تفسير سورة سورة فصلت

المراغي

تفسير المراغي

المراغي (ت 1371 هـ)

مقدمة التفسير
سورة فصلت
آيها أربع وخمسون
هي مكية، نزلت بعد غافر.
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي وابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال :" اجتمعت قريش يوما فقالوا : انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر بم يرد عليه ؟ فقالوا : ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة فقالوا : ائته يا أبا الوليد، فأتاه فقال : يا محمد أنت خير أم عبد الله ؟ أنت خير أم عبد المطلب ؟، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عتبة : فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، أما والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا، وأن في قريش كاهنا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف، يا رجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" فرغت ؟ " قال : نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" بسم الله الرحمن الرحيم ( حم١ تنزيل من الرحمن الرحيم٢ كتاب فصلت آيته( -حتى بلغ- ( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود( ( فصلت : ١-١٣ ) فقال عتبة : حسبك حسبك، ما عندك غير هذا ؟ قال :" لا "، فرجع إلى قريش فقالوا : ما وراءك ؟ قال : ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته، قالوا : فهل أجابك ؟ قال : والذي نصبها بنية ( يريد الكعبة ) ما فهمت شيئا مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، قالوا : ويلك يكلمك الرجل بالعربية وما تدري ما قال ؟ قال : لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة ".
وأخرج أبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال :" لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على عتبة بن ربيعة ( حم( أتى أصحابه فقال :" يا قوم أطيعوني في هذا اليوم واعصوني بعده، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذني قط كلاما مثله وما دريت ما أرد عليه ". وفي هذا الباب روايات كثيرة تدل على اجتماع قريش وإرسالهم عتبة بن ربيعة وتلاوته صلى الله عليه وسلم أول هذه السورة عليه ".
ومناسبتها ما قبلها :
( ١ ) إنهما اشتركتا في تهديد قريش وتقريعهم، فقد توعدهم في السورة السابقة بقوله :( أفلم يسيروا في الأرض( ( غافر : ٨٢ ) الخ وهددهم هنا بقوله :( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود( ( فصلت : ١٣ ).
( ٢ ) إن كلتيهما بدئت بوصف الكتاب الكريم.
آية رقم ١
بسم الله الرحمان الرحيم
( حم١ تنزيل من الرحمن الرحيم٢ كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون٣ بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون٤ وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون( ( فصلت : ١-٥ ).

الإيضاح :

( حم( تقدم الكلام في هذا في السورة قبلها.
آية رقم ٢
الإيضاح :
( تنزيل من الرحمن الرحيم( أي هذا القرآن منزل من الله الرحمن الرحيم على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وخص هذين الوصفين ( الرحمن الرحيم( بالذكر لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى المحتاجين إلى الدواء، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية، وعلى ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية، فكان رحمة لهم ولطفا بهم كما قال :( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين١٠٧( ( الأنبياء : ١٠٧ ).
ونحو الآية قوله :( وإنه لتنزيل رب العالمين١٩٢ نزل به الروح الأمين١٩٣ على قلبك لتكون من المنذرين١٩٤ بلسان عربي مبين( ( الشعراء : ١٩٢-١٩٥ ).
آية رقم ٣
الإيضاح :
( كتاب فلصت آياته( أي هو كتاب بينت آياته، وميزت لفظا بفواصل ومقاطع، ومبادئ للسور وخواتم لها، وميزت معنى بكونها وعدا ووعيدا، ومواعظ ونصائح وتهذيب أخلاق ورياضة نفس، وقصص الأولين، وتواريخ الماضين.
ونحو الآية قوله :( كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير( ( هود : ١ ).
( قرآنا عربيا( أي أنزلناه بلغة العرب، ليسهل عليهم فهمه كما قال :( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم( ( إبراهيم : ٤ ).
وفي هذا امتنان من الله عليهم، ليسهل عليهم قراءته وفهمه.
( لقوم يعلمون( معانيه، لكونه جاء بلسانهم، فهم أهل اللسان فيفهمونه بلا واسطة، وغيرهم لا يفهمه إلا بوساطتهم.
آية رقم ٤
تفسير المفردات :
لا يسمعون : أي لا يقبلون ولا يطيعون، من قولهم : تشفعت إلى فلان فلم يسمع قولي : أي لم يقبله ولم يعمل به فكأنه لم يسمعه.

الإيضاح :

( بشيرا ونذيرا( أي بشيرا لأوليائه بالجنة والنعيم المقيم إن داوموا على العمل بما فيه من أوامر ونواه، ونذيرا لأعدائه بالعذاب الأليم إن هم أصروا على التكذيب به والجدل فيه بالباطل وترك أوامره وفعل نواهيه.
ثم بين حال المشركين حين أنزل إليهم فقال :
( فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون( أي فاستكبر أكثر المشركين عن الإصغاء إليه، ولم يقبلوه ولم يطيعوا ما فيه من أوامر ونواه، إعراضا عن الحق.
تفسير المفردات :
والأكنة : واحدها كنان كأغطية وغطاء، وهي خريطة السهام، والمراد أنها في أغطية متكاثفة، والوقر : الثقل في السمع.

الإيضاح :

ثم صرحوا بنفرتهم منه، وتباعدهم عنه، وذكروا لذلك ثلاثة أسباب، تعللا واحتقارا لدعوته :
( ١ ) ( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه( أي إن قلوبنا في أغطية متكاثفة مما تدعونا إليه من الإيمان بالله وحده وترك ما ألفينا عليه آباءنا، فهي لا تفقه ما تقول من التوحيد، ولا يصل إليها قولك.
( ٢ ) ( وفي آذاننا وقر( أي وفي آذاننا صمم يمنعها من استماع قولك.
( ٣ ) ( ومن بيننا وبينك حجاب( أي ومن بيننا وبينك ستر يمنعنا عن إجابتك. روي أن أبا جهل استغشى على رأسه ثوبا وقال : يا محمد بيننا وبينك حجاب استهزاء منه.
وقصارى ما يقولون : إن قلوبهم نابية عن إدراك ما جئت به من الحق وتقبله واعتقاده كأنها في غلف وأغطية تمنع من نفوذه فيها، وأسماعهم لا يدخل إليها شيء منه، كأن بها صمما، ولتباعد الدينين وتباعد الطريقين كان بينهم وبين رسول الله حجاب كثيف، وحاجز منيع.
ثم بارزوه بالخلاف وشن الغارات الجدلية بما لم يبق بعده مجال للوفاق فقالوا :
( فاعمل إننا عاملون( أي فاعمل في إبطال أمرنا جهد طاقتك، ونحن نعمل جاهدين في فض الناس من حولك وتشتيت شمل من آمن بك حتى تبطل دعوتك.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧:م٦

تفسير المفردات :

لا يؤتون الزكاة : أي لا يتصدقون بجزء من مالهم للسائل والمحروم.

الإيضاح :

( ويل للمشركين الذين* لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون( أي وخسارة وهلاك لمن أشرك بربه ولم يواس البائس الفقير بشيء من ماله، يدفع به عوزه، ويزيل خصاصته، وأنكر البعث والحساب والجزاء، وكان يقال : الزكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها هلك.
وإنما جعل منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة، لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله وهو شقيق روحه، فإذا بدله في سبيل الله فذاك أقوى دليل على استقامته وثباته وصدق نيته، وصفاء طويته، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا، بها لانت شكيمتهم، وزالت عصبيتهم، وما ارتدت بنو حنيفة بعد رسول الله إلا بمنعهم للزكاة، فعرضوا أنفسهم للحرب، والطعن والضرب، إبقاء على أموالهم ولو ذهبت مهجهم وأرواحهم.
وقصارى ذلك : دمار وهلاك لمن أشرك بربه، ولم يطهر نفسه من دنس الرذائل التي من أهمها البخل بالمال ودفع غائلة الجوع عن المسكين والفقير، وأنكر البعث والجزاء.
ونحو الآية قوله :( قد أفلح من زكاها ٩وقد خاب من دساها( ( الشمس : ٩-١٠ ) وقوله :( قد أفلح من تزكى ١٤وذكر اسم ربه فصلى( ( الأعلى : ١٤-١٥ ).


( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه ويل للمشركين٦ الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون٧ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون( ( فصلت : ٦-٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر المشركون الأسباب التي تحول بينهم وبين قبول دعوته- أمر رسوله أن يجيب عن كلامهم بأنه لا يقدر على جبرهم على الإيمان وحملهم عليه قسرا، فإنه بشر مثلهم ولا ميزة له عليهم إلا بأن الله أوحى إليه ولم يوح إليهم، ثم ذكر أن خلاصة الوحي علم وعمل، أما العلم فدعامته التوحيد، وأما العمل فأسه الاستغفار والتوبة مما فرط من الذنوب، ثم أردف ذلك التهديد لمن يشرك بالله ولا يزكي نفسه من دنس الشح والبخل، وينكر البعث والجزاء والحساب يوم القيامة، وينصرف إلى الدنيا ولذاتها، وبعد أن ذكر وعيد الكفار أعقبه بوعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأن لهم عند ربهم أجرا دائما غير مقطوع ولا ممنوع.
آية رقم ٧
ت٧
( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه ويل للمشركين٦ الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون٧ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون( ( فصلت : ٦-٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر المشركون الأسباب التي تحول بينهم وبين قبول دعوته- أمر رسوله أن يجيب عن كلامهم بأنه لا يقدر على جبرهم على الإيمان وحملهم عليه قسرا، فإنه بشر مثلهم ولا ميزة له عليهم إلا بأن الله أوحى إليه ولم يوح إليهم، ثم ذكر أن خلاصة الوحي علم وعمل، أما العلم فدعامته التوحيد، وأما العمل فأسه الاستغفار والتوبة مما فرط من الذنوب، ثم أردف ذلك التهديد لمن يشرك بالله ولا يزكي نفسه من دنس الشح والبخل، وينكر البعث والجزاء والحساب يوم القيامة، وينصرف إلى الدنيا ولذاتها، وبعد أن ذكر وعيد الكفار أعقبه بوعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأن لهم عند ربهم أجرا دائما غير مقطوع ولا ممنوع.

تفسير المفردات :

لا يؤتون الزكاة : أي لا يتصدقون بجزء من مالهم للسائل والمحروم.

الإيضاح :

( ويل للمشركين الذين* لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون( أي وخسارة وهلاك لمن أشرك بربه ولم يواس البائس الفقير بشيء من ماله، يدفع به عوزه، ويزيل خصاصته، وأنكر البعث والحساب والجزاء، وكان يقال : الزكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها هلك.
وإنما جعل منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة، لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله وهو شقيق روحه، فإذا بدله في سبيل الله فذاك أقوى دليل على استقامته وثباته وصدق نيته، وصفاء طويته، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا، بها لانت شكيمتهم، وزالت عصبيتهم، وما ارتدت بنو حنيفة بعد رسول الله إلا بمنعهم للزكاة، فعرضوا أنفسهم للحرب، والطعن والضرب، إبقاء على أموالهم ولو ذهبت مهجهم وأرواحهم.
وقصارى ذلك : دمار وهلاك لمن أشرك بربه، ولم يطهر نفسه من دنس الرذائل التي من أهمها البخل بالمال ودفع غائلة الجوع عن المسكين والفقير، وأنكر البعث والجزاء.
ونحو الآية قوله :( قد أفلح من زكاها ٩وقد خاب من دساها( ( الشمس : ٩-١٠ ) وقوله :( قد أفلح من تزكى ١٤وذكر اسم ربه فصلى( ( الأعلى : ١٤-١٥ ).
ت٧
( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه ويل للمشركين٦ الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون٧ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون( ( فصلت : ٦-٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر المشركون الأسباب التي تحول بينهم وبين قبول دعوته- أمر رسوله أن يجيب عن كلامهم بأنه لا يقدر على جبرهم على الإيمان وحملهم عليه قسرا، فإنه بشر مثلهم ولا ميزة له عليهم إلا بأن الله أوحى إليه ولم يوح إليهم، ثم ذكر أن خلاصة الوحي علم وعمل، أما العلم فدعامته التوحيد، وأما العمل فأسه الاستغفار والتوبة مما فرط من الذنوب، ثم أردف ذلك التهديد لمن يشرك بالله ولا يزكي نفسه من دنس الشح والبخل، وينكر البعث والجزاء والحساب يوم القيامة، وينصرف إلى الدنيا ولذاتها، وبعد أن ذكر وعيد الكفار أعقبه بوعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأن لهم عند ربهم أجرا دائما غير مقطوع ولا ممنوع.

تفسير المفردات :

لممنون : أي مقطوع من قولهم مننت الحبل إذا قطعته، ومنه قول ذي الإصبع :
إني لعمرك ما بابي غلق على الصديق ولا خيري بممنون

الإيضاح :

وبعد أن ذكر وعيد المشركين أردفه وعد المؤمنين فقال :
( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون( أي إن الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بما أمر به، وانتهوا عما نهى عنه- لهم عند ربهم جزاء غير مقطوع ولا ممنوع.
قال السدي : نزلت هذه الآية في المرضى والزمنى والهرمى إذا ضعفوا عن الطاعة كتب لهم من الجر مثل ما كانوا يعملون في الصحة.
ونحو الآية قوله :( ماكثين فيها أبدا( ( الكهف : ٣ ) وقوله :( عطاء غير مجذوذ( ( هود : ١٠٨ ).
( قل أئنكم لتفكرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين ٩ وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقوتها في أربعة أيام سواء للسائلين ١٠ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ١١ فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم( ( فصلت : ٩-١٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن أمر رسوله بأن يقول للمشركين : إن ما تلقيته بالوحي أن إلهكم إله واحد، فأخلصوا له العبادة- أردف هذا ما يدل على كمال قدرته وحكمته في خلق السماوات والأرض على أطوار مختلفة، متعاقبة وأكمل لكل منها ما هي مستعدة له، وزين السماء بالنجوم والكواكب الثوابت والسيارات، ولا عجب فذلك تقدير العزيز الغالب على أمره، العليم بكل ما فيهما لا يخفي عليه شيء منهما، فكيف يسوغ لكم أن تجعلوا الأوثان والأصنام شركاء له، وليس لها شيء في خلقهما وتقديرهما، تعالى الله عن ذلك.
( قل أئنكم لتفكرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين ٩ وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقوتها في أربعة أيام سواء للسائلين ١٠ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ١١ فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم( ( فصلت : ٩-١٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن أمر رسوله بأن يقول للمشركين : إن ما تلقيته بالوحي أن إلهكم إله واحد، فأخلصوا له العبادة- أردف هذا ما يدل على كمال قدرته وحكمته في خلق السماوات والأرض على أطوار مختلفة، متعاقبة وأكمل لكل منها ما هي مستعدة له، وزين السماء بالنجوم والكواكب الثوابت والسيارات، ولا عجب فذلك تقدير العزيز الغالب على أمره، العليم بكل ما فيهما لا يخفي عليه شيء منهما، فكيف يسوغ لكم أن تجعلوا الأوثان والأصنام شركاء له، وليس لها شيء في خلقهما وتقديرهما، تعالى الله عن ذلك.

تفسير المفردات :

والرواسي : الجبال الثوابت، أقوتها : أي أقوات أهلها، سواء : أي كاملة لا نقصان فيها ولا زيادة، للسائلين : أي لطالبي الأقوات المحتاجين إليها.

الإيضاح :

( وجعل فيها رواسي من فوقها( أي وجعل فيها جبالا ثوابت مرتفعة عليها، أسسها في الأرض وهي الطبقة الصوانية، وهذه الطبقة هي التي برزت منها الجبال، فالجبال أساسها بعيدة الغور ضاربة في جميع الطبقات واصلة إلى أول طبقة، وهي الطبقة الصوانية التي لولاها لم تكن الأرض أرضا ولم نستقر عليها، فأرضنا كرة من النار غطيت بطبقة صوانية فوقها طبقات ألطف منها تكون فيها الحيوان والنبات على مدى الزمان، والجبال نتوءات نتأت من تلك الطبقة وارتفعت فوقها عشرات آلاف الكيلومترات، وصارت مخازن للمياه والمعادن وهداية للطرق وحافظة للهواء والسحاب.
( وبارك فيها( أي وجعلها مباركة كثيرة الخيرات بما خلق فيها من المنافع، فجعل جبالها مبدأ لجريان الأنهار، ومخزنا للمعادن كالذهب والفضة والحديد والنحاس.
( وقدر فيها أقواتها( أي قدر لأهلها من الأقوات ما يناسب حال كل إقليم من مطاعم وملابس ونبات، ليكون بعض الناس محتاجا إلى بعض، فتروج المتاجر بينهم وتتنقل المحصولات من بلد إلى آخر ومن قطر إلى قطر، وفي هذا عمار للأرض وانتظام أمور العالم.

ثم ذكر فدلكة لما تقدم فقال :

( في أربعة أيام( أي إن خلق الأرض وجعل الرواسي فيها في نوبتين، وإكثار خيراتها وتقدير أقواتها في نوبتين فيكون ذلك في أربع نوبات كما يقول القائل خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وإلى الكوفة في خمسة عشر يوما : أي في تتمة خمسة عشر يوما.
وقصار ذلك : إن حصول جميع ما تقدم من خلق الأرض وخلق الجبال الرواسي فيها وتقدير الأقوات في أربعة أيام.
( سواء للسائلين( أي في أربعة أيام كاملة وفق مراد طالب القوت ومن له حاجة إليه وهو كل حيوان على وجه الأرض كما قال :( يسأله من في السماوات والأرض( ( الرحمن : ٢٩ ) فالناس والحيوان جميعا كلهم سائلون ربهم ما يحتاجون إليه من طعام وشراب ولباس ورداء - سؤالا طبيعيا مغروسا في جبلتهم.
ولما كان الإنسان يهتم بحال ما حوله من الأرض قدم ذكرها وبين أنها هي وما عليها قد كونها في أربع نوبات، فنوبة لتجمد المادة الأرضية بعد أن كانت غازا، ونوبة لتكميل بقية طبقاتها ويدخل في ذلك معادنها، ومرة للنبات وأخرى للحيوان.
( قل أئنكم لتفكرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين ٩ وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقوتها في أربعة أيام سواء للسائلين ١٠ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ١١ فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم( ( فصلت : ٩-١٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن أمر رسوله بأن يقول للمشركين : إن ما تلقيته بالوحي أن إلهكم إله واحد، فأخلصوا له العبادة- أردف هذا ما يدل على كمال قدرته وحكمته في خلق السماوات والأرض على أطوار مختلفة، متعاقبة وأكمل لكل منها ما هي مستعدة له، وزين السماء بالنجوم والكواكب الثوابت والسيارات، ولا عجب فذلك تقدير العزيز الغالب على أمره، العليم بكل ما فيهما لا يخفي عليه شيء منهما، فكيف يسوغ لكم أن تجعلوا الأوثان والأصنام شركاء له، وليس لها شيء في خلقهما وتقديرهما، تعالى الله عن ذلك.

تفسير المفردات :

استوى : أي عمد وقصد نحوها قصدا سويا من قولهم استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجها لا يلتفت معه إلى عمل آخر، دخان : أي مادة غازية أشبه بالدخان.

الإيضاح :

ولما انتهى من الكلام في الأرض أخذ يذكر السماء، فالترتيب في الذكر فحسب فقال :
( ثم استوى إلى السماء وهي دخان( أي ثم دعا داعي الحكمة إلى خلق السماء وهي مادة غازية أشبه بالدخان او بالسحاب أو بالسديم، وتسمى في العلم الحديث ( عالم السديم ) وقد شاهدوا من تلك العوالم اليوم عوالم كثيرة في عالم السديم آخذة في البروز كما برزت شمسنا وسياراتها، وأرضها وكانت في الأصل دخانا.
وعلى الجملة فالتكوين لم يكن في لحظة واحدة، بل كان وفق الحكمة والنظام في غير نوبة، وكفى بكتاب مقدس أن يقول : إنه خلق الأرض في نوبتين، وما عليها في نوبتين، والسموات السبع كذلك.
ثم ذكر ما كان من شأنهما بعد خلقهما فقال :
( فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين( أي فقال لتلك العوالم السماوية، وللأرض التي دارت حولها : ائتيا كيف شئتما طائعتين أو كارهتين فأجابتا قالتا أتينا طائعين، قال ابن عباس : قال الله تعالى للسموات : أطلعي شمسك وقمرك وكواكبك، وأجري رياحك وسحابك، وقال للأرض : شقي أنهارك، وأخرجي شجرك وثمارك، طائعتين أو كارهيتن :( قالتا آيتان طائعين(.
وفي هذا دلالة على الحركة المستمرة المعبر عن سببها بالجاذبية، فهي حركة تجري جري طاعة لا جري قسر، فإنا نشاهد أنا نرمي الحجر إلى أعلى قسرا فيأبى إلا أن ينزل إلى الأرض بطريق الجاذبية إلى جسم أكبر منه وهي الأرض، وهكذا الأرض مجذوبة إلى الشمس التي هي أصلها بحركة دورية دائمة طوعا لا قسرا، لأن القسرية كرمي الحجر إلى أعلى سريعة الزوال، أما حركة الطاعة فهي دائمة ما دام المطيع متخلقا بخلقه الذي هو فيه.
( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود١٣ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون١٤ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون ١٥ فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ١٦ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ١٧ ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون( ( فصلت : ١٣-١٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن أنكر عليهم عبادة الأنداد والأوثان، وطلب إليهم ألا يعبدوا إلا الله الذي خلق السموات والأرض، وزين السماء الدنيا بالمصابيح، وأوجد في الأرض جبالا رواسي أن تميد بهم، ثم أعرضوا عن كل ذلك، لم يبق حينئذ طريق للعلاج.
ومن ثم أمر رسوله أن ينذرهم بحلول شديد النقم بهم إن هم أصروا على عنادهم، كما نزل بعاد وثمود من قبلهم.
آية رقم ١٣
( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود١٣ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون١٤ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون ١٥ فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ١٦ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ١٧ ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون( ( فصلت : ١٣-١٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن أنكر عليهم عبادة الأنداد والأوثان، وطلب إليهم ألا يعبدوا إلا الله الذي خلق السموات والأرض، وزين السماء الدنيا بالمصابيح، وأوجد في الأرض جبالا رواسي أن تميد بهم، ثم أعرضوا عن كل ذلك، لم يبق حينئذ طريق للعلاج.
ومن ثم أمر رسوله أن ينذرهم بحلول شديد النقم بهم إن هم أصروا على عنادهم، كما نزل بعاد وثمود من قبلهم.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣:م١٣

تفسير المفردات :

صاعقة : أي عذابا شديد الوقع كأنه صاعقة. قال المبرد : الصاعقة المرة المهلكة لأي شيء كان، وهي في الأصل الصيحة التي يحصل بها الهلاك، أو قطعة نار تنزل من السماء معها رعد شديد.

الإيضاح :

( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود * إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله( أي قل أيها الرسول لمشركي قومك المكذبين لما جئتهم به من الحق : إن أعرضتم عما جئتكم به من عند الله فإني أنذركم بحلول نقمته بكم كما حلت بالأمم الماضية التي كذبت رسلها كعاد وثمود ومن على شاكلتهما ممن فعل فعلهما حين جاءتهم الرسل في القرى المجاورة لبلادكم، وأمروا أهلها بعبادة الله وحده، فكذبوهم واستكبروا عن إجابة دعوتهم، واعتذروا بشتى المعاذير كما ذكر سبحانه بقوله :( قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون(.



