٧ حديث قدسى كذبنى ابن آدم وشتمنى إلخ- ١١٧ حديث أفضل الصلاة طول القنوت- ١١٨ مسئلة كن فيكون بالنصب يدل على كون في ١١٩ الأعيان الثابتة وكون في الخارج بوجود ظلى وعلى التوحيد الشهودى دون الوجودي- حديث ليت شعرى ما فعل أبواي- ١٢٠ مسئلة ايمان اباء النبي صلّى الله عليه وسلم وما ورد فيه ١٢٠ مسئلة امامة الفاسق- ١٢٤ حديث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق- ١٢٤ حديث اسمعوا وأطيعوا ولو كان عبدا حبشيا ١٢٤ مسئلة ادغام ذال إذ في أحرف ٦ ١٢٤ حديث ان هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات إلخ ١٢٥ مسئلة الركعتان بعد الطواف هل هى واجبة ١٢٦ ومكان أدائها وما ورد فيها- حديث انما الأعمال بالنيات- ١٢٦ قصة اسكان ابراهيم إسماعيل وهاجر بمكة و ١٢٧ وتزويج إسماعيل وبناء البيت ومقام ابراهيم- حديث الركن والمقام ياقوتتان إلخ- ١٢٨ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً ١٢٨ آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ- حديث لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة إلخ ١٢٩ حديث الدنيا ملعونة إلخ ١٢٩ قصة بناء البيت وأول امره ١٣٠ حديث المسلم من سلم المسلمون إلخ- ١٣١ حديث انى عند الله مكتوب خاتم النبيين وآدم ١٣١ بدل في طينة وساخبركم باول امرى ودعوة ابراهيم إلخ- سفه نفسه- تفسيره من عرف نفسه فقد عرف ربه- ١٣٢ كمال الصلاح العصمة- ١٣٣ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ- ١٣٣ قال له جبرئيل لما رمى في النار هل لك حاجة قال لما إليك فلا- ١٣٣ حديث عم الرجل صنو أبيه- ١٣٤ حديث ردوا على ابى يعنى العباس- ١٣٤ حديث انا اولى الناس بعيسى- الأنبياء اخوة ١٣٦ من علات ومعناه إلخ-
انما وليي الله ١٧٥ وصالحوا المؤمنين ولكن لهم رحم ابلها- ١٧٥ حديث ليس الواصل بالمكافئ- ١٧٥ حديث انا وكافل اليتيم كهاتين- ١٧٥ حديث من كان يؤمن بالله فليكرم ضيفه- ١٧٦ ما ورد في حق السائل- ١٧٦ حديث ان في المال حقا سوى الزكوة إلخ- ١٧٦
لا الله الا الله إلخ- ٢١٣ مسئلة لا فرق بين الوثني والكتابي- ٢١٤ حديث لا تقتله يعنى الكافر بعد قول لا الله الا الله ٢١٤ فان قتلته فانه بمنزلتك قبل ان تقتله وأنت بمنزلته إلخ- مسئلة يجوز القتال في الحرم والشهر الحرام ٢١٥ والإحرام ان كان البداية في القتال من الكفار- حديث من مات ولم يغزو لم يحدث نفسه بالغزوة إلخ ٢١٥ ما ورد في وجوب الحج وما ورد في وجوب العمرة وكونها سنة- ٢١٧ هل يجوز فسخ الحج بالعمرة أم نسخت هذه المتعة ايضا- ٢١٨ مسئلة الإحصار عن الحج او العمرة بمرض أوعدوا وغيرهما- ٢٢٠ والاشتراط بالتحلل لعذر- ٢٢١ مسئلة وجوب الهدى على المحصر- ٢٢٢ مسئلة محل الذبح للمحصر- ٢٢٢ مسئلة على القارن المحصر دمان او دم ٢٢٤ مسئلة التحلل يحصل بنفس الإحصار او الذبح او الحلق والحلق واجب املا- ٢٢٤ مسئلة المحصر إذا حل هل يجب عليه القضاء وقضاء ٢٢٥ العمرة عمرة وللحج حج وعمرة- ٢٢٥ مسئلة إذا حلق المحرم بعذر ٢٢٥ مسئلة في القران والتمتع يجب دم فهل هو دم شكر ٢٢٦ فيجوز أكلها ودم جبر فلا يجوز مسئلة لا يجوز ذبح دم التمتع قبل يوم النحر ٢٢٧ مسئلة المتمتع إذا لم يجد الهدى صام ثلاثة ايام ٢٢٧ فى الحج آخرها يوم عرفة وجاز قبل ذلك في الإحرام ولا يجوز بعد ذلك لعدم الإحرام- ما ورد في النهى عن صوم يوم الفطر ويوم النحر و ٢٢٧ ايام التشريق.
مسئلة المتمتع إذا لم يصم الى يوم عرفة هل يصوم ٢٢٧ فى ايام التشريق- مسئلة إذا لم يصم الثلاثة في الحج هل يقتضى الثلاثة ٢٢٨ او تعين عليه الدم مسئلة متى يصوم السبعة- ٢٢٩ مسئلة هل يجوز للمكى التمتع وان تمتع هل يجب عليه الهدى فان وجب إلخ- مسئلة ما دون المواقيت او دون مسافة السفر في حكم ٢٢٩ المكي اولا-
الا كراكب إلخ- ٢٧٥ حديث ان إمامكم عقبة كؤدا لا يجوّزها المثقلون إلخ ٢٧٥ مسئلة لا يجوز للمؤمن نكاح مشركة او تزويج بالعكس- ٢٧٦ حديث تنكح المرأة لاربع فاظفر بذات الدين ألح- ٢٧٦ حديث خير متاع الدنيا المرأة الصالحة- ٢٧٦ حديث اتقوا النساء إلخ- ٢٧٦ مسئلة جواز مخالطة الحائض وما ورد فيه- ٢٧٧ مسئلة حرمة الوطي في الحيض وهل يجوز بعد الانقطاع ٢٧٨ قبل الغسل وهل يجب الكفارة على من اتى حائضا- مسئلة هل يجوز من الحائض استمتاع ما تحت الإزار ٢٧٨ دون الجماع- مسئلة الحيض تمنع جواز الصلاة والصوم ووجوب الصلاة ٢٧٩ دون الصوم ودخول المسجد والطواف ومس المصحف والقراءة- مسئلة اباحة الجماع منحصر في القبل بشرائطها... ٢٨٠
والدبر حرام من الرجل والمرأة مطلقا- ما ورد في حرمة الدبر وما قيل في الرخصة وأجيب عنه- ٢٨١ مسئلة ينبغى ان يقصد بالنكاح ما يرجع الى الدين ٢٨٥ حديث في بضع أحدكم صدقة إلخ- ٢٨٥ حديث إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلاثة إلخ ٢٨٥ حديث لا يموت لاحد من المسلمين ثلاثة من الولد إلخ- ٢٨٥ حديث من كان له فرطان إلخ- ٢٨٥ حديث من يقول عند الجماع- ٢٨٥ حديث عجبا لامر المؤمن ان أصابته سراء شكر- ٢٨٦ مسئلة الإكثار بالحلف مكروه- ٢٨٦ حديث الحلف حنث او ندم- ٢٨٦ مسئلة ما ورد فيمن حلف بيمين فراى غيرها خيرا ٢٨٦ منها فليكفر عن يمنه وليفعل الذي هو خير- لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ- ٢٨٧ مسئلة إذا كان اليمين من غير قصد نحو لا والله و ٢٨٧ بلى والله فلا اثم عليه وهل ينعقد ويجب عليه الكفارة- حديث ثلاث جد هن جدو هزلهن جد- وفي رواية اربع- ٢٨٧ مسئلة من حلف على شيء يرى انه صادق فيه ثم تبين ٢٨٨ له خلاف ذلك فلا اثم عليه ولا كفارة وقيل فيه كفارة- حديث الصلاة الخمس والجمعة الى الجمعة ورمضان ٢٩٠ الى رمضان كفارات بيان اقسام الايمان وأحكامها ٢٩٠ ما ورد في النهى عن الحلف بغير الله- ٢٩٠ ما ورد في يمين الغموس- ٢٩١ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ٢٩١ مسئلة من حلف على اكثر من اربعة أشهر يكون موليا ٢٩٢ وفي اقل منها لا- وهل يكون في اربعة أشهر- وهل يجوز الفيء بعد اربعة أشهر ٢٩٢ مسئلة هل يجب العمل على القراءة الشاذّة وهل يجوز ٢٩٢ تخصيص الكتاب بقراءة ابن مسعود- مسئلة إذا مضى اربعة أشهر هل يقع الطلاق- او يجبر ٢٩٣ الزوج على الطلاق او ينوب عنه الحاكم في التسريح بالإحسان- مسئلة هل يكون موليا باليمين بالطلاق ونحوه- ٢٩٥ مسئلة من ترك وطيها اربعة أشهر بغير يمين هل يكون موليا ٢٩٥ مسئلة مدة إيلاء الرقيق- ٢٩٥ مسئلة هل يجوز القيء بالقول عند تعذر الوطي- ٢٩٥ وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ- ٢٩٥ حديث طلاق الامة طلقتان وعدتها حيضتان- ٢٩٥ مسئلة هل المراد بالقروء الحيض او الطهر- ٢٩٥ مسئلة قول المرأة مقبول فيما لا يعرف الا بخبرها- ٢٩٧
- مسئلة قدر نفقة الزوجة على حسب وسع الزوج- ٣٢٣ مسئلة التكليف بما لا يطاق جائز عقلا منتف شرعا- ٣٢٣ مسئلة إذا لم يكن للصغير اب فعلى من يجب نفقته- ٣٢٥ مسئلة تجب النفقة على الوارث الغنى لكل ذى رحم محرم فقير ٣٢٥ عندنا إذا كان صغيرا- او امرأة- او زمنا بقدر إرثه والمعتبر اهلية الإرث- مسئلة لا يجب النفقة على الفقير ولا مع اختلاف ٣٢٥ الدين الا للابوين وأجداده ان كانوا فقراء- ونفقة الأصول على الأولاد فقط على السوية- حديث أنت ومالك لابيك- ٣٢٦ حديث ان أطيب ما أكل الرجل من كسب ولده إلخ- ٣٢٦ حديث كل من مال يتيمك غير مسرف إلخ- ٣٢٦ مسئلة لا يجوز الفصال قبل الحولين من غير ٣٢٧ تراض بينهما- مسئلة يجوز الاسترضاع من غير الام بشرائط- ٣٢٧
وانما الجهاد لدفع الفساد دون الإكراه ٣٦٢ مسئلة الايمان امر وهبى- ٣٦٤ حديث ما من مولود الا يولد على الفطرة إلخ- ٣٦٤ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ- قصة نمرود مع ابراهيم عليه السلام- ٣٦٥ مسئلة يا ات أسكنها حمزة- ٣٦٥ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ- قصة ارميا ٣٦٦ او عزير حين راى خراب بيت المقدس او دير هرقل- حديث ان الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء- ٣٦٩ وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى - ٣٧٠ حديث نحن أحق بالشك من ابراهيم إلخ- ٣٧٠ حديث ليس الخبر كالمعاينة إلخ- ٣٧١ ما قالت الصوفية في العروج والنزول- ٣٧١ حديث ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم- ٣٧٤ حديث لا يدخل الجنة منان ولا عاق- ٣٧٥ ما ورد في الرياء والسمعة- ٣٧٦ حديث أيكم مال وارثه أحب اليه من ماله إلخ- ٣٧٧ حديث بقي كلها غير كتفها في شاة- بقي كتفها من الانفاق ٣٧٧ مسئلة لا يجب الزكوة في مال الصبى عندنا ٣٧٧ حديث لا يكسب عبد مال حرام فيتصدق منه إلخ ٣٧٩ مسئلة تجب الزكوة في العروض والعقار إذا كانت للتجارة ٣٧٩ وهل تجب كل سنة إذا لم يبع سنين- حديث ما من مسلم يغرس غرسا او يزرع زرعا إلخ- ٣٨٠ حديث لا يدخل هذا يعنى شيئا من فمعز الدولة الحرث بيت قوم ٣٨٠ الا ادخله الذل- مسئلة يجب العشر ونصف العشر في النخيل والكرام وما يقتات ٣٨٠ من الحبوب وهل يجب في الخضروات وغير ذلك مطلقا او في ما يبقى في أيدي الناس خاصة- مسئلة لا يشترط في زكوة الزرع حولان الحول ولا العقل ولا البلوغ ٣٨٢ ويشترط الإسلام وهل يشترط فيه النصاب وهى خمسة اوسق ونحو ذلك فيما لا يكال ٣٨٢ مسئلة إذا ملك المسلم ارض خراج وزرع فيه هل يجب ٣٨٣ عليه العشر اما بعد سقوط الخراج او معه او لا يجب عليه العشر فلا يجتمعان- مسئلة هل يجب في المعدن ربع العشر فيصرف مصرف الزكوة ٣٨٤ او الفيء او يجب الخمس وهل يختص هذا الحكم بمعدن الذهب والفضة او في كل ما يذوب وينطبع او أعم من ذلك- مسئلة قراءة ابن كثير بالتشديد برد التاء الساقطة في ٣٨٦ ولا تيمّموا وغيره في احدى وثلاثين موضعا وتفصيلها- مسئلة إذا كان له مال جيد لا ينبغى له ان يعطى العفو ٣٨٧ الردى وان كان المال كله رديا فلا بأس به وان كان مختلطا يعطى بحسابه- ما ورد في فضل الانفاق وذم الإمساك- ٣٨٧ ما ورد في فضل العلماء- ٣٨٨ ما ورد في افضلية الصدقة السر من العلانية- ٣٨٩ وفيه حديث سبعة يظلّهم الله- ٣٨٩ حديث ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم- ٣٨٩ حديث صدقة السرّ تطفئ الذنب- ٣٩٠ مسئلة اضاعة المال حرام- ٣٩١ مسئلة صدقة التطوع يجوز ان يعطى الذمي منها ٣٩١ واما الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها الا في المسلمين مسئلة المشتغلين بالعلوم الظاهر والباطن والجهاد ٣٩٢ والممتنعين عن السؤال أحق بالإنفاق كاصحاب الصفة كانوا اربع مائة رجل- ما ورد في النهى عن السؤال والالحاف ونصاب ٣٩٢ حرمة السؤال- الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ- الاية ٣٩٣ حديث من احتبس فرسا في سبيل الله إلخ ٣٩٤ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ الّا كما ٣٩٤ يقوم الّذى يتخبّطه الشّيطن- حديث في قصة الاسراء فانطلق بي جبرئيل الى رجال ٣٩٤ كثير كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم إلخ وفي رواية بطونهم كالبيوت فيها الحيات-
في نفسها ولا ٤٠٧ يفسد به البيع ومنها ما لا يبطل ويجب الإتيان بها ولا يفسد البيع- ومنها ما يفسد به البيع وهو فى معنى الربوا- مسئلة استحلال الحرام كفر- ٤٠٩ حديث ما أحد اكثر من الربوا الا كان عاقبة ٤٠٩ امره الى قلة- حديث ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله ٤٠٩ بعفو الا عزّا وما تواضع أحد لله إلا رفعه- حديث الخلق عيال الله- ٤٠٩ حديث في خطبته الا كل شيء من امر الجاهلية تحت ٤١٠ قدمى موضوع- حديث نهى رسول الله ﷺ ان ٤١١ تشترى التمرة حتى تطعم وقال إذا ظهر الربوا فى قرية إلخ- حديث ما من قوم يظهر فيهم الربوا إلخ ٤١١ مسئلة المربى يحبس حتى يتوب وان كان له ٤١١ منيعة لا يقدر على حبسه يقاتله الامام وهو الحكم فى كل من اصرّ على ترك فريضة وارتكاب كبيرة- قال ابو بكر لو منعونى عقالا لا جاهدنهم- حديث مطل الغنى ظلم إلخ- ٤١١ مسئلة مال المرتد بعد قتله او موته- او لحوقه ٤١٢ ما اكتسب في حال الردة فيء- وما اكتسب في الإسلام فهو لورثته المسلمين وقيل فيء- مسئلة يجب امهال المعسر- ٤١٢ حديث من يسر على معسر إلخ- ٤١٢ ما ورد في تأجيل الدين والإبراء عنه