تفسير سورة يس

تفسير ابن عطية
تفسير سورة سورة يس من كتاب المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز المعروف بـتفسير ابن عطية .
لمؤلفه ابن عطية . المتوفي سنة 542 هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
( ٣٦ )سورة يس مكية
وآيتها ثلاث وثمانون
هذه السورة مكية بإجماع إلا أن فرقة قالت إن قوله ' ونكتب ما قدموا وآثارهم ' [ يس : ١٢ ] نزلت في بني سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم وينتقلوا إلى جوار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم ( دياركم تكتب آثاركم ) وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعروا المدينة١، وعلى هذا فالآية مدنية وليس الأمر كذلك وإنما نزلت الآية بمكة ولكنه احتج بها عليهم في المدينة ووافقها قول النبي صلى الله عليه وسلم في المعنى فمن هنا قيل ذلك٢، وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن لكل شيء قلبا وإن قلب القرآن يس٣ وروت عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام قال إن في القرآن سورة يشفع قارئها ويغفر لمستمعها وهي يس٤ وقال يحيى بن أبي كثير " من قرأ سورة يس ليلا لم يزل في فرح حتى يصبح، وكذا في النهار " ٥ ويصدق ذلك التجربة. .

بسم الله الرحمن الرحيم

١ أي أن يتركوها خالية عارية..
٢ في الترمذي عن أبي سعيد الخدري، قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية:﴿إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن آثاركم تُكتب) فلم ينتقلوا، وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، قال: والبقاع خالية، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:(يا بني سلِمة، دياركم تكتب آثاركم)، وابن عطية يرى أن الآية مكية، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم احتج عليهم في المدينة، واتفق قوله صلى الله عليه وسلم مع الآية في المعنى، وهذا هو السبب في أن بعض الناس قالوا: الآية مدنية. والمراد بالآثار الخطى إلى المساجد..
٣ أخرجه الدارمي، والترمذي، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أنس، وفي آخره (ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات)، وأخرج مثله البزار عن أبي هريرة، (الدر المنثور). وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لكل شيء قلب، وقلب القرآن يسن، ومن قرأ يسن فكأنما قرأ القرآن عشر مرات)..
٤ أخرجه أبو نصر السجزي في الإبانة وحسنه، ، عن عائشة رضي الله عنها، ولفظه كما جاء في الدر المنثور: قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن في القرآن لسورة تدعى العظيمة عند الله، يدعى صاحبها الشريف عند الله، يشفع صاحبها يوم القيامة في أكثر من ربيعة ومضر، وهي سورة يسن).(الدر المنثور)..
٥ هو يحيى بن أبي كثير الطائي، مولاهم، أبو نصر اليماني، ثقة، ثبت، قال عنه خاتمة الحفاظ أحمد بن حجر العسقلاني:"لكنه يدلس ويرسل"، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل قبل ذلك. وزاد القرطبي في آخر العبارة التي نقلها عن يحيى بن أبي كثير قوله:"وقد حدثني من جربها"، وابن عطية يؤيد ذلك ويقول:" ويصدق ذلك التجربة"..

بسم الله الرّحمن الرّحيم

سورة يس
هذه السورة مكية بإجماع إلا أن فرقة قالت إن قوله، وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ [يس: ١٢] نزلت في بني سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم وينتقلوا إلى جوار مسجد رسول الله ﷺ فقال لهم: «دياركم تكتب آثاركم»، وكره رسول الله ﷺ أن يعروا المدينة، وعلى هذا فالآية مدنية وليس الأمر كذلك، وإنما نزلت الآية بمكة ولكنه احتج بها عليهم في المدينة ووافقها قول النبي ﷺ في المعنى، فمن هنا قال من قال إنها نزلت في بني سلمة، وروى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «إن لكل شيء قلبا وإن قلب القرآن يس»، وروت عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام قال: «إن في القرآن سورة يشفع قارئها ويغفر لمستمعها وهي يس»، وقال يحيى بن أبي كثير: من قرأ سورة يس ليلا لم يزل في فرح حتى يصبح ويصدق ذلك التجربة.
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ١ الى ٥]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)
أمال حمزة والكسائي الياء في يس غير مفرطين والجمهور يفتحونها ونافع وسط في ذلك، وقوله تعالى: يس يدخل فيه من الأقوال ما تقدم في الحروف المقطعة في أوائل السور، ويختص هذا بأقوال، منها أن سعيد بن جبير قال: إنه اسم من أسماء محمد ﷺ دليله إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وقال السيد الحميري:
يا نفس لا تمحضي بالنصح جاهدة على المودة إلا آل ياسينا
وقال ابن عباس: معناه يا إنسان بلسان الحبشة، وقال أيضا ابن عباس في كتاب الثعلبي: هو بلغة طيّىء وذلك أنهم يقولون يا إيسان بمعنى إنسان ويجمعونه على أياسين فهذا منه، وقالت فرقة: «يا» حرف نداء، والسين مقامة مقام الإنسان انتزع منه حرف فأقيم مقامه، ومن قال إنه اسم من أسماء السورة أو من أسماء القرآن فذلك من الأقوال المشتركة في أوائل جميع السور، وقرأ جمهور القراء يس و «نون» [القلم: ١] بسكون النون وإظهارها وإن كانت النون ساكنة تخفى مع الحروف فإنما هذا مع الانفصال، وإن حق هذه الحروف المقطعة في الأوائل أن تظهر، وقرأ عاصم وابن عامر بخلاف عنهما يس وَالْقُرْآنِ
بإدغام النون في الواو على عرف الاتصال، وقرأ ابن أبي إسحاق بخلاف بنصب النون، وهي قراءة عيسى بن عمرو رواها عن الغنوي، وقال قتادة: يس قسم، قال أبو حاتم: قياس هذا القول نصب النون كما تقول الله لأفعلن كذا، وقرأ الكلبي بضمها وقال هي بلغة طيىء «يا إنسان»، وقرأ أبو السمال وابن أبي إسحاق بخلاف بكسرها وهذه الوجوه الثلاثة هي للالتقاء، وقال أبو الفتح ويحتمل الرفع أن يكون اجتزاء بالسين من «يا إنسان»، وقال الزجاج النصب كأنه قال اتل يس وهو مذهب سيبويه على أنه اسم للسورة، ويس مشبهة الجملة من الكلام فلذلك عدت آية بخلاف طس [النحل: ١٤] ولم ينصرف يس للعجمة والتعريف، والْحَكِيمِ المحكم، فيكون فعيل بمعنى مفعل أي أحكم في مواعظه وأوامره ونواهيه، ويحتمل أن يكون الْحَكِيمِ بناء فاعل أي ذو الحكمة، وقوله عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يجوز أن تكون جملة في موضع رفع على أنها خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون في موضع نصب على أنها في موضع حال من الْمُرْسَلِينَ، و «الصراط» الطريق، والمعنى على طريق وهدى ومهيع رشاد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «تنزيل» بالرفع على خبر الابتداء وهي قراءة أبي جعفر وشيبة والحسن والأعرج والأعمش، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «تنزيل» بالنصب على المصدر، واختلف عن عاصم، وهي قراءة طلحة والأشهب وعيسى بن عمر والأعمش بخلاف عنهما.
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٦ الى ٩]
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩)
اختلف المفسرون في قوله ما أُنْذِرَ، فقال عكرمة ما بمعنى الذي، والتقدير الشيء الذي أنذره الآباء من النار والعذاب، ويحتمل أن تكون ما مصدرية على هذا القول من أن الآباء أنذروا.
قال القاضي أبو محمد: ف «الآباء» على هذا كله هم الأقدمون على مر الدهور، وقوله تعالى:
فَهُمْ، مع هذا التأويل بمعنى فإنهم دخلت الفاء لقطع الجملة من الجملة، وقال قتادة ما نافية أي أن آباءهم لم ينذروا، فالآباء على هذا هم القريبون منهم، وهذه الآية كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [سبأ: ٤٤]، وهذه النذارة المنفية هي نذارة المباشرة والأمر والنهي، وإلا فدعوة الله تعالى من الأرض لم تنقطع قط، وقوله فَهُمْ على هذا، الفاء منه واصلة بين الجملتين ورابطة للثانية بالأولى، وحَقَّ الْقَوْلُ معناه وجب العذاب وسبق القضاء به هذا فيمن لم يؤمن من قريش كمن قتل ببدر وغيرهم، وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا الآية قال مكي: قيل هي حقيقة في أحوال الآخرة وإذا دخلوا النار.
قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ يضعف هذا القول لأن بصر الكافر يوم القيامة إنما هو حديد يرى قبح حاله، وقال الضحاك: معناه متعناهم من النفقة في سبيل الله، كما
قال تعالى وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [الإسراء: ٢٣]، وقال ابن عباس وابن إسحاق: الآية استعارة لحال الكفرة الذين أرادوا محمدا ﷺ بسوء، فجعل الله تعالى هذا مثالا لهم في كفه إياهم عن محمد ﷺ ومنعهم من إذايته حين بيتوه، قال عكرمة: نزلت هذه الآية حين أراد أبو جهل ضربه بالحجر العظيم فمنعه الله تعالى منه، الحديث، وفي غير ذلك من المواطن وقالت فرقة:
الآية مستعارة المعاني من منع الله تعالى آباءهم من الإيمان وحوله بينهم وبينه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا أرجح الأقوال لأنه تعالى لما ذكر أنهم لا يُؤْمِنُونَ بما سبق لهم في الأزل عقب ذلك بأن جعل لهم من المنع وإحاطة الشقاوة ما حالهم معه حال المغللين، والغل ما أحاط بالعنق على معنى التثقيف والتضييق والتعذيب والأسر ومع العنق اليدان أو اليد الواحدة هذا معنى التغليل، وقوله تعالى: فَهِيَ يحتمل أن يعود على «الأغلال» أي هي عريضة تبلغ بحرفها الْأَذْقانِ، والذقن مجتمع اللحيين فيضطر المغلول إلى رفع وجهه نحو السماء وذلك هو «الإقماح» وهو نحو الإقناع في الهيئة ونحوه ما يفعله الإنسان والحيوان عند شرب الماء البارد وعند الملوحات والحموضة القوية ونحوه، ويحتمل وهو قول الطبري أن تعود «هي» على الأيدي وإن لم يتقدم لها ذكر لوضوح مكانها من المعنى، وذلك أن الغل إنما يكون في العنق مع اليدين، وروي أن في مصحف ابن مسعود وأبيّ «إنا جعلنا في أيمانهم»، وفي بعضها «في أيديهم»، وقد ذكرنا معنى «الإقماح»، وقال قتادة: المقمح الرافع رأسه، وقال قتادة: مُقْمَحُونَ مضللون عن كل خير، وأرى الناس علي بن أبي طالب رضي الله عنه الإقماح فجعل يديه تحت لحييه وألصقها ورفع رأسه، وقرأ الجمهور «سدّا» بضم السين في الموضعين، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن مسعود وطلحة وابن وثاب وعكرمة والنخعي وابن كثير «سدا» بفتح السين، وقال أبو علي: قال قوم هما بمعنى واحد أي حائلا يسد طريقهم، وقال عكرمة: ما كان مما يفعله البشر فهو بالضم وما كان خلقة فهو بالفتح.
قال القاضي أبو محمد: والسد ما سد وحال، ومنه قول الأعرابي في صفة سحاب: طلع سد مع انتشار الطفل، أي سحاب سد الأفق، ومنه قولهم: جراد سد، ومعنى الآية أن طريق الهدى سد دونهم، وقرأ جمهور الناس «فأغشيناهم» بالغين منقوطة أي جعلنا على أعينهم غشاوة، وقرأ ابن عباس وعكرمة وابن يعمر وعمر بن عبد العزيز والنخعي وابن سيرين «فأغشيناهم» بالعين غير منقوطة، ورويت عن النبي ﷺ وهي من العشى أي أضعفنا أبصارهم والمعنى فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ رشدا ولا هدى، وقرأ يزيد البربري «فأغشيتهم» بتاء دون ألف وبالغين منقوطة.
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ١٠ الى ١٢]
وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢)
هذه مخاطبة لمحمد ﷺ مضمنها تسلية عنهم أي أنهم قد حتم عليهم بالكفر فسواء
إنذارك وتركه، والألف في قوله في أَأَنْذَرْتَهُمْ ألف التسوية لأنها ليست باستفهام بل المستفهم والمستفهم مستويان في علم ذلك، وقرأ الجمهور «آنذرتهم» بالمد، وقرأ ابن محيصن والزهري «أنذرتهم» بهمزة واحدة على الخبر، وَسَواءٌ رفع بالابتداء، وقوله أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ جملة من فعلين متعادلين تقدر تقدير فعل واحد هو خبر الابتداء، كأنه قال وسواء عليهم جميع فعلك ففسر هذا الجميع ب أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ، ومثله قولهم: سواء عندي أقمت أم قعدت، هكذا ذكر أبو علي في تحقيق الخبر في مثل هذا إذ من الأصول أن الابتداء هو الخبر والخبر هو الابتداء، وقوله إِنَّما تُنْذِرُ ليس على جهة الحصر ب إِنَّما بل على تجهة تخصيص من ينفعه الإنذار، و «اتباع الذكر» هو العمل بما في كتاب الله تعالى والاقتداء به، قال قتادة: الذِّكْرَ القرآن وقوله تعالى: بِالْغَيْبِ أي بالخلوات عند مغيب الإنسان عن عيون البشر، ثم قال تعالى فَبَشِّرْهُ فوحد الضمير مراعاة للفظ من، و «الأجر الكريم» هو كل ما يأخذه الأجير مقترنا بحمد على الأحسن وتكرمة، وكذلك هي للمؤمنين الجنة، ثم أخبر تعالى بإحيائه الموتى ردا على الكفرة، ثم توعدهم بذكره كتب الآثار، وإحصاء كل شيء وكل ما يصنعه الإنسان، فيدخل فيما قدم ويدخل في آثاره لكنه تعالى ذكر الأمر من الجهتين ولينبه على الآثار التي تبقى ويذكر ما قدم الإنسان من خير أو شر، وإلا فذلك كله داخل فيما قدم ابن آدم، وقال قتادة ما قَدَّمُوا معناه من عمل، وقاله ابن زيد ومجاهد وقد يبقى للمرء ما يستن به بعده فيؤجر به أو يأثم، ونظير هذه الآية عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ٥]، وقوله يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
[القيامة: ١٣]، وقرأت فرقة «وآثارهم» بالنصب، وقرأ مسروق «وآثارهم» بالرفع، وقال ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري إن هذه الآية نزلت في بني سلمة حين أرادوا النقلة إلى جانب المسجد، وقد بينا ذلك في أول السورة، وقال ثابت البناني: مشيت مع أنس بن مالك إلى الصلاة فأسرعت فحبسني فلما انقضت الصلاة قال لي: مشيت مع زيد بن ثابت إلى الصلاة، فأسرعت في مشيي فحبسني فلما انقضت الصلاة قال: مشيت مع النبي ﷺ إلى الصلاة فأسرعت في مشيي فحبسني، فلما انقضت الصلاة قال لي: يا زيد أما علمت أن الآثار تكتب.
قال القاضي أبو محمد: فهذا احتجاج بالآية، وقال مجاهد وقتادة والحسن: والآثار في هذه الآية الخطا، وحكى الثعلبي عن أنس أنه قال: الآثار هي الخطا إلى الجمعة، وقيل الآثار ما يبقى من ذكر العمل فيقتدى به فيكون للعامل أجر من عمل بسنته من بعده، وكذلك الوزر في سنن الشر، وقوله تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ نصب بفعل مضمر يدل عليه أَحْصَيْناهُ كأنه قال وأحصينا كل شيء أحصيناه، و «الإمام» الكتاب المقتدى به الذي هو حجة، قال مجاهد وقتادة وابن زيد: أراد اللوح المحفوظ، وقالت فرقة: أراد صحف الأعمال.
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ١٣ الى ١٧]
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧)
الضرب للمثل مأخوذ من الضريب الذي هو الشبه في النوع، كما تقول هذا ضرب هذا، واختلف هل يتعدى فعل ضرب المثل إلى مفعولين أو إلى واحد، فمن قال إنه يتعدى إلى مفعولين جعل هذه الآية مَثَلًا وأَصْحابَ مفعولين لقوله اضْرِبْ، ومن قال إنه يتعدى إلى مفعول واحد جعله مَثَلًا وجعل أَصْحابَ بدلا منه، ويجوز أن يكون المفعول أَصْحابَ ويكون قوله مَثَلًا نصب على الحال، أي في حال تمثيل منك، والْقَرْيَةِ على ما روي عن ابن عباس والزهري وعكرمة أنطاكية، واختلف المفسرون في «المرسلين» فقال قتادة وغيره: كانوا من الحواريين الذين بعثهم عيسى عليه السلام حين رفع وصلب الذي ألقي عليه شبهه، فافترق الحواريون في الآفاق فقص الله تعالى هنا قصة الذين نهضوا إلى انطاكية، وقالت فرقة: هؤلاء أنبياء من قبل الله تعالى.
قال القاضي أبو محمد: وهذا يرجحه قول الكفرة ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فإنها محاورة إنما تقال لمن ادعى الرسالة عن الله تعالى والآخر محتمل، وذكر النقاش في قصص هذه الآية شيئا يطول والصحة فيه غير متيقنة فاختصرته، واللازم من الآية أن الله تعالى بعث إليها رسولين فدعيا أهل القرية إلى عبادة الله تعالى وحده، وإلى الهدى والإيمان فكذبوهما فشدد الله تعالى أمرهما بثالث وقامت الحجة على أهل القرية، وآمن منهم الرجل الذي جاء يسعى، وقتلوه في آخر أمره، وكفروا فأصابتهم صيحة من السماء فخمدوا، وقرأ جمهور القراء «فعزّزنا» بشد الزاي الأولى على معنى قوينا وشددنا، وبهذا فسر مجاهد وغيره، وقرأ عاصم في رواية المفضل عن أبي بكر «فعززنا» بالتخفيف في الزاي على معنى غلبناهم أمرهم، وفي حرف ابن مسعود «فعززنا بالثالث» بألف ولام، وهذه الأمة أنكرت النبوءة بقولها: وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ، وراجعتهم الرسل بأن يردوا العلم إلى الله تعالى وقنعوا بعلمه وأعلموهم أنهم إنما عليهم البلاغ فقط وما عليهم من هداهم وضلالهم، وفي هذا وعيد لهم.
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ١٨ الى ٢١]
قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)
قال بعض المتأولين: إن أهل هذه القرية أسرع فيهم الجذام عند تكذيبهم المرسلين فلذلك قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ، وقال مقاتل: احتبس عنهم المطر فلذلك قالوه، ومعناه تشاءمنا بكم، مأخوذ من الحكم بالطير، وهو معنى متداول في الأمم وقلما يستعمل تطيرت إلا في الشؤم، وأما حكم الطير عند مستعمليه ففي التيمن وفي الشؤم، والأظهر أن تطير هؤلاء إنما كان بسبب ما دخل قريتهم من اختلاف الكلمة وافتتان الناس، وهذا على نحو تطير قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعلى نحو ما خوطب به موسى، وقال
قتادة: قالوا إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم، ولَنَرْجُمَنَّكُمْ معناه بالحجارة، قاله قتادة، وقولهم عليهم السلام، طائِرُكُمْ مَعَكُمْ، معناه حظكم وما صار إليه من خير وشر معكم، أي من أفعالكم ومن تكسباتكم ليس هو من أجلنا ولا بسببنا بل ببغيكم وكفركم، وبهذا فسر الناس، وسمي الحظ والنصيب طائرا استعارة أي هو مما تحصل عن النظر في الطائر، وكثر استعمال هذا المعنى حتى قالت المرأة الأنصارية: فطار لنا، حين اقتسم المهاجرون، عثمان بن مظعون، ويقول الفقهاء: طار لفلان في المحاصة كذا وكذا، وقرأ ابن هرمز والحسن وعمرو بن عبيد «طيركم معكم»، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر «أإن ذكرتم» بهمزتين الثانية مكسورة على معنى أإن ذكرتم تتطيرون، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير بتسهيل هذه الهمزة الثانية وردها ياء «أين ذكرتم»، وقرأ الماجشون «أن ذكرتم» بفتح الألف، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «إن ذكرتم» بكسر الألف، وقرأ أبو عمرو في بعض ما روي عنه وزر بن حبيش «أأن ذكرتم» بهمزتين مفتوحتين وشاهده قول الشاعر: [الطويل]
أأن كنت داود بن أحوى مرجلا فلست براع لابن عمك محرما
وقرأ أبو جعفر بن القعقاع والأعمش «أين ذكرتم» بسكون الياء وتخفيف الكاف.
قال القاضي أبو محمد: فهي «أين» المقولة في الظرف، وهذه قراءة أبي جعفر وخالد وطلحة وقتادة والحسن في تخفيف الكاف فقط، ثم وصفهم بالإسراف والتعدي، وأخبر تعالى ذكره عن حال رجل جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ سمع من المرسلين وفهم عن الله تعالى فجاء يسعى على قدميه وسمع قولهم فلما فهمه روي أنه تعقب أمرهم وسبرهم بأن قال لهم: أتطلبون على دعوتكم هذه أجرا؟ قالوا: لا، فدعا عند ذلك قومه إلى اتباعهم و «الإيمان بهم» إذ هو الحق ثم احتج عليهم بقوله اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وهم على هدى من الله.
قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية حاكمة بنقص من يأخذ على شيء من أفعال الشرع التي هي لازمة كالصلاة ونحوها، فإنها كالتبليغ لمن بعث بخلاف ما لا يلزمه كالإمارة والقضاء، وقد ارتزق أبو بكر الصديق رضي الله عنه وروي عن أبي مجلز وكعب الأحبار وابن عباس أن اسم هذا الرجل حبيب وكان نجارا وكان فيما قال وهب بن منبه قد تجذم، فقيل: كان في غار يعبد ربه، وقال ابن أبي ليلى: سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة علي بن أبي طالب وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون، وذكر الناس من أسماء الرسل صادق وصدوق وشلوم وغير هذا والصحة معدومة فاختصرته.
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٢٢ الى ٢٧]
وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)
بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)
قرأ الجمهور «ومالي» بفتح الياء، وقرأ الأعمش وحمزة بسكون الياء، وقد تقدم مثل هذا، وقوله تعالى: وَما لِيَ تقرير لهم على جهة التوبيخ في هذا الأمر الذي يشهد العقل بصحته أن من فطر واخترع وأخرج من العدم إلى الوجود فهو الذي يستحق أن يعبد، ثم أخبرهم بأنهم يحشرون إليه يوم القيامة، ثم وقفهم أيضا على جهة التوبيخ على اتخاذ الآلهة من دون الله تعالى، وهي لا ترد عن الإنسان المقادير التي يريدها الله تعالى به لا بقوة منها ولا بشفاعة، وقرأ طلحة السمان وعيسى الهمداني «أن يردني» بياء مفتوحة، ورويت عن نافع وعاصم وأبي عمرو، ثم صدع رضي الله تعالى عنه بإيمانه وأعلن فقال إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ واختلف المفسرون في قوله فَاسْمَعُونِ فقال ابن عباس وكعب ووهب: خاطب بها قومه.
قال القاضي أبو محمد: على جهة المبالغة والتنبيه، وقيل خاطب بها الرسل على جهة الاستشهاد بهم والاستحفاظ عندهم، وقرأ الجمهور «فاسمعون» بكسر النون على نية الياء بعد ها وروى أبو بكر عن عاصم «فاسمعون» بفتح النون قال أبو حاتم: هذا خطأ لأنه أمر، فإما حذف النون وإما كسرها على نية الياء.
قال القاضي أبو محمد: وهنا محذوف تواترت به الأحاديث والروايات، وهو أنهم قتلوه،. واختلف كيف، فقال قتادة وغيره: رجموه بالحجارة، وقال عبد الله بن مسعود: مشوا عليه بأقدامهم حتى خرج قصبه من دبره، فقيل له عند موته ادْخُلِ الْجَنَّةَ وذلك والله أعلم بأن عرض عليه مقعده منها، وتحقق أنه من ساكنيها برؤيته ما أقر عينه، فلما تحصل له ذلك تمنى أن يعلم قومه بذلك، وقيل أراد بذلك الإشفاق والتنصح لهم، أي لو علموا بذلك لآمنوا بالله تعالى، وقيل أراد أن يعلموا ذلك فيندموا على فعلهم به ويحزنهم ذلك، وهذا موجود في جبلة البشر إذا نال خيرا في بلد غربة ود أن يعلم ذلك جيرانه وأترابه الذين نشأ فيهم ولا سيما في الكرامات، ونحو من ذلك قول الشاعر:
والعز مطلوب وملتمس... وأحبه ما نيل في الوطن
قال القاضي أبو محمد: والتأويل الأول أشبه بهذا العبد الصالح، وفي ذلك قال النبي ﷺ «نصح قومه حيا وميتا»، وقال قتادة بن دعامة: نصحهم على حالة الغضب والرضى، وكذلك لا تجد المؤمن إلا ناصحا للناس، و «ما» في قوله تعالى: بِما يجوز أن تكون مصدرية أي بغفران ربي لي، ويجوز أن تكون بمعنى الذي، وفي غفر ضمير عائد محذوف قال الزهراوي: ويجوز أن يكون استفهاما، ثم ضعفه.
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٢٨ الى ٣٢]
وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢)
451
هذه مخاطبة لمحمد ﷺ فيها توعد لقريش إذ هذا هو المروع لهم من المثال، أي ينزل بهم من عذاب الله ما نزل بقوم حبيب النجار، فنفى عز وجل، أي أنه ما أنزل على قوم هذا الرجل مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ، فقال مجاهد: أراد أنه لم يرسل رسولا ولا استعتبهم، قال ابن مسعود: أراد لم يحتج في تعذيبهم إلى جند من جنود الله تعالى كالحجارة والغرق والريح وغير ذلك بل كانت صيحة واحدة لأنهم كانوا أيسر وأهون من ذلك، قال قتادة: والله ما عاتب الله تعالى قومه بعد قتله حتى أهلكهم، واختلف المتأولون في قوله وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ، فقالت فرقة ما كُنَّا مُنْزِلِينَ، ما نافية وهذا يجري مع التأويل الثاني في قوله، ما أَنْزَلْنا مِنْ جُنْدٍ، وقالت فرقة وَما عطف على جُنْدٍ أي من جند ومن الذي كنا منزلين على الأمم مثلهم قبل ذلك، وقرأ الجمهور «إلا صيحة» بالنصب على خبر «كان»، أي ما كان عذابهم إلا صيحة واحدة، وقرأ أبو جعفر ومعاذ بن الحارث «إلا صيحة» بالرفع، وضعفها أبو حاتم، والوجه فيها أنها ليست «كان» التي تطلب الاسم والخبر، وإنما التقدير ما وقعت أو حدثت إلا صيحة واحدة، وقرأ ابن مسعود وعبد الرحمن بن الأسود إلا زقية «وهي الصيحة» من الديك ونحوه من الطير، وخامِدُونَ ساكنون موتى لاطئون بالأرض شبهوا بالرماد الذي خمدت ناره وطفئت، وقوله يا حَسْرَةً نداء لها على معنى هذا وقت حضورك وظهورك هذا تقدير نداء مثل هذا عند سيبويه، وهو معنى قويم في نفسه، وهو نداء منكور على هذا القراءة، قال الطبري: المعنى «يا حسرة العباد على أنفسهم»، وذكر أنها في بعض القراءات كذلك، وقال ابن عباس: «يا ويلا العباد»، وقرأ ابن عباس والضحاك وعلي بن الحسين ومجاهد وأبي بن كعب «يا حسرة العباد»، بإضافتها، وقول ابن عباس حسن مع قراءته، وتأويل الطبري في ذلك القراءة الأولى ليس بالبين وإنما يتجه أن يكون المعنى تلهفا على العباد، كأن الحال يقتضيه وطباع كل بشر توجب عند سماعه حالهم وعذابهم على الكفر وتضييعهم أمر الله تعالى أن يشفق ويتحسر على العباد، وقال أبو العالية: المراد ب الْعِبادِ الرسل الثلاثة، فكأن هذا التحسر هو من الكفار حين رأوا عذاب الله تلهفوا على ما فاتهم، وقوله تعالى: ما يَأْتِيهِمْ الآية، يدافع هذا التأويل، والحسرة التلهفات التي تترك صاحبها حسيرا، وقرأ الأعرج بن جندب وأبو الزناد «يا حسرة» بالوقف على الهاء وذلك للحرص على بيان معنى التحسر وتقريره للنفس، والنطق بالهاء في مثل هذا أبلغ في التشفيق وهز النفس كقولهم: أوه ونحوه، وقوله ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ الآية، تمثيل لفعل قريش ثم عناهم بقوله أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ، وكَمْ هنا خبرية، وأَنَّهُمْ بدل منها، والرؤية رؤية البصر، وفي قراءة ابن مسعود «أو لم يروا من أهلكنا»، وقرأ جمهور القراء «أنهم» بفتح الألف، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «إنهم» بكسرها، وقرأ جمهور الناس «لما جميع» بتخفيف الميم وذلك على زيادة «ما» للتأكيد، والمعنى لجميع، وقرأ الحسن وابن جبير وعاصم «لمّا» بشد الميم، قالوا هي منزلة منزلة «إلا»، وقيل المراد «لمما» حذفت الميم الواحدة وفيها ضعف، وفي حرف أبيّ و «إن منهم إلا جميع»، ومُحْضَرُونَ قال قتادة: محشرون يوم القيامة.
452
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٦]
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦)
وَآيَةٌ معناه علامة على الحشر وبعث الأجساد، والضمير في لَهُمُ يراد به كفار قريش، وقرأ نافع وشيبة وأبو جعفر، «الميّتة» بكسر الياء وشدها، وقرأ أبو عمرو وعاصم «الميتة» بسكون الياء، وإحياؤها بالمطر، وقرأ جمهور الناس «من ثمره» بفتح الثاء والميم، وقرأ طلحة وابن وثاب وحمزة والكسائي «من ثمرة» بضمهما، وقرأ الأعمش «من ثمره» بضم الثاء وسكون الميم، والضمير في ثَمَرِهِ قالت فرقة هو عائد على الماء الذي يتضمنه قوله وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ لأن التقدير ماء، وقالت فرقة هو عائد على جميع ما تقدم مجملا، كأنه قال: من ثمر ما ذكرنا، وقال أبو عبيدة: هو من باب أن يذكر الإنسان شيئين أو ثلاثة ثم يعيد الضمير على واحد ويكني عنه، كما قال الشاعر، وهو الأزرق بن طرفة بن العمرد القارضي الباهلي: [الطويل]
رماني بذنب كنت منه ووالدي بريئا ومن أجل الطويّ رماني
قال القاضي أبو محمد: وهذا وجه في الآية ضعيف، وما في قوله تعالى: وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ قال الطبري: هي اسم معطوف على الثمر أي يقع الأكل من الثمر ومما عملته الأيدي بالغرس والزراعة ونحوه، وقالت فرقة: هي مصدرية وقيل هي نافية، والتقدير أنهم يأكلون من ثمره وهي شيء لم تعمله أيديهم بل هي نعمة من الله عليهم، وقرأ جمهور الناس «عملته» بالهاء الضمير، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وطلحة وعيسى «عملت» بغير ضمير، ثم نزه نفسه تعالى تنزيها مطلقا في كل ما يلحد به ملحد أو يشرك مشرك، والْأَزْواجَ الأنواع من جميع الأشياء، وقوله تعالى: وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ نظير قوله وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ [النمل: ٨].
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٣٧ الى ٤٠]
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)
هذه الآيات جعلها الله عز وجل أدلة على القدرة ووجوب الألوهية له، ونَسْلَخُ معناه نكشط
ونقشر، فهي استعارة، ومُظْلِمُونَ داخلون في الظلام، واستدل قوم من هذه الآية على أن الليل أصل والنهار فرع طار عليه، وفي ذلك نظر، و «مستقر الشمس» على ما روي في الحديث عن النبي ﷺ من طريق أبي ذؤيب «بين يدي العرش تمجد فيه كل ليلة بعد غروبها»، وفي حديث آخر «أنها تغرب في عين حمئة ولها ثم وجبة عظيمة»، وقالت فرقة: مستقرها هو في يوم القيامة حين تكون فهي تجري لذلك المستقر، وقالت فرقة: مستقرها كناية عن غيوبها لأنها تجري كل وقت إلى حد محدود تغرب فيه، وقيل: مستقرها آخر مطالعها في المنقلبين لأنهما نهاية مطالعها فإذا استقر وصولها كرت راجعة وإلا فهي لا تستقر عن حركتها طرفة عين، ونحا إلى هذا ابن قتيبة، وقالت فرقة: مستقرها وقوفها عند الزوال في كل يوم، ودليل استقرارها وقوف ظلال الأشياء حينئذ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح وأبو جعفر ومحمد بن علي وجعفر بن محمد، «والشمس تجري لا مستقر لها»، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والحسن والأعرج «والقمر» بالرفع عطفا على قوله وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ عطف جملة على جملة ويصح وجه آخر وهو أن يكون قوله وَآيَةٌ ابتداء وخبره محذوف، كأنه قال: في الوجود وفي المشاهدة، ثم فسر ذلك بجملتين من ابتداء وخبر وابتداء وخبر، الأولى منهما اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ، والثانية وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ، وقرأ الباقون «والقمر قدرناه» بنصب «القمر» على إضمار فعل يفسره قَدَّرْناهُ، وهي قراءة أبي جعفر وابن محيصن والحسن بخلاف عنه، ومَنازِلَ نصب على الظرف، وهذه المنازل المعروفة عند العرب وهي ثمانية وعشرون منزلة يقطع القمر منها كل ليلة أقل من واحدة فيما يزعمون، وعودته هي استهلاله رقيقا، وحينئذ يشبه «العرجون» وهو الغصن من النخلة الذي فيه شماريخ التمر فإنه ينحني ويصفر إذا قدم ويجيء أشبه شيء بالهلال قاله الحسن بن أبي الحسن، والوجود تشهد به، وقرأ سليمان التيمي «كالعرجون» بكسر العين، والْقَدِيمِ معناه العتيق الذي قد مر عليه زمن طويل، ويَنْبَغِي هنا مستعملة فيما لا يمكن خلافه لأنها لا قدرة لها على غير ذلك، وقرأ الجمهور «سابق النهار» بالإضافة، وقرأ عبادة «سابق النهار» دون تنوين في القاف، وبنصب «النهار» ذكره الزهراوي وقال: حذف التنوين تخفيفا، و «الفلك» فيما روي عن ابن عباس متحرك مستدير كفلكة المغزل من الكواكب، ويَسْبَحُونَ معناه يجرون ويعومون، قال مكي: لما أسند إليها فعل من يعقل جمعت بالواو والنون.
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٤١ الى ٤٦]
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٤٤) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)
وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦)
آيَةٌ معناه علامة ودليل، ورفعها بالابتداء وخبره في قوله لَهُمْ، وأَنَّا بدل من آيَةٌ وفيه
454
نظر، ويجوز أن تكون «أن» مفسرة لا موضع لها من الإعراب، والحمل منع الشيء أن يذهب سفلا، وذكر الذرية لضعفهم عن السفر فالنعمة فيهم أمكن، وقرأ نافع وابن عامر والأعمش «ذرياتهم» بالجمع، وقرأ الباقون «ذريتهم» بالإفراد، وهي قراءة طليحة وعيسى، والضمير المتصل بالذريات هو ضمير الجنس، كأنه قال ذريات جنسهم أو نوعهم هذا أصح ما اتجه في هذا، وخلط بعض الناس في هذا حتى قالوا الذرية تقع على الآباء وهذا لا يعرف لغة، وأما معنى الآية فيحتمل تأويلين: أحدهما قاله ابن عباس وجماعة، وهو أن يريد ب «الذريات المحمولين» أصحاب نوح في السفينة، ويريد بقوله مِنْ مِثْلِهِ السفن الموجودة في جنس بني آدم إلى يوم القيامة، وإياها أراد الله تعالى بقوله وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ، والتأويل الثاني قاله مجاهد والسدي وروي عن ابن عباس أيضا هو أن يريد بقوله أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ السفن الموجودة في بني آدم إلى يوم القيامة ويريد بقوله وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ الإبل وسائر ما يركب فتكون المماثلة في أنه مركوب مبلغ إلى الأقطار فقط، ويعود قوله وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ على السفن الموجودة في الناس، وأما من خلط القولين فجعل الذرية في الفلك في قوم نوح في سفينة وجعل مِنْ مِثْلِهِ في الإبل فإن هذا نظر فاسد يقطع به قوله تعالى: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فتأمله، والْفُلْكِ جمع على وزنه هو الإفراد معناه الموفر، ومِنْ في قوله مِنْ مِثْلِهِ، يتجه على أحد التأويلين: أن تكون للتبعيض، وعلى التأويل الآخر أن تكون لبيان الجنس فانظره، ويقال الإبل مراكب البر، و «الصريخ» هنا بناء الفاعل بمعنى المصرخ، وذلك أنك تقول صارخ بمعنى مستغيث، ومصرخ بمعنى مغيث، ويجيء صَرِيخَ مرة بمعنى هذا ومرة بمعنى هذا لأن فعيلا من أبنية اسم الفاعل، فمرة يجيء من أصرخ ومرة يجيء من صرخ إذا استغاث، وقوله إِلَّا رَحْمَةً قال الكسائي نصب رَحْمَةً على الاستثناء كأنه قال إلا أن يرحمهم رحمة، وقال الزجاج: نصب رَحْمَةً على المفعول من أجله كأنه قال: إلا لأجل رحمتنا إياهم، ومَتاعاً عطف على رَحْمَةً، وقوله إِلى حِينٍ، يريد إلى آجالهم المضروبة لهم.
قال القاضي أبو محمد: والكلام تام في قوله وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ استئناف إخبار عن السائرين في البحر ناجين كانوا أو مغرقين فهم بهذه لا نجاة لهم إلا برحمة الله وليس قوله فَلا صَرِيخَ لَهُمْ مربوطا بالمغرقين، وقد يصح ربطه به والأول أحسن فتأمله، ثم ابتدأ الإخبار عن عتو قريش بقوله وَإِذا قِيلَ لَهُمْ الآية، وما بين أيديهم قال مقاتل وقتادة: هو عذاب الأمم الذي قد سبقهم في الزمن وما خلفهم هو عذاب الآخرة الذي يأتي من بعدهم في الزمن وهذا هو النظر، وقال الحسن: خوفوا بما مضى من ذنوبهم وبما يأتي منها.
قال القاضي أبو محمد: فجعل الترتيب كأنهم يسيرون من شيء إلى شيء، ولم يعتبر وجود الأشياء في الزمن، وهذا النظر يكسره عليه قوله تعالى: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ [المائدة: ٤٦]، وإنما المطرد أن يقاس ما بين اليد والخلف بما يسوقه الزمن فتأمله، وجواب إِذا في هذه الآية محذوف تقديره أعرضوا يفسره قوله بعد ذلك إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ، و «الآيات» العلامات والدلائل.
455
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٤٧ الى ٥٠]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)
الضمير في قوله لَهُمْ لقريش، وسبب الآية أن الكفار لما أسلم حواشيهم من الموالي وغيرهم من المستضعفين قطعوا عنهم نفقاتهم وجميع صلاتهم وكان الأمر بمكة أولا فيه بعض الاتصال في وقت نزول آيات الموادعة فندب أولئك المؤمنون قرابتهم من الكفار إلى أن يصلوهم وينفقوا عليهم مما رزقهم الله، فقالوا عند ذلك أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ قال الرماني: ونسوا ما يجب من التعاطف وتآلف المحقين، وقالت فرقة: بل سبب الآية أن قريشا شحت بسبب أزمة على المساكين جميعا، مؤمن وغير مؤمن وندبهم النبي ﷺ إلى النفقة على المساكين فقالوا هذا القول، وقولهم يحتمل معنيين من التأويل:
أحدهما يخرج على اختيارات لجهال العرب، فقد روي أن أعرابيا كان يرعى إبله فجعل السمان في الخصب والمهازيل في المكان الجدب فقيل له في ذلك فقال: أكرم ما أكرم الله وأهين ما أهان الله، فيخرج قول قريش على هذا المعنى كأنهم رأوا الإمساك عمن أمسك الله عنه رزقه، ومن أمثالهم «كن مع الله كالمدبر»، والتأويل الثاني أن يكون كلامهم بمعنى الاستهزاء بقول محمد ﷺ إن ثم إلها هو الرزاق فكأنهم قالوا لم لا يرزقهم إلهك الذي تزعم أي نحن لا نطعم من لو يشاء هذا الإله الذي زعمت أطعمه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كما يدعي إنسان أنه غني ثم يحتاج إلى معونتك في مال فتقول له على جهة الاحتجاج والهزء به أتطلب معونتي وأنت غني أي على قولك، وقوله تعالى: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يحتمل أن يكون من قول الكفرة للمؤمنين، أي في أمركم لنا في نفقة أموالنا وفي غير ذلك من دينكم، ويحتمل أن يكون من قول الله عز وجل للكفرة استئناف وزجرهم بهذا، ثم حكى عنهم على جهة التقرير عليهم قولهم مَتى هذَا الْوَعْدُ أي متى يوم القيامة الذي تزعم، وقيل أرادوا متى هذا العذاب الذي تهددنا به وسموا ذلك وعدا من حيث قيدته قرائن الكلام أنه في شر والوعد متى ورد مطلقا فهو في خير وإذا قيدته بقرينة الشر استعمل فيه، والوعيد دائما إنما هو في الشر، ويَنْظُرُونَ معناه ينتظرون، وما نافية، وهذه الصيحة هي صيحة القيامة والنفخة الأولى في الصور رواه عبد الله بن عمر وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديث أبي هريرة أن بعدها نفخة الصعق ثم نفخة الحشر وهي التي تدوم، فما لها من فواق، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والأعرج وشبل وابن القسطنطين المكي «يخصّمون» بفتح الياء والخاء وشد الصاد المكسورة، وأصلها يختصمون نقلت حركة التاء إلى الخاء وأدغمت التاء الساكنة في الصاد، وقرأ نافع وأبو عمرو أيضا «يخصّمون» بفتح الياء وسكون الخاء وشد الصاد المكسورة وفي هذه القراءة جمع بين الساكنين ولكنه جمع ليس بجمع محض ووجهها أبو علي، وأصلها يختصمون حذفت
حركة التاء دون نقل ثم أدغمت في الصاد، وقرأ عاصم والكسائي وابن عامر ونافع أيضا والحسن وأبو عمرو بخلاف عنه «يخصّمون» بفتح الياء وكسر الخاء وشد الصاد المكسورة أصلها يختصمون عللت كالتي قبلها، ثم كسرت للالتقاء، وقرأت فرقة «يخصّمون» بكسر الياء والخاء وشد الصاد المكسورة عللت كالتي قبلها ثم أتبعت كسرة الخاء كسرة الياء، وفي مصحف أبي بن كعب «يختصمون» ومعنى هذه القراءات كلها أنهم يتحاورون ويتراجعون الأقوال بينهم ويتدافعون في شؤونهم، وقرأ حمزة «يختصمون» وهذه تحتمل معنيين أحدهما المذكور في القراءات أي يخصم بعضهم بعضا في شؤونهم والمعنى الثاني يخصمون أهل الحق في زعمهم وظنهم، كأنه قال تأخذهم الصيحة وهم يظنون بأنفسهم أنهم قد خصموا وغللوا لأنك تقول خاصمت فلانا فخصمته إذا غلبته، وقوله تعالى: فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً عبارة عن إعجال الحال، والتوصية مصدر من وصى، وقوله تعالى: وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ يحتمل ثلاث تأويلات: أحدها ولا يرجع أحد إلى منزله وأهله لإعجال الأمر بل تفيض نفسه حيثما أخذته الصيحة، والثاني معناه وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ قولا وهذا أبلغ في الاستعجال وخص الأهل بالذكر لأن القول معهم في ذلك الوقت أهم على الإنسان من الأجنبيين وأوكد في نفوس البشر، والثالث تقديره وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ أبدا، فخرج هذا عن معنى وصف الاستعجال إلى معنى ذكر انقطاعهم وانبتارهم من دنياهم، وقرأ الجمهور «يرجعون» بفتح الياء وكسر الجيم، وقرأ ابن محيصن بضم الياء وفتح الجيم.
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٥١ الى ٥٤]
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)
هذه نفخة البعث، والصُّورِ القرن في قول جماعة المفسرين وبذلك تواترت الأحاديث، وذهب أبو عبيدة إلى أن الصُّورِ جمع صورة خرج مخرج بسر وبسرة وكذلك قال سورة البناء جمعها سور، والمعنى عنده وعند من قال بقوله نفخ في صور بني آدم فعادوا أحياء، والْأَجْداثِ القبور، وقرأ الأعرج «في الصّور» بفتح الواو جمع صورة، ويَنْسِلُونَ معناه يمشون بسرعة، والنسلان مشية الذئب، ومنه قول الشاعر:
عسلان الذيب أمسى قاربا برد الليل عليه فنسل
وقال ابن عباس: يَنْسِلُونَ يخرجون، وقرأ جمهور الناس «ينسلون» بكسر السين، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو عمرو أيضا «ينسلون» بضمها، ونداؤهم الويل بمعنى هذا وقتك وأوان حضورك وهو منادى مضاف، ويحتمل أن يكون نصب الويل على المصدر والمنادى محذوف، كأنهم قالوا يا قومنا ويلنا، وقرأ ابن أبي ليلى «يا ويلتنا» بتاء التأنيث، وقرأ الجمهور «من بعثنا» بفتح الميم على معنى الاستفهام، وروي
عن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما أنها قرآ «من بعثنا» بكسر الميم على أنها لابتداء الغاية، وسكون العين وكسر الثاء على المصدر، وفي قراءة ابن مسعود، «من أهبنا من مرقدنا» أي من نبهنا، وفي قراءة أبي بن كعب «من هبنا»، قال أبو الفتح ولم أر لها في اللغة أصلا ولا مر بنا مهبوب، ونسبها أبو حاتم إلى ابن مسعود رضي الله عنه، وقولهم مِنْ مَرْقَدِنا يحتمل أن يريدوا من موضع الرقاد حقيقة، ويروى عن أبي بن كعب وقتادة ومجاهد أن جميع البشر ينامون نومة قبل الحشر.
قال القاضي أبو محمد: وهذا غير صحيح الإسناد، وإنما الوجه في قولهم مِنْ مَرْقَدِنا أنها استعارة وتشبيه، كما تقول في قتيل هذا مرقده إلى يوم القيامة، وفي كتاب الثعلبي: أنهم قالوا مِنْ مَرْقَدِنا لأن عذاب القبر كان كالرقاد في جنب ما صاروا إليه من عذاب جهنم، وقال الزجاج: يجوز أن يكون هذا إشارة إلى المرقد، ثم استأنف بقوله، ما وَعَدَ الرَّحْمنُ ويضمر الخبر حق أو نحوه، وقال الجمهور: ابتداء الكلام هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ، واختلف في هذه المقالة من قالها، فقال ابن زيد: هي من قول الكفرة أي لما رأوا البعث والنشور الذي كانوا يكذبون به في الدنيا قالوا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ وقالت فرقة: ذلك من قول الله تعالى لهم على جهة التوبيخ والتوقيف، وقال الفراء: هو من قول الملائكة، وقال قتادة ومجاهد: هو من قول المؤمنين للكفرة على جهة التقريع، ثم أخبر تعالى أن أمر القيامة والبعث من القبور ما هو إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فإذا الجميع حاضر محشور، وقرأت فرقة «إلا صيحة» بالنصب، وقرأت فرقة «إلا صيحة» بالرفع، وقد تقدم إعراب نظيرها، وقوله فَالْيَوْمَ نصب على الظرف، ويريد يوم القيامة، والحشر المذكور وهذه مخاطبة يحتمل أن تكون لجميع العالم.
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٥٥ الى ٦١]
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)
هذا إخبار من الله عز وجل عن حال أهل الجنة بعقب ذكر أهوال يوم القيامة وحالة الكفار، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن وطلحة وخالد بن إلياس «في شغل» بضم الشين وسكون الغين، وقرأ الباقون «في شغل» بالضم فيهما وهي قراءة أهل المدينة والكوفة، وقرأ مجاهد وأبو عمرو أيضا بالفتح فيهما، وقرأ ابن هبيرة على المنبر «في شغل» بفتح الشين وسكون الغين وهي كلها بمعنى واحد، واختلف الناس في تعيين هذا الشغل، فقال ابن مسعود وابن عباس وابن المسيب: في افتضاض الأبكار، وحكى النقاش عن ابن عباس سماع الأوتار، وقال مجاهد معناه نعيم قد شغلهم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا هو القول الصحيح وتعيين شيء دون شيء لا قياس له، ولما كان
458
النعيم نوعا واحدا من حيث هو نعيم وحده فقال فِي شُغُلٍ ولو اختلف لقال في أشغال، وحكى الثعلبي عن طاوس أنه قال: لو علم أهل الجنة عمن شغلوا ما همهم ما شغلوا به، قال الثعلبي: وسئل بعض الحكماء عن قوله عليه السلام «أكثر أهل الجنة البله» فقال: لأنهم شغلوا بالنعيم عن المنعم، وقرأ جمهور الناس «فاكهون» معناه أصحاب فاكهة كما تقول لابن وتامر وشاحم ولاحم، وقرأ أبو رجاء ومجاهد ونافع أيضا وأبو جعفر «فكهون» ومعناه طربون وفرحون مأخوذ من الفكاهة أي لا همّ لهم، وقرأ طلحة والأعمش وفرقة «فاكهين» جعلت الخبر في الظرف الذي هو قوله فِي شُغُلٍ ونصب «فاكهين» على الحال، وقوله تعالى:
هُمْ ابتداء وأَزْواجُهُمْ وفِي ظِلالٍ خبره ويحتمل أن يكون هُمْ بدلا من قوله فاكِهُونَ ويكون قوله فِي ظِلالٍ في موضع الحال كأنه قال مستظلين، وقرأ جمهور القراء «في ظلال» وهو جمع ظل إذ الجنة لا شمس فيها وإنما هواؤها سجسج كوقت الأسفار قبل طلوع الشمس، ويحتمل قوله فِي ظِلالٍ أن يكون جمع ظلة قال أبو علي كبرمة وبرام وغير ذلك، وقال منذر بن سعيد: ظِلالٍ جمع ظلة بكسر الظاء.
قال القاضي أبو محمد: وهي لغة في ظلة، وقرأ حمزة والكسائي «في ظلل» وهي جمع ظلة وهي قراءة طلحة وعبد الله وأبي عبد الرحمن، وهذه عبارة عن الملابس والمراتب من الحجال والستور ونحوها من الأشياء التي تظل، وهي زينة، والْأَرائِكِ السرر المفروشة، قال بعض الناس: من شروطها أن تكون عليها حجلة وإلا فليست بأريكة، وبذلك قيدها ابن عباس ومجاهد والحسن وعكرمة، وقال بعضهم:
الأريكة السرير كان عليه حجلة أو لم يكن، وقوله تعالى: وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ بمنزلة ما يتمنون قال أبو عبيدة: العرب تقول: ادع علي ما شئت بمعنى تمن علي، وتقول: فلان فيما ادعى أي فيما دعى به لأنه افتعل من دعا يدعو وأصل هذا يدتعيون نقلت حركة الياء إلى العين وحذفت الياء لاجتماعها مع الواو الساكنة فصار يدتعون قلبت التاء دالا فأدغمت الدال فيها وخصت الدال بالبقاء دون التاء لأنها حرف جلد، والتاء حرف همس. قال الرماني: المعنى أن من ادعى شيئا فهو له لأنهم قد هذبت طباعهم فلا يدعون إلا ما يحسن منهم، وقوله تعالى: سَلامٌ قيل: هي صفة لما أي مسلم لهم وخالص، وقيل: هو ابتداء، وقيل هو خبر ابتداء، وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وعيسى الثقفي والغنوي «سلاما» بالنصب على المصدر، وقرأ محمد بن كعب القرطبي «سلم» وهو بمعنى سلام، وقَوْلًا نصب على المصدر وقوله تعالى:
وَامْتازُوا الْيَوْمَ الآية فيه حذف تقديره ونقول للكفرة وهذه معادلة لقوله لأصحاب الجنة سَلامٌ، وَامْتازُوا معناه انفصلوا وانحازوا لأن العالم في الموقف إنما هم مختلطون، ثم خاطبهم تعالى لما تميزوا توقيفا لهم وتوبيخا على عهده إليهم ومخالفتهم عهده، وقرأ جمهور الناس «أعهد» بفتح الهاء، وقرأ الهذيل وابن وثاب، «ألم اعهد» بكسر الميم والهمزة وفتح الهاء وهي على لغة من يكسر أول المضارع سوى الياء، وروي عن ابن وثاب «ألم أعهد» بكسر الهاء، يقال عهد وعهد، وعبادة الشيطان هي طاعته والانقياد لإغوائه، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي «أن اعبدون» بضم النون من أن أتبعوا بها ضمة الدال واو الجماعة أيضا، وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة «وأن اعبدون» بكسر النون على أصل الكسر للالتقاء، وقوله تعالى هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ إشارة إلى الشرائع، فمعنى هذا أن الله تعالى عهد إلى بني آدم وقت إخراج
459
نسلهم من ظهره أن لا يعبدوا الشيطان وأن يعبدوا الله تعالى وقيل لهم هذه الشرائع موجودة وبعث تعالى آدم إلى ذريته ولم تخل الأرض من شريعة إلى ختم الرسالة بمحمد صلى الله عليه وسلم، والصراط الطريق، ويقال إنها دخيلة في كلام العرب وعربتها.
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٦٢ الى ٦٥]
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)
هذه أيضا مخاطبة للكفار على جهة التقريع، و «الجبلّ» : الأمة العظيمة، قال النقاش عن الضحاك:
أقلها عشرة آلاف، ولا حد لأكثرها، وقرأ نافع وعاصم «جبلّا» بفتح الباء والجيم والشد وهي قراءة أبي جعفر وشيبة وأهل المدينة وعاصم وأبي رجاء والحسن بخلاف عنه، وقرأ الأشهب، العقيلي «جبلا» بكسر الجيم وسكون الباء والتخفيف، وقرأ الزهري والحسن والأعرج «جبلّا» بضم الجيم والباء والشد، وهي قراءة أبي إسحاق وعيسى وابن وثاب وقرأ أبو عمرو وابن عامر والهذيل بن شرحبيل «جبلّا» بضم الجيم وسكون الباء والتخفيف، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «جبلا» بضم الجيم والباء والتخفيف، وذكر أبو حاتم عن بعض الخراسانيين «جيلا» بكسر الجيم وبياء بنقطتين ساكنة، وقرأ الجمهور «أفلم تكونوا تعقلون» بالتاء، وقرأ طلحة وعيسى «أفلم يكونوا يعقلون» بالياء، ثم وقفهم على جهنم التي كانوا يوعدون ويكذبون بها، وجَهَنَّمُ أول طبقة من النار، واصْلَوْهَا معناه باشروا نارها ثم أخبر تعالى محمدا إخبارا تشاركه فيه أمته في قوله الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ أي في ذلك اليوم يكون ذلك، وروي في هذا المعنى أن الله تعالى يجعل الكفرة يخاصمون فإذا لم يأتوا بشيء تقوم به الحجة رجعوا إلى الإنكار فناكروا الملائكة في الأعمال فعند ذلك يختم الله تعالى على أفواههم فلا ينطقون بحرف، ويأمر تعالى جوارحهم بالشهادة فتشهد، وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ «أن أول ما يتكلم من الكافر فخذه اليسرى»، وقال أبو سعيد اليمني: ثم سائر جوارحه، وروي أن بعض الكفرة يقول يومئذ لجوارحه: تبا لك وسحقا فعنك كنت أما حل ونحو هذا من المعنى، وقد اختلفت فيه ألفاظ الرواة، وروى عبد الرحمن بن محمد بن طلحة عن أبيه عن جده أنه قرأ «ولتكلمنا أيديهم ولتشهد أرجلهم» بزيادة لام كي والنصب، وهي مخالفة لخط المصحف.
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٦٦ الى ٧٠]
وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠)
460
الضمير في أَعْيُنِهِمْ مراد به كفار قريش، ومعنى الآية تبيين أنهم في قبضة القدرة وبمدرج العذاب إن شاء الله تعالى لهم، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: أراد الأعين حقيقة، والمعنى لأعميناهم فلا يرون كيف يمشون، ويؤيد هذا مجانسة المسخ للعمى الحقيقي، وقال ابن عباس: أراد أعين البصائر، والمعنى لو شئنا لختمنا عليهم بالكفر فلم يهتد منهم أحد أبدا، و «الطمس» إذهاب الشيء، من الآثار والهيئات، حتى كأنه لم يكن، أي جعلنا جلود وجوههم متصلة حتى كأنه لم تكن فيها عين قط، وقوله تعالى: فَاسْتَبَقُوا معناه على الفرض والتقدير، كأنه قال: ولو شئنا لأعميناهم فاحسب أو قدر أنهم يستبقون الصراط وهو الطريق فَأَنَّى لهم بالإبصار وقد أعميناهم، و «أنى» لفظة استفهام فيه مبالغة وقدره سيبويه، كيف ومن أين، و «مسخناهم» ظاهره تبديل خلقتهم بالقردة والخنازير ونحوه مما تقدم في بني إسرائيل وغيرهم، وقال الحسن وقتادة وجماعة من المفسرين: معناه لجعلناهم مقعدين مبطلين، لا يستطيعون تصرفا، وقال ابن سلام هذا التوعد كله يوم القيامة، وقرأ الجمهور القراء «على مكانتهم» بإفراد، وهو بمعنى المكان كما يقال دار ودارة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «على مكاناتهم» بالجمع، وفي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق، وقرأ جمهور القراء «مضيا» بضم الميم، وقرأ أبو حيوة «مضيا» بفتحها، ثم بين تعالى دليلا في تنكيسه المعمرين وأن ذلك مما لا يفعله إلا الله تعالى، وقرأ جمهور الناس «ننكسه» بفتح النون الأولى وسكون الثانية، وضم الكاف، وقرأ حمزة وعاصم بخلاف عنه «ننكّسه» بضم النون الأولى وفتح الثانية وشد الكاف المكسورة على المبالغة، وأنكرها أبو عمرو على الأعمش، ومعنى الآية نحول خلقه من القوة إلى الضعف ومن الفهم إلى البله، ونحو هذا، وقرأ نافع وأبو عمرو في رواية عياش «تعقلون» بالتاء على معنى قل لهم، وقرأ الباقون «يعقلون» بالياء على ذكر الغائب، ثم أخبر تعالى عن حال نبيه محمد ﷺ ورد قول من قال من الكفرة إنه شاعر، وإن القرآن شعر بقوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ وكذلك كان رسول الله ﷺ لا يقول الشعر، ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلا كسر وزنه، وإنما كان يحرز المعنى فقط وأنشد يوما قول طرفة: [الطويل]
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك من لم تزوده بالأخبار
وأنشد يوما وقد قيل له من أشعر الناس؟ فقال الذي يقول: [الطويل]
ألم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بها وإن لم تطيب طيبا
وأنشد يوما:
أتجعل نهبي ونهب العبي د بين الأقرع وعيينة
وقد كان ﷺ ربما أنشد البيت المستقيم في النادر وروي أنه أنشد بيت ابن رواحة:
[الطويل]
461
يبيت يجافي جنبه عن فراشه... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
وقال الحسن بن أبي الحسن: أنشد النبي ﷺ «كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا»، فقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: نشهد أنك رسول الله إنما قال الشاعر: «كفى الشيب والإسلام إلخ... »
حكاه الثعلبي.
قال القاضي أبو محمد: وإصابته الوزن أحيانا لا يوجب أنه يعلم الشعر، وكذلك قد يأتي أحيانا في نثر كلامه ما يدخل في وزن كقوله يوم حنين، «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» كذلك يأتي في آيات القرآن وفي كل كلام وليس كله بشعر ولا هو في معناه.
قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية تقتضي عندي غضاضة على الشعر ولا بد، ويؤيد ذلك قول عائشة رضي الله عنها: كان الشعر أبغض الحديث إلى رسول الله ﷺ وكان يتمثل بشعر أخي قيس طرفة فيعكسه، فقال له أبو بكر: ليس هكذا، فقال: «ما أنا بشاعر وما ينبغي لي»، وقد ذهب قوم إلى أن الشعر لا غض عليه، قالوا وإنما منعه الله من التحلي بهذه الحلية الرفيعة ليجيء القرآن من قبله أغرب فإنه لو كان له إدراك الشعر لقيل في القرآن إن هذا من تلك القوى.
قال القاضي أبو محمد: وليس الأمر عندي كذلك، وقد كان النبي ﷺ من الفصاحة والبيان في النثر في المرتبة العليا، ولكن كلام الله تعالى يبين بإعجازه ويبرز برصفه ويخرجه إحاطة علم الله من كل كلام، وإنما منعه الله تعالى من الشعر ترفيعا له عما في قول الشعراء من التخييل، وتزويق القول، وأما القرآن فهو ذكر لحقائق وبراهين، فما هو بقول شاعر، وهكذا كان أسلوب كلامه عليه السلام لأنه لا ينطق عن الهوى، والشعر نازل الرتبة عن هذا كله، والضمير في عَلَّمْناهُ عائد على محمد ﷺ قولا واحدا، والضمير في لَهُ يحتمل أن يعود على محمد ويحتمل أن يعود على القرآن، وإن كان لم يذكر لدلالة المجاورة عليه، وبين ذلك قوله تعالى: إِنْ هُوَ وقرأ نافع وابن كثير، «لتنذر» بالتاء على مخاطبة محمد ﷺ وقرأ الباقون «لينذر» بالياء أي لينذر القرآن أو لينذر محمد، واللام في «لينذر» متعلقة ب مُبِينٌ، وقرأ محمد اليماني «لينذر» بضم الياء وفتح الذال قال أبو حاتم: ولو قرىء «لينذر» بفتح الياء والذال أي لتحفظ ويأخذ بحظه لكان جائزا، وحكاها أبو عمرو قراءة عن محمد اليماني، وقوله تعالى: مَنْ كانَ حَيًّا أي حي القلب والبصيرة، ولم يكن ميتا لكفره، وهذه استعارة قال الضحاك مَنْ كانَ حَيًّا معناه عاقلا، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ معناه يحتم العذاب ويجب الخلود، وهذا كقوله تعالى:
حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [يونس: ٣٣].
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٧١ الى ٧٦]
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)
فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦)
هذه مخاطبة في أمر قريش وإعراضهم عن الشرع وعبادتهم الأصنام فنبههم تعالى على الألوهية، بما لا يحصى من الأدلة كثرة وبيانا، فنبه بهذه الآية على إنعامه عليهم ببهيمة الأنعام، وقوله تعالى أَيْدِينا عبارة عن القدرة عبر عنها بيد وبيدين وبأيد، وذلك من حيث كان البشر إنما يقيمون القدرة والبطش باليد، فعبر لهم عن القدرة بالجهة التي قربت في أفهامهم، والله تعالى منزه عن الجارحة والتشبيه كله، وقوله فَهُمْ لَها مالِكُونَ تنبيه على أن النعمة في أن هذه الأنعام ليست بعاتية ولا متبورة، بل تقتنى وتقرب منافعها، وَذَلَّلْناها معناه سخرناها ذليلة، والركوب المركوب، وهذا فعول بمعنى مفعول وليس إلا في ألفاظ محصورة كالركوب والحلوب والقروع، وقرأ الجمهور «ركوبهم» بفتح الراء، وقرأ الحسن والأعمش «ركوبهم» بضم الراء، وقرأ أبي بن كعب وعائشة «ركوبتهم»، و «المنافع» إشارة إلى الأصواف والأوبار وغير ذلك، و «المشارب» الألباب، ثم عنفهم في اتخاذ آلهة طلب الاستنصار بها والتعاضد، ثم أخبر أنهم لا يَسْتَطِيعُونَ نصرا ويحتمل أن يكون الضمير في يَسْتَطِيعُونَ للكفار في نصرهم الأصنام، ويحتمل الأمر عكس ذلك لأن الوجهين صحيحان في المعنى، كذلك قوله وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ يحتمل أن يكون الضمير الأول للكفار والثاني للأصنام على معنى وهؤلاء الكفار، متجندون متحزبون لهذه الأصنام في الدنيا لكنهم لا يستطيعون التناصر مع ذلك، ويحتمل أن يكون الضمير الأول للأصنام والثاني للكفار أي يحضرون لهم في الآخرة عند الحساب على معنى التوبيخ والنقمة، وسماهم جندا في هذا التأويل إذ هم عدة للنقمة منهم وتوبيخهم، وجرت ضمائر الأصنام في هذه الآية مجرى من يعقل إذ نزلت في عبادتها منزل ذي عقل فعملت في العبارة بذلك، ثم أنس تعالى نبيه، بقوله فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ وتوعد الكفار بقوله إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ.
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٧٧ الى ٨٠]
أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)
هذه الآية قال فيها ابن جبير: إنها نزلت بسبب أن المعاصي بن وائل السهمي جاء إلى النبي ﷺ بعظم رميم ففته وقال: يا محمد من يحيي هذا؟ وقال مجاهد وقتادة: إن الذي جاء بالعظم النخر أمية بن خلف، وقاله الحسن ذكره الرماني، وقال ابن عباس: الجائي بالعظم هو عبد الله بن أبي ابن سلول.
قال القاضي أبو محمد: وهو وهم ممن نسبه إلى ابن عباس لأن السورة والآية مكية بإجماع ولأن عبد الله بن أبي لم يجاهر قط هذه المجاهرة، واسم أبي هو الذي خلط على الرواة، لأن الصحيح هو ما رواه ابن وهب عن مالك، وقاله ابن إسحاق وغيره، من أن أبي بن خلف أخا أمية بن خلف هو الذي جاء بالعظم الرميم بمكة ففته في وجه النبي ﷺ وحياله، وقال من يحيي هذا يا محمد؟ ولأبي مع النبي ﷺ مقامات ومقالات إلى أن قتله يوم أحد بيده بالحربة بجرح في عنقه، وروي أن رسول الله ﷺ قال لأبي حين فت العظم «الله يحييه ويميتك ويحييك ويدخلك جهنم» ثم نزلت الآية مبينة ومقيمة للحجة في أن الإنسان نطفة ثم يكون بعد ذلك خصيما مبينا هل هذا إلا إحياء بعد موت وعدم حياة، وقوله وَنَسِيَ يحتمل أن يكون نسيان الذهول ويحتمل أن يكون نسيان الترك، و «الرميم» البالي المتفتت، وهو الرفات ثم دلهم تعالى على الاعتبار بالنشأة الأولى، ثم عقب ذلك تعالى بدليل ثالث في إيجاد النار في العود الأخضر المرتوي ماء، وهذا هو زناد العرب والنار موجودة في كل عود غير أنها في المتخلخل المفتوح المسام أوجد، وكذلك هو المرخ والعفار، وأعاد الضمير على الشجر مذكرا من حيث راعى اللفظ فجاء كالتمر والحصا وغيره.
قوله عز وجل:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٨١ الى ٨٣]
أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)
هذا تقرير وتوقيف على أمر تدل صحته على صحة بعث الأجساد من القبور وإعادة الموتى وجمع الضمير جمع من يعقل في قوله مِثْلَهُمْ من حيث كانتا متضمنتين من يعقل من الملائكة والثقلين، هذا تأويل جماعة من المفسرين، وقال الرماني وغيره: الضمير في مثلهم عائد على الناس.
قال القاضي أبو محمد: فهم مثال للبعث، وتكون الآية نظير قوله تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر: ٥٧] وقرأ سلام أبو المنذر وابن أبي إسحاق ويعقوب والأعرج «والأرض يقدر» على يفعل مستقبلا، وقرأ جمهور «بقادر»، وقرأ جمهور الناس «الخلاق»، وقرأ الحسن «الخالق» ورفع «يكون» على معنى فهو يكون، وهي قراءة الجمهور وقرأ ابن عامر والكسائي «فيكون» بالنصب، قال أبو علي: لا ينصب الكسائي إذا لم تتقدم «أن» وينصب ابن عامر وإن لم تتقدم «أن»، والنصب هاهنا قراءة ابن محيصن وقوله تعالى: كُنْ أمر للشيء المخترع عند تعلق القدرة به لا قبل ذلك ولا بعده، وإنما يؤمر تأكيدا للقدرة وإشارة بها، وهذا أمر دون حروف ولا أصوات بل من كلامه القائم بذاته لا رب سواه، ثم نزه تعالى نفسه تنزيها عاما مطلقا، وقرأ جمهور الناس «ملكوت»، وقرأ طلحة التيمي والأعمش «ملكه» بفتح اللام ومعناه ضبط كل شيء والقدرة عليه، وباقي الآية بين.
Icon