تفسير المفردات :

من بين أيديهم ومن خلفهم : أي من كل ناحية.

الإيضاح :

( قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون( أي قالوا إنا لا نصدق برسالتكم فما أرسل الله بشرا، ولو أرسل رسلا لأنزل ملائكة، وإذا فلا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا.
وقد تقدم في غير موضع دفع هذه الشبهة الداحضة التي جاؤوا بها. وقوله :
( بما أرسلتم( ليس إقرارا منهم بكونهم رسلا، بل ذكروه استهزاء بهم كما قال فرعون :( عن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون( ( الشعراء : ٢٧ ).
أخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال :" قال أبو جهل والملأ من قريش : قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلا عالما بالسحر والكهانة والشعر فكلمه، ثم أتانا ببيان من أمره. فقال عتبة بن ربيعة : والله لقد سمعت السحر والكهانة والشعر، وعلمت من ذلك علما، وما يخفى علي إن كان كذلك، فأتاه فقال : يا محمد أنت خير أم هاشم، أنت خير أم عبد المطلب ؟ فلم يجبه، قال : لم تشتم آلهتنا وتضللنا ؟ إن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء فكنت رئيسنا، وإن تكن بك الباءة ( الميل إلى قربان النساء ) زوجناك عشر نسوة تختارهن، أي بنات من شئت من قريش، وإن كان المال مرادك جمعنا لك ما تستغنى به، ورسوله الله ساكت، فلما فرغ قال صلى الله عليه وسلم :" بسم الله الرحمن الرحيم ( حم* تنزيل من الرحمن الرحيم *كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا( -حتى بلغ- ( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود( " فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم، فرجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم قالوا لا نرى عتبة إلا قد صبأ، فانطلقوا إليه وقالوا يا عتبة ما حسبك عنا إلا أنك قد صبأت، فغضب وأقسم لا يكلم محمدا أبدا، ثم قال : والله لقد كلمته فأجابني بشيء ما هو بشعر ولا سحر ولا كهانة، ولما بلغ صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أمسكت بفيه وناشدته الرحم، ولقد علمت أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب "..
وقد ذكرنا هذا القصص قبل برواية أخرى، وهذه الرواية أتم من سابقتها فأعدناها تكميلا للفائدة.
( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود١٣ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون١٤ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون ١٥ فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ١٦ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ١٧ ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون( ( فصلت : ١٣-١٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن أنكر عليهم عبادة الأنداد والأوثان، وطلب إليهم ألا يعبدوا إلا الله الذي خلق السموات والأرض، وزين السماء الدنيا بالمصابيح، وأوجد في الأرض جبالا رواسي أن تميد بهم، ثم أعرضوا عن كل ذلك، لم يبق حينئذ طريق للعلاج.
ومن ثم أمر رسوله أن ينذرهم بحلول شديد النقم بهم إن هم أصروا على عنادهم، كما نزل بعاد وثمود من قبلهم.

الإيضاح :

ولما بين سبحانه كفر قوم عاد وثمود إجمالا وبين معاذيرهما- أردف ذلك ذكر ما لكل منهما من الجناية وما حل به من العذاب فقال :
( فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة( أي فأما عاد فبغوا وعصوا ربهم ولم يقبلوا كلام الرسول الذي جاء لهم وقالوا من أشد منا قوة ؟ حتى يستطيع قهرنا وإذلالنا، وقد كانوا قوما طوال القامة شديدي الأسر، فاغتروا بأجسامهم حين تهددهم هو بالعذاب، وقد روي في قوتهم روايات ليس بنا حاجة إلى تصديقها كقولهم : إن الرجل منهم كان يقتلع الصخرة من الجبل بيده ويجعلها حيث يشاء.

فرد الله عليهم موبخا بقوله :

( أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة( أي أما يفكرون فيمن يبارزون بالعداوة ؟ إنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها، وإن بطشه لشديد، وإنه لقادر على أن ينزل بهم من أنواع عقابه ما شاء، فيقول :( كن فيكون( ( يس : ٨٢ ).
( وكانوا بآياتنا يجحدون( أي وكانوا يعرفون أن آياتنا التي أنزلناها على رسلنا حق لا مرية فيها، ولكنهم جحدوها وعصوا رسله.
وقد يكون المراد : إنهم جحدوا الأدلة التكوينية التي نصبناها لهم، وجعلناها لهم حجة عليهم.
ثم ذكر سبحانه ما أنزل عليهم من عذابه فقال :( فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا(.
( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود١٣ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون١٤ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون ١٥ فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ١٦ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ١٧ ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون( ( فصلت : ١٣-١٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن أنكر عليهم عبادة الأنداد والأوثان، وطلب إليهم ألا يعبدوا إلا الله الذي خلق السموات والأرض، وزين السماء الدنيا بالمصابيح، وأوجد في الأرض جبالا رواسي أن تميد بهم، ثم أعرضوا عن كل ذلك، لم يبق حينئذ طريق للعلاج.
ومن ثم أمر رسوله أن ينذرهم بحلول شديد النقم بهم إن هم أصروا على عنادهم، كما نزل بعاد وثمود من قبلهم.

تفسير المفردات :

صرصرا : أي باردة تهلك بشدة بردها. أنشد قطرب قول الخطيئة في المديح :
المطعمون إذا هبت بصرصرة والحاملون إذا استودوا على الناس
استودوا : أي سئلوا الدية. نحسات واحدها نحسة ( بكسر الحاء ) أي نكدات مشؤومات.

الإيضاح :

( فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا( أي فأرسلنا عليهم ريحا باردة تهلك بشدة بردها، وإذا هبت سمع لها صوت قوي لتكون عقوبة لهم من جنس ما اغتروا به.
ثم بين سبحانه وقت نزول العذاب عليهم فقال :
( في أيام نحسات( أي في أيام مشؤومات نكدات متتابعات كما قال في آية أخرى :( سبع ليالي وثمانية أيام حسوما( ( الحاقة : ٧ ).
ثم بين الغاية التي من أجلها نزل العذاب فقال :
( لنذيقنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا( أي أنزلنا عليهم هذا العذاب كي نذيقهم الذل والهوان في الحياة الدنيا بسبب ذلك الاستكبار.
ثم أرشد إلى أن هذا العذاب هين يسير إن إذا قيس بعذاب الآخرة فقال :
( ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون( أي ولعذاب الآخرة أشد إهانة وخزيا من عذاب الدنيا، وهم لا يجدون إذ ذاك نصيرا ولا معينا يدفعه عنهم.
( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود١٣ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون١٤ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون ١٥ فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ١٦ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ١٧ ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون( ( فصلت : ١٣-١٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن أنكر عليهم عبادة الأنداد والأوثان، وطلب إليهم ألا يعبدوا إلا الله الذي خلق السموات والأرض، وزين السماء الدنيا بالمصابيح، وأوجد في الأرض جبالا رواسي أن تميد بهم، ثم أعرضوا عن كل ذلك، لم يبق حينئذ طريق للعلاج.
ومن ثم أمر رسوله أن ينذرهم بحلول شديد النقم بهم إن هم أصروا على عنادهم، كما نزل بعاد وثمود من قبلهم.

تفسير المفردات :

والهون : الذل.

الإيضاح :

وبعد أن ذكر قصص عاد أتبعه بقصص ثمود فقال :
( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى( أي وأما ثمود فبينا لهم الحق على لسان نبيهم صالح، ودللناهم على سبل النجاة بنصب الأدلة التكوينية، وإنزال الآيات التشريعية، فكذبوه واستحبوا العمى على الهدى، والكفر على الإيمان.
ثم ذكر جزاءهم على ما اختاروه لأنفسهم فقال :
( فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون( أي فأرسلنا عليهم صيحة ورجفة وذلا وهوانا، بما كانوا يكسبون من الآثام بكفرهم بالله وتكذيبهم رسله.
آية رقم ١٨
( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود١٣ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون١٤ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون ١٥ فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ١٦ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ١٧ ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون( ( فصلت : ١٣-١٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن أنكر عليهم عبادة الأنداد والأوثان، وطلب إليهم ألا يعبدوا إلا الله الذي خلق السموات والأرض، وزين السماء الدنيا بالمصابيح، وأوجد في الأرض جبالا رواسي أن تميد بهم، ثم أعرضوا عن كل ذلك، لم يبق حينئذ طريق للعلاج.
ومن ثم أمر رسوله أن ينذرهم بحلول شديد النقم بهم إن هم أصروا على عنادهم، كما نزل بعاد وثمود من قبلهم.

الإيضاح :

( ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون( أي ونجينا صالحا ومن آمن معه من المؤمنين من ذلك العذاب : فلم يمسسهم سوء ولا نزل بهم مكروه، بإيمانهم وتقواهم وصالح أعمالهم.
آية رقم ١٩
( ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون١٩ حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون٢٠ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون٢١ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون٢٢ وذالكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين٢٣ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين( ( فصلت : ١٩-٢٤ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين كيف عاقب أولئك الجاحدين في الدنيا وأذاقهم عذاب الهون بما كانوا يكسبون- أردف ذلك ذكر عقابهم في الآخرة، ليكون ذلك أتم للزجر، وأكثر في الاعتبار لمن اعتبر.
( ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون١٩ حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون٢٠ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون٢١ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون٢٢ وذالكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين٢٣ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين( ( فصلت : ١٩-٢٤ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين كيف عاقب أولئك الجاحدين في الدنيا وأذاقهم عذاب الهون بما كانوا يكسبون- أردف ذلك ذكر عقابهم في الآخرة، ليكون ذلك أتم للزجر، وأكثر في الاعتبار لمن اعتبر.

تفسير المفردات :

جلودهم : أي جوارحهم.

الإيضاح :

( حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون( أي حتى إذا وقفوا على النار شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجوارحهم بما كانوا يعملون في الدنيا من المعاصي، بعلامات متمايزة تدل على الأخلاق المختلفة، لكل خلق منها علامة خاصة نحن لا نعرف الآن كنهها، وربما كانت سوائل روحية، كل سائل يدل على خلق من الأخلاق كما يكون في أنواع النبات والشجر روائح مختلفة، فالعلم والحلم والنشاط وحب الناس لها سوائل جميلة، والجهل والطيش والكسل وبغض الناس لها سوائل رديئة، وتلك السوائل تلازمهم فتكون مشقية لهم ومضايقة، أو مفرحة لهم ومنعمة، وهكذا الأجسام بعد الموت لا تشبه نفس نفسا أخرى في أوصافها، فهذه هي الشهادة التي تشهد بها أسماعهم وأبصارهم وجلودهم.
ثم ذكر سبحانه أنهم لاموا جوارحهم على أداء الشهادة التي تلزمهم الحجة فحكى عنهم قولهم لها.
( ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون١٩ حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون٢٠ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون٢١ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون٢٢ وذالكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين٢٣ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين( ( فصلت : ١٩-٢٤ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين كيف عاقب أولئك الجاحدين في الدنيا وأذاقهم عذاب الهون بما كانوا يكسبون- أردف ذلك ذكر عقابهم في الآخرة، ليكون ذلك أتم للزجر، وأكثر في الاعتبار لمن اعتبر.

تفسير المفردات :

جلودهم : أي جوارحهم.

الإيضاح :

( وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا( أي وقالوا على جهة اللوم والمؤاخذة لجلودهم حين شهدوا عليهم، لم شهدتم علينا ؟ وقد كانوا في الدنيا مساعدين لهم على المعاصي، فكيف يشهدون عليهم الآن ؟
فأجابوهم حينئذ معتذرين :( قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء( أي قالوا : إن الله جعل فينا من الدلالات الفعلية ما يقوم مقام النطق، بل ما هو أفصح منها، فشهدنا عليكم بما فعلتم من القبائح.
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال :" هل تدرون مم أضحك ؟ " قلنا الله ورسوله أعلم، قال :" من مخاطبة العبد ربه، يقول : ألم تجرني من الظلم ؟ قال : يقول بلى. قال فيقول : فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني. قال : يقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودا، قال : فيختم على فيه فيقال لأركانه : انطقي، فتنطق بأعماله، قال : ثم يخلى بينه وبين الكلام، قال : فيقول بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت أناضل ".
( وهو خلقكم أول مرة( فهو لا يخالف ولا يمانع، وقد جعل فيكم دلائل واضحة كخطوط اليد والإبهام والأصوات وألوان الوجوه وأشكالها، ولكن قليلا من الناس من يفطن إلى ذلك.
فمن قدر على خلقكم وإنشائكم ابتداء قدر على إعادتكم ورجعكم إليه، ومن ثم قال :
( وإليه ترجعون( أي وإليه مصيركم بعد مماتكم، فيجازي كل نفس بما كسبت. لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.
( ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون١٩ حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون٢٠ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون٢١ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون٢٢ وذالكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين٢٣ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين( ( فصلت : ١٩-٢٤ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين كيف عاقب أولئك الجاحدين في الدنيا وأذاقهم عذاب الهون بما كانوا يكسبون- أردف ذلك ذكر عقابهم في الآخرة، ليكون ذلك أتم للزجر، وأكثر في الاعتبار لمن اعتبر.

الإيضاح :

ثم وبختهم جلودهم على ما كانوا يفعلون في الدنيا فقالت لهم :
( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم( أي وما كنتم تستخفون حين تفعلون قبيح الأعمال، وترتكبون عظيم الفواحش- بالحيطان والحجب حذرا من شهادة الجوارح عليكم، بل كنتم تجاهرون بالكفر والمعاصي، وتجحدون البعث والجزاء.
قال عبد الأعلى بن عبد الله الشامي فأحسن :
العمر ينقص والذنوب تزيد وتقال عثرات الفتى فيزيد
هل يستطيع جحود ذنب واحد رجل جوارحه عليه شهود ؟
والمرء يسأل عن سنيه فيشتهي تقليلها وعن الممات يحيد
( ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون( أي ولكن ظننتم عند استثاركم من الناس مع عدم استثاركم من أعضائكم أن الله لا يعلم كثيرا مما كنتم تعلمون من المعاصي فاجترأتم على فعلها.
والخلاصة : إنكم كنتم في الدنيا تستترون عن الناس خوف الفضيحة والعار حين ارتكاب الذنوب، وما ظننتم أن أعضاءكم وجسمكم الأثيري الذي هو على صورة الجسم الظاهري قد سطرت فيه جميع أعمالكم، كأنه لوح محفوظ لها، فلذلك ما كنتم تستترون عنها بترك الذنوب. وفي الآية إيماء إلى أنه لا ينبغي للمؤمن أن تمر عليه حال إلا وهو يفكر في أن الله رقيب عليه، كما قال أبو نواس :
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال :" كنت مستترا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشي وثقفيان، أو ثقفي وقرشيان، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم : أترون أن الله يسمع كلامنا هذا ؟ فقال الآخر : إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخر : إن سمع منه شيئا سمع كله. قال : فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل :( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم( إلى قوله ( من الخاسرين(.
آية رقم ٢٣
( ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون١٩ حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون٢٠ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون٢١ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون٢٢ وذالكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين٢٣ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين( ( فصلت : ١٩-٢٤ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين كيف عاقب أولئك الجاحدين في الدنيا وأذاقهم عذاب الهون بما كانوا يكسبون- أردف ذلك ذكر عقابهم في الآخرة، ليكون ذلك أتم للزجر، وأكثر في الاعتبار لمن اعتبر.

تفسير المفردات :

أرداكم : أي أهلككم.

الإيضاح :

( وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين( أي وهذا الظن الفاسد الذي قد كان منكم في الدنيا وهو أن الله لا يعلم كثيرا من قبائح أعمالكم ومساويها هو الذي أوقعكم في مواقع التلف والردى، فصرتم اليوم من الهالكين، إذ صرفتم ما منحتم من أسباب السعادة إلى الشقاء، فكفرتم نعم الخالق والرازق، وانهمكتم في الشهوات والمعاصي.
أخرج أحمد وأبو داود والطيالسي وعبد بن حميد ومسلم، وأبو داود وابن ماجة وابن مردويه عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى، فإن قوما قد أرادهم سوء ظنهم بالله " فقال الله :( وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين(.

قال العلماء : الظن قسمان :

( ١ ) حسن، وهو أن يظن بالله عز وجل الرحمة والفضل والإحسان، قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله عز وجل :" أنا عند ظن عبدي بي ".
( ٢ ) قبيح : وهو أن يظن أن الله يعزب عن علمه بعض الأفعال.
وقال قتادة : الظن نوعان : منج ومرد.
( ١ ) فالمنجي قوله :( إني ظننت أني ملاق حسابية( ( الحاقة : ٢٠ ) وقوله :( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم( ( البقرة : ٤٦ ).
( ٢ ) والمردي هو قوله :( وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم( وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية : هؤلاء قوم كانوا يدمنون على المعاصي، ولا يتوبون عنها، ويتكلمون على المغفرة، حتى خرجوا من الدنيا مفاليس، ثم قرأ :( وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين(.
وقال الحسن البصري : إن قوما ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم : إني أحسن الظن بربي وقد كذب، ولو أحسن الظن لأحسن العمل، وتلا قول الله :( وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين(.
( ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون١٩ حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون٢٠ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون٢١ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون٢٢ وذالكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين٢٣ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين( ( فصلت : ١٩-٢٤ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين كيف عاقب أولئك الجاحدين في الدنيا وأذاقهم عذاب الهون بما كانوا يكسبون- أردف ذلك ذكر عقابهم في الآخرة، ليكون ذلك أتم للزجر، وأكثر في الاعتبار لمن اعتبر.

تفسير المفردات :

مثوى : أي مقام، وإن يستعتبوا : أي يطلبوا العتبى والرضا، من المعتبين : أي المجابين إلى ما يطلبون يقال أعتبني فلان : أي أرضاني بعد إسخاطه إياي، قال الخليل : تقول استعتبته فأعتبني : أي استرضيته فأرضاني، قال النابغة في اعتذارياته للنعمان بن المنذر :
فإن أك مظلوما فعبد ظلمته وإن يك ذا عتبى فمثلك يعتب

الإيضاح :

ثم أخبر عن حالهم فقال :( فإن يصبروا فالنار مثوى لهم( أي فإن أمسكوا عن الاستغاثة لفرج ينتظرونه لم يجدوا وتكون النار مثوى لهم ومقاما.
( وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين( أي وإن يبدوا معاذيرهم فلن تقبل منهم ولا تقال لهم العثرات.
ونحو الآية قوله تعالى :( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص( ( إبراهيم : ٢١ ).
( وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين٢٥ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون٢٦ فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون٢٧ ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون٢٨ وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين( ( فصلت : ٢٥-٢٩ ).
المعنى الجملي : اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة على الكفر والمعاصي أردف ذلك ذكر السبب الذي من أجله وقعوا في الكفر، ثم حكى عنهم جناية أخرى وهي أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن أعملوا الحيلة في عدم إسماع الناس له حتى لا يتدبروا معناه، فتشاغلوا حين قراءته برفع الأصوات وإنشاء الأشعار حتى يهوشوا على القارئ ويغلبوا على قراءته، ثم ذكر أنهم حين يقعون في العذاب الشديد يطلبون أن يروا من كانوا السبب في وقوعهم في الضلال من الجن والإنس ليدوسوهم تحت أقدامهم، انتقاما منهم على أن صيروهم في هذه الهاوية.
( وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين٢٥ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون٢٦ فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون٢٧ ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون٢٨ وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين( ( فصلت : ٢٥-٢٩ ).
المعنى الجملي : اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة على الكفر والمعاصي أردف ذلك ذكر السبب الذي من أجله وقعوا في الكفر، ثم حكى عنهم جناية أخرى وهي أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن أعملوا الحيلة في عدم إسماع الناس له حتى لا يتدبروا معناه، فتشاغلوا حين قراءته برفع الأصوات وإنشاء الأشعار حتى يهوشوا على القارئ ويغلبوا على قراءته، ثم ذكر أنهم حين يقعون في العذاب الشديد يطلبون أن يروا من كانوا السبب في وقوعهم في الضلال من الجن والإنس ليدوسوهم تحت أقدامهم، انتقاما منهم على أن صيروهم في هذه الهاوية.

تفسير المفردات :

والغوا فيه : أي عارضوه باللغو والباطل حين يقرأ لتهوشوا عليه.

الإيضاح :

وبعد أن أخبر عن كفر قوم هود وصالح وغيرهم أخبر عن مشركي قريش وأنهم كذبوا بالقرآن فقال :( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون( أي وقال الذين كفروا بالله ورسوله : لا تنصتوا لسماع هذا القرآن، وعارضوه باللغو والباطل بإنشاد الشعر والأراجير حتى تهوشوا على القارئ لعلكم تغلبون على قراءته، وتميتون ذكره.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة إذا قرأ القرآن يرفع صوته، فكان المشركون يطردون الناس عنه ويقولون : الغوا فيه بالبكاء والصفير وإنشاد الشعر.
قال ابن عباس : قال أبو جهل إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه حتى لا يدري ما يقول : وقد يكون المعنى :" لا تطيعوا " من قولهم : سمعت لك أي أطعتك.
( ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون١٩ حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون٢٠ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون٢١ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون٢٢ وذالكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين٢٣ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين( ( فصلت : ١٩-٢٤ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين كيف عاقب أولئك الجاحدين في الدنيا وأذاقهم عذاب الهون بما كانوا يكسبون- أردف ذلك ذكر عقابهم في الآخرة، ليكون ذلك أتم للزجر، وأكثر في الاعتبار لمن اعتبر.

الإيضاح :


ثم أوعد الكفار بالعذاب الشديد فقال :

( فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون( أي فلنذيقن الكافرين عذابا لا يحاط بوصفه، ولنجازينهم بأسوأ أعمالهم، لأن أعمالهم الحسنة كصلة الأرحام وإكرام الضيف قد أحبطها الكفر، ولم يبق لهم إلا القبيح، ومن ثم لم يجازوا إلا على السيئات.
وفي هذا تعريض بمن لا يخشع ولا يتدبر حين سماع القرآن، وتهديد ووعيد لمن يصدر منه حين سماع القرآن ما يهوش على القارئ ويخلط عليه في القراءة.
( وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين٢٥ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون٢٦ فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون٢٧ ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون٢٨ وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين( ( فصلت : ٢٥-٢٩ ).
المعنى الجملي : اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة على الكفر والمعاصي أردف ذلك ذكر السبب الذي من أجله وقعوا في الكفر، ثم حكى عنهم جناية أخرى وهي أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن أعملوا الحيلة في عدم إسماع الناس له حتى لا يتدبروا معناه، فتشاغلوا حين قراءته برفع الأصوات وإنشاء الأشعار حتى يهوشوا على القارئ ويغلبوا على قراءته، ثم ذكر أنهم حين يقعون في العذاب الشديد يطلبون أن يروا من كانوا السبب في وقوعهم في الضلال من الجن والإنس ليدوسوهم تحت أقدامهم، انتقاما منهم على أن صيروهم في هذه الهاوية.

تفسير المفردات :

دار الخلد : أي دار الإقامة المستمرة.