والتصدق به- ٤١٣ وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ هذا ٤١٣ اخر اية نزولا فعاش بعده النبي ﷺ أحدا وعشرين يوما او اكثر او اقل ومات لليلتين خلتا من ربيع الاول سنة- مسئلة السلم جائز- ٤١٤ مسئلة البيع بثمن مؤجل والسلم لا يجوز ٤١٤ ما لم يكن الاجل معلوما- مسئلة الاجل يلزم في الثمن في البيع وفي ٤١٤ المبيع في السلم وفي النكاح وغير ذلك ولا يلزم في القرض-
ظاهر صلاح ٤٢٨ الشاهد أم يسئل عنه سرّا وعلانية- مسئلة في زماننا هذا يقبل شهادة الفاسق ٤٢٨ إذا دلت القرائن على صدقه وغلب على الظن انه لا يكذب- مسئلة اختار المتأخرون تحليف الشهود ٤٢٨ مكان التزكية-
بالأكل خطأ ٤٤٥ لكنه لا يفسد بالأكل ناسيا وقيل يفسد- ٤٤٥ مسئلة هل يحرم الذبيحة بترك التسمية ٤٤٥ ناسيا- مسئلة يستحب للقارى ان يقول أمين بعد ٤٤٦ إتمام سورة البقرة- فصل فيما ورد في فضل الآيتين اخر البقرة ٤٤٧ وفي فضل سورة البقرة- مسئلة المؤمن لا يخلد في النار ٤٤٧ لاجل الكبائر- تمت البقرة.
[سورة ال عمران]
نحمدك يا من لا اله الّا أنت ونسبّحك ونستعينك ونستغفرك ونشهد انك مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء بيدك الخير انّك على كلّ شىء قدير أنت ربّنا وربّ السّموات والأرض ومن فيهنّ ونصلّى ونسلّم على رسولك وحبيبك سيّدنا ومولانا محمّد وبه على جميع النّبيّين والمرسلين وعلى عبادك الصّالحين (سورة ال عمران) مدنية وايها مائتان ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اخرج ابن ابى حاتم عن الربيع بن انس ان النصارى أتوا النبي ﷺ فخاصموه فى عيسى فانزل الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الى بضع «١» وثمانين اية من ال عمران وقال ابن إسحاق حدثنى محمد بن سهل بن ابى امامة قال لما قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ يسئلونه عن عيسى بن مريم نزلت فيهم فاتحة ال عمران الى رأس الثمانين منها كذا اخرج البيهقي فى الدلائل وكذا قال البغوي عن الكلبي والربيع بن انس وغيرهما نزلت هذه الآيات فى وفد نجران وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله ﷺ وفيهم اربعة عشر رجلا من اشرافهم وفى الاربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤل أمرهم العاقب أميرهم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون الا عن رأيه واسمه عبد المسيح والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم واسمه الا بهم وابو حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم- دخلوا مسجد رسول الله ﷺ حين صلى العصر عليهم ثياب حبرات جبب وأردية فى جمال رجال لحارث بن كعب يقول من راهم ما راينا وفدا مثلهم وقد حانت صلاتهم فقاموا للصلوة فى مسجد رسول الله ﷺ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
تم عرض جميع الآيات
263 مقطع من التفسير