تفسير سورة الرّوم

حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
تفسير سورة سورة الروم من كتاب حاشية الصاوي على تفسير الجلالين .
لمؤلفه الصاوي . المتوفي سنة 1241 هـ

قوله: ﴿ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ﴾ ﴿ ٱلرُّومُ ﴾ اسم قبيلة سميت باسم جدها، وهو روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، وسمي عيصو لأنه كان مع يعقوب في بطن، فعند خروجهما تزاحما، وأراد كل منهما أن يخرج قبل الآخر، فقال عيصو ليعقوب: إن لم أخرج قبلك، وإلا خرجت من جنبها، فتأخر يعقوب شفقة منه، فلهذا كان أبا الأنبياء، وعيصو أبا الجبارين، وسبب نزول هذه الآية،" أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان المشركون يودون أن تغلب فارس الروم، لأن فارس كانوا مجوساً أميين، والمسلمون يودون غلبة الروم على فارس لكونهم أهل كتاب، فبعث كسرى جيشاً إلى الروم، واستعمل عليهم رجلاً يقال له شهر يزان، وبعث قيصر جيشاً، وأمر عليهم رجلاً يدعى بخنس، فالتقيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم، فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك المسلمين بمكة، فشق عليهم، وفرح به كفار مكة وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون، وفارس أميون، وقد ظهر اخواننا من أهل فارس على اخوانكم من الروم، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله هذه الآيات، فخرج أبو بكر الصديق إلى كفار مكة فقال: فرحتم بظهور إخوانكم فلا تفرحوا، فوالله لتظهرن الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام إ ليه أبي بن خلف الجمحي، وقال: كذبت، فقال له الصديق: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: اجعل أجلاً أناحبك، أي أقامرك وأراهنك عليه، فراهنه على عشر قلائص منه، وعشر قلائص من الآخر فقال أبي: إن ظهرت الروم على فارس غرمت ذلك، وإن ظهرت فارس على الروم غرمت لي، ففعلوا، وجعلوا الأجل ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، وكان ذلك قبل تحريم القمار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر، ومادده في الأجل، فخرج أبو بكر فلقي أبياً فقال: لعلك ندمت؟ فقال: لا، قال: فتعال أزايدك في الخطر، وأماددك في الأجل، فأجعلها مائة قلوص، ومائة قلوص إلى تسع سنين، وقيل إلى سبع سنين، فقال: قد علمت فلما خشي أبي بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة، أتاه ولزمه وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة فأقم لي كفيلاً، فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحد، أتاه عبد الله بن أبي بكر فلزمه وقال: لا والله، لا ادعك حتى تعطيني كفيلاً، فأعطاه كفيلاً ثم خرج إلى أحد، ثم رجع أبي بن خلف إلى مكة ومات بها من جراحته التي جرحه النبي صلى الله عليه وسلم إياها حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك على رأس سبع سنين من مناحبتهم، وقيل يوم بدر، وربطت الروم خيلوهم بالمدائن، وبنوا بالعراق مدينة وسموها رومية، فأخذ أبو بكر مال الخطر من ورثته وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك قبل أن يحرم القمار، فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: تصدق به ". قوله: (وهم من أهل الكتاب) أي نصارى، فنصرتهم علامة على نصرة النبي وأصحابه، وقوله: (وليسوا أهل كتاب) أي بل هم مجوس، فنصرتهم علامة على نصر كفار مكة، فكل حزب بما لديهم فرحون. قوله: (بل يعبدون الأوثان) أي التي من جملتها النار. قوله: (وقالوا للمسلمين) الخ، هذا هو حكمة ذكر تلك الواقعة. قوله: (أقرب أرض الروم) أي فأدنى أفعل تفضيل، وأل عوض عن المضاف اليه. قوله: (بالجزيرة) المراد بها ما بين دجلة والفرات، وليس المراد بها جزيرة العرب. قوله: ﴿ وَهُم ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿ سَيَغْلِبُونَ ﴾ خبره. قوله: ﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾ متعلق بيغلبون وهو على حذف مضاف، أي في انتهاء بضع سنين، وأبهم البضع لأدخال الرعب والخوف عليهم في كل وقت. قوله: (فالتقى الجيشان في السنة السابعة من الالتقاء الأول) أي يوم بدر، وإن كانت الواقعة الأولى قبل الهجرة بخمس سنين، أو يوم الحديبية إن كانت الأولى قبل الهجرة بسنة، والمراد بالجيشين جيش كسرى وجيش قيصر ملك الروم، فأقبل في خمسمائة ألف رومي إلى الفرس وغلبوهم، ومات كسرى ملك الفرس. قوله: ﴿ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ ﴾ أي لا لغيره. قوله: ﴿ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ﴾ القراءة المشهورة ببناء ﴿ قَبْلُ ﴾ و ﴿ بَعْدُ ﴾ على الضم لحذف المضاف إليه ونية معناه. قوله: (أي من قبل غلب الروم) أي من قبل كونهم غالبين، وقوله: (ومن بعده) أي من بعد كونهم مغلوبين. قوله: (المعنى أن غلبة فارس) الخ، جواب عما يقال: ما فائدة قوله: ﴿ غَلَبِهِمْ ﴾ بعد قوله: ﴿ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ﴾؟ وحاصل الجواب: أن فائدته إظهار أن ذلك بأمر الله، لأن شأن من غلب بعد كونه مغلوباً أن يكون ضعيفاً، فلو كانت الغلبة بحولهم وقوتهم لما غلبوا أولاً. قوله: (أي يوم تغلب الروم) أشار بذلك إلى أن تنوين ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ عوض عن الجملة. قوله: ﴿ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ ﴾ أي فاستبشر المؤمنون بنصر الروم على فارس؛ وعلموا أن الغلبة لهم على كفار مكة. قوله: (يوم بدر) هذا أحد قولين، وهو مبني على أن الواقعة الأولى كانت قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل يوم الحديبية، بناء على أن الأولى قبل الهجرة بسنة. قوله: (مصدر) أي مؤكد لمضمون الجملة التي تقدمت، وعامله محذوف أي وعدهم الله وعداً. قوله: (به) أي النصر. قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي لجهلهم وعدم تفكرهم واعتبارهم. قوله: ﴿ يَعْلَمُونَ ﴾ أي الأكثر. قوله: ﴿ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي وإما باطناً منها، وهو كونها مجازاً إلى الآخر، يتزود فيها الأعمال الصالحة فليس لهم به علم. قوله: (إعادة) أي لفظ (هم).
قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ ﴾ الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة عليه، والتقدير اعموا ولم يتفكروا. قوله: ﴿ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي بالحكمة لا عبثاً. قوله: (تفنى عند انتهائه) أي تنعدم السماوات والأرض وما بينهما عند انقضاء ذلك الأجل. قوله: ﴿ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ ﴾ متعلق بكافرون، واللام غير مانعة من ذلك لوقوعها في غير محلها وهو خبر ﴿ إِنْ ﴾.
قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة عليه، والتقدير: اقعدوا ولم يسيروا؟ والاستفهام للتوبيخ، والجملة معطوفة على جملة ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ ﴾ عطف سبب على مسبب، لأن السير سبب للتفكر، قوله: ﴿ وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ ﴾ بالقصر لعامة القراء وقرئ شذوذاً، وآثار بألف بعد الهمزة. قوله: ﴿ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا ﴾ نعت لمصدر محذوف، أي عمارة أكثر من عمارتهم. قوله: ﴿ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ أي فلم يذعنوا لها، بل كذبوا بها. قول: ﴿ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ أي يعاملهم معاملة ملك ظالم جبار، بل معاملة ملك عادل رحيم، وعلى فرض أخذهم من غير جرم لا يكون ظالماً، إذ لا مشارك له في خلقه، ولكن من فضله تعالى ألزم نفسه ما لا يلزمه قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤأَىٰ ﴾ بيان لعاقبة أمرهم إثر بيان حالهم في الدنيا. قوله: (خبر كان على رفع عاقبة) أي و ﴿ عَاقِبَةَ ﴾ اسمها، وهي مضافة للموصول، و ﴿ أَسَاءُواْ ﴾ صلته، و ﴿ ٱلسُّوۤأَىٰ ﴾ صفة لموصوف محذوف، أي المجازاة السوآى وهي جهنم خبر ﴿ كَانَ ﴾، وقوله: (واسم كان على نصب عاقبة) أي فالسوآى اسم ﴿ كَانَ ﴾ مؤخر، و ﴿ عَاقِبَةَ ﴾ خبر ﴿ كَانَ ﴾ مقدم، وعلى كل فقوله: ﴿ أَن كَذَّبُواْ ﴾ خبر لمحذوف تقديره وإساءتهم أن كذبوا، فهي جملة مستأنفة بيان لصلة الموصول، فيصح الوقف على السوآى، وهذا ما اختاره المفسر من أوجه شتى وهو أنورها، وذكر الفعل لأن الاسم كان على كل مجازي التأنيث. قوله: (والمراد بها) أي السوآى قوله: (أي بأن) ﴿ كَذَّبُواْ ﴾ أشار بذلك إلى أن الكلام على تقدير الباء وهي للسببية. قوله: ﴿ ٱللَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ﴾ عبر بالمضارع إشارة إلى أن البدء متجدد شيئاً فشيئاً ما دامت الدنيا. قوله: (أي ينشئ خلق الناس) أي يظهرهم من العدم. قوله: (بالتاء والباء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ ﴾ أي وهو يوم الإعادة. قوله: (يسكت المشركون) أي عن جواب يدفع عنهم العذاب. قوله: (أي لا يكون) أشار بذلك إلى أن الماضي بمعنى المضارع، لأن المنفي بلم ماضي المعنى. قوله: ﴿ بِشُرَكَآئِهِمْ ﴾ متعلق بكافرين. قوله: (تأكيد) أي لفظي. قوله: (أي المؤمنون والكافرون) أخذ هذا التعميم من قوله أولاً.
﴿ ٱللَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾.
قوله: ﴿ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ ﴾ الروضة كل أرض ذات نبات وماء ورونق ونضارة. قوله: ﴿ يُحْبَرُونَ ﴾ أي يكرمون وينعمون بما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. روي أن في الجنة أشجاراً عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة سماع، بعث الله ريحاً من تحت العرش، فتقع في تلك الأشجار، فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طرباً، قوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ مقابل قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ قوله: (وغيره) أي كاللجنة والنار. قوله: ﴿ مُحْضَرُونَ ﴾ أي حاضرون. قوله: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ ﴾ الخ، وجه مناسبة هذه الآية لما قبلها، أنه لما ذكر أولاً أنه يبدأ الخلق ويعيده، وأن الخلق يكونون فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير، ذكر هنا أنه منزه عن النقائص، إشارة إلى أن تسبيحه وتحميده، وسيلتان للنجاة من العذاب وحلول دار الثواب. قوله: (بمعنى صلوا) إنما فسر التسبيح بالصلاة، لأن التنزيه يكون باللسان والجنان والأركان، ولا شيء أجمع لذلك كله من الصلاة. قوله: (أي تدخلون في المساء) أشار بذلك إلى أن ﴿ تُمْسُونَ ﴾ و ﴿ تُصْبِحُونَ ﴾ فعلان تامان. قوله: (وفيه صلاتان) الخ، أشار بذلك إلى أن هذه الآية جمعت الصلوات الخمس، وخصها بالذكر دون سائر العبادات، لأنها عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين. قوله: (اعتراض) أي بين المعطوف والمعطوف عليه. الحكمة في ذلك، الإشارة إلى أن التوفيق للعبادة نعمة ينبغي أن يحمد عليها. قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ أي فالقادر على إخراج الحي من الميت وعكسه، وإحياء الأرض قادر على إحياء الخلق بعد موتهم، ففي ذلك ردّ على منكري البعث. قوله: (للفاعل والمفعول) أي فهما قراءتان سبعيتان.
قوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ شروع في ذكر جملة من الآيات الدالة على وحدانيته سبحانه وتعالى، وذكر لفظ من آيات ست مرات تنتهي عند قوله:﴿ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾[الروم: ٢٥] وابتدأها بذكر خلق الإنسان، ثم بخلق العالم علوياً وسفلياً، إشار إلى أن الإنسان هو المنتفع بها. والحكمة في ذكر تلك الآيات ليهتدي بها من أراد الله هدايته، وتقوم الحجة على من لم يهتد. قوله: (أي أصلكم آدم) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، ويصح أن يبقى الكلام على ظاهره، لأن النطفة ناشئة من الغذاء، وهو ناشئ من التراب. قوله: ﴿ ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ ﴾ عبر بثم إشارة إلى تراخي أطواره، لكونه أولاً نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى آخر أطواره، وأتى بعدها بإذا الفجائية، إشارة إلى أنه لم يفصل بين تلك الأطوار وبين البشرية فاصل، وإن كان الكثير الإتيان بها بعد الفاء. قوله: ﴿ أَزْوَاجاً ﴾ أي زوجات. قوله: (من ضلع آدم) أي الأيسر القصير وهو نائم، فلما استيقظ ورآها مال إليها، فقالت له الملائكة: مه يا آدم حتى تؤدي مهرها، فقال: وما مهرها؟ فقيل له: أن تصلي على محمد صلى الله عليه وسلم. قوله: (وسائر النساء) أي باقيهن. قوله: ﴿ مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ قيل المراد بالمودة الجماع، والرحمة الولد، وقل المودة المحبة، والرحمة الشفقة، فإذا تخلف هذا الأمر، بأن لم توجد بينهما محبة ولا مودة، فالمناسب المفارقة. قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ أي فيما ذكر من خلقهم من تراب، وخلق أزواجهم من أنفسهم، وإلقاء المودة والرحمة بينهم. قوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ أي يتأملون في تلك الأشياء، ليحصل لهم الاعتبار وزيادة الإيمان، سيما إذا تأمل في خلق الله إياه من نطفة، ثم جعله بشراً سوياً، ثم جعل له زوجة من جنسه، ولم تكن جنية ولا بهيمية، وأسكن بينهما المحبة والشفقة، فإذا أراد جماعها زينها له، وجعل بينهما اللذة، فإذا نزلت النطفة منه، جعلها راحة له، وخلق منها بشراً سوياً، وغير ذلك من أنواع التفكرات، فإذا تأمل الانسان في ذلك، كان سبباً في زيادة معارفه وأدبه مع ربه، ولذا قال بعض العارفين: لذة الجماع ربما كانت من أبواب الوصول إلى الله تعالى، ومنه ما روي:" حبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة ". قوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي إنشاؤهما من العدم إلى الوجود. قوله: (أي لغاتكم) أي بأن خلق فيكم علماً ضرورياً، تفهمون به لغاتكم ولغات بعضكم على اختلافها. قوله: ﴿ وَأَلْوَانِكُمْ ﴾ أي فجعلكم ألواناً مختلفة، منكم الأبيض والأسود والمتوسط، وغاير بين أشاكلكم، وحتى إن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما يختلفان في شيء من ذلك، وإن كانا في غاية التشابه، وإنما قرن هذا بخلق السماوات والأرض، وإن كان من جملة خلق الإنسان، إشارة إلى أنه آية مستقلة بدالة على وحدانية الصانع. قوله: (بفتح اللام وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أي ذوي العقول وأولي العلم) أي وهم أهل المعرفة الذين لا تحجبهم المصنوعات عن صانعها، بل يشهدون الصانع في المصنوعات، قال العارف: وفي كل شيء له آية   تدل على أنه الواحد
قوله: ﴿ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ قيل في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار، حذف حرف الجر لاتصاله بالليل، والأحسن أن يبقى على حاله، والنوم بالنهار من جملة النعم، لا سيما أوقات القيلولة في البلاد الحارة. قوله: (بإرادته) أي فلا قدرة لأحد على اجتلابه. قوله: (راحة لكم) أي من آثار التعب الحاصل لكم. قوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ غاير بين رؤوس الآي تفنناً، فإن أهل العقل هم أهل الفكر والسمع. قوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم.
﴿ يُرِيكُمُ ﴾ مؤول بمصدر مبتدأ مؤخر، وحذفت أن من الفعل لدلالة ما قبله وما بعده عليه، وهكذا يقال فيما تقدم وما يأتي. قوله: ﴿ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي تثبت وتستقر. قوله: (من غير عمد) بفتحتين اسم جمع لعمود وقيل جمع له، أو ضمتين جمع عمود كرسل ورسول. قوله: ﴿ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ متعلق بدعاكم. قوله: (في الصور) أي نفخة البعث فتخرج منه الأرواح إلى أجسادها، لأن فيه طاقات بعدد الأرواح، فتجتمع فيه ثم تخرج بالنفخة دفعة واحدة، فلا تخطئ روح جسدها. قوله: ﴿ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ عبر في ابتداء خلق الإنسان بثم حيث قال: ثم إذا أنتم بشر تنتشرون، وتركها هنا لأنه من ابتداء الخلق تحصل المهلة والتراخي، لكونه على أطوار مختلفة، بخلاف الإعادة فلا تدريج فيها، بل يحصل دفعة واحدة. قوله: (مطيعون) أي لأفعاله طاعة انقياد لا طاعة عبادة؛ وقيل المعنى قائمون للحساب، وقيل مقرون بالعبودية إما باللسان أو الحال. قوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ الضمير عائد على الاعادة المفهومة من قوله: ﴿ يُعِيدُهُ ﴾ وذكر الضمير مراعاة للخبر. قوله: (بالنظر إلى ما عند المخاطبين) أي فهو مبني على ما يقتضيه عقولهم، لأن من أعاد منهم شيئاً، كان أهو عليه وأسهل من إنشائه، وهو جواب عما يقال: إن أفعال الله كلها متساوية بالنسبة إلى قدرته تعالى، وأجيب أيضاً: بأن اسم التفضيل ليس على بابه، فأهون بمعنى هين. قوله: (أي الصفة العليا) أشار بذلك إلى أن المثل بمعنى الصفة، والأعلى بمعنى العليا. أي المرتفعة المنزهة عن كل نقص. قوله: (وهي أنه لا إله إلا الله) أي فالمراد بها الوصف بالوحدانية ولوازمها من كل كمال، والتنزيه عن كل نقص. قوله: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً ﴾ أي صفة وشكلاً تقيسون عليه. قوله: (كانئاً) ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ أشار بذلك إلى أن ﴿ مِّنْ ﴾ ابتدائية متعلقة بمحذوف صفة لمثلاً. قوله: ﴿ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ ﴾ الخ.
﴿ هَلْ ﴾ حرف استفهام، و ﴿ لَّكُمْ ﴾ خبر مقدم، و ﴿ شُرَكَآءَ ﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿ مِّن ﴾ زائدة، و ﴿ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ حال من ﴿ شُرَكَآءَ ﴾ لكونه نعت نكرة قدم عليها، و ﴿ مِّن ﴾ تبعيضية فتحصل أن ﴿ مِّن ﴾ الأولى ابتدائية، والثانية تبعيضية، والثالثة زائدة. قوله: ﴿ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ أي ملكناكم، وأشار بذلك إلى أن الرزق حقيقة لله تعالى، وإيضاح هذا المثل أن يقال: إذا لم يصح أن تكون مماليككم شركاء فيما بأيديكم من رزق الله، فلا يصح بالأولى جعل بعض مماليك الله شركاء فيما هو له حقيقة. قوله: ﴿ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ﴾ أي مستوون معهم في التصرف على حكم عادة الشركاء. قوله: ﴿ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ من جملة المنفي، فهو مرتب عليه، فالمراد نفي الثلاثة الشركة والاستواء مع العبيد وخوفهم كخوف أنفسكم، والمعنى أنتم تنفون عنهم تلك الأوصاف الثلاثة، من أجل كونهم مماليك لكم، فكيف تثبتون تلك الأوصاف لبعض مماليك الله؟ قوله: (بمعنى النفي) أي فهو استفهام إنكاري. قوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ أي فهذا المثل إنما ينفع العاقل الذي يتدبر الأمور. قوله: ﴿ بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ ﴾ الخ، إضراب عما ذكر أولاً، إشارة إلى أنهم لا حجة لهم في الإشراك، ولا دليل لهم سوى اتباع هواهم. قوله: (هادي له) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.
قوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ شروع في تسليته صلى الله عليه وسلم، والمراد بإقامة الوجه، بذل الهمة ظاهراً وباطناً في الدين. قوله: (أنت ومن اتبعك) أشار بذلك إلى أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو وأمته. قوله: ﴿ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ﴾ منصوب بفعل محذوف قدره المفسر بقوله: (الزموها) وهي ترسم بالتاء المجرورة، وليس في القرآن غيرها، وقوله: (وهي دينه) أي دين الإسلام، وعلى هذا فالخلق جميعاً مجبولون على توحيد يوم ألست بربكم، ولذا قال صلى الله عليه وسلم:" كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه "وهذا غير ما سبق في علم الله، وأما هو فعلم أن قوماً يكفرون وقوماً يؤمنون، فمن سبق في علم الله إيمانه، فقد استمر على فطرته الأصلية، ومن سبق في علم الله كفره، فقد رجع عن فطرته، وإن كان سبق منه التوحيد، وحينئذ يكون معنى الآية، الزم أنت ومن اتبعك الفطرة التي فطرك ربك عليها وهي التوحيد، وهذا أحد أقوال ثلاثة في معنى الفطرة، وقيل المراد بها: الخلقة الأصلية التي ابتدأهم الله عليها من سعادة وشقاوة، وإلى ما يصيرون اليه عند البلوغ، فمن ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن عمل بأعمال الهدى، ومن ابتدأ الله خلقه للهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بأعمال أهل الضلالة، وقيل إنها الخلقة والطبيعة التي في نفس الطفل يكون بها مهيأ لمعرفة ربه، ليس بين قلوبهم ومعرفة ربهم حجاب، كما خلق أسماعهم وأبصارهم قابلة للمسموعات والمبصرات، فما دامت باقية على تلك الهيئة أدركت الحق ودين الإسلام، ولا يحجبها عنه إلا وساوس الشياطين بعد البلوغ، ولذا كان كل من مات من بني آدم قبل بلوغه في الجنة، وإن كان من أولاد المشركين، وهذا القول قريب من معنى القول الأول. قوله: (أي لا تبدلوه) أشار بذلك إلى أن قوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ﴾ خبر، والمراد منه الأمر. قوله: (توحيد الله) تفسير لقوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾.
قوله: ﴿ يَعْلَمُونَ ﴾ (توحيد الله) أي بل جهلوا ذلك، فعبدوا غير الله. قوله: (حال من فاعل أقم) أي وما بينهما اعتراض. قوله: (وما أريد به) أي بالخطاب فإنه أريد به محمد ومن تبعه. قوله: (أي أقيموا) أشار بذلك إلى أن قوله: ﴿ وَٱتَّقُوهُ ﴾ عطف على محذوف مأخوذ من الحال قبله. قوله: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ أي فأهل السعادة فرحون بسعادتهم، وأهل الشقاوة فرحون بما زينه لهم الشيطان لظنهم أنهم على حق. قوله: (وفي قراءة فارقوا) أي وهي سبعية أيضاً. قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ﴾ ﴿ إِذَا ﴾ شرطية وجوابها قوله: ﴿ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ ﴾، وقوله: (أي كفار مكة) خص ذلك بهم لأنه سبب النزول، وإلا فالعبرة بعموم اللفظ. قوله: ﴿ إِذَا فَرِيقٌ ﴾ ﴿ إِذَا ﴾ فجائية قائمة مقام الفاء، فهي رابطة للشرط. قوله: (أريد به التهديد) أي فاللام لام الأمر للتوبيخ والتقرير، على حد﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾[فصلت: ٤٠].
قوله: (عاقبة تمتعكم) قدره إشارة إلى أن مفعول ﴿ تَعْلَمُونَ ﴾ محذوف. قوله: (فيه التفات عن الغيبة) أي إلى الخطاب لأجل المبالغة في زجرهم.
قوله: (بمعنى همزة الإنكار) أي فهي منقطعة، تفسر تارة بالهمزة وحدها، وتارة بالهمزة وبل. قوله: ﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ ﴾ داخل في حيز النفي. قوله: (أي يأمركم بالإشراك) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية، والأحسن أن يجعلها موصولة، أي بالأمر الذي كانوا يشركون بسببه. قوله: (فرح بطر) أي عجب وكبر، فيصرفونها فيما يغضبه تعالى، ولو فرحوا بها فرح سرور لصرفوها فيما يرضيه. قوله: ﴿ يَقْنَطُونَ ﴾ بفتح النون وكسرها سبعيتان. قوله: (ومن شأن المؤمن) أي من خصلته وهيئته. قوله: (ويرجو ربه عند الشدة) أي لأنه يشهد أنه لا كاشف لها غيره ولا رحيم سواه. قوله: (امتحاناً) أي اختباراً لينظر أيشكر أم يطغى. قوله: (ابتلاء) أي فينظر هل يصبر ويرضى، أم يضجر ويشكر. قوله: ﴿ فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ﴾ هذه الآية في صدقة التطوع لا في الزكاة الواجبة، لأن السورة مكية، والزكاة فرضت في السنة الثانية من الهجرة بالمدينة. قوله: (القرابة) أخذ أبو حنيفة من الآية، أن النفقة على الأرحام عموماً واجبة على القادر، وعند مالك والشافعي النفقة على الأصول والفروع واجبة، وما عدا ذلك مندوب. قوله: (وأمة النبي) الخ، أشار بذلك إلى أن الأمر وإن كان للنبي، فالمراد هو وأمته. قوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ أي الظافرون بمقصودهم.
قوله: ﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ ﴾ بالمد والقصر قراءتان سبعيتان. قوله: (بأن يعطى شيئاً) الخ، أشار بذلك إلى أن هذه الآية نزلت في هبة الثواب، وهي أن يريد الرجل بهديته أكثر منها، وهي مكروهة في حقنا، وأما في حقه صلى الله عليه وسلم فمحرمة لقوله تعالى:﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴾[المدثر: ٦] والحكم فيها إذا وقعت أنه إذا شرط عليه الثواب لزمه الدفع، وإن لم يشترط عليه، فلا يلزمه إلا دفع قيمتها إن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له لأمر غني لفقير. قوله: (فسمي) أي المعطى وهو الهدية. قوله: (باسم المطلوب) أي الذي يأخذ من المهدى اليه مقابلة ما أعطاه. قوله: ﴿ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ ﴾ أي في تحصيلها. قوله: (المعطين) أي الآخذين للهبة والهدية. قوله: (أي لا ثواب فيه للمعطين) أي الدافعين لما ذكر، فالأول اسم مفعول، والثاني اسم فاعل. قوله: (صدقة) أي صدقة تطوع، وعبر عنها بالزكاة إشارة إلى أنها مطهرة للأموال والأبدان والأخلاق. قوله: ﴿ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ ﴾ أي الذين تضاعف لهم الحسنات. قوله: (فيه التفات عن الخطاب) أي تعظيماً لحالهم أو قصداً للعموم كأنه قيل: من فعل ذلك فأولئك هم المضعفون. قوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ جملة من مبتدأ وخبر، وهي تفيد الحصر لكونها معرفة الطرفين قوله: ﴿ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ ﴾ الخ، خبر مقدم، و ﴿ مِن ﴾ للتبعيض، و ﴿ مَّن يَفْعَلُ ﴾ مبتدأ مؤخر، وقوله: ﴿ مِن ذَٰلِكُمْ ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من شيء، لكونه نعت نكرة تقدم عليها، و ﴿ مِّن شَيْءٍ ﴾ مفعول يفعل، و ﴿ مِن ﴾ زائدة، والتقدير من الذي يفعل شيئاً من ذلكم من شركائكم، واسم الإشارة يعود على ما ذكر من الأمور الأربعة، وهي الخلق والرزق والأمانة والاحياء. قوله: (لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري. قوله: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ ﴾ هذا نتيجة ما قبله، أي فإذا ثبت أنه تعالى هو الفاعل لذلك كله، ولا شريك له في شيء عنها، فالواجب تسبيحه وتنزيهه عن كل نقص.
قوله: (أي القفار) بكسر القاف جميع قفر وهي الأرض التي لا ماء بها ولا نبات، وأما القفار بفتح القاف فهو الخبز الذي لا آدم معه. قوله: (بقحط المطر) أي منعه من النزول. قوله: (أي البلاد التي على الأنهار) وقيل إن قلة المطر، كما تؤثر في البر تؤثر في البحر، فتخلوا أجواف الأصداف وتعمدوا دوابه، فإذا أمطرت السماء فتحت الأصداف في البحر، فما وقع فيها من السماء فهو لؤلؤ، وتكثر دواب البحر. قوله: ﴿ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ الباء سببية وما مصدرية أي بسبب كسبهم. قوله: (من العاصي) أي ومبدؤها قتل قابيل هابيل، لأن الأرض كانت قبل ذلك نضرة مثمرة، لا يأتي ابن آدم شجرة إلى وجد عليها الثمر، وكان البحر عذباً، وكان الأسد لا يصول على الغنم ونحوها، فلما قتله اقشعرت الأرض، ونبت الشوك في الأشجار، وصار ماء البحر ملحاً، وتسلطت الحيوانات بعضها على بعض. قوله: ﴿ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ ﴾ اللام للعاقبة والصيرورة متعلق بقوله: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ ﴾ الخ، وهذا فيمن أظهر الفساد وتكبر وتجبر وكفر، وإلا فالمصائب للصالحين رفع درجات، ولعصاة المؤمنين تكفير سيئات. قوله: (أي عقوبته) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: ﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ ﴾ أي وهي الدمار والهلاك إن لم يتوبوا، وكذلك يحل بكفار مكة إن لم يتوبوا، قال تعالى:﴿ كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾[يونس: ١٣].
قوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو وأمته، والمعنى ابذل همتك في دين الإسلام واشتغل به ولا تحزن عليهم. قوله: ﴿ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ ﴾ أي وأما بعد مجيئه فلا ينفع العامل عمله، بل كل إنسان يلقى جزاء ما عمله قبل ذلك، قال تعالى:﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾[عبس: ٣٨-٤١].
قوله: ﴿ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ متعلق بيأتي. قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ التنوين عوض عن جملة أي يوم إذ يأتي هذا اليوم. قوله: (فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد) أي فأصله يتصدعون، أبدلت التاء صاداً وأدغمت في الصاد. قوله: (يتفرقون بعد الحساب) أي عند سماع قوله تعالى:﴿ وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾[يس: ٥٩].
قوله: (وبال كفره) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: (يوطئون منازلهم) أي فالأعمال الصالحة في الدنيا بها تهيؤ المنازل في الجنة. قوله: (متعلق بيصدعون) أي والتقدير يتفرقون ليجزي الذين آمنوا من فضله، والذين كفروا بعدله. قوله: ﴿ ٱلرِّيَاحَ ﴾ أي الشمال والصبا والجنوب، فإنها رياح الرحمة، وأما الدبور فهي ريح العذاب، يدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام:" اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً ". قوله: ﴿ وَلِيُذِيقَكُمْ ﴾ عطف على ﴿ مُبَشِّرَاتٍ ﴾ كأنه قال: لتبشركم وليذيقكم. قوله: ﴿ مِّن رَّحْمَتِهِ ﴾ ﴿ مِّن ﴾ تبعيضية أي بعض رحمته. قوله: (يا أهل مكة) خصهم لأنهم سبب نزول الآية، وأما فالعبرة بعموم اللفظ.
قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً ﴾ هذه الآيات معترضة بين الآيات المنفصلة والمفصلة، لأن قوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ ﴾ تفصيل لقوله:﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ ﴾[الروم: ٤٦] وحكمة ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم وتأنيسه، حيث وعده بنصر المؤمنين عموماً. قوله: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ ﴾ عطف على محذوف قدره بقوله: (فكذبوهم). قوله: ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ ﴾ ﴿ كَانَ ﴾ فعل ماض ناقص، و ﴿ نَصْرُ ﴾ اسمها مؤخر، و ﴿ حَقّاً ﴾ خبرها مقدم، و ﴿ عَلَيْنَا ﴾ متعلق بحقاً بمحذوف صفة، وهذا وعد حسن من الله للمؤمنين، بنصرهم على أعدائهم في الدنيا والآخرة وهو لا يتخلف. قوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ ﴾ مبتدأ وخبر، وهو تفصيل لما اجمل أولاً كما تقدم التنبيه عليه. قوله: (تزعجه) أي تهيجه وتحركه. قوله: ﴿ فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ أي ينشره في جهتها متصلاً بعضه ببعض. قوله: (بفتح السين وسكونها) أي فهما قراءتان سبعيتان، فالمفتوح جمع كسفه والمسكن مخفف المفتوح، فقوله: (قطعاً) تفسير للوجهين. قوله: ﴿ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ ﴿ إِذَا ﴾ فجائية، والمعنى فاجأهم الفرح. قوله: ﴿ وَإِن كَانُواْ ﴾ فسر ﴿ إِن ﴾ بقد تبعاً لغيره، فالواو للحال، و(قد) للتحقيق، وبعضهم جعلها مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها بدليل اللام لمبلسين، فإنها اللام الفارقة، وكل صحيح. قوله: (تأكيد) أي إشارة إلى أن أتاهم الفرج بعد تمادي يأسهم. قوله: ﴿ فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ ﴾ أي ما ينشأ عن المطر من خضرة الأشجار وأثمارها وبهجتها ونضارتها. قوله: (وفي قراءة) أي وهي سبعية أيضاً. قوله: (مضرة) أي وهي ريح الدبور. قوله: ﴿ فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً ﴾ أي بعد خضرته. قوله: (جواب القسم) أي وقد سد مسد جواب الشرط للقاعدة المعلومة، من أنه عند اجتماع الشرط والقسم يحذف جواب المتأخر منهما. قوله: (يجحدون النعمة) أي فشأنهم يفرحون عند الخصب، فإذا جاءتهم مصيبة في زرعهم، جحدوا سابق نعمة الله عليهم. قوله: ﴿ فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ تعليل لمحذوف، والمعنى لا تحزن على عدم إيمانهم، فهم موتى صم عمي، وأنت لا تسمع من كان كذلك. قوله: (بتحقيق الهمزتين) الخ، أي وهما قراءتان سبعيتان.
قوله: ﴿ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ﴾ أي صدق بها. قوله: ﴿ مِّن ضَعْفٍ ﴾ أي أصل ضعيف. قوله: (ماء مهين) أي حقير ضعيف قليل. قوله: ﴿ وَشَيْبَةً ﴾ أي وهو بياض الشعر الأسود، ويحصل أوله غالباً في السنة الثالثة والأربعين، وهو أول سن الكهولة، والأخذ في النقص بعد الخمسين لثلاث وستين، فيزيد وهو أول سن الشيخوخة، فيزيد الضعف في الجسم والعقل إلى آخر العمر، وهذا في غير أهل التقوى والصلاح، وأما هم فيزيد عقلهم لآخر عمرهم. قوله: (بضم أوله وفتحه) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: ﴿ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ ﴾ أي تحصل وتوجد. والمراد بها القيامة، سميت بذلك لحصولها في آخر ساعة من ساعات الدنيا. قوله: (الكافرون) أي المنكرون للبعث. قوله: (مكثوا في القبور) إنما استقلوا تلك المدة، لأن عذاب القبر خفيف بالنسبة لما شاهدوه من عذاب النار، وقيل المراد مكثوا في الدنيا، فاستقلوا أجل الدنيا لما عاينوا الآخرة. قوله: (يصرفون عن الحق) أي الإقرار والاعتراف به في الدنيا. قوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ أي رداً عليهم وتكذيباً لهم. قوله: (وغيرهم) أي كالأنبياء والمؤمنين. قوله: (أنكرتموه) أي في الدنيا. قوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ ﴾ التنوين عوض عن جمل محذوفة، أي يوم إذ قامت الساعة وحلف المشركون كاذبين، ورد عليهم الملائكة وغيرهم وبينوا كذبهم لا تنفع، الخ. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: ﴿ مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ أي اعتذارهم. قوله: (العتبى) كالرجعى وزنى ومعنى، ولا يجابون لما طلبوه من الرجوع إلى الدنيا.
قوله: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ﴿ مِن ﴾ للتبعيض أي بعض كل صفة لأجل إرشادهم. قوله: ﴿ وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ ﴾ أي مما اقترحوا. قوله: (حذف منه نون الرفع) الخ، هذا سبق قلم من المفسر، فالصواب أن يقول: هو فعل مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، و ﴿ ٱلَّذِينَ ﴾ فاعله، لأن اللام مفتوحة باتفاق القراء. قوله: (منهم) حال من الكافرين. قوله: ﴿ فَٱصْبِرْ ﴾ أي إذا علمت حالهم، وأنهم لا يؤمنون لوجود الطبع على قلوبهم فاصبر، الخ، قوله: ﴿ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ تعليل للأمر بالصبر. قوله: (والطيش) عطف مرادف على (الخفة). قوله: (أي لا تتركنه) أي لا تترك الصبر بسبب تكذيبهم وإيذائهم.
Icon