الإيضاح :

ثم بين العذاب الشديد الذي يحيق بهم فقال :
( ذلك جزاء أعداء الله النار( أي ذلك الجزاء المعد لأعداء الله هو النار.
( لهم فيها دار الخلد( أي إنهم مخلدون فيها أبدا، لا انقطاع لعذابها، ولا انتقال منها، ثم ذكر أن هذا جزاء لما عملوا فقال :( جزاء لما كانوا بآياتنا يجحدون( أي هي جزاء لهم على جحودهم بآياتنا واستكبارهم عن سماعها.
ثم بين أنهم حين وقوعهم في العذاب الشديد يطلبون الانتقام ممن أضلوهم من شياطين الإنس والجن فقال :( وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين(.
( وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين٢٥ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون٢٦ فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون٢٧ ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون٢٨ وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين( ( فصلت : ٢٥-٢٩ ).
المعنى الجملي : اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة على الكفر والمعاصي أردف ذلك ذكر السبب الذي من أجله وقعوا في الكفر، ثم حكى عنهم جناية أخرى وهي أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن أعملوا الحيلة في عدم إسماع الناس له حتى لا يتدبروا معناه، فتشاغلوا حين قراءته برفع الأصوات وإنشاء الأشعار حتى يهوشوا على القارئ ويغلبوا على قراءته، ثم ذكر أنهم حين يقعون في العذاب الشديد يطلبون أن يروا من كانوا السبب في وقوعهم في الضلال من الجن والإنس ليدوسوهم تحت أقدامهم، انتقاما منهم على أن صيروهم في هذه الهاوية.

تفسير المفردات :

تحت أقدامنا : أي ندوسهما بهما انتقاما منهما.

الإيضاح :

( وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين( أي وقال الكافرون وهم يتقلبون في العذاب : ربنا أرنا شياطين الإنس والجن الذين أوقعونا في الضلال ندسهم تحت أقدامنا انتقاما منهم ومهانة لهم.
وقصارى ذلك : إنهم طلبوا من ربهم أن يريهم من أضلهم من فريقي الجن والإنس من الرؤساء الذين كانوا يزينون لهم الكفر، والشياطين الذين كانوا يوسوسون لهم ويحملونهم على المعاصي.
والشياطين على ضربين : جني وإنسي، قال تعالى :( وكذلك جعلنا لكل شيء عدوا شياطين الإنس والجن( ( الأنعام : ١١٢ ) وقال :( الذي يوسوس في صدور الناس٥ من الجنة والناس( ( الناس : ٥-٦ ).
وقال علي كرم الله وجهه : هما ابن آدم الذي قتل أخاه وإبليس أي لأنهما هما اللذان سنا المعصية.
( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون٣٠ نحن أولياءكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون٣١ نزلا من غفور رحيم( ( فصلت : ٣٠-٣٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن أسلف القول في وعيد الكفار بما لم يبق بعده في القوس منزع- أعقبه بهذا الوعد الشريف للمؤمنين كما هي سنة القرآن من اتباع أحدهما بالآخر كما جاء في قوله :( نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم٤٩ وأن عذابي هو العذاب الأليم( ( الحجر : ٤٩-٥٠ ).
قال عطاء عن ابن عباس نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق.
( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون٣٠ نحن أولياءكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون٣١ نزلا من غفور رحيم( ( فصلت : ٣٠-٣٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن أسلف القول في وعيد الكفار بما لم يبق بعده في القوس منزع- أعقبه بهذا الوعد الشريف للمؤمنين كما هي سنة القرآن من اتباع أحدهما بالآخر كما جاء في قوله :( نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم٤٩ وأن عذابي هو العذاب الأليم( ( الحجر : ٤٩-٥٠ ).
قال عطاء عن ابن عباس نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق.

تفسير المفردات :

أولياؤكم : أي أعوانكم في شؤونكم، تدعون : أي تتمنون وتطلبون.

الإيضاح :

( نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة( أي نحن أعوانكم في أمور دنياكم، نلهمكم الحق، ونرشدكم إلى ما فيه خيركم وصلاحكم في دنياكم، وكذلك نكون معكم في الآخرة، نؤمنكم من الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، ويوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم.
وقصارى ذلك : نحن المتولون حفظكم وولايتكم في أمور الدنيا وأمور الآخرة ومن كان الله وليه فاز بكل مطلب، ونجا من كل مخافة.
( ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم( من صنوف اللذات وأنواع النعم.
( ولكم فيها ما تدعون( أي ولكم فيها ما تتمنون وتطلبون.
ونحو الآية قوله :( ولهم ما يدعون( ( يس : ٥٧ ).
والجملة الأولى : باعتبار شهوات أنفسهم، والثانية : باعتبار ما يطلبون سواء أكان مشتهى لهم أم لا، إذ لا يلزم أن يكون كل مطلوب مشتهي كالفضائل العلمية ونحوها.
آية رقم ٣٢
( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون٣٠ نحن أولياءكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون٣١ نزلا من غفور رحيم( ( فصلت : ٣٠-٣٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن أسلف القول في وعيد الكفار بما لم يبق بعده في القوس منزع- أعقبه بهذا الوعد الشريف للمؤمنين كما هي سنة القرآن من اتباع أحدهما بالآخر كما جاء في قوله :( نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم٤٩ وأن عذابي هو العذاب الأليم( ( الحجر : ٤٩-٥٠ ).
قال عطاء عن ابن عباس نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق.

تفسير المفردات :

النزل : ما يهيأ للضيف ليأكله حين نزوله.

الإيضاح :

( نزلا من غفور رحيم( أي أعطاكم ربكم ذلك كرامة من لدنه، وهو الغفور لذنوبكم، الرحيم بكم أن يعاقبكم بعد توبتكم.
( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين٣٣ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم٣٤ وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم٣٥ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم( ( فصلت : ٣٣-٣٦ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر أن قرناء السوء يدعون إلى المعاصي- أردف ذلك ذكر حال أضدادهم الذين يدعون الناس إلى توحيد ربهم وطاعته، ثم أعقب هذا بأن الحسنة والسيئة لا يستويان ثوابا عند الله، ثم أمر رسوله بدفع سفاهات المشركين وجهالاتهم بطريق الحسنى، لما في ذلك من تآلف القلوب، وارعواء النفوس عن غيها، وثوبها إلى رشدها، وأرشد إلى أن هذه فعلة لا يتقبلها إلى الصابرون على احتمال المكاره، ومن لهم حظ عظيم من الثواب عند الله، ثم ختم ذلك بتلك النصيحة الذهبية، وهي أنه إذا صرف الشيطان المرء عن شيء مما شرعه الله فليتعوذ من شره ولا يطعه في أمره، والله سميع لما يقول، عليم بكل ما يفعل، وهو المجازي له على ذلك.
( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين٣٣ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم٣٤ وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم٣٥ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم( ( فصلت : ٣٣-٣٦ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر أن قرناء السوء يدعون إلى المعاصي- أردف ذلك ذكر حال أضدادهم الذين يدعون الناس إلى توحيد ربهم وطاعته، ثم أعقب هذا بأن الحسنة والسيئة لا يستويان ثوابا عند الله، ثم أمر رسوله بدفع سفاهات المشركين وجهالاتهم بطريق الحسنى، لما في ذلك من تآلف القلوب، وارعواء النفوس عن غيها، وثوبها إلى رشدها، وأرشد إلى أن هذه فعلة لا يتقبلها إلى الصابرون على احتمال المكاره، ومن لهم حظ عظيم من الثواب عند الله، ثم ختم ذلك بتلك النصيحة الذهبية، وهي أنه إذا صرف الشيطان المرء عن شيء مما شرعه الله فليتعوذ من شره ولا يطعه في أمره، والله سميع لما يقول، عليم بكل ما يفعل، وهو المجازي له على ذلك.

تفسير المفردات :

الحسنة : ما ترضي الله ويتقبلها، والسيئة : ما يكرهها ويعاقب عليها، ادفع : أي رد، والحميم : الصديق.

الإيضاح :

( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة( أي ولا تتساوى الحسنة التي يرضى الله بها ويثيب عليها، والسيئة التي يكرهها ويعاقب عليها.
وقد يكون المعنى : ولا تستوي دعوة الرسول إلى الدين الحق بالطرق المثلى، والصبر على سفاهة الكفار، وترك الانتقام منهم وما أظهروه من الغلظة والفظاعة في قولهم :( قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه( ( فصلت : ٥ )، وقولهم :( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه( ( فصلت : ٢٦ ).
والخلاصة : إن فعلك أيها الرسول حسنة، وإن فعلهم سيئة، فإذا أتيت بهذه الحسنة استحققت التعظيم في الدنيا، والمثوبة في الآخرة، وهم بضد ذلك، فلا ينبغي أن يكون إقدامهم على السيئة مانعا من الاشتغال بالحسنة.
ثم ذكر بعض الحسنات ووضحها بذكر بعض ضروبها فقال :
( ادفع بالتي هي أحسن( أي ادفع سفاهتهم وجهالتهم بالطريق التي هي أحسن الطرق، فقابل إساءتهم بالإحسان إليهم، والذنب بالعفو، والغضب بالصبر والإغضاء عن الهفوات، واحتمال المكاره، فإنك إن صبرت على سوء أخلاقهم مرة بعد أخرى ولم تقابل سفههم بالغضب، ولا أذاهم بمثله، استحيوا من ذميم أخلاقهم، وتركوا قبيح أفعالهم.

ثم بين نتائج الدفع بالحسنى فقال :

( فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم( أي إنك إن فعلت ذلك انقلبوا من العداوة إلى المحبة، ومن البغض إلى المودة، قال عمر : ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وقال ابن عباس : أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم.
وروي أن رجلا شتم قنبرا مولى علي بن أبي طالب، فناداه علي : يا قنبر دع شاتمتك، واله عنه ترض الرحمن، وتسخط الشيطان.
وقالوا : ما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه، ولله در القائل :
وللكف عن شتم اللئيم تكرما أضر له من شتمه حين يشتم

وقال آخر :
وما شيء أحب إلى سفيه إذا سب الكريم من الجواب
متاركة السفيه بلا جواب أشد على السفيه من السباب

وقال محمود الوراق :
فأما الذي فوقي فأعرف قدره *** *** وأتبع فيه الحق والحق لازم
سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب وإن كثرت منه لدي الجرائم
فما الناس إلا واحد من ثلاثة شريف ومشروف ومثل مقاوم
وأما الذي دوني فإن قال صنت عن إجابته عرضي وإن لام لائم
وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا تفضلت إن الفضل بالحلم حاكم

وقال آخر :
إن العداوة تستحيل مودة بتدارك الهفوات بالحسنات
قال مقاتل : نزلت الآية في أبي سفيان بن حرب كان معاديا للنبي صلى الله عليه وسلم فصار وليا في الإسلام، حميما بالمصاهرة.
( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين٣٣ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم٣٤ وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم٣٥ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم( ( فصلت : ٣٣-٣٦ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر أن قرناء السوء يدعون إلى المعاصي- أردف ذلك ذكر حال أضدادهم الذين يدعون الناس إلى توحيد ربهم وطاعته، ثم أعقب هذا بأن الحسنة والسيئة لا يستويان ثوابا عند الله، ثم أمر رسوله بدفع سفاهات المشركين وجهالاتهم بطريق الحسنى، لما في ذلك من تآلف القلوب، وارعواء النفوس عن غيها، وثوبها إلى رشدها، وأرشد إلى أن هذه فعلة لا يتقبلها إلى الصابرون على احتمال المكاره، ومن لهم حظ عظيم من الثواب عند الله، ثم ختم ذلك بتلك النصيحة الذهبية، وهي أنه إذا صرف الشيطان المرء عن شيء مما شرعه الله فليتعوذ من شره ولا يطعه في أمره، والله سميع لما يقول، عليم بكل ما يفعل، وهو المجازي له على ذلك.

تفسير المفردات :

وما يلقاها : أي يتقبلها ويحتملها، حظ : أي نصيب وافر من الخير.

الإيضاح :


ثم نبه إلى عظيم فضل هذه الطريق بقوله :

( وما يلقاها إلا الذين صبروا( أي وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا الصابرون على تحمل المكاره وتجرع الشدائد وكظم الغيظ وترك الانتقام، فإن ذلك يشق على النفوس، ويصعب احتماله في مجرى العادة إلا من عصم الله.
وقال أنس في تفسير ذلك : الرجل يشتمه أخوه فيقول : إن كنت صادقا غفر الله لي، وإن كنت كاذبا غفر الله لك.
( وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم( أي وما يتقبلها إلا ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والآخرة.
قال قتادة : الحظ العظيم الجنة، أي وما يلقاها إلا من وجبت له الجنة.
( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين٣٣ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم٣٤ وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم٣٥ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم( ( فصلت : ٣٣-٣٦ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر أن قرناء السوء يدعون إلى المعاصي- أردف ذلك ذكر حال أضدادهم الذين يدعون الناس إلى توحيد ربهم وطاعته، ثم أعقب هذا بأن الحسنة والسيئة لا يستويان ثوابا عند الله، ثم أمر رسوله بدفع سفاهات المشركين وجهالاتهم بطريق الحسنى، لما في ذلك من تآلف القلوب، وارعواء النفوس عن غيها، وثوبها إلى رشدها، وأرشد إلى أن هذه فعلة لا يتقبلها إلى الصابرون على احتمال المكاره، ومن لهم حظ عظيم من الثواب عند الله، ثم ختم ذلك بتلك النصيحة الذهبية، وهي أنه إذا صرف الشيطان المرء عن شيء مما شرعه الله فليتعوذ من شره ولا يطعه في أمره، والله سميع لما يقول، عليم بكل ما يفعل، وهو المجازي له على ذلك.

تفسير المفردات :

ينزغنك : أي يوسوسن لك، وأصل النزغ : النخس، فاستعذ بالله : أي التجئ إليه.

الإيضاح :

ثم ذكر طريقا لمنع تهييج الشر ودفع الغضب إذا بدت بوادره فقال :
( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم( أي وإن وسوس إليك الشيطان ليحملك على مجازاة المسيء فاستعذ بالله من كيده وشره، واعتصم من خطراته، إنه هو السميع لاستعاذتك منه، واستجارتك به من نزغاته ولغير ذلك من كلامك وكلام غيرك، العليم بما ألقى في روعك من نزغاته، وحدثتك به نفسك، وما قصدت من صلاح، ونويت من إحسان.
ومن شياطين الإنس من يفعل مثل هذا، فيصرف عن الدفع بالتي هي أحسن، فيقول لك : إن فلانا عدوك الذي فعل بك كيت وكيت، فانتهز الفرصة، وخذ ثأرك منه لتعظم في عينه وأعين الناس، ولا يظنن فيك العجز وقلة الهمة وعدم المبالاة على نحو أولئك من العبارات المثيرة للغضب التي ربما لا تخطر ببال شياطين الجن- نعوذ بالله من شر كل شيطان.
والخلاصة : إن صرفك الشيطان عما شرعت فيه من الدفع بالحسنى، فاستعذ بالله من شره، وامض لشأنك. ولا تطعه.
( ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون٣٧ فإن استكبروا فالذين عند الله ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون٣٨ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير( ( فصلت : ٣٧-٣٩ ).
المعنى الجملي : لما ذكر في الآيات السابقة أن أحسن الأعمال والأقوال هو الدعوة إلى الله تعالى- أردفه ذكر الدلائل على وجوده تعالى وقدرته وحكمته، تنبيها إلى أن الدعوة إلى الله هي تقرير الدلائل على ذاته وصفاته، ثم ذكر منها الدلائل الفلكية وهي الليل والنهار والشمس والقمر، ثم أتبعها بآية أرضية تشاهد رأي العين في كل حين وهي حال الأرض حين خلوها من المطر والنبات، ثم حالها بعد نزول المطر، فهي تنتعش بعد أن كانت ميتة، وتهتز بعد أن كانت ساكنة، والذي أحياها هو الذي يحيي الموتى، إنه على كل شيء قدير.
( ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون٣٧ فإن استكبروا فالذين عند الله ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون٣٨ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير( ( فصلت : ٣٧-٣٩ ).
المعنى الجملي : لما ذكر في الآيات السابقة أن أحسن الأعمال والأقوال هو الدعوة إلى الله تعالى- أردفه ذكر الدلائل على وجوده تعالى وقدرته وحكمته، تنبيها إلى أن الدعوة إلى الله هي تقرير الدلائل على ذاته وصفاته، ثم ذكر منها الدلائل الفلكية وهي الليل والنهار والشمس والقمر، ثم أتبعها بآية أرضية تشاهد رأي العين في كل حين وهي حال الأرض حين خلوها من المطر والنبات، ثم حالها بعد نزول المطر، فهي تنتعش بعد أن كانت ميتة، وتهتز بعد أن كانت ساكنة، والذي أحياها هو الذي يحيي الموتى، إنه على كل شيء قدير.

تفسير المفردات :

يسأمون : أي يملون.

الإيضاح :

( فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون( أي فإن استكبر هؤلاء المشركون الذين يعبدون هذه الكواكب وأبوا إلا أن يسجدوا لها وحدها دون الله- فالله لا يعبأ بهم، فالملائكة الذي في حضرة قدسه وهم خير منهم لا يستكبرون عن عبادته، بل يسبحون له ويصلون ليلا ونهارا، وهم لا يفترون عن ذلك ولا يملون.
( ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون٣٧ فإن استكبروا فالذين عند الله ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون٣٨ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير( ( فصلت : ٣٧-٣٩ ).
المعنى الجملي : لما ذكر في الآيات السابقة أن أحسن الأعمال والأقوال هو الدعوة إلى الله تعالى- أردفه ذكر الدلائل على وجوده تعالى وقدرته وحكمته، تنبيها إلى أن الدعوة إلى الله هي تقرير الدلائل على ذاته وصفاته، ثم ذكر منها الدلائل الفلكية وهي الليل والنهار والشمس والقمر، ثم أتبعها بآية أرضية تشاهد رأي العين في كل حين وهي حال الأرض حين خلوها من المطر والنبات، ثم حالها بعد نزول المطر، فهي تنتعش بعد أن كانت ميتة، وتهتز بعد أن كانت ساكنة، والذي أحياها هو الذي يحيي الموتى، إنه على كل شيء قدير.

تفسير المفردات :

خاشعة : أي جامدة يابسة لا نبات فيها، اهتزت : أي تحركت، وربت : أي انتفخت.

الإيضاح :

ولما ذكر الدلائل الفلكية أتبعها بذكر الدلائل الأرضية فقال :
( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت( أي ومن الدلائل على قدرته تعالى على البعث، وإحياء الموتى بعد بلاها، وإعادتها لهيئتها كما كانت من بعد فنائها- أنك ترى الأرض يابسة غبراء لا نبات بها ولا زرع، فإذا نزل عليها الغيث من السماء تحركت بالنبات، وانتفخت، وأخرجت ألوان الزرع والثمار، كما يشاهد من ارتفاع الأرض وانتفاخها، ثم تصدعها وتشققها إذا حان ظهور النبات منها، وتراه يسمو في الجو ويغطي قشرتها، ثم تتشعب عروقه، وتغلظ سوقه.
( إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير( أي إن الذي أحيا هذه الأرض الدارسة، وأخرج منها النبات، وجعلها تهتز بالزرع- قادر على أن يحيي أموات بني آدم بعد مماتهم، وهو القدير على كل شيء، لا يعجزه شيء كائنا ما كان.
( إن الذين يلحدون في آيتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير ٤٠إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز ٤١لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد( ( فصلت : ٤٠-٤٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن الدعوة إلى دين الله أسمى المقاصد، وأنها إنما تحصل بذكر دلائل التوحيد وصحة البعث يوم القيامة- أعقب هذا بتهديد من ينازع في تلك الدلائل بإلقاء الشبهات، ثم هددهم بضروب من التهديد، فهددهم بقوله :( لا يخفون علينا( وبقوله :( اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير( وبقوله :( إن الذين كفروا بالذكر( الخ.
( إن الذين يلحدون في آيتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير ٤٠إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز ٤١لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد( ( فصلت : ٤٠-٤٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن الدعوة إلى دين الله أسمى المقاصد، وأنها إنما تحصل بذكر دلائل التوحيد وصحة البعث يوم القيامة- أعقب هذا بتهديد من ينازع في تلك الدلائل بإلقاء الشبهات، ثم هددهم بضروب من التهديد، فهددهم بقوله :( لا يخفون علينا( وبقوله :( اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير( وبقوله :( إن الذين كفروا بالذكر( الخ.

تفسير المفردات :

والذكر : القرآن.

الإيضاح :

( إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم( أي إن الملحدين هم الذين جحدوا هذا القرآن وكذبوا به حين جاءهم.

ثم وصف الذكر بقوله :

( ١ ) ( وإنه لكتاب عزيز( أي وإنه لكتاب عزيز عن أن يعارض أو يطعن فيه الطاعنون، منيع عن كل عيب، محمي بحماية الله.
( إن الذين يلحدون في آيتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير ٤٠إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز ٤١لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد( ( فصلت : ٤٠-٤٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن الدعوة إلى دين الله أسمى المقاصد، وأنها إنما تحصل بذكر دلائل التوحيد وصحة البعث يوم القيامة- أعقب هذا بتهديد من ينازع في تلك الدلائل بإلقاء الشبهات، ثم هددهم بضروب من التهديد، فهددهم بقوله :( لا يخفون علينا( وبقوله :( اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير( وبقوله :( إن الذين كفروا بالذكر( الخ.

تفسير المفردات :

من بين يديه ومن خلفه : أي من جميع جهاته، حكيم : أي في جميع أفعاله، حميد : أي محمود إلى جميع خلقه بكثرة نعمه عليهم.

الإيضاح :

( ٢ ) ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه( أي ليس للبطلان إليه سبيل، فلا تكذبه الكتب السابقة عليه كالتوراة والإنجيل، ولا يجيء من بعده كتاب يكذبه، قاله سعيد بن جبير والكلبي.
وقال الزجاج : معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه، وبه قال قتادة والسدي.
وقصارى ذلك : إن الباطل لا يتطرق إليه، ولا يجد لديه سبيلا من جهة من الجهات حتى يصل إليه، فكل ما فيه من حق وصدق، وليس فيه ما لا يطابق الواقع.
( ٣ ) تنزيل من حكيم حميد أي وهو تنزيل من عند ذي الحكمة بتدبير شؤون عباده، المحمود على ما أسدى إليهم من النعم التي منها تنزيل هذا الكتاب، بل هي أجلها.
( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم٤٣ ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ٤٤ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب٤٥ من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد( ( فصلت : ٤٣-٤٦ ).
المعنى الجملي : بعد أن هدد الملحدين في آياته- سلى رسوله على ما صيبه من أذى المشركين وطعنهم في كتابه، وحثه على الصبر، وألا يضيق صدره بما حكاه عنهم من نحو قولهم :( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه( ( فصلت : ٥ ). وقولهم :( فاعمل إننا عاملون( ( فصلت : ٥ ) فما قاله أولئك الكفار في شأنه وشأن ما أنزل إليه من القرآن لا يعدو شأن ما قاله أمثالهم من الأمم السابقة، ثم أجاب عن شبهة قالوها، وهي هلا نزل القرآن بلغة العجم- بأنه لو نزل كما يريدون لأنكروا أيضا، وقالوا : ما لنا ولهذا ؟. ثم ذكر أن القرآن هداية وشفاء للمؤمنين، والذين لا يؤمنون به في آذانهم صمم عن سماعه، ثم ذكر أن الاختلاف في شأن الكتب عادة قديمة للأمم، فقومك ليسوا ببدع فيها بين الأمم، ثم أبان أن المرء وما عمل، فمن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها، ولا يظلم ربك أحدا.
( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم٤٣ ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ٤٤ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب٤٥ من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد( ( فصلت : ٤٣-٤٦ ).
المعنى الجملي : بعد أن هدد الملحدين في آياته- سلى رسوله على ما صيبه من أذى المشركين وطعنهم في كتابه، وحثه على الصبر، وألا يضيق صدره بما حكاه عنهم من نحو قولهم :( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه( ( فصلت : ٥ ). وقولهم :( فاعمل إننا عاملون( ( فصلت : ٥ ) فما قاله أولئك الكفار في شأنه وشأن ما أنزل إليه من القرآن لا يعدو شأن ما قاله أمثالهم من الأمم السابقة، ثم أجاب عن شبهة قالوها، وهي هلا نزل القرآن بلغة العجم- بأنه لو نزل كما يريدون لأنكروا أيضا، وقالوا : ما لنا ولهذا ؟. ثم ذكر أن القرآن هداية وشفاء للمؤمنين، والذين لا يؤمنون به في آذانهم صمم عن سماعه، ثم ذكر أن الاختلاف في شأن الكتب عادة قديمة للأمم، فقومك ليسوا ببدع فيها بين الأمم، ثم أبان أن المرء وما عمل، فمن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها، ولا يظلم ربك أحدا.

الإيضاح :

ثم أجاب عن شبهة قالوها، وهي : هلا نزل القرآن بلغة العجم فقال :
( ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي( أي ولو جعلنا هذا القرآن الذي أنزل إليك بلغة العجم- لقال قومك من قريش : هلا بينت أدلته وما فيه من حكم وأحكام بلغة العرب حتى نفقهه ونعلم ما هو وما فيه، وكانوا يقولون منكرين : أقرآن أعجمي ولسان المرسل إليهم عربي ؟
وخلاصة ذلك : لو نزل بلسان أعجمي لقالوا هلا بينت آياته باللسان الذي نفهمه، ولقالوا : أكلام أعجمي والمرسل إليهم عرب خلص ؟
ثم بين حال القرآن لدى المؤمنين والكافرين فقال :
( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء( أي قل لهم ردا على قولهم :( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه( ( فصلت : ٥ ) : إن هذا القرآن للذين صدقوا بما جاءهم به من عند ربهم- هاد إلى الحق، شاف لما في الصدور من ريبة وشك، ومن ثم جاء بلسانهم معجزا بينا في نفسه مبينا لغيره.
ونحو الآية قوله :( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين( ( الإسراء : ٨٢ ).
( والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمي( أي والذين لا يؤمنون بالله ورسوله وبما جاءهم به من عنده في آذانهم ثقل عن استماع هذا القرآن فلا يستمعون له بل يعرضون عنه، وهو عليهم عمي فلا يبصرون حججه ومواعظه.
ونحو الآية قوله في وصفه :( ولا يزيد الظالمين إلا خسارا( ( الإسراء : ٨٢ ).
ثم مثل حالهم باعتبار عدم فهمهم له بحال من ينادى من مكان بعيد لا يسمع من يناديه فقال :
( أولئك ينادون من مكان بعيد( قال الفراء تقول العرب للرجل الذي لا يفهم كلامك : أنت تنادى من مكان بعيد، ولثاقب الرأي : إنك لتأخذ الأمور من مكان قريب، شبهت حال هؤلاء المكذبين في عدم فهمهم وانتفاعهم بما دعوا إليه، بحال من ينادى من مسافة نائية لا يسمع الصوت ولا يفهم تفاصيله ولا معانيه.
( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم٤٣ ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ٤٤ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب٤٥ من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد( ( فصلت : ٤٣-٤٦ ).
المعنى الجملي : بعد أن هدد الملحدين في آياته- سلى رسوله على ما صيبه من أذى المشركين وطعنهم في كتابه، وحثه على الصبر، وألا يضيق صدره بما حكاه عنهم من نحو قولهم :( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه( ( فصلت : ٥ ). وقولهم :( فاعمل إننا عاملون( ( فصلت : ٥ ) فما قاله أولئك الكفار في شأنه وشأن ما أنزل إليه من القرآن لا يعدو شأن ما قاله أمثالهم من الأمم السابقة، ثم أجاب عن شبهة قالوها، وهي هلا نزل القرآن بلغة العجم- بأنه لو نزل كما يريدون لأنكروا أيضا، وقالوا : ما لنا ولهذا ؟. ثم ذكر أن القرآن هداية وشفاء للمؤمنين، والذين لا يؤمنون به في آذانهم صمم عن سماعه، ثم ذكر أن الاختلاف في شأن الكتب عادة قديمة للأمم، فقومك ليسوا ببدع فيها بين الأمم، ثم أبان أن المرء وما عمل، فمن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها، ولا يظلم ربك أحدا.

الإيضاح :

ثم بين أن هؤلاء المكذبين ليسوا بدعا بين الأمم في تكذيبهم بالقرآن، فقد اختلف من قبلهم في التوراة فقال :
( ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه( أي ولقد أرسلنا موسى وآتيناه التوراة فاختلفوا فيها، فمن مصدق بها ومن مكذب، وهكذا شأن قومك معك، فمن مصدق بكتابك ومن مكذب به، فلا تأس على ما فعلوا معك، واسلك سبيل أولي العزم من الرسل صلوات الله عليهم أجمعين فقد أوذوا فصبروا وكان النصر حليفهم، والتوفيق أليفهم وكتب الله لهم الفلج والفوز على أعدائهم المشركين، وأهلك الله القوم الظالمين.
ثم أخبر سبحانه أنه أخر عذابهم إلى حين ولم يعاجلهم بالعقاب على ما اجترحوا من تكذيب الرسول وجحدهم بكتابه فقال :
( ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم( أي ولولا ما سبق من قضاء الله وحكمه فيهم من تأخير عذابهم إلى يوم القيامة بنحو قوله :( بل الساعة موعدهم( ( القمر : ٤٦ ) وقوله :( ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى( ( النحل : ٦١ ) لعجل الفصل بينهم فيما اختلفوا فيه بإهلاك المكذبين كما فعل بمكذبي الأمم السالفة.

ثم بين ما يقتضي إهلاكهم فقال :

( وإنهم لفي شك منه مريب( أي وإن قومك لفي شك من أمر القرآن موجب لقلقهم واضطرابهم، فما كان تكذيبهم له عن بصيرة منهم حين قالوا ما قالوا، بل كانوا شاكين غير محققين لشيء مما كانوا فيه من عبادك ومقاومة دعوتك.
( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم٤٣ ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ٤٤ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب٤٥ من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد( ( فصلت : ٤٣-٤٦ ).
المعنى الجملي : بعد أن هدد الملحدين في آياته- سلى رسوله على ما صيبه من أذى المشركين وطعنهم في كتابه، وحثه على الصبر، وألا يضيق صدره بما حكاه عنهم من نحو قولهم :( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه( ( فصلت : ٥ ). وقولهم :( فاعمل إننا عاملون( ( فصلت : ٥ ) فما قاله أولئك الكفار في شأنه وشأن ما أنزل إليه من القرآن لا يعدو شأن ما قاله أمثالهم من الأمم السابقة، ثم أجاب عن شبهة قالوها، وهي هلا نزل القرآن بلغة العجم- بأنه لو نزل كما يريدون لأنكروا أيضا، وقالوا : ما لنا ولهذا ؟. ثم ذكر أن القرآن هداية وشفاء للمؤمنين، والذين لا يؤمنون به في آذانهم صمم عن سماعه، ثم ذكر أن الاختلاف في شأن الكتب عادة قديمة للأمم، فقومك ليسوا ببدع فيها بين الأمم، ثم أبان أن المرء وما عمل، فمن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها، ولا يظلم ربك أحدا.

الإيضاح :

ثم بين أن الجزاء من جنس العمل وأنه لا يظلم ربك أحدا فقال :
( من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد( أي من عمل بطاعة الله في هذه الحياة فأتمر بأمره وانتهى عما نهى عنه فلنفسه عمل، لأنه يجازى عليه الجزاء الذي هو له أهل، فينجو من النار ويدخل جنة النعيم.
ومن عصى الله فعلى نفسه جنى، لأنه أكسبها سخطه وأليم عقابه، وقد قالوا في أمثالهم ( إنك لا تجني من الشوك العنب ) وما ربك أيها الرسول بحامل عقوبة ذنب على غير مكتسبه، بمعاقب أحدا إلا على جرم اكتسبه.
ونحو الآية قوله :( ألا تزر وازرة وزر أخرى٣٨ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى( ( النجم : ٣٨-٣٩ ).
اللهم وفقنا لعمل الصالحات، وأبعدنا عن ارتكاب الآثام والموبقات، وألهمنا التوفيق لما يرضيك، والبعد عما يسخطك.
وقد كان الفراغ من تفسير هذا الجزء من الكتاب الكريم قبيل فجر الليلة السادسة عشرة من ذي الحجة سنة أربع وستين وثلاثمائة بعد الألف من هجرة النبي الكريم بمدينة حلوان من أرباض القاهرة.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصل ربنا على محمد وآله.
المعنى الجملي : بعد أن هدد الكافرين بأن جزاء كل عامل سيصل إليه يوم القيامة كاملا غير منقوص، إن خيرا فخير وإن شرا فشر-أردف ذلك بيان أن هذا اليوم لا سبيل للخلق إلى معرفته، فلا يعلمه إلا هو، وأن علم الحوادث المقبلة في أوقاتها المعينة مما استأثر الله به، فلا يعلم أحد متى تخرج الثمر من الأكمام، ولا متى تحمل المرأة ولا متى تضع. ثم ذكر أنه سبحانه يوم القيامة ينادي المشركين تهكما وتقريعا لهم : أين شركائي الذين كنتم تزعمون ؟فيجيبون : الآن لا نشهد لأحد منهم بالشركة في الألوهية، وقد غابوا عنهم فلا يرجون منهم نفعا، ولا يفيدونهم خيرا، وأيقنوا حينئذ أن لا مهرب لهم من العذاب
روي أن المشركين قالوا : يا محمد إن كنت نبيا فخبرنا متى تقوم الساعة فنزلت الآية.
تفسير المفردات : ضل عنهم : أي غاب وزال، ظنوا : أي أيقنوا وعلموا، محيص : أي مهرب ؛ يقال حاص يحيص حيصا : إذا هرب.
المعنى الجملي : بعد أن هدد الكافرين بأن جزاء كل عامل سيصل إليه يوم القيامة كاملا غير منقوص، إن خيرا فخير وإن شرا فشر-أردف ذلك بيان أن هذا اليوم لا سبيل للخلق إلى معرفته، فلا يعلمه إلا هو، وأن علم الحوادث المقبلة في أوقاتها المعينة مما استأثر الله به، فلا يعلم أحد متى تخرج الثمر من الأكمام، ولا متى تحمل المرأة ولا متى تضع. ثم ذكر أنه سبحانه يوم القيامة ينادي المشركين تهكما وتقريعا لهم : أين شركائي الذين كنتم تزعمون ؟فيجيبون : الآن لا نشهد لأحد منهم بالشركة في الألوهية، وقد غابوا عنهم فلا يرجون منهم نفعا، ولا يفيدونهم خيرا، وأيقنوا حينئذ أن لا مهرب لهم من العذاب
روي أن المشركين قالوا : يا محمد إن كنت نبيا فخبرنا متى تقوم الساعة فنزلت الآية.
الإيضاح : وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل أي وغابت عنهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها في الدنيا، فأخذ بها طريق غير طريقهم فلم تنفعهم ولم تدفع عنهم شيئا من عذاب الله الذي حل بهم.
وظنوا ما لهم من محيص أي وأيقنوا حينئذ أنه لا ملجأ لهم من عذاب الله.
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه حال الكافرين في الآخرة، وذكر أنهم حينئذ يتبرؤون من الشركاء بعد أن كانوا معترفين بهم في الدنيا- أردف ذلك بيان أن الإنسان متبدل الأحوال، متغير الأطوار، إن أحس بخير وقدرة انتفخت أوداجه وصعّر خديه ومشى الخيلاء، وإن أصابته محنة وبلاء تطامن واستكان ويئس من الفرج، وهذا دليل على شدة حرصه على الجمع، وشدة جزعه من الفقد، إلى ما فيه من طيش يتولد عنه إعجابه واستكباره حين النعمة، وتطامنه حين زوالها، وذلك مما يومئ بشغله بالنعمة عن المنعم في حالي وجودها وفقدها، أما في حال وجودها فواضح، وأما في حال فقدها فلأن التضرع جزعا إنما كان على الفقد الدال على الشغل عن المنعم بالنعمة.
تفسير المفردات : والرحمة هنا : الصحة وسعة العيش، والضراء : المرض وضيق العيش ونحوهما، هذا لي : أي هذا ما أستحقه لما لي من الفضل والعمل، والحسنى : الكرامة، والغليظ هنا : الكثير.
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه حال الكافرين في الآخرة، وذكر أنهم حينئذ يتبرؤون من الشركاء بعد أن كانوا معترفين بهم في الدنيا- أردف ذلك بيان أن الإنسان متبدل الأحوال، متغير الأطوار، إن أحس بخير وقدرة انتفخت أوداجه وصعّر خديه ومشى الخيلاء، وإن أصابته محنة وبلاء تطامن واستكان ويئس من الفرج، وهذا دليل على شدة حرصه على الجمع، وشدة جزعه من الفقد، إلى ما فيه من طيش يتولد عنه إعجابه واستكباره حين النعمة، وتطامنه حين زوالها، وذلك مما يومئ بشغله بالنعمة عن المنعم في حالي وجودها وفقدها، أما في حال وجودها فواضح، وأما في حال فقدها فلأن التضرع جزعا إنما كان على الفقد الدال على الشغل عن المنعم بالنعمة.
الإيضاح : ثم ذكر حال اليؤوس القنوط فقال :
( ١ ) ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي أي ولئن كشفنا ما أصابه من سقم في نفسه أو شدة وجهد في معيشته، فوهبنا له العافية بعد السقم، والغنى بعد الفقر ليقولن هذا حقي قد وصل إلي، لأني أستوجبه بما حصل لي من ضروب الفضائل وأعمال البر والقرب من الله، لا تفضل منه علي – أو لا يعلم أن هذه الفضائل لو وجدت فإنما هي بفضل الله وإحسانه، وهو لا يستحق على الله شيئا ؟
( ٢ ) وما أظن الساعة قائمة أي وما أظن الساعة ستقوم، فلا رجعة ولا حساب ولا عقاب على شيء من الآثام التي يقترفها الإنسان في دنياه، ويجترمها مدى حياته الدنيوية.
وما نتج هذا إلا من شدة رغبته في الدنيا، وعظيم نفرته من الآخرة، فهو حين ينظر إلى أحوال الدنيا يقول : إنها لي وأنا جدير بها، لما لي من فضل به استحققتها، وحين ينظر إلى أحوال الآخرة يقول : وما أظن الساعة قائمة.
( ٣ ) ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى أي وإن الغالب على ظني أن لا رجعة ولا بعث ولا قيامة، ولئن كان البعث حقا فإن لي عنده لكرامة في الآخرة، فإن حالها كحال الدنيا، فما استحققته من النعيم فيها سيكون لي مثله في الآخرة.
وبعد أن حكى عنهم هذه الأقوال ذكر أنه سيظهر لهم أن الأمر بعكس ما يظنون، وبضد ما يعتقدون فقال :
فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ أي فلنخبرن هؤلاء الكافرين يوم يرجعون إلينا بما عملوا من المعاصي، واجترحوا من الآثام، وما دسوا به أنفسهم من الخطايا، ثم لنجازينهم عليها، فيستبين لهم أنهم جديرون بالإهانة والاحتقار لا بالكرامة والإحسان، ولنذيقنهم عذابا غليظا لا يمكنهم الفكاك منه وهو عذاب جهنم التي لا موت فيها ولا يجدون عنها حولا.
تفسير المفردات : نأى بجانبه : أي تكبر واختال، وعريض : أي كثير مستمر ؛ يقولون : أطال في الكلام، وأعرض في الدعاء : إذا أكثر.
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه حال الكافرين في الآخرة، وذكر أنهم حينئذ يتبرؤون من الشركاء بعد أن كانوا معترفين بهم في الدنيا- أردف ذلك بيان أن الإنسان متبدل الأحوال، متغير الأطوار، إن أحس بخير وقدرة انتفخت أوداجه وصعّر خديه ومشى الخيلاء، وإن أصابته محنة وبلاء تطامن واستكان ويئس من الفرج، وهذا دليل على شدة حرصه على الجمع، وشدة جزعه من الفقد، إلى ما فيه من طيش يتولد عنه إعجابه واستكباره حين النعمة، وتطامنه حين زوالها، وذلك مما يومئ بشغله بالنعمة عن المنعم في حالي وجودها وفقدها، أما في حال وجودها فواضح، وأما في حال فقدها فلأن التضرع جزعا إنما كان على الفقد الدال على الشغل عن المنعم بالنعمة.
الإيضاح : وبعد أن حكى أقوال الذي أنعم عليه بعد وقوعه في الجهد الجهيد حكى أفعاله فقال :
وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه أي وإذا نحن أنعمنا عليه فكشفنا عنه المرض ووهبنا له الصحة والعافية ورزقناه سعة العيش – أعرض عما دعوناه إليه من طاعتنا، واستكبر عن الانقياد لأمرنا.
ثم ذكر أنه حين الضراء يكون على عكس هذا فيتضرع ويبتهل إلى ربه فقال :
وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض أي وإذا أصابته شدة من فقر ومرض ونحوهما أطال الدعاء والتضرع إلى الله، لعله يكشف عنه تلك الغمة ويزيل عنه برحمته هاتيك الملمة.
ونحو الآية قوله : وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه الآية( يونس : ١٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن أوعد سبحانه على الشرك وهدد، وحذر وأنذر، وذكر أن المشركين ينكرون الشرك يوم القيامة ويتبرؤون من الشركاء، ويظهرون الذل والخضوع، لاستيلاء الخوف عليهم لما يرون من شديد الأهوال، وأردف هذا ذكر طبيعة الإنسان وأنه متبدل لا يثبت على حال واحدة، فإن أحس القوة تكبر وتعظم، وإن شعر بالضعف أظهر المسكنة والمذلة-أعقب ذلك بلفت أنظار الطاعنين في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى التأمل والتفكر فيما بين أيديهم من الدلائل، ليرعووا عما هم فيه من الغي والضلال، ويقروا بها لتظاهر الأدلة عليها، وعلى أن القرآن منزل من عند الله حقا، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور.
تفسير المفردات : الآفاق : النواحي من مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها واحدها أفق ( بضمتين وبضم فسكون )وشهيد : أي شاهد على كل ما يفعله خلقه، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.
المعنى الجملي : بعد أن أوعد سبحانه على الشرك وهدد، وحذر وأنذر، وذكر أن المشركين ينكرون الشرك يوم القيامة ويتبرؤون من الشركاء، ويظهرون الذل والخضوع، لاستيلاء الخوف عليهم لما يرون من شديد الأهوال، وأردف هذا ذكر طبيعة الإنسان وأنه متبدل لا يثبت على حال واحدة، فإن أحس القوة تكبر وتعظم، وإن شعر بالضعف أظهر المسكنة والمذلة-أعقب ذلك بلفت أنظار الطاعنين في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى التأمل والتفكر فيما بين أيديهم من الدلائل، ليرعووا عما هم فيه من الغي والضلال، ويقروا بها لتظاهر الأدلة عليها، وعلى أن القرآن منزل من عند الله حقا، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور.
وبعد أن ذكر أدلة التوحيد والنبوة أجاب عن شبهات المشركين وتمويهات الضالين فقال :
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أي سنري هؤلاء المشركين وقائعنا بالبلاد المحيطة بمكة وبمكة بما أجريناه على يدي نبينا وعلى يدي خلفائه وأصحابه من الفتوح الدالة على قوة الإسلام وأهله، ووهن الباطل وحزبه حتى يعلموا حقيقة ما أوحينا به إليك وأنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن وعده صادق وأنه مظهر دينك على الأديان كلها.
والخلاصة : سنيسر لهم من الفتوح ما لم يتيسر لأحد ممن قبلهم، ونظهرهم على الجبابرة والأكاسرة، ونجري على أيديهم من الأمور الخارجة عن المعهود، الخارقة للعادة، فيستبين لهم أن هذا القرآن هو الحق، ومن ثم نصر حامليه، وأظهرهم على أعدائهم في قليل من الزمان.
ثم وبخهم على إنكارهم تحقق هذه الإراءة وحصولها فقال :
أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد أي كفى بالله شهيدا على أفعال عباده وأقوالهم، وهو يشهد بأن محمدا صادق فيما أخبر به عنه كما قال : لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه الآية ( النساء ١٦٦ )، وقوله : قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ( الأنعام : ١٩ ).
وقصارى ذلك : ألم تكفهم هذه الدلائل الكثيرة التي أوضحها سبحانه في هذه السورة وفي كل سورة القرآن، وفيها البيان الكافي لإثبات وحدانية الله وتنزيهه عن كل نقص، وإثبات النبوة والبعث.
تفسير المفردات : مرية : أي شك، من لقاء ربهم : أي من البعث بعد الممات، محيط : أي عالم بجميع الأشياء لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
المعنى الجملي : بعد أن أوعد سبحانه على الشرك وهدد، وحذر وأنذر، وذكر أن المشركين ينكرون الشرك يوم القيامة ويتبرؤون من الشركاء، ويظهرون الذل والخضوع، لاستيلاء الخوف عليهم لما يرون من شديد الأهوال، وأردف هذا ذكر طبيعة الإنسان وأنه متبدل لا يثبت على حال واحدة، فإن أحس القوة تكبر وتعظم، وإن شعر بالضعف أظهر المسكنة والمذلة-أعقب ذلك بلفت أنظار الطاعنين في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى التأمل والتفكر فيما بين أيديهم من الدلائل، ليرعووا عما هم فيه من الغي والضلال، ويقروا بها لتظاهر الأدلة عليها، وعلى أن القرآن منزل من عند الله حقا، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور.
وبعد أن أقام الأدلة، وأوضح الحجج حتى لم يبق بعدها مقال لمتعنت ولا جاحد بين سبب عنادهم واستكبارهم فقال :
ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم أي إنهم في شك من البعث والجزاء، واستبعادهم إحياء الموتى بعد تفرق أجزائهم، وتبدد أعضائهم، ومن ثم لا يلتفتون إلى النظر فيما ينفعهم عند لقائه كالتفكر في صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأن القرآن حق لا شك فيه.
ثم دفع مريتهم وشكهم في البعث وإعادة ما تفرق واختلط، مما يتوهم منه عدم إمكان تمييزه فقال :
ألا إنه بكل شيء محيط أي إنه تعالى عليهم بجمل الأشياء وتفاصيلها، مقتدر عليها لا يفوته شيء منها، فهو يعلم ما تفرق من أجزاء الأجسام، ويقدر على إعادتها إلى مكنتها، ثم بعثها وحسابها، لتستوفي جزاءها على ما قدمت من عمل.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

54 مقطع من التفسير