ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير١٠٦ وفيه مسألتان :
[ ٣١ ] المسألة الأولى : في نسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن.
يرى ابن حزم جواز نسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن، سواء كانت السنة منقولة بالتواتر أو بأخبار الآحاد.
قال ابن حزم : اختلف الناس في هذا بعد أن اتفقوا على جواز نسخ القرآن بالقرآن، وجواز نسخ السنة بالسنة، فقالت طائفة : لا تنسخ السنة بالقرآن ولا القرآن بالسنة.
وقالت طائفة : جائز كل ذلك، والقرآن ينسخ بالقرآن وبالسنة، والسنة تنسخ بالقرآن وبالسنة.
قال ابن حزم : وبهذا نقول وهو الصحيح، وسواء عندنا السنة المنقولة بالتواتر والسنة المنقولة بأخبار الآحاد، كل ذلك ينسخ بعضه بعضا، وينسخ الآيات من القرآن، وينسخه الآيات من القرآن.
برهان ذلك : ما بيناه من وجوب الطاعة لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كوجوب الطاعة لما جاء في القرآن ولا فرق، وأن ذلك من عند الله تعالى : وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى ١، فإذا كان كلامه وحيا من عند الله عز وجل، والقرآن وحي، فنسخ الوحي بالوحي جائز، لأن ذلك كل سواء في أنه وحي. وقال تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها .
والمعنى : نأت بخير منها لكم، أو مثلها لكم، ولا شك أن العمل بالناسخ خير من العمل بالمنسوخ قبل أن ينسخ، وقد يكون الأجر على العمل بالناسخ مثل الأجر على العمل بالمنسوخ قبل أن ينسخ، وقد يكون أكثر منه، إلا أن فائدة الآية أننا قد أمنا أن يكون العمل بالناسخ أقل أجرا من العمل بالمنسوخ قبل أن ينسخ، لكن إنما يكون أكثر منه أو مثله، ولا بد من أحد الوجهين، تفضلا من الله تعالى لا إله إلا هو علينا.
وأيضا فإن السنة مثل القرآن في وجهين :
أحدهما : أن كلاهما من عند الله عز وجل قال تعالى : وما ينطق عن الهوى ٣ إن هو إلا وحي يوحى٤ ٢.
والثاني : استواؤهما بوجوب الطاعة بقوله تعالى : من يطع الرسول فقد أطاع الله ٣
وبقوله تعالى : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ٤.
وإنما افترقا في ألا يكتب في المصحف غير القرآن ويتلى معه غيره مخلوطا به، وفي الإعجاز فقط.
وليس في العالم شيئان إلا وهما يشتبهان من وجه، ويختلفان من آخر لابد من ذلك ضرورة ولا سبيل إلى أن يختلفا من كل وجه، ولا أن يتماثلا من كل وجه، وإذ قد صح هذا كله، فالعمل بالحديث الناسخ أفضل وخير من العمل بالآية المنسوخة، وأعظم أجرا، كما قلنا قبل ولا فرق، وقد قال تعالى : ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ٥ وقد تكون المشركة خير منها في الجمال وفي أشياء من الأخلاق ونحوها، وإن كانت المؤمنة خيرا عند الله تعالى، وهذا شيء يعلم حسا ومشاهدة، وبالله تعالى التوفيق٦.
[ ٣٢ ] المسألة الثانية : في توجيه القراءات في الآية.
قال ابن حزم :
قال تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها وقد قرئ أو ننسأها ٧، ومعنى اللفظين مختلف، فالنسخ قد بينا معناه وهو رفع الحكم٨، وأما ننسها فمعناه من النسيان، وهو رفع اللفظ جملة، وأما ننسأها فهو من التأخير، ومعناه أن يؤخر العمل بها إلى مدة معلومة، ويفعل الله من كل ذلك ما شاء لا معقب لحكمه٩.

١ النجم: ٣، ٤.
٢ النجم: ٣، ٤.
٣ النساء: ٨٠.
٤ النساء: ٥٩.
٥ البقرة: ٢٢١.
٦ الإحكام (٥١٨/ ١ـ ٥٢٠) باختصار وانظر: المحلى (٧٤/١) والنبذ في أصول الفقه (٦٧).
٧ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ننسأها بفتح النون والسين والهمز وقرأ الباقون ننسها بضم النون وكسر السين، انظر: المبسوط في القراءات العشر (١٢١) والتيسير في القراءات السبع (٦٥) والنشر في القراءات العشر (٢٢٠).
٨ عرف ابن حزم النسخ فقال: حد النسخ بيان انتهاء زمان الأمر الأول فيما لا يتكرر [الإحكام (٤٧٥/١)].
٩ الإحكام (٤٨٠/١).

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير