ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

١٠٦- قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها الآية |البقرة : ١٠٦|.
النسخ لغوي وشرعي كالكلام في الصلاة الشرعية كما تقدم وهو في اللغة(١) على ثلاثة معان، يقع على النقل كنسخ الكتاب وعن الرفع دون خلف، كقولهم نسخت الريح آثار الماشي، وعلى الرفع مع الخلف كقولهم نسخت الشمس الظل.
واختلف في هذين الوجهين من النسخ : هل هما في معنييهما حقيقة أو مجازا ؟، أو أحدهما حقيقة والآخر مجاز ؟. وهو في الشرع : رفع الحكم الثابت بشرع متقدم، بشرع متأخر عنه، على وجه |لولاه|(٢) لكان ثابتا مع تراخيه عنه(٣). وإنما أخذ هذا النسخ الشرعي من أحد المعنيين الواقعين تحت الرفع. فأما النسخ بمعنى النقل، فليس بداخل تحت الشرعي. وذهب شيخنا أبو بكر ابن العربي(٤)، إلى أن نسخ الشيء إزالته لغة وشرعا، وذكر منه نسخ الظل الشمس ونسخ الأثر الريح، وهذا بين. والإزالة والرفع في ذلك بمعنى واحد. قال : وكذلك نسخ الكتاب هو إزالته أيضا لأنه كان منفردا بما فيه، فلما كتب زال انفراده فإنه أثبت بما كان فيه. وقول من يقول : إنه النقل فاسد، وقد وهم فيه القاضي، وإمام الحرمين ومن وراءهم. وما أصابه إلا الشيخ أبو الحسن. وهذا الذي قاله غير صحيح، فإنه إن كان أزال انفراده، فإنه أثبت. ولو ورد في الشرع مثل ذلك، لكانت الآية المكررة على قوله نسخا، وهذا لم يقله أحد، وخلاف الجمهور لا يأتي بخير، وقد ثبت بهذه الآية صحة النسخ في الشريعة، وحده : ما ذكرته، وتحيرت في فهمه عقول أقوام، حتى أنكرته اليهود جملة، ورأوا أنه يلزم عليه تغير علم الله، وأنه يبدو له ما يبدو، وهم في منعه على فرقتين : فرقة تنكره عقلا، وأخرى تنكره شرعا خاصة. وأجازه الروافض، وارتكبوا البداء. ونقلوا عن علي-رضي الله عنه- أنه كان لا يخبر بالغيب مخافة أن يبدو له فيغيره ؛ وربما احتجوا بقوله تعالى : يمحوا الله ما يشاء ويثبت |الرعد : ٣٩|
وأجازه الفقهاء(٥)، إلا أنهم لم يحصلوا على معنى الرفع لكلام الله تعالى وأنكروه فألحقوا النسخ بالتخصيص، ورأوا أنه الخطاب الكاشف عن مدة العبادة. وأشكل على المعتزلة فيه أيضا ما أشكل على الفقهاء من معنى الرفع، ورأوا أن القديم لا يرفع، ولم يلحقوه بالتخصيص كما قال الفقهاء، فقالوا : إنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتا، ووفق الله أهل الحق إلى فهم معنى الرفع الذي هو حقيقة النسخ، ومن أخل به فقد أخل بحقيقة النسخ. ورأوا أن الرفع لكلام الله تعالى قطع تعلقه بالمكلف عن المكلف، والكلام لا يتغير في نفسه. ورأوا أنه لا يلزم في ذلك بداء، لأنه سبحانه يعلم وقت النسخ، ويعلم أن خطابه المنسوخ يقتضي الدوام إن لم يطرأ ناسخ، ويعلم أنه إذا طرأ النسخ(٦) قطع اقتضاء الدوام الذي اقتضاه الخطاب الأول ورفعه بذلك الاقتضاء وهو المرفوع، وهذا هو النسخ، والرفع حقيقة. وقد قرئت هذه الآية في السبع الدائرة بين الأيدي(٧) " أو ننسها " (٨) من النسيان، وقرئت " أو ننسأها " عند أبي عمرو ابن كثير(٩). يقال نسأ الإبل وأنسأها إذا أخرها عن الورد، فيكون معنى النسخ في الآية على بابه، ويكون معنى النسيان فيها على قراءة به على وجهين : إما على وجه الترك، وإما بمعنى ضج الترك، ويكون معنى قراءة من قرأ بالهمز " ننسأها " التأخير. فإذا قلنا : إن معنى قوله تعالى :
أو ننسها من النسيان الذي هو ضد الذكر، يكون معناه : أو نقرر نسيانك لها حتى ترتفع جملة. وإن قلنا إن معنى النسيان في الآية احتمل أربعة معان :
أحدهما : أن يريد نتركها أو نترك(١٠) غير منزل عليك.
والثاني : أو نتركها غير منسوخة.
والثالث : أو نترك تلاوتها وإن رفعنا حكمها.
والرابع : أو نترك حكمها وإن رفعنا تلاوتها.
فالمراد بقوله ما ننسخ من آية على هذين المعنيين الأخيرين التلاوة والحكم، وعلى المعنيين الأولين يحتمل أن يريد جميع وجوه النسخ أو بعضها. ويكون على المعنى الثاني الضميران في قوله : منها أو مثلها عائدين على المنسوخة خاصة. وإذا قرئ " أو ننساها " بمعنى التأخير، فجميع ما ذكر في معنى الترك من المعاني جارية في هذه القراءة. وفي الآية قراءات أخر لا تخلو معانيها عن الشيء مما ذكرنا. وقد قال أبو إسحاق الزجاج(١١) في قراءة من قرأ : " ننسها " بضم النون الأولية(١٢) : وتسكين الثانية وكسر السين من النسيان : لا يتوجه فيها معنى الترك لأنه لا يقال أنسى بمعنى ترك. وقال الفارسي(١٣) وغيره : ذلك جائز بمعنى نجعلك تتركها، وكذلك ضعف أبو إسحاق أن الآية على النسيان الذي هو ضد الذكر، وقال : إن هذا لم يكن للنبي-عليه السلام- ولا نسي قرآنا. وقال الفارسي(١٤) وغيره : ذلك جائز وقد وقع ولا فرق بين أن ترفع الآية بنسخ أو بتنسية. واحتج الزجاج(١٥) بقوله تعالى : ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك |الإسراء : ٨٦| أي لم نفعل.
وقال الفارسي : معناه لم نذهب بالجميع. وقال هذا القول غير الزجاج. ورد الطبري عليه(١٦). والصحيح على مذهب الأصوليين أنه لا يجوز عليه النسيان فيما طريقه التبليغ. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه صلى فأسقط آية، فقال : " أفي القوم أبي ؟ " فقال : نعم يا رسول الله. قال : " فلم لم تذكرني ؟ " قال : حسبت أنها رفعت، فقال النبي –عليه السلام- : " لم يرفع ولكني نسيتها " (١٧). وقد اعتذر أبو محمد عن هذا ومثله بأنه جائز عليه صلى الله عليه وسلم بعد التبليغ، وحفظ الصحابة لما بلغ. والحديث وإن كان فيه أنه قال : " نسيتها " ففيه أنه قال لأبي ابتداء " لم تذكرني ؟ " فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف ما أسقط وتذكره دون تذكير أحد. وذكر بوحي أوحى الله تعالى(١٨) إليه بذلك. وسأل أبيا ليختبر حفظه. فهذا نسيان لم يقدر عليه. وفي هذا كله نظر يؤخذ من علم الأصول، وإنما نأتي هاهنا بنبذ. وقد احتج بهذه الآية ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها من قال : إن من شرط النسخ إثبات بدل المنسوخ، ومنهم من شرطه عقلا، ومنهم من شرطه شرعا خاصة ؛ والجواب عن حجتهم(١٩) بالآية من أوجه.
أحدها : أن هذه الآية لا تمنع الجواز وإن منعت الوقوع عند من يقول بصيغة العموم، ومن لا يرى للعموم صيغة فلا يلزمه أصلا، ومن قال بها فلا يلزمه من هذا ألا يجوز في جميع المواضع إلا ببدل، بل يتطرق التخصيص إليه بدليل النهي عن ادخار لحوم الأضاحي ثم إباحتها، ونسخ تقدمة الصدقة عند مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه نسخ دون بدل(٢٠). ثم ظاهر الآية أنه تعالى ينسخ الآية بآية أخرى مثلها. وهل لا يتضمن إلا رفع المنسوخ أو يتضمنه مع ذلك غيره ؟ كل ذلك محتمل. وقد احتج بالآية أيضا من يجيز النسخ بالأخف ولا يجيزه بالأثقل وفي المسألة ثلاثة أقوال :
أحدها : هذا.
والثاني : يجوز بالأثقل ولا يجوز بالأخف.
والجمهور على الجواز بهما معا.
ووجه حجة أهل هذا القول الأول : أنهم قالوا في الآية : هذا الخير الذي ذكره الله تعالى، هو خير عام، والخير ماهو خير لنا، وإلا فالقرآن كله خير، والخير لنا ما هو أخف علينا. والجواب عن هذا أن الخير ما هو أجزل ثوابا وأصلح لنا في المآل وإن كان أثقل في الحال. فإن قيل : ألا يمتنع ذلك عقلا بل شرعا، لأنه لم يوجد في الشرع نسخ الأخف بالأثقل ؟ فالجواب : قد جاء في الشرع أولا الأمر بترك القتال، ثم أمر بالقتال، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان إلى غير ذلك مما يكثر. وقد اختلف في نسخ التلاوة دون الحكم أو الحكم دون التلاوة(٢١)، فمنهم من منعه عقلا، ومنهم من أجازه ومنعه شرعا، والصحيح جوازه عقلا وشرعا، فهما(٢٢) حكمان، فيجوز نسخهما جميعا، ونسخ أحدهما دون الآخر والآية على عمومها لا تخص حكما دون حكم. وقوله تعالى : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين |البقرة : ١٨٤|، مما نسخ حكمه وبقيت تلاوته، وكذلك تقدمة الصدقة أمام المناجاة، والوصية للوالدين، والأقربين، ومنهم من نسخ التلاوة دون الحكم ما تظاهرت(٢٣) به الأخبار من نسخ آية الرجم مع بقاء الحكم، وحديث عائشة(٢٤) من نسخ العشر رضعات(٢٥).

١ يراجع في هذا جامع البيان ١/٦٢٤ ومفردات الأصبهاني ص٧٤٦، ٧٤٧ وتفسير القرطبي ٢/٦٢، ٦٣ والتحرير والتنوير ٢/٦٥٦..
٢ سقطت من أ..
٣ يراجع في هذا المستصفى للغزالي ٢/٣٥-١١٨. وإحكام الفصول للباجي ص٣٨٩-٤٣١ وإرشاد الفحول للشوكاني ص١٨٣-١٨٦..
٤ لم أره في المقدمة الناسخ والمنسوخ له وفي المطبوع سقط في الأول..
٥ في ب و ن "العلماء"..
٦ في ب "الناسخ"..
٧ في ب "البدء" ولعل الصواب الأيدي والله أعلم..
٨ يراجع: السبعة في القراءات لابن مجاهد ص١٦٨..
٩ يراجع: المصدر السابق ص١٦٨..
١٠ في ب و ن "بتركها أو بترك"..
١١ يراجع المحرر الوجيز لابن عطية ١/٣٨٤..
١٢ في ن "الأولى"..
١٣ يراجع المحرر الوجيز لابن عطية ١/٣٨٤..
١٤ يراجع المحرر الوجيز لابن عطية ١/٣٨٤..
١٥ يراجع المحرر الوجيز لابن عطية ١/٣٨٤..
١٦ يراجع جامع البيان ١/٦٢٨، ٦٢٩..
١٧ أخرجه من عبد الرحمان بن أبي أبزى عن أبيه، الإمام أحمد في المسند ٣/٤٠٧..
١٨ في ب "أوحي إليه" وكذا في ن..
١٩ في ب "احتجاجهم" والمثبت من أ و ن..
٢٠ إشارة إلى قوله تعالى في سورة المجادلة١١: يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم..
٢١ في ب "دونها"..
٢٢ في ن "لأنهما"..
٢٣ في أ "تظافرت"..
٢٤ أخرجه مسلم في الرضاع ١٤٥٦..
٢٥ قارن بما جاء في المحرر الوجيز ١/٣٧٦ -٣٨٦ والجامع لأحكام القرآن ٢/٢١-٢٩..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير