٤٣- سؤال يشترك فيه اليهود والنصارى، وهو أن المسلمون يدعون أن الشريعة المحمدية نسخت كثيرا من أحكام التوراة، كتحريم الشحوم ولحوم الإبل وصيد السبت ومخالطة المرأة الحائض وتحريم اليسير من الخمر، ونحو ذلك، وهو محال، لأن النسخ(١)، يقتضي تجويز البداء(٢) أو الندم على الله تعالى، وهو محال، فالنسخ محال، فتكون شريعة التوراة مستمرة إلى قيام الساعة، والشريعة المدعية للنسخ باطلة، وهو المطلوب.
ثم إنا نقول : الفعل إن كان مصلحة حسنة، وهو حسن في نفسه وجب، أن لا يحرم، أو مفسدة في نفسه، وجب أن لا يؤمر به. فالقول بالنسخ يؤدي على انقلاب الحقائق لأنه يصير الحسن قبيحا والحقائق محالا، فالنسخ محال.
وأيضا كلام تعالى قديم، وحكمة كلامه، فيكون الأمر والنهي قديمين فيجتمع الأمر والنهي في الفعل الواحد، وهو محال، فيكون النسخ المفضي إليه محال، وهو المطلوب(٣).
والجواب منه وجوه :
أحدها : أن النسخ ليس فيه بداء ولا ندم، لأن البداء والندم أن يظهر ما لم يكن ظاهرا قبل ذلك، كما يبدو للإنسان في سفره، وأن يندم عليه إذا ظهر له أن الإقامة هي المصلحة وقبل ذلك كان جاهلا لمصلحة الإقامة، والله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم، فالبداء والندم عليه محالان.
لكن معنى النسخ : أنه سبحانه علم في الأزل أن تحريم الشحوم مثلا مصلحة للمكلفين في الزمن الفلاني، مفسدة للمكلفين في الزمن الفلاني، ويعلم في الأزل أنه تعالى يشرعه في وقت المصلحة وينسخه في وقت المفسدة، فالحكم الناسخ والحكم المنسوخ كلاهما معلوم لله تعالى أزلا وأبدا، ولم يتحدد في العلم ما لم يكن معلوما حتى يلزم البداء، بل الأحكام تابعة لمصالح الأوقات واختلاف الأمم وليس هذا شيء من المحال.
وثانيهما : اتفاق اليهود والنصارى على أن آدم عليه السلام شرع الله تعالى له تزويج الأخ من أخته التي ليست توأمته(٤)، مع اتفاقنا على تحريم ذلك بعد آدم عليه السلام، وهذا هو حقيقة النسخ، فقد اعترفوا به فلا يكون محالا على الله تعالى.
وثالثها : أن من أحكام التوراة أن السارق إذا سرق في المرة الرابعة تثقب أذنه ويباع(٥) وقد اتفقنا على نسخ ذلك، فيكون النسخ جائزا إجماعا، فلا يكون محالا على الله تعالى.
ورابعها : أن فريقي النصارى واليهود متفقان على أن في التوراة أن الله تعالى قد أبدل ذبح ولد إبراهيم بالكبش " (٦) وذلك أشد أنواع النسخ لأنه نسخ قبل فعل شيء من نوع المأمور أو أفراده. وإذا شهدت التوراة بأشد أنواع النسخ فجواز غيره بطريق الأولى.
وخامسها : في التوراة : أن الجمع في النكاح بين الحرة والأمة كان جائزا في شرع إبراهيم عليه السلام لجمعه بين سارة الحرة وهاجر الأمة(٧)، وقد حرمته التوراة.
وسادسها : أن في التوراة قال الله تعالى لموسى عليه السلام : " اخرج أنت وشعبك من مصر لترثوا الأرض المقدسة التي وعدت بها أباكم إبراهيم أن أرثها نسله ". فلما ساروا إلى التيه، قال الله تعالى : " لا تدخلوها لأنكم عصيتموني " (٨)، وهو عين النسخ.
وسابعها : تحريم السبت : فإنه لم ينزل العمل مباحا إلى زمن موسى عليه السلام(٩) وهو عين النسخ.
وثامنها : أن التوراة ما هو أشد من الندم والبدء، ففيها، مرض ملك اليهود حزقيال، وأوحى الله تعالى إلى أشعياء عليه السلام بن أموص النبي، وقال له : قل لحزقيال : هكذا يقول الرب : " أوص بيتك لأنك تموت ولا تعيش، إلى أشعياء أنه يقوم من علته ينزل إلى الهيكل بعد ثلاثة أيام وقد زيد في عمره خمس عشرة سنة " (١٠) ومثله في التوراة كثير.
وتاسعها : في السفر الأول : لما نظر بنو الله بنات الناس حسانا، ونكحوا منهن، قال الله تعالى : " لا تسكن الروح بعدها في بشر وإقامتهم مائة وعشرين سنة(١١)، فأخبرت التوراة أنه لا يعيش أحد من هذا ثم أخبرت أن أرفخشد عاش بعدما ولد له سالح أربع مائة وثلاثين سنة(١٢) وأرغموا مائتي سنة(١٣) وإبراهيم عليه السلام مائة سنة(١٤)، وذلك كثير في التوراة.
وإذا صرحت توراة اليهود بمثل هذه الأمور لا يسمع كلامهم بعد ذلك في النسخ.
وعاشرها : أن النسخ على وفق رعاية المصالح، ورعاية المصالح جائزة على الله تعالى. بيان أن النسخ على وفق رعاية المصالح : أن الأمم يختلفون في القوة والضعف واليسار والإعسار ولين القلوب وغلظها وإقبالها وعتبها، بل الإنسان الواحد تختلف أحواله في الأزمنة المختلفة، فإذا شرع الله تعالى حكما لمعنى ثم تغير ذلك المعين فمقتضى رعاية المصالح نسخ ذلك الحكم إلى ضد أو نقيضه كما وجب الذبح على إبراهيم بإسماعيل عليه السلام ليظهر الإنابة والتسليم لقضاء الله تعالى من الإثنين، فلما ظهر ذلك منهما، وحصلت مصلحة الابتلاء، فرعاية المصالح تقتضي نسخ وجوب الذبح فيكون النسخ على وفق رعاية المصالح، وأما أنه إذا كان على وفق رعاية المصالح يكون جائزا فلأن رعاية المصالح جائزة على الله تعالى إجماعا. وإنما اختلف الناس أ تجب أم لا ؟ (١٥). ومذهب أهل الحق عدم الوجوب(١٦) لما قد تقرر من أصول الدين. ( الأجوبة الفاخرة : ١٩٩ إلى ٢٠٧ ).
٤٤- احتجوا " أي : القائلون(١٧) " بوجوب البدل في النسخ بقوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ، فنص تعالى على أنه لابد من البدل أحسن أو مثل.
جوابه : أن هذه صيغة شرط وليس من شرط الشرط أن يكون ممكنا فقد يكون متعذرا كقولك إن كان الواحد نصف العشرة، فالعشرة اثنان، وهذا الشرط محال، والكلام صحيح عربي، وإذا لم يستلزم الشرط الإمكان لا يدل على الوقوع به مطلقا، فضلا عن الوقوع ببدل، سلمناه لكنه قد يكون رفع الحكم لغير بدل خيرا للمكلف باعتبار مصالحه والخفة عليه وبعده من الفتنة وغوائل التكليف. ( شرح تنقيح الفصول : ٣٠٨ ).
والنسخ في الاصطلاح :"رفع الحكم الشرعي بخطاب شرعي" ن :"مناهل العرفان" : ٢/١٧٩-١٨٠. و"مباحث علوم القرآن" لمناع القطان ٢٣٢ بتصرف..
٢ - في الأصل المطبوع : البدأ ولعل الصواب ما أثبتنا لأن "البداء يطلق في لغة العرب على معنيين متقاربين : الظهور بعد الخفاء أو نشأة رأي جديد لم يكن موجودا" ن : مناهل العرفان : ٢/١٧٩-١٨٠..
٣ - ينكر اليهود النسخ لأنه يستلزم في زعمهم البداء، وهو الظهور بعد الخفاء- كما سبق تعريفه- ويستدلون على ذلك بأن النسخ إما أن يكون لغير حكمة، وهذا عبث محال على الله، وإما أن يكون لحكمة ظهرت ولم تكن ظاهرة من قبل، وهذا يستلزم البداء وسبق الجهل، وهو محال على الله تعالى. واستدلالهم هذا بعيد عن حكم الله تعالى المتعددة من النسخ كما هي مبثوثة في مصنفات تفسير القرآن وعلومه.
ومن التناقضات التي وقع فيها اليهود في هذه المسالة أنهم أثبتوا البداء- الذي ينكرونه- لله تعالى. فقد أورده بكر زكي عوض. محقق كتاب الأجوبة الفاخرة للقرافي، مجموعة من نصوص التوراة في هذا الشأن نذكر منها ما يلي :
* جاء في سفر التكوين، الإصحاح ٧ : ٥-٦ ما نصه :"ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم، فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه. فقال الرب : أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع بهائم وذبابات وطيور السماء لأني حزنت أني عملتهم." ن : الأجوبة الفاخرة، هامش : ٣٢٣ من الصفحة : ٢٥٠.
* وورد في سفر أشعياء، إصحاح ١ : ٥/٣٨ :"مرض حزقيال للموت، فجاء إليه أشعياء بن أموصى النبي وقال له : هكذا يقول الرب، أوص بيتك لأنك تموت ولا تعيش، فوجه حزقيال وجهه إلى الحائط وصلى إلى الرب، وقال : آه يا رب، اذكر كيف سرت أمامك بالأمانة وبقلب سليم وفعلت الحسن في عينيك، وبكى حزقيال بكاء عظيما. فصار قول الرب إلى أشعياء قائلا : اذهب وقل لحزقيال : هكذا يقول الرب إله داود أبيك قد سمعت صلاتك، قد لرأيت دموعك ها أنذا أضيف إلى أيامك خمس عشرة سنة." ن : الأجوبة الفاخرة : ٩٤، هـ : ٢٠٥..
٤ يعلق د. بكر زكي عوض على هذا النص بقوله :"لم يرد نص صريح في التوراة والإنجيل والقرآن على أن الأخ كان يتزوج من أخته التوأم من أولاد آدم الأول، وإنما ذهب شراح العهد القديم، والمفسرون للقرآن الكريم، عند تناول قصة قابيل وهابيل هذا المذهب" ن : الأجوبة الفاخرة ص : ٢٠١- هامش : ٨٥..
٥ يقول المحقق أيضا :"ولم أجد في الأحكام الخاصة بالسرقة في كتب الشروح ثقب الأذن وبيع السارق" نفسه ص : ٢٠٣، هامش : ٨٦..
٦ قال الله تعالى :وفديناه بذبح عظيم سورة الصافات آية : ١٠٧..
٧ سفر التكوين : ١٠/٢١..
٨ الخروج : ٦/٦-٩. والعدد : ٢٤/٢٠..
٩ الخروج : ٢٠/٨-١١. والعدد : ١٥/٣٢-٣٦..
١٠ أشعياء : إصحاح : ٣٨/١-٥..
١١ تكوين : صح : ٦/٣..
١٢ تكوين : ٢١/١٣..
١٣ - تكوين : ١١/٢٠-٢١..
١٤ - تكوين : ٢٥/٧-٨..
١٥ دار جدال كلامي طويل بين المعتزلة والأشاعرة حول الصلاح والأصلح بالنسبة لفعل الله تعالى، وخلاصته :"أن الأشاعرة أو أهل السنة يرون أن الله منزه عن الإلزام مستدلين بنصوص نقلية منها قوله تعالى :لا يسأل عما يفعل وهم يسألون سورة الأنبياء آية : ٢٣... أما المعتزلة فقد ذهبوا إلى وجوب الصلاح في أفعال الله لأنه تعالى منزه عن الظلم وفعله منزه عن العبث.." ن : مقالات الإسلاميين للشعري : ١/٢٩٠ و "الرائد في علم العقائد" للعربي اللوه : ١٤٧ وما بعدها..
١٦ أهل الحق عنده وهم أهل السنة..
١٧ قال الإمام القرافي :"والنسخ لا إلى بدل خلافا لقوم" ن : شرح التنقيح : ٣٠٨. ولم يعينهم وهم : بعض المعتزلة والظاهرية، ن : مناهل العرفان لعبد العظيم الزرقاني : ٢/٢٢١..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي