الربع الثالث من الحزب الثاني
في المصحف الكريم
مما هو معلوم من الدين بالضرورة، أن رسالة الإسلام رسالة عامة موجهة إلى كافة البشر، وأن شريعته مهيمنة على ما سبقها من الشرائع.
ومن هنا انطلقت الدعوة الإسلامية في كل اتجاه، فاتجهت إلى نفس أهل الكتاب، وفي طليعتهم بنو إسرائيل الذين كانوا يتمتعون بين مشركي العرب بشيء من الاحترام، فطالبتهم بالدخول في دين الله، والاندماج في الأمة الإسلامية اندماجا كاملا، إذ أن الإسلام جاء ناسخا لما قبله، ودعوته موجهة للجميع قُل يأيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيكُم جَمِيعاً .
وقد أشار القرآن الكريم إلى الدعوة الموجهة إليهم، وإلى كيفية جوابهم عنها، فحكى عنهم موقفهم المتعنت وَإذَا قِيلَ لَهُمُ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا نُومِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَينَا، وَيَكفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ .
وهم في هذا الجواب الملتوي لم يكشفوا عن حقيقة رأيهم كاملا، إذ إنهم في الحقيقة كانوا ينظرون من بعيد إلى اعتقادهم الراسخ بأن شريعتهم ليست موقتة بوقت محدود، ولا مغياة ببعثة رسول آخر يأتي من بعد موسى وعيسى اسمه " أحمد "، بل إن شريعتهم ستظل مستمرة ومطلقة. وإذن فلا يمكن أن يدخل عليها، أي نسخ، لأن نسخ الشريعة بأخرى في نظرهم مستحيل، وقد بنوا نظريتهم في استحالة النسخ على مزاعم واهية، واستنتاجات خيالية.
وردا عليهم، وإبطالا لنظريتهم، جاءت الآية الكريمة تقول : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا . فتؤكد-على عكس ما يدعون-إمكان النسخ في الشرائع، بل تثبت وقوعه فيها فعلا، ثم توضح وجه الحكمة فيه، وأن مرده هو ضمان خير البشرية ونفعها تبعا لاختلاف الظروف، وكأن هذه الآية الكريمة تقول لبني إسرائيل : إن الشريعة التي جاء بها الإسلام ودعاكم إليها قد نسخت شريعتكم ووضعت لها حدا، وعوضتكم عنها بشريعة أكمل وأفضل، وهي نخبة الشرائع وخاتمة الأديان، فلا يسعكم الآن إلا أن تتخلوا عن شريعتكم وتدخلوا في دين الله أفواجا.
وبعد ما أثبتت هذه الآية مبدأ النسخ، وبينت وجه الحكمة فيه، وهو مصلحة المكلفين وخيرهم- ردا على مزاعم بني إسرائيل-عقبت على ذلك بما يؤكد أن الأمر في هذا المقام يتعلق قبل كل شئ بقدرة الله المطلقة، ويرتبط بتصرفه الشامل، تلك القدرة وذلك التصرف اللذان لا يحدهما شئ، فلله أن يرسل من يشاء، ولله أن يأمر بما يشاء، في أي وقت شاء، وبذلك تنطق هذه الآيات : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( ١٠٦ ) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ . وفي مثل هذا السياق جاء قوله تعالى : أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمرُ . أَلَيسَ اللهُ بِأحكَمِ الحَاكِمينَ -
اللهُ أَعلَمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسَالاَتِهِ .
ومن البديهيات المتعارفة أن الإنسانية قد مرت بعدة أطوار، وأن الله تعالى بفضل ربوبيته، وفيض رحمته، لم يزل يبعث لهداية الإنسان الأنبياء والرسل، فوجا إثر فوج، ما بين الفترة والأخرى، وكلفه على لسانهم في كل مرحلة من مراحل حياته بالتكاليف المناسبة لتلك المرحلة، أخذا بيد الإنسان، الذي اقتضت حكمته أن يستخلفه في الأرض، إلى طريق الرشاد، وتدريجا له في مدارج التكليف من حال إلى حال، على قدر إدراكه، وحسب استطاعته، وتبعا لحاجته، وهكذا كلما بلغ الإنسان درجة أرقى في التطور رفع عنه الحق سبحانه وتعالى من التكاليف ما لم يعد مناسبا، وكلفه بشرع جديد هو أكثر ملائمة لواقعه الجديد.
فلما استدار الزمان بحلول موعد البعثة المحمدية، وأذن الله بدخول الإنسان في بداية مرحلة الرشد، وإعداده لدرجة أعلى من الوعي والنضج، بعث الله خاتم الأنبياء بخاتمة الشرائع التي لا شريعة بعدها، والتي جاءت بنسخ ما قبلها مما لا يتفق معها.
ومن ثم كانت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم عامة إلى الناس كافة، للدخول تحت حكمها، والتزام القيام بتكاليفها، ومن ثم كان رفضه البات لعذر بني إسرائيل في التخلف عن ركب الإسلام، بدعوى استحالة النسخ وزعم ( الالتزام )
وعلاوة على ذلك فإن في قوله تعالى : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا . إشارة خفيفة وتمهيدا مبدئيا لأمر إلهي آخر، سيوحي به الحق سبحانه وتعالى إلى رسوله والمؤمنين خلال فترة قريبة غير بعيدة، ألا وهو الأمر بالتخلي عن استقبال بيت المقدس في الصلاة، بعد استقباله منذ بدء الهجرة حوالي سبعة عشر شهرا، والتحول عنه إلى استقبال البيت الحرام، مما ستوضحه آيات أخرى في الحصص القادمة.
نعم جاءت في حصتنا اليوم آية كريمة تمهد الجو لهذا الحادث المهم، الذي سيخصص للمسلمين قبلة يستقلون بها عن بقية الملل، والآية التي أومأنا إليها تشير للأمر المنتظر بمنتهى الإجمال والإيجاز، وهي قوله تعالى : وَلِلَهِ المَشرِقُ والمَغرِبُ، فأينما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ اللهِ، إِنَّ اللهِ واسِعٌ عَلِيمٌ( ١١٥ ) .
ومن هنا يتجه الخطاب القرآني فجأة إلى المؤمنين محذرا إياهم من تقليد بني إسرائيل في إلقاء أسئلتهم المحرجة، القائمة على روح الجدل والتعنت، فيقول : أَمْ تُرِيدُونَ أن تَسئَلُوا رَسُولَكُم كَمَا سُئِلَ مُوسى مِن قَبلُ . والتشبه هنا واقع بالأسئلة التي وجهها إلى موسى بنو إسرائيل في شأن البقرة وذبحها، طبقا لما حكته عنهم الآيات السالفة.
وتأتي في نفس المقام آية أخرى تستنكر أن يقف بعض البسطاء ممن لا يعلمون، موقفا مشابها لموقف بني إسرائيل، تقليدا لأساليبهم الملتوية في العناد والتردد، إذ تقول حكاية عن هذا الفريق " الإسرائيلي الاتجاه " : وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ . ثم تعقب على هذا القول كاشفة عن مصدره، ومبينة لسببه، إذ تقول : كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ . وواضح أن تشابه القلوب، أي تشابه العواطف والمشاعر، عامل من عوامل التشابه في الأفكار والآراء والارتسامات، والذين قالوا مثل هذا القول من قبلهم هم بنو إسرائيل، قالوه لموسى كما حكته عنهم آية سابقة : وَإذ قُلتُم يَا مُوسى لَن نُومِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهرَةً . وهكذا يكافح الإسلام كل ما يتسرب إلى مجتمعه من شبه بني إسرائيل وضلالاتهم ودعاياتهم.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري