تفسير سورة سورة البقرة
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى المرّي
تفسير القرآن العزيز
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى المرّي (ت 399 هـ)
الناشر
الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
الطبعة
الأولى، 1423ه - 2002م
عدد الأجزاء
5
المحقق
أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
نبذة عن الكتاب
هذا الكتاب اختصار لتفسير يحيى بن سلام، وقد ذكر في مقدمة كتابه سبب اختصاره لهذا التفسير، وهو وجود التكرار الكثير في التفسير، يعني: أنه حذف المكرر في تفسير يحيى.
وكذلك ذكر أحاديث يقوم علم التفسير بدونها، مثل كتاب جملة من الأحاديث ليست من صلب التفسير، ولا علاقة للتفسير بها فحذفها.
ومن الأشياء المهمة جدًا في تفسير ابن أبي زمنين أنه أضاف إضافات على تفسير يحيى بن سلام، حيث رأى أن تفسير يحيى قد نقصه هذا المضاف، فذكر ما لم يفسره، فإذا وردت جمل لم يفسرها يحيى فإنه يفسرها.
كما أنه أضاف كثيراً مما لم يذكره من اللغة والنحو على ما نقل عن النحويين وأصحاب اللغة السالكين لمناهج الفقهاء في التأويل، كالزجاج، ومع ذلك فلا يأخذ ممن خالف علماء السنة.
وقد ميز تفسيره وآراءه بقول: (قال محمد)؛ فنستطيع أن نعرف صلب تفسير يحيى المختصر، ونعرف زيادات ابن أبي زمنين، بخلاف هود بن المحكم، فإنه لم يذكر ما يدل على الزيادات، وصار لا بد من التتبع الذي قام به المحقق. فما ورد في التفسير قال: يحيى؛ فيكون من صلب تفسير يحيى بن سلام، وما ورد مصدرًا بعبارة (قال: محمد) فالمراد به ابن أبي زمنين .
مما امتاز به هذا التفسير:
- هذا التفسير من التفاسير المتقدمة؛ لأن صاحبه توفي سنة (199)، وقد اعتنى واعتمد على آثار السلف.
- امتاز هذا المختصر بأن مؤلفه من أهل السنة والجماعة، فيسلم من إشكالية ما يرتبط بالتأويلات المنحرفة.
- امتاز هذا التفسير: بسلاسة عباراته ووضوحها.
- امتاز بالاختصار، وما فيه من الزيادات المهمة التي زادها المختصر؛ كالاستشهاد للمعاني اللغوية بالشعر وغيرها، مثال ذلك في قوله: (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) [الانشقاق:2].
- ومما تميز به: نقلُه لتوجيه القراءات خصوصًا عن أبي عبيد القاسم بن سلام في المختصر، حيث أخذ كثيراً من تفسير أبي عبيد القاسم بن سلام، لأن أبا عبيد له كتاب مستقل في القراءات، وبعض العلماء يقول: إنه أول من دون جمع القراءات.
قَالَ يَحْيَى: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: مَا أَدْرِي مَا تَفْسِيرُ ﴿الم﴾ و ﴿الر﴾ و ﴿المص﴾ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، غير أَن قوما (ل ٤) مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: أَسْمَاءُ السُّوَرِ وَفَوَاتِحُهَا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَذكر ابْن سَلام فِي تَفْسِير ﴿الم﴾ وَغير ذَلِكَ من حُرُوف المعجم الَّتِي فِي أَوَائِل السُّور - تفاسير غير متفقة فِي مَعَانِيهَا وَهَذَا الَّذِي ذكره يحيى عَنِ الْحَسَن، وَالله أعلم وَقد سَمِعْتُ بَعْض من أقتدي بِهِ من مَشَايِخنَا يَقُولُ: إِن الْإِمْسَاك عَنْ تَفْسِيرهَا أفضل.
قَالَ مُحَمَّد: ((غِشَاوَةٌ)) يَعْنِي: غطاء. [آيَة ٨ - ١٠].
قَالَ مُحَمَّد: أصل السَّفه: خفَّة الْحلم؛ ومِنْهُ يُقَال: ثوب سَفِيه إِذا كَانَ خَفِيفا. وَقيل: أصل السَّفه: الْجَهْل.
يَحْيَى: عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم: ((يجاء بالمستهزئين يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ يُفْتَحُ لَهُمْ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَيُدْعَوْنَ [لِيَدْخُلُوا] فَيَجِيئُونَ؛ فَإِذَا بَلَغُوا الْبَابَ أُغْلِقَ فَيَرْجِعُونَ، ثُمَّ يُدْعَوْنَ لِيَدْخُلُوا فَيَجِيئُونَ؛ فَإِذَا بَلَغُوا الْبَابَ أُغْلِقَ فَيَرْجِعُونَ، ثُمَّ يُدْعَوْنَ لِيَدْخُلُوا فَيَجِيئُونَ، فَإِذَا (ل ٥) بَلَغُوا الْبَابَ أُغْلِقَ فَيَرْجِعُونَ، ثُمَّ يُدْعَوْنَ حَتَّى أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ فَلا يَجِيئُونَ مِنَ الْيَأْسِ)).
قَالَ مُحَمَّد: معنى: ((يمدهُمْ)): يُطِيل لَهُم؛ تَقُولُ: مددت فلَانا فِي غيه ومددت لَهُ؛ فَإِذا كَانَ فِي الشَّرّ قُلْت: مددته، وَإِذا كَانَ فِي الْخَيْر قُلْت أمددته والطغيان: العتو والتكبر. وَالْعَمَهُ فِي كَلَام الْعَرَب: الْحيرَة والضلال [يُقَال] عَمه الرجل فِي الْأَمر يعمه عُمُوها؛ إِذا تاه فِيهِ وتحير؛ فَهُوَ عَمه، وعامه. [آيَة ١٦ - ١٨]
قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: فَمَا ربحوا فِي تِجَارَتهمْ.
والصيب: الْمَطَر، والظلمات مثل الشدَّة، والرعد مثل التخويف، والبرق مثل نور الإِسْلام، وَفِي الْمَطَر الرزق أَيْضا. فَضرب اللَّه ذَلِك مثلا لَهُم؛ لأَنهم كَانُوا إِذا أَصَابُوا فِي الإِسْلام رخاء وطمأنينة، سروا بذلك فِي حَال دنياهم، وَإِذا أَصَابَتْهُم شدَّة قطع بهم عِنْد ذَلِكَ فَلم (يصبروا عَلَى بلائها)
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ من السَّمَاء﴾ مَعْنَاهُ: أَو كأصحاب صيب، و ((أَو)) دخلت هَذَا لغير شكّ؛ وَهِي الَّتِي يَقُولُ النحويون: إِنَّهَا تدخل للْإِبَاحَة.
وَالْمعْنَى: أَن التَّمْثِيل مُبَاح لكم فِي الْمُنَافِقين؛ إِن مثلتموهم بِالَّذِي استوقد نَارا فَذَلِك مثلهم، وَإِن مثلتموهم بأصحاب الصيب فَهُوَ مثلهم. وَيُقَال: صاب الْمَطَر يصوب؛ إِذا نزل. [آيَة ٢١ - ٢٣]
[آيَة ٢٤]
قَالَ مُحَمَّد: كُلُّ مَا علا عَلَى الأَرْض فاسمه: بِنَاء. وَالْمعْنَى: أَنَّهُ جعلهَا سقفا مثل قَوْله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾
وَقَوله: ﴿فراشا﴾ أَي: لم يَجْعَلهَا [بِحَيْثُ] لَا يُمكن الِاسْتِقْرَار عَلَيْهَا. ﴿فَلا تَجْعَلُوا الله أنداداً﴾ يَعْنِي: أعدالا تعدلونهم [بِهِ] ﴿وَأَنْتُمْ تعلمُونَ﴾ أَنَّهُ خَلقكُم، وَخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَأَنَّهُمْ لَا يخلقون
قَالَ مُحَمَّد: وقودها بِفَتْح الْوَاو (ل ٦) حطبها، والْوُقُود بِالضَّمِّ [الْمصدر] يُقَال: وقدت النَّار تقد وقوداً.
[آيَة ٢٥]
قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: بساتين تجْرِي من تحتهَا [الْأَنْهَار؛ ذَلِكَ إِلَى شَجَرهَا] لَا إِلَى أرْضهَا.
يَحْيَى: قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالك؛ أَنه قَالَ: ((أَنَّهَا الْجَنَّةِ تَجْرِي (فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ) الْمَاءُ وَاللَّبَنُ وَالْعَسَلُ وَالْخَمْرُ وَهُوَ أيسر عَلَيْهِ، فطينة النَّهر مَسْلَك أذفر، ورضراضه الدّرّ والياقوت، وحافاته قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ)).
قَالَ مُحَمَّد: أهل الْحجاز يَقُولُونَ للْمَرْأَة: هِيَ زوج الرجل، وَبَنُو تَميم يَقُولُونَ: زَوْجَة الرجل.
يَحْيَى: عَنْ خَالِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِسَاءِ أهل الْجنَّة: يدخلهَا عُرُبًا أَتْرَابًا، لَا يَحِضْنَ، وَلا يلدن، وَلَا يمتخطن، وَلَا يقضين حَاجَة)). [آيَة ٢٦ - ٢٧]
صَادِقا، فَمَاذَا أَرَادَ اللَّه بِهَذَا مثلا؟﴾ فَأنْزل اللَّه: ﴿إِن الله لَا يستحي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقهَا﴾ أَي: مثلا بعوضة ((مَا)) فِي هَذَا الْموضع زَائِدَة ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ يَعْنِي: فَمَا أكبر مِنْهَا. ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين
قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: أقبل على خلق السَّمَاء؛ كَذَلِك جَاءَ عَنِ الْحَسَن.
يَحْيَى: وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ، ((أَنَّ رَجُلا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فسوهن سبع سموات﴾ وَعَن قَوْله عز ذكره: ﴿أَنْتُم أَشَدُّ خَلْقًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالأَرْضَ بعد ذَلِك دحها﴾ فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ خَلَقَ الأَرْضَ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ، ثُمَّ عَادَ؛ فحدا الأَرْضَ، وَخَلَقَ فِيهَا جِبَالَهَا وَأَنْهَارَهَا وأشجارها ومرعاها)). [آيَة ٣٠]
قَالَ مُحَمَّد: معنى: يسفك: يصب؛ تَقُولُ: سفكت الشَّيْء! إِذا صببته.
وَمعنى ((نُسَبِّح بحَمْدك)): أَي: نبرئك من السوء ونعظمك، وكل من عمل خيرا (ل ٧) أَرَادَ اللَّه بِهِ، فقد سبح الله؛ أَي: عظمه. وَمعنى: ﴿نقدس لَك﴾ أَي: نطهر أَنْفُسنَا لَك، وأصل الْقُدس فِي اللُّغَة: الطَّهَارَة.
قَالَ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تعلمُونَ} تَفْسِير قَتَادَة: علم أَنه سينشأ من ذَلِكَ الْخَلِيفَة أَنْبيَاء، ورسل، وَقوم صَالِحُونَ. [الْآيَة ٣١ - ٣٣]
قَالَ الْكَلْبِيّ: ثمَّ علمه أَسمَاء الْخلق [كلهم] بالسُّرْيَانيَّة اللِّسَان الأول سرًّا من الْمَلَائِكَة، ثمَّ حشر اللَّه الدَّوَابّ كلهَا، وَالسِّبَاع وَالطير وَمَا ذَرأ فِي الأَرْض، ثمَّ قَالَ للْمَلَائكَة: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدم أنبئهم
قال قتادة : فسمى كل نوع باسمه١ فلما أنبأهم آدم بأسمائهم، قال الله للملائكة : ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون قال الحسن وقتادة : لما قال الله، عز وجل : إني جاعل في الأرض خليفة قالوا فيما بينهم : ما الله بخالق خلقا هو أكرم عليه منا [ ولا أعلم ] وهو الذي كتموا.
قَالَ مُحَمَّد: من كَلَام الْعَرَب: رغد فلَان يَرْغَدُ إِذا صَار فِي خصبٍ وسعةٍ. وَفِيه لُغَة أُخْرَى: أرغد. ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فتكونا من الظَّالِمين﴾ يَعْنِي لأنفسكما بخطيئتكما، والشجرة الَّتي نهي عَنْهَا آدم حَوَّاء -: هِيَ السنبلة؛ فِي تَفْسِير ابْن عَبَّاس.
وقَالَ قَتَادَة: هِيَ التِّين [وَقيل: هِيَ شَجَرَة الْعِنَب]
[آيَة ٣٦ - ٣٩]
قَالَ يَحْيَى: بلغنَا أَن إِبْلِيس دخل فِي الْحَيَّة فكلمهما مِنْهَا، وكَانت أحسن الدَّوَابّ، فمسخها اللَّه، ورد قَوَائِمهَا فِي جوفها، وأمشاها على بَطنهَا.
وبلغنا أَن أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: حَوَّاء هِيَ الَّتي دلّت الشَّيْطَان على مَا كَانَا نهيا عَنهُ.
يحيى : عن شريك، عن [ عبد الملك ] بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس، قال : هو قولهما :{ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا
لنكونن من الخاسرين } [ الأعراف : ٢٣ ].
قال محمد : قوله عز وجل : فتلقى معناه : قبل وأخذ.
يَحْيَى: عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ (عَبْدِ الْمَلِكِ) بْنِ أَبِي سُلَيْمَان، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ قَوْلُهُمَا: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وترحمنا
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَتلقى﴾ مَعْنَاهُ: قبل وَأخذ. ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مني هدى﴾ أَي رَسُول ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خوف عَلَيْهِم﴾ فِي الْآخِرَة من النَّار ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ على الدُّنْيَا. [آيَة ٤٠]
قَالَ [مُحَمَّد: يُقَال: وفيت] بالعهد وأوفيت بِهِ.
قَوْله: ﴿فارهبون﴾ أَصله: فارهبوني بِالْيَاءِ، وحذفت لِأَنَّهَا رَأس آيَة.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال لَبَسْت عَلَيْهِم الْأَمر [إِذا غَمَّيْته]؛ فَكَأَن معنى الْآيَة: لَا تلبسوا أَمر النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بِمَا تحرفون وتكتمون.
قَالَ مُحَمَّد: جَاءَ عَنِ ابْن عَبَّاس - فِي تَفْسِير ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبرِّ﴾ قَالَ: نزلت فِي قوم من أَحْبَار يهود؛ كَانَ الرجل مِنْهُم يَقُولُ لمن أسلم من ذَوي قرَابَته - إِذا وثق بِهِ فِي السِّرّ -: اثْبتْ على الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ؛ مِمَّا يَأْمُرك بِهِ هَذَا الرجل؛ يعنون: مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَام فَإِنَّهُ حق، وَلا يَفْعَلُونَهُ هُم؛ للرياسة الَّتي كَانُوا حازوها، والمآكل الَّتي كَانُوا يأكلونها؛ فكشف اللَّه سرهم، وَأخْبر بذلك عَنْهُم.
قَالَ مُحَمَّد: وأصل الصَّبْر: الْحَبْس، وَإِنَّمَا سمي الصَّائِم صَابِرًا؛ لحبسه نَفسه عَنِ الْأكل وَالشرب. ﴿وَإِنَّهَا لكبيرة﴾ يَعْنِي: الصَّلاة. ﴿إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ الْخُشُوع هُوَ: الْخَوْف الثَّابِت فِي الْقلب.
[آيَة ٤٦ - ٥٠]
قَالَ مُحَمَّد: الظَّن فِي كَلَام الْعَرَب بمعنيين: شكّ ويقين؛ قَالَ دُرَيْد بن الصمَّة:
| (فَقلت لَهُم ظنُّوا بألفي مقَاتل | سراتهم بالفارسي المسرد) |
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: جَزَى عني فلَان، بِلَا همز؛ أَي: نَاب عني، وأجزأني: كفاني. ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ أَي: لَا تكون الشَّفَاعَة إِلَّا للْمُؤْمِنين (وَلا يُؤْخَذُ
قَالَ مُحَمَّد: إِنَّمَا يُقَال للْفِدَاء: عدل؛ لِأَنَّهُ مثل للشَّيْء؛ يُقَال: هَذَا عدل هَذَا وعديله؛ والْعِدْلُ - بِكَسْر الْعين - هُوَ: مَا حُمِلَ على الظّهْر.
قَالَ مُحَمَّد: الْبلَاء يتَصَرَّف فِي النَّقْل على وُجُوه؛ وَهُوَ هَا هُنَا النِّعْمَة. (ل ٩)
قَالَ مُحَمَّد فِي قَوْله: ﴿وَإِذ فرقنا بكم الْبَحْر﴾ هُوَ كَقَوْلِه: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فرق كالطود الْعَظِيم﴾. [آيَة ٥١ - ٥٢]
[آيَة ٥٣ - ٥٤]
قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: ففعلتم فَتَابَ عَلَيْكُم، وَهُوَ من الِاخْتِصَار.
[آيَة ٥٥ - ٥٧]
قَالَ مُحَمَّد: وَاحِد الْغَمَام: غمامة؛ وَهِي عِنْد أهل اللُّغَة الْبَيْضَاء من السَّحَاب ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ قَالَ قَتَادَة: الْمَنّ كَانَ ينزل عَلَيْهِم من طُلُوع الْفجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس، وَكَانَ أَشد بَيَاضًا من الثَّلج، وأحلي من الْعَسَل؛ فَيَأْخُذ أحدهم مَا يَكْفِيهِ يَوْمه؛ فَإِن تعدى ذَلِكَ فسد، وَلم يبْق عِنْده حَتَّى إِذا كَانَ يَوْم سادسهم - يَعْنِي: يَوْم الْجُمُعَة - أخذُوا مَا يكفيهم لذَلِك الْيَوْم، وليوم سابعهم - يَعْنِي: السبت - فَيبقى عِنْدهم؛ لِأَن يَوْم السبت كَانُوا يعْبدُونَ اللَّه - جلّ وَعز - فِيهِ، وَلا يشخصون لشَيْء من الدُّنْيَا، وَلا يطلبونه. والسلوى:
وَمعنى حطة: احْطُطْ عَنَّا خطايانا.
قَالَ مُحَمَّد: وَارْتَفَعت بِمَعْنى: مَسْأَلَتنَا حطة.
يَحْيَى: وَأَخْبَرَنِي صَاحِبٌ لِي عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الطَّاعُونُ بَقِيَّةُ رِجْزٍ وَعَذَابٍ عُذِّبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ؛ فَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا؛ وَإِنْ وَقَعَ بِأَرْضٍ وَلَسْتُمْ بِهَا، فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهَا)).
[آيَة ٦٠]
قَالَ مُحَمَّد: وَمعنى السبط فِي اللُّغَة: الْجَمَاعَة الَّذين يرجعُونَ إِلَى أَب وَاحِد. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تعثوا﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: لَا تسيروا فِي الأَرْض مفسدين.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: عَثِيَ يَعْثَى عُثِيًّا، وَعَثَى يعثوا عُثُوًّا، وَعَاثَ يَعِيثُ عَيْثًا؛ بِمَعْنى وَاحِد، وَذَلِكَ فِي الْإِسْرَاع فِي إِفْسَاد الشَّيْء، وَمن هَذَا قَول عدي ابْن الرّقاع:
| (لَوْلَا الْحيَاء وَإِن رَأْسِي قد عثا | فِيهِ المشيب لزرت أم الْقَاسِم) |
| (أَلا زعمت ليلى [بِأَنِّي فَاجر | لنَفْسي] تُقَاهَا أَو عَلَيْهَا فجورها) |
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ من خشيَة الله﴾ قَالَ مُجَاهِد: كُلّ حجر انفجر مِنْهُ مَاء أَو تردى من رَأس جبل فَهُوَ من خشيَة الله. [آيَة ٧٥]
قَالَ مُحَمَّد: جَاءَ عَنِ ابْن عَبَّاس؛ أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي طوائف من أَحْبَار الْيَهُود؛ كَانُوا إِذا لقوا الَّذين آمنُوا، قَالُوا: نشْهد أَن صَاحبكُم صَادِق، وَأَنا نجد فِي كتَابنَا نَعته وَصفته ﴿وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.
[آيَة ٨١ - ٨٣]
﴿ثمَّ توليتم﴾ [أَي جحدتم] (ل ١٣) ﴿إِلَّا قَلِيلا مِنْكُم﴾ الْقَلِيل يَعْنِي: الَّذين اتبعُوا النَّبي ﴿وَأَنْتُم معرضون﴾ [عَمَّا] جَاءَ بِهِ النَّبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
[آيَة ٨٤ - ٨٥]
قَالَ مُحَمَّد: ثمَّ أقررتم يَعْنِي: اعترفتم [بِصِحَّة مَا] قد أَخذ عَلَيْكُم فِي الْعَهْد، وَأخذ على أوائلكم ﴿وَأَنْتُم تَشْهَدُون﴾ أَن هَذَا حق.
[قَالَ مُحَمَّد]: ((هَؤُلَاءِ)) بِمَعْنى الَّذين، وَقد قِيلَ: أَرَادَ يَا هَؤُلَاءِ. ﴿تقتلون أَنفسكُم﴾ أَي: يقتل بَعْضكُم بَعْضًا ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم﴾ أَي: تعاونون عَلَيْهِم ﴿بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ يَعْنِي: بالظلم. ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ قَالَ الحَسَن: نكثوا؛ فَقتل بَعضهم بَعْضا، وَأخرج بَعضهم بَعْضًا، وَكَانَ الْفِدَاء مَفْرُوضًا
قَالَ مُحَمَّد: أصل الْقُدس: الطَّهَارَة. ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تقتلون﴾ فَلَمَّا قَالَ لَهُم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام هَذَا سكتوا، وَعرفُوا أَنَّهُ وَحي من اللَّه عيرهم بِمَا صَنَعُوا، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّد ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ لَا نعقل وَلا نفقه مَا تَقُولُ، وَكَانَت أوعية للْعلم، فَلَو كنت صَادِقا سَمِعْنَا مَا تَقُولُ.
وَمن قَرَأَ ((غُلُفٌ)) فَهُوَ جمع غلاف؛ فَيكون معنى هَذَا: أَن قُلُوبنَا أوعية للْعلم فَمَا لَهَا لَا تفهم عَنْك؟! [آيَة ٨٩ - ٩٠]
قال محمد : تقرأ على وجهين :" غلف وغلف١ " وأجود القراءتين :" غلف " بتسكين اللام، ومعناها ذوات غلف، الواحد منها : أغلف، يقال : غلفت السيف، إذا جعلته في غلاف، فهو سيف أغلف، ومنه يقال لمن لم يختتن : أغلف. فكأنهم قالوا : قلوبنا في أوعية مثل قولهم : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه [ فصلت : ٥ ] ومن قرأ " غلف " فهو جمع غلاف، فيكون معنى هذا : أن قلوبنا أوعية للعلم فما لها لا تفهم عنك ؟.
قَالَ مُحَمَّد: الاستفتاح هَا هُنَا بِمَعْنى الدُّعَاء، والْفُتَاحَةُ أَيْضا الْحُكُومَة،
قَالَ يَحْيَى: وكُلُّ شَيْء فِي الْقُرْآن ((اشْتَروا)) فَهُوَ شِرَاء، إِلَّا هَذِه الْآيَة، وكُلُّ شَيْء فِي الْقُرْآن ﴿شروا﴾ فَهُوَ بيع.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿بغيا﴾ مصدر الْمَعْنى: كفرُوا بغيا لِأَن أنزل اللَّه الفَضْل على نبيه صلى اللَّه عَلَيْهِ وَسلم ﴿فَبَاءُوا بغضب على غضب﴾ قَالَ قَتَادَة: غضب اللَّه عَلَيْهِم بكفرهم بالإنجيل، وَغَضب عَلَيْهِم [بكفرهم] بِالْقُرْآنِ. [آيَة ٩١ - ٩٣]
[آيَة ٩٤ - ٩٥]
قَالَ مُحَمَّد: نصب ﴿مُصدقا﴾ على الْحَال، وَهَذِه حَال مُؤَكدَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤمنين﴾ وَكَانَ أَعدَاء اللَّه يَقُولُونَ: [إِن] آبَاءَهُم الَّذين قتلوا أَنْبيَاء اللَّه من قبل [وَلَيْسَ فِيمَا] أنزل الله عَلَيْهِم قتل أَنْبِيَائهمْ فكذبهم اللَّه فِي قَوْلهم ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أنزل علينا﴾ وَهُوَ تَفْسِير الْحسن.
قَالَ يَحْيَى: قَالَ الحَسَن: لَيْسَ كلهم تَابَ. وَقيل: فَالَّذِينَ لم يتوبوا هم الَّذين بَقِي حب الْعجل فِي قُلُوبهم؛ وهم الَّذين قَالَ اللَّه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحيوة الدُّنْيَا﴾ الْآيَة. ﴿قل بئس مَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤمنين﴾ أَي: لَو كَانَ الإِيمَان فِي قُلُوبكُمْ، لحجزكم عَنْ عبَادَة الْعجل. ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِم لقَولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هوداً أَو نصرى﴾ ولقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَة﴾ وَأَشْبَاه ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَنكُمْ من أهل الْجنَّة
قَالَ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ أَي: مَا عمره بِمُبَاعِدِهِ من الْعَذَاب. [آيَة ٩٧ - ١٠٠]
قَالَ قَتَادَة: ذكر لنا أَن عُمَر بْن الخَطَّاب أَتَى نَفرا من الْيَهُود، فَلَمَّا أبصروه رحبوا بِهِ؛ فَقَالَ: أما وَالله مَا جِئْت لِحُبِّكُمْ، وَلا لرغبة فِيكُم، وَلَكِن جِئْت لأسْمع مِنْكُم. فَسَأَلَهُمْ وسألوه؛ فَقَالُوا لَهُ: من صَاحب صَاحبكُم؟ قَالَ: جِبْرِيل. قَالَ: قَالُوا: ذَاك عدونا من أهل السَّمَاء يطلع مُحَمَّدًا عَلَى سرنا؛ وَهُوَ
وَفِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ: أَن الْيَهُود قَالَتْ: إِن جِبْرِيل عَدو لَنَا، فَلَو أَن مُحَمَّدًا يزْعم أَن مِيكَائِيل الَّذِي يَأْتِيهِ صدقناه، وَإِن جِبْرِيل عَدو لميكائيل؛ فَقَالَ عُمَر: إِنِّي أشهد أَن من كَانَ عدوا لجبريل، فَإِنَّهُ عَدو لميكائيل.
وفي رواية الكلبي : أن اليهود قالت : إن جبريل عدو لنا، فلو أن محمدا يزعم أن ميكائيل الذي يأتيه صدقناه، وإن جبريل عدو لميكائيل، فقال عمر : إني أشهد أن من كان عدوا لجبريل، فإنه عدو لميكائيل.
[آيَة ١٠٢]
قَالَ مُحَمَّد: ((تتلوا))؛ أَي: تروي التِّلَاوَة وَالرِّوَايَة شَيْء وَاحِد.
قَوْله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السحر﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: لما ابتلى اللَّه - عز وَجل - سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلام بِمَا كَانَ من أَمر الشَّيَاطِين، كتبت الشَّيَاطِين سحرًا كثيرا، ودفنوه تَحت كرسيه، ثمَّ لما قبض اللَّه سُلَيْمَان أَتَت الشَّيَاطِين إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ من الْإِنْس، فَقَالُوا: أَلا ندلكم عَلَى مَا كَانَ سُلَيْمَان يملك بِهِ الْإِنْس، وَتَدين لَهُ بِهِ الْجِنّ، وتسخر لَهُ [بِهِ] الرِّيَاح؟ قَالُوا: بلَى. قَالُوا: احفروا تَحت كرسيه، فَفَعَلُوا وَاسْتَخْرَجُوا كتبا كَثِيرَة، فَلَمَّا قرءوها فَإِذا هِيَ الشّرك بِاللَّهِ؛ فَقَالَ صلحاء بني إِسْرَائِيل: معَاذ اللَّه من هَذَا أَن نتعلمه، وتعلمه سفلَة بني إِسْرَائِيل [وفشت الْكَلِمَة] لِسُلَيْمَان فِي بني إِسْرَائِيل حَتَّى عذره اللَّه على لِسَان مُحَمَّد صلى اللَّه عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْملكَيْنِ﴾ يَقُول: اتبعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَان، وَاتبعُوا مَا أنزل على الْملكَيْنِ بِبَابِل هاروت وماروت.
وقَالَ الحَسَن: إِن الْملكَيْنِ بِبَابِل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَإِن من عزم عَلَى تعلم السحر، ثمَّ أتاهما سَمِعَ كَلَامهمَا، من غير أَن يراهما.
وقَالَ مُجَاهِد: عجبت الْمَلَائِكَة من ظلم بني آدم؛ وَقد جَاءَتْهُم الرُّسُل، فَقَالَ لَهُم رَبهم: اخْتَارُوا مِنْكُم اثْنَيْنِ أنزلهما يحكمان فِي الأَرْض، فَكَانَا هاروت وماروت، فحكما فعدلا؛ حَتَّى نزلت عَلَيْهِمَا الزهرة فِي صُورَة أحسن امْرَأَة تخاصم [زَوجهَا] فافتتنا بِهَا وأراداها على نَفسهَا فطارت الزهرة؛ فَرَجَعت حَيْثُ كَانَت، ورجعا إِلَى السَّمَاء فزجرا فاستشفعا بِرَجُل من بني آدم، فَقَالَا: سَمِعْنَا رَبك يذكرك بِخَير، فاشفع لَنَا، فَقَالَ لَهما: كَيفَ يشفع أهل الأَرْض لأهل السَّمَاء؟ ثمَّ واعدهما يَوْمًا يَدْعُو لَهما فِيهِ فَدَعَا لَهما فخيرا بَين عَذَاب الدُّنيا، وَعَذَاب الْآخِرَة، فَنظر أَحدهمَا إِلَى الآخر، فَقَالَ: ألم تعلم أَن أَفْوَاج عَذَاب اللَّه فِي الْآخِرَة، كَذَا وَكَذَا، وَفِي الْخلد أَيْضا؟ فاختارا عَذَاب الدُّنيا؛ فهما يعذبان بِبَابِل.
قَالَ مُحَمَّد: وَقد ذكر يَحْيَى عَنْ غير مُجَاهِد؛ أَن الْمَرْأَة الَّتِي افتتنا بِهَا كَانَت من نسَاء أهل الدُّنيا. وَالله أعلم.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله ﴿فتْنَة﴾ مَعْنَاهُ: ابتلاء واختبار؛ وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ يَحْيَى.
قَالَ قَتَادَة: أَخذ عَلَيْهِمَا أَلا يعلمَا أحدا حَتَّى يَقُولَا لَهُ: إِنَّمَا نَحْنُ فتْنَة فَلا تَكْفُرْ ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وَهُوَ أَن يبغض كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى صَاحبه ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ الله﴾ قَالَ الحَسَن: من شَاءَ اللَّه سلطهم عَلَيْهِ، وَمن شَاءَ مَنعهم مِنْهُ ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ يَعْنِي: لمن اخْتَارَهُ ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَة من خلاق﴾ يَعْنِي: نَصِيبا فِي الجَنَّة، قَالَ قَتَادَة: قد علم أهل الْكتاب فِي عهد اللَّه إِلَيْهِم أَن السَّاحر لَا خلاق لَهُ عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة ﴿وَلَبِئْسَ مَا شروا بِهِ أنفسهم﴾ أَي: مَا باعوها بِهِ ﴿لَوْ كَانُوا يعلمُونَ﴾ قَالَ الحَسَن: لَو كَانُوا عُلَمَاء أتقياء، مَا اخْتَارُوا السحر. [آيَة ١٠٣ - ١٠٤]
قَالَ مُحَمَّد: وَذكر غير يَحْيَى؛ أَن الْمُسلمين كَانُوا يَقُولُونَ لرَسُول اللَّه صلى اللَّه عَلَيْهِ وَسلم: رَاعنا وأرعنا سَمعك، وأصل الْكَلِمَة من راعيت الرجل؛ إِذا تأملته، وتعرفت أَحْوَاله [ومِنْهُ يُقَال: أرعني سَمعك]. وَكَانَت الْيَهُود يَقُولُونَهَا لرَسُول اللَّه صلى اللَّه عَلَيْهِ وَسلم وَهِي بلغتهم سبّ، ويحرفونها إِلَى مَا فِي قُلُوبهم من السب لرَسُول اللَّه صلى اللَّه عَلَيْهِ وَسلم والطعن عَلَيْهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿واسمعوا﴾ يَعْنِي: وَاسْتَمعُوا مَا يَأْمُركُمْ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا تَكُونُوا كالكافرين الَّذين لَا يَقُولُونَ: انظرنا، وَلا يسمعُونَ قَول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم ﴿عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: موجع. [آيَة ١٠٥]
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿من خير من ربكُم﴾ دخلت ((من)) هَا هُنَا على جِهَة التوكيد وَالزِّيَادَة، كَمَا تَقُولُ: مَا جَاءَنِي من أحد، وَمَا جَاءَنِي أحد.
﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ برحمته من يَشَاء﴾ قَالَ الْحسن: يَعْنِي: النُّبُوَّة. [آيَة ١٠٦ - ١٠٨]
قَالَ يَحْيَى: وتقرأ ﴿أَوْ نَنْسَأْهَا﴾ مَهْمُوزَة؛ أَي: نؤخرها؛ فَلم تثبت فِي الْقُرْآن ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يَقُولُ: هَذِه الْآيَة الناسخة خير فِي زَمَاننَا هَذَا لأَهْلهَا، وَتلك الأولى المنسوخة خير لأَهْلهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَان، وَهِي مثلهَا بعد
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ لفظ: ﴿الم﴾ هَا هُنَا لفظ الِاسْتِفْهَام؛ وَمَعْنَاهُ: التَّوْقِيف والتقرير؛ وَمعنى الْآيَة: أَن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ؛ فَهُوَ أعلم بِوَجْه الصّلاح فِيمَا يتعبدهم بِهِ من نَاسخ ومنسوخ، وَغير ذَلِكَ.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله تَعَالَى: ﴿حَسَدًا من عِنْد أنفسهم﴾ الْمَعْنى: أَن كِتَابهمْ أَمرهم بِمَا هُم عَلَيْهِ [من الشّرك] وَبَين ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدير﴾ ﴿ل ١٧﴾ قَالَ قَتَادَة: كَانَت هَذِه الْآيَة قبل أَن يؤمروا بِقِتَال أهل الْكتاب؛ ثمَّ أنزل اللَّه بعد ذَلِك سُورَة بَرَاءَة، وأتى فِيهَا بأَمْره وقضائه؛ وَهُوَ: ﴿قتلوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه﴾ الْآيَة [آيَة ١١١ - ١١٢]
[أَيَّة]
[آيَة ١١٣]
قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي من كذب من الْأُمَم: أمة نوح وَعَاد وَثَمُود وَغَيرهم؛ أَي: أَن هَؤُلاءِ أَيْضا قَالُوا: لن يدْخل الجَنَّة أَلا من كَانَ عَلَى ديننَا؛ فِيمَا ذكر ابْن عَبَّاس. ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
قَالَ يَحْيَى: فَيكون حكمه فيهم أَن يكذبهم جَمِيعًا، ويدخلهم النَّار. [آيَة ١١٤ - ١١٥]
قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى هُوَ: خالقهما ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قَالَ بَعضهم: يَعْنِي: فثم قبْلَة اللَّه.
يَحْيَى: عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ عَاصِم بن عبيد اللَّهِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [كَانَ] فِي سَفَرٍ فَنَزَلُوا مَنْزِلا فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ، فَجَعَلَ أَحَدُهُمْ يَجْمَعُ الْحَصْبَاءَ، فَيَجْعَلُهَا مَسْجِدًا فَيُصَلِّي، فَلَمَّا أَصْبَحُوا؛ إِذَا هُمْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمغْرب﴾ الْآيَة)).
[آيَة ١١٦ - ١١٨]
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ الْمَعْنى: فَهُوَ يكون.
قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي الْآيَات الَّتي أَتَى بِهَا صلوَات اللَّه عَلَيْهِ فِي نَحْو انْشِقَاق الْقَمَر؛ وَغير ذَلِك من آيَاته.
[آيَة ١١٩ - ١٢٠]
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله ﴿مثابة﴾ أَي: معادا؛ تَقُولُ: ثُبْتُ إِلَى كَذَا [وأَثْبُتُ إِلَى كَذَا]؛ أَي: عدت إِلَيْهِ، وثاب إِلَيْهِ جِسْمه بعد الْعلَّة؛ أَي عَاد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأمنا﴾ قَالَ الحَسَن: كَانَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّة؛ كَانَ الرجل إِذا جر جريرة، ثمَّ لَجأ إِلَى الْحرم لم يُطْلَبْ، وَلم يُتَنَاوَلْ فَأَما فِي الْإِسْلَام فَإِن الْحرم لَا يمْنَع من حدٍّ يجب عَلَيْهِ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ يَعْنِي: موطئ قَدَمَيْهِ.
يَحْيَى: عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: ((يَا رَسُولَ الله؛ لَوْ صَلَّيْنَا خَلْفَ الْمَقَامِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مصلى﴾.
قَالَ مُحَمَّد: قِرَاءَة يَحْيَى: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بِكَسْر الْخَاء، وَقَرَأَ بَعْض الْقُرَّاء: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ بِفَتْح الْخَاء؛ وَمَعْنَاهَا: أَن النَّاس اتَّخذُوا هَذَا.
يَحْيَى: عَنْ حَمَّادٍ، وَحَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ، عَنْ مَوْلًى لِبَنِي هَاشِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((الْحِجْرُ وَالْمَقَامُ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ)).
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ قَالَ قَتَادَة: أَي: من عبَادَة الْأَوْثَان، وَقَول الزُّور والمعاصي. ﴿لِلطَّائِفِينَ والعاكفين﴾ تَفْسِير ابْن عَبَّاس: الطائفون: الَّذين يطوفون بِالْبَيْتِ، والعاكفون: الْقعُود حوله ينظرُونَ إِلَيْهِ ﴿والركع السُّجُود﴾ الَّذين يصلونَ إِلَيْهِ. [آيَة ١٢٦]
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ الْآيَة قَالَ الحَسَن: لما قَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي مجيبك، وأجعله بَلَدا آمنا لمن
قَالَ: ﴿ثمَّ أضطره﴾ عِنْد الْمَوْت ﴿إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. [آيَة ١٢٧ - ١٣٠]
قَالَ مُحَمَّد: قَوَاعِد الْبَيْت: أساسه؛ وَاحِدهَا: قَاعِدَة وَأما قَوَاعِد [النِّسَاء فواحدها: قَاعد، وَهِي الْعَجُوز].
قَالَ الحَسَن: إِن جِبْرِيل أرى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَنَاسِك كلهَا، وَلكنه أَصْلٌ عَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام
قَالَ مُحَمَّد: وقِيلَ: الْمَعْنى: إِلَّا من سفهت نفسُهُ؛ أَي: جهلت.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ أَي: اخترناه ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لمن الصَّالِحين﴾ وهم أهل الْجنَّة. [آيَة ١٣١ - ١٣٤]
قَالَ مُحَمَّد: من قَرَأَ بِهَذَا فَإِنَّهُ كره أَن يَجْعَل الْعَمَّ أَبًا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ قَالَ مُحَمَّد: نصب ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ على معنى: نعْبد إلهك فِي حَال وحدانيته
قَالَ مُحَمَّد: وَمعنى الحنف فِي اللُّغَة: الْميل؛ يُقَال: رجل حَنِفٌ [وَرجل حنيف]؛ وَرجل أحنف، وَهُوَ الَّذِي تميل قدماه كُل وَاحِدَة مِنْهُمَا إِلَى أُخْتهَا بأصابعها، فَالْمَعْنى: إِن إِبْرَاهِيم (حَنَفَ) إِلَى دين اللَّه. [آيَة ١٣٦ - ١٣٨]
قَالَ مُحَمَّد: يجوز أَن تكون ﴿صبغة الله﴾ مَنْصُوبَة عَلَى معنى: بل تكون أهل صبغة الله. [آيَة ١٣٩ - ١٤١]
قَالَ مُحَمَّد: قِيلَ: إِن تَأْوِيل هَذِه الْآيَة: أَن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أَمر الْمُسلمين أَن يَقُولُوا للْيَهُود الَّذين ظاهروا من لَا يوحد [اللَّه من النَّصَارَى وَعَبدَة الْأَوْثَان، ويحتجوا عَلَيْهِم بأنكم تَزْعُمُونَ أَنكُمْ توحدون [اللَّه وَحده وَنحن نوحد الله، فَلم ظاهرتم من لَا يوحد اللَّه؟] ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعمالكُم﴾.
(ل ٢٠) ثمَّ أعلموهم أَنكُمْ مخلصون دون من خالفكم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَة عِنْده من الله﴾ أَي: لَا أحد أظلم مِنْهُ. [آيَة ١٤٢]
[الْآيَة ١٤٣]
قَالَ مُحَمَّد: وَأنْشد بَعضهم:
| (هُم وسط يرضى الْأَنَام بحكمهم | إِذا نزلت إِحْدَى اللَّيَالِي بمعظم) |
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ يَعْنِي: بَيت الْمُقَدّس ﴿وَإِلَّا لنعلم﴾ يَعْنِي: علم الفعال ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذين هدى الله﴾ يَعْنِي: صرف الْقبْلَة، قَالَ قَتَادَة: ((كَانَت الْقبْلَة فِيهَا بلَاء وتمحيص، صلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَّة أقامته بِمَكَّة إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وصلت الْأَنْصَار نَحْو بَيت الْمُقَدّس حَوْلَيْنِ قبل قدوم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى الْمَدِينَة، وَصلى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد قدومه الْمَدِينَة نَحْو بَيت الْمُقَدّس سِتَّة عشر شهرا، ثمَّ وَجهه اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَة؛ فَقَالَ قَائِلُونَ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ لَقَد اشتاق الرجل إِلَى مولده)).
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ يَعْنِي: صَلَاتكُمْ إِلَى بَيت الْمُقَدّس، قَالَ قَتَادَة: لما صرفت الْقبْلَة قَالَ قوم: كَيفَ بأعمالنا الَّتي كُنَّا
قَالَ مُحَمَّد: وَأنْشد بَعضهم:
| (أَقُول لأم زِنْبَاعٍ أقيمي | صُدُور العيس شطر بني تَميم) |
قَالَ مُحَمَّد: وَقيل: الْمَعْنى: فبادروا إِلَى مَا أَمرتكُم بِهِ من أَمر الْقبْلَة؛ وَهُوَ نَحْو قَول قَتَادَة. [آيَة ١٤٩ - ١٥٠]
[آيَة ١٥١ - ١٥٤]
قَالَ مُحَمَّد: ﴿أموات﴾ مَرْفُوع على معنى: هُم أموات، وَكَذَلِكَ ﴿بل أَحيَاء﴾ الْمَعْنى: بل هُم أَحيَاء.
يَحْيَى: عَنِ الْمُعَلَّى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ، عَنْ هُذَيْلٍ، عَنْ عبد الله ابْن مَسْعُودٍ قَالَ: ((أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلَ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرْعَى فِي الْجَنَّةِ؛ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قناديل معلقَة بالعرش)).
[آيَة ١٥٥ - ١٥٧]
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿بِشَيْء﴾، وَلم يقل: بأَشْيَاء - هُوَ من الِاخْتِصَار؛ الْمَعْنى: بِشَيْء من الْخَوْف، وَشَيْء من الْجُوع، وَشَيْء من نقص الْأَمْوَال.
يَحْيَى: عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ قَالَ: ((كَانَ عُمَرُ يَمْشِي فَانْقَطَعَ شِسْعَ نَعْلِهِ فَاسْتَرْجَعَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِي فَسَاءَنِي ذَلِكَ، وَكُلُّ مَا سَاءَكَ فَهُوَ مُصِيبَةٌ)).
يَحْيَى: عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى وَالْعين لَا يملكهَا (ل ٢٢) أَحَدٌ صَبَابَةَ الْمَرْءِ إِلَى أَخِيهِ)).
قَالَ مُحَمَّد: الشعائر وَاحِدهَا: شعيرَة؛ وهى كُلُّ شَيْء جعله اللَّه علما من أَعْلَام الطَّاعَة. ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جناج عَلَيْهِ﴾ أَي: لَا إِثْم عَلَيْهِ ﴿أَنْ يطوف بهما﴾ يَعْنِي: أَن يتطوف.
يَحْيَى: عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: ((كَانَ إِسَافٌ
[أَيَّة ١٦٨]
قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: لَا تَأْكُلُوا، وَلا تنفقوا مِمَّا يحرم عَلَيْكُم. ﴿وَلَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان﴾ أَي: مَا يَأْمُركُمْ بِهِ.
قَالَ مُحَمَّد: خطوَات جمع: خطْوَة، والخطوة بِالضَّمِّ: (ل ٢٣) مَا بَين
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: نعق يَنْعِق، ونعق ينعق لفتان.
[آيَة ١٧٢ - ١٧٣]
قَالَ يَحْيَى: يَأْكُل حَتَّى يشْبع، وَلَا يتزود. [آيَة ١٧٤ - ١٧٦]
قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: وَلَكِن الْبر بر من آمن بِاللَّهِ. ﴿وَآتَى المَال على حبه﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: تؤتيه وَأَنت صَحِيح شحيح؛ تَأمل الْحَيَاة، وتخشى الْفقر.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله تَعَالَى: ﴿والموفون﴾ يجوز أَن يكون مَرْفُوعا، على معنى: وهم الموفون، والنعت إِذا طَال جَازَ أَن يرفع بعضه، وَينصب بعضه فِي مَذَاهِب النَّحْوِيين. [آيَة ١٧٨ - ١٧٩]
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَان﴾ تَفْسِير قَتَادَة: يَقُول: من قتل عمدا (ل ٢٤) فعفي عَنْهُ وَقبلت مِنْهُ الدِّيَة ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [أَمر المتبع أَن] يتبع بِالْمَعْرُوفِ [وَأمر الْمُؤَدِّي] أَن يُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَة﴾ قَالَ قَتَادَة: كَانَ أهل التَّوْرَاة أمروا [بالحدود] وَكَانَ أهل الْإِنْجِيل أمروا بِالْعَفو، وَجعل لهَذِهِ الْأمة الْقصاص وَالْعَفو وَالدية؛ إِن شَاءُوا قتلوا، وَإِن شَاءُوا عفوا، وَإِن شَاءُوا أخذُوا الدِّيَة؛ إِذا تراضوا عَلَيْهَا. ﴿وَرَحْمَة﴾ أَي: رحم اللَّه بِهَا هَذِه الْأمة، وأطعمهم الدِّيَة؛ قَالَ قَتَادَة: وَلم [تحل] لأحد قبلهم فِي الْقَتْل عمدا ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِك﴾ يَعْنِي: على الْقَاتِل فَقتله بعد مَا قبل مِنْهُ الدِّيَة ﴿فَلَهُ عَذَاب أَلِيم﴾ يَعْنِي: الْقَاتِل يقْتله الْوَالِي، وَلا ينظر فِي ذَلِكَ إِلَى عَفْو الْوَلِيّ.
[آيَة ١٨٠ - ١٨٢]
قَالَ مُحَمَّد: وَقَوله عَزَّ وَجَلَّ ﴿حَقًّا على الْمُتَّقِينَ﴾ نصب ((حَقًا))؛ على معنى: كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِم حَقًا.
قَالَ مُحَمَّد: الجنف فِي كَلَام الْعَرَب: الْميل عَنِ الْحق؛ يُقَال مِنْهُ: جنف يجنف.
[آيَة ١٨٣ - ١٨٥]
قَالَ مُحَمَّد: وَهَذَا أَمر نَدْبٍ لَا فرض. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيط الْأسود من الْفجْر﴾ [يَعْنِي: سَواد اللَّيْل، وَتبين هَذَا من هَذَا].
قَالَ يَحْيَى: الْفجْر فجران: فَأَما [الَّذِي] كَأَنَّهُ ذَنْب السرحان؛ فَإِنَّهُ لَا يحل شَيْئا وَلا يحرمه، وَأما المستطيل الَّذِي يَأْخُذ بالأفق فَإِنَّهُ يُحل الصَّلاة،
قَالَ مُحَمَّد: وَقَوله: ﴿الْخَيط الْأَبْيَض﴾ يَعْنِي: بَيَاض النَّهَار ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأسود﴾ يَعْنِي: سَواد اللَّيْل؛ ويتبين هَذَا من هَذَا عِنْد طُلُوع الْفجْر الثَّانِي.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ هُوَ أَمر إِبَاحَة ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُم عاكفون فِي الْمَسَاجِد﴾ تَفْسِير السّديّ: كَانَ الرجل يعْتَكف؛ فَإِذا خرج من مُصَلَّاهُ، فلقي امْرَأَته غشيها، فنهاهم اللَّه عَنْ ذَلِكَ؛ حَتَّى يفرغ من اعْتِكَافه ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ أَي: لَا تقربُوا مَا نهاكم الله عَنهُ. [آيَة ١٨٨]
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّام﴾ يَعْنِي: الْأَمْوَال، وأصل الْكَلِمَة فِي اللُّغَة: من قَوْلك: أدليت الدَّلْو؛ إِذا أرسلتها، وَتقول: أدلى فلَان بحجته؛ أَي: أرسلها.
[آيَة ١٨٩]
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبيُوت من أَبْوَابهَا﴾ تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: كَانَ هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار إِذا أهل أحدهم لم يدْخل بَيْتا وَلا دَارا من بَابه، إِلَّا أَن يتسور حَائِطا تسورا، وَأَسْلمُوا وهم كلهم على ذَلِكَ؛ حَتَّى نَهَاهُم الله. [آيَة ١٩٠ - ١٩٣]
قَالَ مُحَمَّد: أصل الْعدوان: الظُّلم، (ل ٢٦) وَمعنى الْعدوان هَا هُنَا: الْجَزَاء [يَقُولُ]: لَا جَزَاء [ظلم] إِلَّا على الظَّالِمين. [آيَة ١٩٤ - ١٩٥]
قَالَ يَحْيَى: الْعَامَّةُ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَرِيضَتَانِ، إِلا أَنَّ سَعِيدًا
وَالْقِرَاءَة على هَذَا التَّفْسِير: بِنصب الْحَج، وَرفع الْعمرَة، ومقرأة الْعَامَّة: بِالنّصب فيهمَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن أحصرتم﴾ الْإِحْصَار: أَن يعرض للرجل مَا يحول بَينه وَبَين الْحَج من مرض أَو عَدو ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي شَاة ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ قَالَ عَطَاء: كل هدي بلغ الْحرم ثمَّ عطب - فقد بلغ مَحَله، إِلَّا هدي الْمُتْعَة والمحصر.
قَالَ مُحَمَّد: الْمحل: الْموضع الَّذِي يحل [فِيهِ النَّحْر]؛ وَهُوَ من: حل يحِل؛ أَي: وَجب يجب. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نسك﴾.
يحيى: عَن مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ
قَالَ يَحْيَى: الْفرق: ثَلَاثَة آصَع، صَاع بَين اثْنَيْنِ. ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ من أهلَّ بِعُمْرَة فِي أشهر الْحَج فِي شَوَّال، أَو فِي ذِي الْقعدَة، أَوْ فِي ذِي الْحجَّة، ثمَّ حج من عَامه ذَلِكَ - فَهُوَ متمتع عَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي، فَإِن لم يجد صَامَ ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج.
مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((مِنْ يَوْمِ يُهِلُّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ؛ فَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ صَامَ أَيَّامَ مِنًى)).
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَة إِذا رجعتم﴾.
يَحْيَى: عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
وقَالَ مُجَاهِد: إِن شَاءَ صامها فِي الطَّرِيق. ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ قَالَ عَطَاء: من كَانَ مِنْهَا عَلَى رَأس لَيْلَة، فَهُوَ من حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام. [آيَة ١٩٧]
يَحْيَى: عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ؛ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالنِّسَاءَ؛ فَإِنَّ الإِعْرَابَ مِنَ الرَّفَثِ وَالإِعْرَابُ أَنْ [يُعْرِبَ] لَهَا بِالْقَوْلِ، يَقُولُ: لَوْ كُنَّا حَلالا [لَفَعَلْنَا كَذَا]. قَالَ: [فَأَخْبَرْتُ] بِذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: صَدَقَ ابْن الزبير)).
(ل ٢٧) ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله﴾ هُوَ كَقَوْلِه: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خير فَلَنْ يكفروه
وقَالَ الحَسَن: إِنَّ جِبْرِيل أرى إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلام الْمَنَاسِك كلهَا؛ حَتَّى إِذا بلغ إِلَى عَرَفَات، قَالَ: يَا إِبْرَاهِيم؛ أعرفت مَا رَأَيْت من الْمَنَاسِك؟ قَالَ: نعم. وَلذَلِك سميت عَرَفَة. ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمشعر الْحَرَام﴾ قَالَ قَتَادَة: هِيَ الْمزْدَلِفَة.
يَحْيَى: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن جَابر ابْن عَبْدِ اللَّهِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما صَلَّى الصُّبْحَ، وَقَفَ بِجَمْعٍ، ثُمَّ أَفَاضَ)).
قَالَ قَتَادَة: إِنَّمَا سُمِّي جمعا؛ لِأَنَّهُ يجمع فِيهِ بَين الْمغرب وَالْعشَاء.
تَفْسِير الحَسَن: من الضَّالّين فِي مَنَاسِككُم وحجكم ودينكم كُله. [آيَة ١٩٩ - ٢٠٢]
قَوْله تَعَالَى: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾
يَحْيَى: عَنِ الْحَارِثِ بْنِ نَبْهَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)). [آيَة ٢٠٤]
[آيَة ٢٠٥ - ٢٠٦]
قَالَ الْكَلْبِيّ: نزلت فِي الْأَخْنَس بْن شريق الثَّقَفِيِّ وَكَانَ شَدِيد الْخِصَام؛ فَأَما إهلاكه الْحَرْث والنسل فيعني: قطع الرَّحِم الَّذِي [كَانَ] بَينه وَبَين ثَقِيف؛ فبيتهم لَيْلًا فَأهْلك مَوَاشِيهمْ، وأحرق حرثهم؛ وَكَانَ حسن الْعَلَانِيَة، سيئ السريرة.
قَالَ اللَّه: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ والمهاد والبساط والفراش وَاحِد. [آيَة ٢٠٧]
[آيَة ٢٠٨ - ٢٠٩]
قَالَ اللَّه: ﴿أَلا إِنَّ نصر الله قريب﴾ قَالَ الحَسَن: وَذَلِكَ أَن اللَّه وعدهم النَّصْر والظهور، فاستبطئوا ذَلِكَ؛ لما وصل إِلَيْهِم من الشدَّة، فَأخْبر الله النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَالْمُؤمنِينَ؛ بِأَن من مضى قبلكُمْ من الْأَنْبِيَاء وَالْمُؤمنِينَ؛ كَانَ إِذا بلغ الْبلَاء مِنْهُم هَذَا، عجلت لَهُم نصري؛ فَإِذا ابتليتم أَنْتُم بذلك أَيْضا فأبشروا؛ فَإِن نصري قريب.
[آيَة ٢١٧]
قَالَ مُحَمَّد: ﴿كُرْهٌ لكم﴾ مَعْنَاهُ: مشقة لكم، لَا أَن الْمُؤمنِينَ يكْرهُونَ فرض؛ وَيُقَال: كرهت الشَّيْء كَرها وكُرها وَكَرَاهَة. وَالْقِرَاءَة: ((كره)) بِالضَّمِّ؛ وتأويله: ذُو كره لكم.
قَالَ يَحْيَى: وَكَانَ هَذَا قبل أَن يُؤمر بقتالهم عَامَّة.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ﴾ ((قتال)) مخفوض عَلى الْبَدَل من الشَّهْر الْحَرَام، الْمَعْنى: ويسألونك عَنْ قتال فِي الشَّهْر الْحَرَام.
وَقَوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ((قتال)) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، و ((كَبِير)) خَبره. ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أَي: وَلنْ يستطيعوا ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالهم﴾ أَي: بطلت. [آيَة ٢١٨]
[آيَة ٢١٩ - ٢٢٠]
وَقَوله: ﴿وَمَنَافع للنَّاس﴾ مَا كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِهِ من شربهَا وَبَيْعهَا، وَمن الْقمَار قبل أَن يحرمهما اللَّه، قَالَ قَتَادَة: ذمها اللَّه فِي هَذِه الْآيَة، وَلم يحرمها؛ لما أَرَادَ أَن يبلغ بِهَا من الْمدَّة وَهِي يَوْمئِذٍ لَهُم حَلَال، ثمَّ أنزل اللَّه بعد ذَلِكَ آيَة هِيَ أَشد مِنْهَا: ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُم سكرى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ﴾ فَكَانُوا يشربونها؛ حَتَّى إِذا حضرت الصَّلاة أَمْسكُوا، وَكَانَ السكر عَلَيْهِم فِيهَا حَرَامًا، وَأحل لَهُم مَا خلا ذَلِكَ، فَذكر لَنَا أَن نَبِي اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم قَالَ - لما نزلت هَذِه الْآيَة -: إِن اللَّه قد تقرب فِي تَحْرِيم هَذِه الْخمر. ثمَّ أنزل الله تَحْرِيمهَا فِي سُورَة الْمَائِدَة، فَقَالَ: ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ والأنصاب والأزلم.....﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فجَاء تَحْرِيمهَا فِي هَذِه الْآيَة قليلها وكثيرها.
قَالَ يَحْيَى: وَكَانَ هَذَا قبل أَن تنزل آيَة الزَّكَاة.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿الْعَفْوَ﴾ من قَرَأَهَا بِالنّصب فعلى معنى: قل: أَنْفقُوا الْعَفو، وَمن قَرَأَهَا بِالرَّفْع فعلى معنى: الَّذِي يُنْفقُونَ الْعَفو. وَالْعَفو فِي اللُّغَة: (ل ٣٠) الْفضل وَالْكَثْرَة؛ يُقَال: قد عَفا الْقَوْم؛ إِذا كَثُرُوا.
يَحْيَى: عَنْ أَبِي الأَشْهَبِ، عَنِ الْحسن، عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: ((إِنَّ خَيْرَ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَلا يَلُومُ اللَّهُ عَلَى الْكَفَافِ)).
قَوْله تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ تَفْسِير [قَتَادَة: أَي أَن الدُّنيا] دَار بلَاء وفناء، وَأَن الْآخِرَة دَار جَزَاء وَبَقَاء.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿فإخوانكم﴾ الْقِرَاءَة بِالرَّفْع؛ على معنى: فهم إخْوَانكُمْ. [آيَة ٢٢١]
يَحْيَى: عَنْ نَصْرِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ((قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَتَى امْرَأَتَهُ مِنْ خَلْفِهَا، جَاءَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم﴾؛ إِنْ شِئْتُمْ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا، وَإِنْ شِئْتُمْ مِنْ خَلْفِهَا، غَيْرَ أَنَّ السَّبِيلَ مَوْضِعُ الْوَلَدِ)).
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿حرث لكم﴾ كِنَايَة، وأصل الْحَرْث: الزَّرْع؛ أَي: هُوَ للْوَلَد كالأرض للزَّرْع.
يَحْيَى: عَنْ نَصْرِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ [جَدِّهِ] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا هِيَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى)).
يَحْيَى: عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، [عَنْ] صعصعة، عَن أبي ذَر] (ل ٣١) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((مَا من مُسلمين يتوفى لَهما ثَلاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا حِنْثًا، إِلا أَدْخَلَهُمَا [اللَّهُ] الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ)).
يَحْيَى: عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لأَنْ أُقَدِّمَ سُقْطًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَخْلُفَ مِائَةَ فَارِسٍ؛ كُلُّهُمْ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)).
قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: لَا تجْعَلُوا اللَّه بِالْحلف بِهِ مَانِعا لكم من أَن تبروا. وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ الحَسَن.
يَحْيَى: عَنِ الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ؛ إِذَا حَلَفت على يَمِين فَرَأَيْت خيرا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكفر عَن يَمِينك)).
يَحْيَى: عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: ((دَخَلْتُ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَلَى عَائِشَةَ، فَسَأَلَهَا عُبَيْدٌ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ. فَقَالَتْ: هُوَ قَوْلُ أَحَدِكُمْ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ)).
وقَالَ الحَسَن وَقَتَادَة: وَهُوَ الْخَطَأ غير الْعمد؛ وَذَلِكَ أَن تحلف عَلَى الشَّيْء؛ وَأَنت ترى أَنه كَذَلِك؛ فَلَا يكون كَمَا حَلَفت عَلَيْهِ. ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ﴾ تَفْسِير قَتَادَة: يَعْنِي: مَا تعمدتم بِهِ
قَالَ قَتَادَة: جعل عدَّة الْمُطلقَة فِي هَذِه الْآيَة ثَلَاث حيض، ثمَّ نسخ مِنْهَا الْمُطلقَة الَّتِي لم يدْخل بِهَا زَوجهَا، فَقَالَ فِي سُورَة الْأَحْزَاب: (يَا أَيهَا الَّذِينَ
وَنسخ أَيْضا من الثَّلَاثَة قُرُوء الَّتِي لَا تحيض من صغر أَو كبر وَالْحَامِل؛ فَقَالَ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ من الْمَحِيض من نِسَائِكُم﴾ فَهَذِهِ للعجوز الَّتِي لَا تحيض ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ واللائي لم يحضن﴾ فَهَذِهِ الَّتِي لم تَحض أَيْضا ثَلَاثَة أشهر.
قَالَ: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ فَهَذِهِ أَيْضا لَيست من القروء فِي شَيْء أجلهَا أَن تضع حملهَا.
قَالَ مُحَمَّد: القروء: وَاحِدهَا قرء؛ يُقَال: أَقرَأت الْمَرْأَة وقرأت؛ إِذا حَاضَت، أَو طهرت؛ وَإِنَّمَا جعل الْحيض قرءا، وَالطُّهْر قرءا؛ لِأَن أصل الْقُرْء فِي كَلَام الْعَرَب: الوَقْت؛ يُقَال: رَجَعَ فلَان لقرئه؛ أَي: لوقته الَّذِي كَانَ يرجع فِيهِ؛ فالحيض يَأْتِي لوقت، وَالطُّهْر يَأْتِي لوقت وَالله أعلم بِمَا أَرَادَ. ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أرحامهن﴾ تَفْسِير مُجَاهِد قَالَ: لَا يحل للمطلقة أَن تَقُول إِنِّي حَائِض، وَلَيْسَت بحائض [أَو تَقُول: إِنِّي حُبْلَى وَلَيْسَت بحبلى، أَو تَقُول: لست بحائض وَهِي حَائِض] أَو تَقُول: لست بحبلى، وَهِي حُبْلَى؛ لتبين من زَوجهَا قبل أَن تَنْقَضِي الْعدة، وتُضِيف الْوَلَد إِلَى الزَّوْج الثَّانِي، وتستوجب الْمِيرَاث؛ إِذا مَاتَ الرجل [فَتَقول: لم تنقض عدتي] وَقد انْقَضتْ عدتهَا، وَالنَّفقَة فِي الْحمل.
قَالَ مُحَمَّد: الَّذِي يدل عَلَيْهِ تَفْسِير يَحْيَى: أَن الْقِرَاءَة كَانَت عِنْده [يُخَافَا] بِضَم الْيَاء، وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا أَبُو جَعْفَر وَحَمْزَة. وَقرأَهَا نَافِع وَغير وَاحِد [يخافا] بِالْفَتْح؛ ذكره أَبُو عبيد.
قَالَ أَبُو عبيد: وَالْقِرَاءَة عندنَا بِضَم الْيَاء؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ فَجعل الْخَوْف لغَيْرِهِمَا، وَلم يقل: فَإِن خافا.
قَالَ مُحَمَّد: وَمعنى حُدُود اللَّه: مَا حَده مِمَّا لَا تجوز مجاوزته إِلَى غَيره، وأصل الْحَد فِي اللُّغَة: الْمَنْع؛ يُقَال: حددت الدَّار؛ أَي: بيّنت الْأَمْكِنَة الَّتِي تمنع غَيرهَا أَن يدْخل فِيهَا، وحددت الرجل أَقمت عَلَيْهِ الْحَد، وَالْحَد: هُوَ الَّذِي يمْتَنع بِهِ النَّاس من أَن يدخلُوا فِيمَا يجلب إِلَيْهِم الْعقُوبَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يَعْنِي: الثَّالِثَة ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيره﴾.
يَحْيَى: عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ((أَنَّ تَمِيمَةَ بِنْتَ عُبَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْقُرَظِيَّةَ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَخَلَفَ عَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَطَلَّقَهَا، فَأَتَتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَتْهُ؛ هَلْ تَرْجِعُ إِلَى زَوْجِهَا الأَوَّلِ. فَقَالَ لَهَا: هَلْ غَشِيَكِ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ، مَا عِنْدَهُ بِأَغْنَى عَنْهُ مِنْ هُدْبَةِ ثَوْبِي؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا، حَتَّى تَذُوقِي من عُسَيْلَةِ غَيْرِهِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، قَدْ غَشِيَنِي. فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَاحْرِمْهَا إِيَّاهُ. فَأَتَتَ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَهُ فَلَمْ يُرَخِّصْ لَهَا، ثُمَّ أَتَتْ عُمَرَ فَلَمْ يرخص لَهَا)).
[آيَة ٢٣٠]
يَحْيَى: عَنِ الْجَهْمِ بْنِ وَرَّادٍ؛ أَنَّ رَجُلا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لامْرَأَتِهِ: لأُطَلِّقَنَّكِ، ثُمَّ [لأَحْبِسَنَّكِ] تسع حيض لَا تقدرين على أَنْ تَتَزَوَّجِي غَيْرِي. قَالَتْ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟! قَالَ: أُطَلِّقُكِ تَطْلِيقَةً، ثُمَّ [أَدَعُكِ] حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِكِ رَاجَعْتُكِ، ثُمَّ أُطَلِّقُكِ أُخْرَى، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ انْقِضَاءِ عدتك رَاجَعتك ثمَّ أطلقك ثُمَّ [تَعْتَدِّينَ مِنْ] ثَلاثِ حِيَضٍ، فَأنْزل الله (ل ٣٣) هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إِلَى آخِرِهَا.
يَحْيَى: عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: ((كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ؛ فَإِذَا سُئِلَ، قَالَ: كُنْتُ لاعِبًا. وَيَتَزَوَّجُ؛ فَإِذَا سُئِلَ، قَالَ: كُنْتُ لاعِبًا. وَيُعْتِقُ؛ فَإِذَا سُئِلَ، قَالَ: كُنْتُ لاعِبًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آيَات الله هزوا﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ طَلَّقَ لاعِبًا أَوْ تَزَوَّجَ لاعِبًا أَوْ أَعْتَقَ لاعبا فَهُوَ جَائِز)).
[آيَة ٢٣٢]
يَحْيَى: عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ ((أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ زَوَّجَ أُخْتَهُ رَجُلا، فَطَلَّقَهَا الرَّجُلُ تَطْلِيقَةً، فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا خَطَبَهَا، فَأَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ، فَغَضِبَ مَعْقِلٌ، وَقَالَ: زَوَّجْتُهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا؛ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ؛ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾)) أَيْ: عَلِمَ اللَّهُ حَاجَتَهُ إِلَيْهَا، وحاجتها إِلَيْهِ.
[آيَة ٢٣٣]
يَحْيَى: عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((نُسِخَ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ الْحَامِلُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا؛ فَقَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْقُصْرَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَملهنَّ﴾ (فَإِذا بلغن أَجلهنَّ} أَي: انْقَضتْ الْعدة ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُم﴾ أَي: فَلَا إِثْم عَلَيْكُم ﴿فِيمَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ مُجَاهِد: يُرِيد النِّكَاح الْحَلَال.
[آيَة ٢٣٥]
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عقدَة النِّكَاح﴾ الْمَعْنى: عَلَى عقدَة النِّكَاح، فاختصر على. [آيَة ٢٣٦]
[آيَة ٢٣٧]
يَحْيَى: وَلَيْسَ فِي الْمُتْعَة أَمر مُؤَقّت، إِلَّا مَا أحب لنَفسِهِ من طلب الفَضْل فِي ذَلِكَ، وَقد كَانَ فِي السّلف من يمتع بالخادم، وَمِنْهُم من يمتع بالكسوة، وَمِنْهُم من يمتع بِالطَّعَامِ.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿مَتَاعا﴾ يجوز أَن يكون النصب فِيهِ على معنى: ومتعوهن مَتَاعا وَيُقَال: أوسع الرجلُ؛ إِذا اسْتغنى، وأقتر؛ إِذا كَانَ مقترا عَلَيْهِ، وأصل الإقتار: الضّيق.
قَالَ مُحَمَّد: الْقِرَاءَة (فَنصف) بِالرَّفْع؛ عَلَى معنى: فَعَلَيْكُم نصف مَا فرضتم.
قَالَ سَعِيد بْن الْمسيب: كَانَ لَهَا الْمَتَاع فِي سُورَة الْأَحْزَاب؛ فنسختها هَذِه الْآيَة؛ فَصَارَ لَهَا نصف الصَدَاق ﴿إِلا أَن يعفون﴾ يَعْنِي: النِّسَاء (أَوْ يَعْفُوَ
يَحْيَى: وَكَانَ الحَسَن يَقُولُ: الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح هُوَ الْوَلِيّ. ﴿وَأَن تعفوا أقرب للتقوى﴾ يَقُولُ ذَلِكَ من التَّقْوَى ﴿وَلا تنسوا الْفضل بَيْنكُم﴾ أَي: لَا تتركوه. [آيَة ٢٣٨ - ٢٣٩]
يَحْيَى: عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: ((سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى فَقَالَ: هِيَ صَلاةُ الْعَصْرِ الَّتِي فَرَّطَ فِيهَا نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)).
قَالَ مُحَمَّد: معنى ﴿قَانِتِينَ﴾ هُنَا: أَي: ممسكين عَنِ الْكَلَام؛ وأصل القتوت: الطَّاعَة.
قَالَ يَحْيَى: وَبَلغنِي أَنَّهُ إِذا كَانَ الْأَمر أَشد من ذَلِكَ، كبر أَربع تَكْبِيرَات.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿فَرِجَالا أَوْ ركبانا﴾ مَعْنَاهُ: فصلوا رجَالًا أَو ركبانا، و ﴿رجَالًا﴾ جمع راجل؛ كَمَا قَالُوا: صَاحب وصحاب، وَالْخَوْف هَا هُنَا؛ بِالْيَقِينِ لَا بِالظَّنِّ. ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ﴾ يَعْنِي: فصلوا لله تَعَالَى. [آيَة ٢٤٠ - ٢٤٢]
قَالَ مُحَمَّد: تقْرَأ ﴿وَصِيَّة﴾ بِالرَّفْع وَالنّصب؛ فَمن نصب أَرَادَ: فليوصوا وَصِيَّة، وَمن رفع فعلى معنى: فَعَلَيْهِم وَصِيَّة. وَنصب ﴿مَتَاعًا﴾ بِمَعْنى: متعوهن مَتَاعا.
قَوْله: ﴿فَإِنْ خرجن فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفسهنَّ من مَعْرُوف﴾ يَعْنِي: أَن يتزين، ويتشوفن، ويلتمسن الْأزْوَاج.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله ﴿حَقًا﴾ نصب عَلَى معنى: يحِق حَقًا. [آيَة ٢٤٣ - ٢٤٥]
قَالَ الْكَلْبِيّ: وَكَانُوا ثَمَانِيَة آلَاف، فأماتهم اللَّه، فَمَكَثُوا ثَمَانِيَة أَيَّام.
قَالَ مُحَمَّد: وَقَوله: ﴿ألم تَرَ﴾ هُوَ عَلَى جِهَة التَّعَجُّب؛ كَقَوْلِه: ألم تَرَ إِلَى مَا صنع فلَان؟!
قَالَ مُحَمَّد: أصل الْقَرْض مَا يَفْعَله الرجل وَيُعْطِيه؛ ليجازي بِهِ، وَالْعرب تَقُولُ: لَك عِنْدِي قرض حسن، وقرض سيئ.
وَقَوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ من قَرَأَهُ بِالرَّفْع فَهُوَ عطف على ﴿يقْرض﴾ وَمن نصب فعلى جَوَاب الِاسْتِفْهَام ﴿وَالله يقبض ويبسط﴾ يقبض عَمَّن يَشَاء، ويبسط
قَالَ مُحَمَّد: الْقِرَاءَة ﴿نُقَاتِل﴾ بِالْجَزْمِ؛ عَلَى جَوَاب الْمَسْأَلَة.
قَالَ الْكَلْبِيّ: إِن بني إِسْرَائِيل مَكَثُوا زَمَانا من الدَّهْر لَيْسَ عَلَيْهِم ملك، فأحبوا أَن يكون عَلَيْهِم ملك يُقَاتل عدوهم، فَمَشَوْا إِلَى نَبِي لَهُم من بني هَارُون يُقَال لَهُ: أشمويل، فَقَالُوا لَهُ: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيل الله﴾ فَقَالَ لَهُم نَبِيّهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وأبنائنا﴾ وَكَانَ عدوهم من قوم جالوت ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم﴾ [آيَة ٢٤٧ - ٢٤٨]
[آيَة ٢٤٧ - ٢٤٨]
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله ﴿بسطة﴾ أَي: سَعَة؛ من قَوْلك: بسطت الشَّيْء؛ إِذا فرشته ووسعته.
قَالَ مُحَمَّد: وَقيل: سكينَة فعيلة؛ من: السّكُون؛ الْمَعْنى: فِيهِ مَا تسكنون؛ إِذا أَتَاكُم.
فِي تَفْسِير بَعضهم: فَأَقْبَلت بِهِ الْمَلَائِكَة تحمله حَتَّى وَضعته فِي دَار طالوت فَأصْبح فِي دَاره. قَالَ الحَسَن: وَكَانَ التابوت من خشب. [آيَة ٢٤٩]
قَالَ مُحَمَّد: وَقيل: الْمَعْنى: وَلَوْلَا دفاع اللَّه الْكَافرين بِالْمُسْلِمين، لكثر الْكفْر؛ فَنزلت بِالنَّاسِ السُّخطة فاستؤصل أهل الأَرْض. وَنصب ﴿بَعضهم﴾ بَدَلا من ﴿النَّاس﴾ الْمَعْنى: وَلَوْلَا دفاع اللَّه بَعْض النَّاس بِبَعْض.
يَحْيَى: عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ هِلالٍ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((إِنَّ الْكُرْسِيَّ الَّذِي وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَمَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَلا يَعْلَمُ قَدْرَ الْعَرْشِ إِلا الَّذِي خلقه)).
قَالَ مُحَمَّد: يَقُولُ: آده الشي يئوده، وَفِيه لُغَة أُخْرَى: وأده يئده. [آيَة ٢٥٦ - ٢٥٧]
قَالَ مُحَمَّد: والطاغوت هَا هُنَا وَاحِد فِي معنى جمَاعَة؛ وَهَذَا جَائِز فِي اللُّغَة؛ إِذا كَانَ فِي الْكَلَام دَلِيل عَلَى الْجَمَاعَة. [آيَة ٢٥٨]
[آيَة ٢٥٩]
قَالَ يَحْيَى: بلغنَا أَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلام خرج يسير عَلَى حمَار لَهُ؛ فَإِذا هُوَ بجيفة دَابَّة يَقع عَلَيْهَا طير السَّمَاء، فَيَأْخُذ مِنْهَا بضعَة بضعَة، وتأتيها سِبَاع الْبر؛ فتأخذ مِنْهَا عضوا عضوا، وَيَقَع من أَفْوَاه الطير اللَّحْم، فتأخذه الْحيتَان.
فَقَامَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلام مُتَعَجِّبا، فَقَالَ: يَا رب، أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى؟! ﴿قَالَ أَو لم تؤمن قَالَ بلَى﴾ يَا رب، قد آمَنت، وَلَكِن لأعْلم؛ حَتَّى يطمئن قلبِي - يَعْنِي: يسكن - كَيفَ تجمع لحم هَذِه الدَّابَّة بعد مَا أرم.
فَقَالَ لَهُ: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي:
قَالَ يَحْيَى: فَأخذ أَرْبَعَة أطيار مُخْتَلفَة ألوانها وأسماؤها وريشها، أَخذ ديكا وطاوساً وحمامة وغرابا؛ فَقطع أعناقها، ثمَّ خلط ريش بَعْضهَا بِبَعْض، وَدِمَاء بَعْضهَا بِبَعْض، ثمَّ فرق بَينهَا عَلَى أَرْبَعَة أجبل؛ فنوديت من السَّمَاء بِالْوَحْي أيتها الْعِظَام المتفرقة، وأيتها اللحوم المتمزقة، وأيتها الْعُرُوق المتقطعة اجتمعي يرجع الله فِيك أرواحك، فَجعل يجْرِي الدَّم إِلَى الدَّم، وَتَطير الريشة إِلَى الريشة، ويثب الْعظم إِلَى الْعظم، فعلق عَلَيْهَا رءوسها، وَأدْخل فِيهَا أرواحها؛ فَقيل: يَا إِبْرَاهِيم إِن اللَّه حِين خلق الأَرْض وَضَعَ بَيته فِي وَسطهَا، وَجعل الأَرْض أَربع زَوَايَا، وَالْبَيْت أَرْبَعَة أَرْكَان؛ كل ركن فِي زَاوِيَة من زَوَايَا الأَرْض؛ فَأرْسل عَلَيْهَا من السَّمَاء أَرْبَعَة أرياح: الشمَال، والجنوب، وَالدبور، وَالصبَا؛ فَإِذا نفخ فِي الصُّور يَوْم الْقِيَامَة، اجْتمعت أجساد الْقَتْلَى والهلكى من أَرْبَعَة أَرْكَان الأَرْض، وَأَرْبع زواياها كَمَا اجْتمعت أَرْبَعَة
يَحْيَى: عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ هِلالٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّهُ مَنْ جَهَّزَ غَيْرَهُ بِمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ دِرْهَم سَبْعمِائة ضِعْفٍ، وَمَنْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ - كتب لَهُ بِكُل دِرْهَم سَبْعمِائة ضِعْفٍ، وَبِكُلِّ ضِعْفٍ سَبْعُونَ أَلْفَ ضعف.
قَالَ مُحَمَّد: الْقِرَاءَة ﴿نكفر﴾ بِالْجَزْمِ؛ عَلَى مَوضِع ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لِأَن الْمَعْنى يكن خيرا لكم.
يَحْيَى: عَنْ مَالِكِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ؛ الصَّلاةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ. يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ؛ النَّاسُ غَادِيَانِ: فَغَادٍ فَمُشْتَرٍ رَقَبَتَهُ فَمُعْتِقُهَا، وَغَادٍ فَبَائِعٌ رَقَبَتَهُ فموبقها)).
[آيَة ٢٧٢ - ٢٧٤]
قَالَ يَحْيَى: فَهَذِهِ الصَّدَقَة الَّتِي هِيَ عَلَى غير الْمُسلمين هِيَ تطوع، وَلا يُعْطون من الْوَاجِب شَيْئا.
يَحْيَى: عَنْ حَمَّادٍ [عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ (ل ٤٠) بِهِ، فَكَانَ فِي حَدِيثِهِ: ((فَإِذَا أَنَا بِرِجَالٍ بُطُونِهِمْ كَالْبُيُوتِ، يَقُومُونَ فَيَقَعُونَ لِظُهُورِهِمْ وَلِبُطُونِهِمْ. فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟! فَقَالَ: هَؤُلاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الْآيَة ﴿الَّذين يَأْكُلُون الرِّبَا﴾ الآيَةَ)).
قَالَ مُحَمَّد: الْمَعْنى: من اسْتحلَّ الرِّبَا وقَالَ: هُوَ مثل البيع، واعتقد ذَلِكَ بعد نهي اللَّه عَنهُ - فَهُوَ كَافِر. [آيَة ٢٧٦ - ٢٧٧]
يَحْيَى: عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا تَصَدَّقَ عَبْدٌ بِصَدَقَةٍ فَتَقَعُ فِي يَدِ السَّائِلِ؛ حَتَّى تَقَعَ فِي يَدِ اللَّهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ؛ حَتَّى تَصِيرَ اللُّقْمَةُ مِثْلَ أُحُدٍ)). ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أثيم﴾ وَالْكفْر أعظم الْإِثْم
[آيَة ٢٨٠ - ٢٨١]
قَالَ مُحَمَّد: من قَرَأَ ﴿فَآذِنُوا﴾ غير مَوْصُولَة فَهُوَ من: آذن يُؤذن؛ أَي: أعلم، وَمن قَرَأَهَا مَوْصُولَة فَهِيَ من: أذن يَأْذَن؛ إِذا أصغى للشَّيْء وسَمعه. ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أَي: أسلمتم ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ يَقُولُ: يبطل الفَضْل إِذا كَانَ بَقِي دينا عَلَى الْمَطْلُوب ﴿لَا تظْلمُونَ﴾ فتأخذون الْفضل ﴿وَلَا تظْلمُونَ﴾ من رُءُوس أَمْوَالكُم شَيْئا.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿ذُو عسرة﴾ بِالرَّفْع؛ هُوَ عَلَى معنى: فَإِن وَقع ذُو عسرة. يَحْيَى: عَنْ أَبِي الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((رَحِمَ اللَّهُ مَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، أَوْ مَحَا عَنْهُ)).
قَوْله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خير لكم﴾ [قَالَ الْحسن] أَي: خير لكم فِي يَوْم ترجعون فِيهِ إِلَى الله
[آيَة ٢٨٢]
قَوْله: ﴿أَنْ تضل إِحْدَاهمَا﴾ أَي: تنسى إِحْدَاهمَا الشَّهَادَة ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى﴾ أَي: تذكر الَّتِي حفظت شهادتها الْأُخْرَى.
قَالَ مُحَمَّد: من قَرَأَ ﴿أَن تضل﴾ بِفَتْح الْألف؛ فعلى معنى: من أجل أَن تضل؛ كَذَلِك قَالَ قطرب، وَلغيره من النَّحْوِيين فِيهِ قَول غير هَذَا؛ فَالله أعلم.
قَالَ الحَسَن: وَهَذَا مَنْسُوخ؛ نسخه ﴿فَإِن أَمن بَعْضكُم بَعْضًا﴾ (وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ} تَفْسِير مُجَاهِد: لَا يُقَام عَنْ شغله وَحَاجته، فيجد فِي نَفسه، أَو يحرج.
قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي عَنْ عَطَاءٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا إِذَا دُعِيَ لِيُشْهَدَ، أَوْ لِيَشْهَدَ بِمَا عِنْدَهُ. ﴿وَإِن تَفعلُوا﴾ أَي: تضاروا الْكَاتِب وَالشَّاهِد ﴿فَإِنَّهُ فسوق بكم﴾ أَي: مَعْصِيّة ﴿وَاتَّقوا الله﴾ أَي: لَا تعصوه فيهمَا. [آيَة ٢٨٣]
[آيَة ٢٨٤]
يَحْيَى: عَنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ((لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ مَخَافَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ إِذَا شَهِدَهُ أَو علمه)).
يَحْيَى: عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفسهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَتَكَلَّم بِهِ)). [آيَة ٢٨٥ - ٢٨٦]
يَحْيَى: عَنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ أبي هُرَيْرَة ((أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله (ل ٤٢) إِنِّي لأُحَدِّثُ نَفْسِي بِالشَّيْءِ مَا يَسُرُّنِي أَنِّي تَكَلَّمْتُ بِهِ، وَأَنَّ لِيَ الدُّنْيَا. قَالَ: ذَلِكَ مَحْضُ الإِيمَانِ)). ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْم الْكَافرين﴾ قَالَ الْحسن: هَذَا دُعَاء أَمر اللَّه بِهِ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤمنِينَ، وَقد أخبر الله النَّبِي أَنَّهُ قد غفر لَهُ.
يَحْيَى: عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم [آيَة ١ - ٦]
تم عرض جميع الآيات
277 مقطع من التفسير