رُعُونة. وقيل: بالقول انتصبت.
وقرأ الأعمش: " أنظِرنا - بقطع الألف وكسر الظاء - أي: أخرنا، وذلك بعيد لأنهم لم يؤمروا بالتأخير /، إنما أمروا بالقرب منه والتلطف في الخطاب.
وقيل: معنى قراءة الأعمش: أمهلنا.
وقوله: واسمعوا أي: واستمعوا ما يقال لكم، وَعُوه.
ثم قال: مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب الآية.
يعني بها اليهود والنصارى أنهم لا يحبون أن ينزل على المؤمنين خير من الله.
والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ.
أي: بنبوته ورسالته فيرسلها إلى من يشاء، ويهدي من يشاء.
قوله: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ.
أي: من حكم آية، قرأ ابن عامر: ما نُنسِخْ - بضم النون الأولى وكسر السين، بمعنى: " ننسخك ".
قال أبو غانم: " يقال: نسخته وأنسخته مثل قبرته وأقبرته، [فقبرته دفنته، وأقبرته جعلت له] قبراً ".
قوله: أَوْ نُنسِهَا.
من ضم / النون الأولى وَكَسَر السين، فمعناه: نتركها لا نبدلها. وهو مروي عن ابن عباس على معنى: نأمرك بتركها.
ويلزم على هذا المعنى فتح النون ليصح معنى الترك إذ هو غير معروف في اللغة: أَنْسَيْتُ الشيء تركته، إنما يقال: " نسيت "، كما قال نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧]، أي: تركوه فتركهم. / وهذا إنما يصح على قراءة من قرأ " نَنْسِهَا " بالفتح.
والصواب في معنى: " نُنْسِها " بضم النون أن يكون من النسيان على معنى: " ننسكها " يا محمد فتذهب من حفظك ".
وعن ابن عباس أن في الآية: [تقديماً وتأخيراً]، والتقدير: ما نبدل من حكم آية نأت بخير منها أي بأنفع منها لكم أو مثلها.
ثم قال: أَوْ نُنسِهَا أي نؤخرها فلا ننسخها ولا نبدلها.
وقيل: معناه: نأمرك بتركها كأنه: " أو ننسكها "، أي: نجعلك تتركها.
وقيل: معناه: ننسكها من النسيان أي: نزيل ذكرها من قلبك فلا تذكرها.
والفرق بين إباحة الله تعالى لنبيه ﷺ النسخ، وبين إباحته الترك، أن النسخ أن تنسخ آية / بآية أخرى كنسخ قوله: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشهر فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥] لقوله: وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة: ١٨٤]. والترك هو ترك الآية من غير آية تنسخها كإباحة الله / للمؤمنين ترك امتحان من أتاهم بعد أن قال: فامتحنوهن [الممتحنة: ١٠].
فأما قراءة من قرأ " نَنْسَأَهَا " بالهمز، فمعناه أو نؤخرها فلا ننزلها البتة.
وقيل: معناه نؤخرها بعد إنزالها وتلاوتها فلا تتلى.
وقيل: معناه نؤخر العمل بها [وننسخه ويبقى لفظه متلواً غير معمول] به. ولكل واحد من هذه المعاني أمثلة في كتاب الله تعالى قد بيناها في كتاب:
" الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ".
فالنسخ يكون فيما نزل، والنَّسْءُ فيما لم ينزل فيؤخر. يقال: " نسَّأَ الله في أجلك وأَنسأَ " أي: أخر فيه.
وقيل: معنى هذا القول: ما ننسخ من آية من اللوح المحفوظ فننزلها على محمد ﷺ " أو ننسأها " أي نؤخرها في اللوح فلا ننزلها، فالمنسوخ جميع القرآن، والمنسوء ما أخر، فلم ينزل هذا على هذا التأويل.
وفيها قول ثان: وهو أن يكون معناه: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أي: نرفعها، " أو ننسأها ": أي نؤخرها فلا نرفعها.
وفيها قول ثالث: وهو أن يكون " ننسأها " [معناه نؤخرها عن] التلاوة ويبقى الحكم بها نحو آية الرجم.
وفيها قول رابع: وهو أن يكون " ننسأها " معناه نؤخره إلى وقت ما، نحو ما
روي في قوله، عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم [المائدة: ١٠٥].
وقرأ الضحاك بن مزاحم " أو تُنْسَها " - بالتاء مضمومة وفتح السين - على ما لم يُسَمَّ فاعله، أي: " ينسكها الله أو الشيطان " بدلالة قوله: وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان [الأنعام: ٦٨].
وقوله: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا.
معناه عند أبي إسحاق وقطرب: / " نأت منها بخير " وهو غلط عند النحويين. لأن من حقها أن تكون بعد " أفعل " لا قبله " وخير " أفعل فإن جعلت " خيرا " فعلاً الذي هو ضد الشر، ولم تجعله أفعل، جاز ذلك.
وقيل: المعنى: نأت بخير منها لكم، إما في تخفيف وإما في زيادة أجر في الآخرة.
وقيل: معنى نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أي: بأنفع لكم منها في زيادة الأجر إذا صح من الأصل إذا [عملتم بها].
وقوله: أَوْ مِثْلِهَا.
أي: مثلها في الآخرة، لكنها أحب إليكم من المنسوخة نحو نسخ القبلة إلى بيت المقدس، نسخت بالتوجه إلى الكعبة فهي مثلها، وهو أحب إليهم من بيت المقدس
فلذلك قال: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا [البقرة: ١٤٤]. فنسخت القبلة بمثلها، والناسحة أحب إليهم من المنسوخة.
وقيل: المعنى نأت بأنفع لكم منها في الوقت الثاني، وأصلح لِحَالِكُم في النفع وصلاح الحال.
وقال السدي وغيره: " نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أي: من التي نسخنا، أَوْ مِثْلِهَا: أي: مثل التي تركنا فلم ننزلها ".
وقيل: بخير من هذه أو هذه.
ولا يجوز لذي علم ودين أن يتأول بهذا النص تفضيل بعض القرآن على بعض لأن القرآن كلام الله جل ذكره / ليس بمخلوق وإنما يقع التفضيل بين المخلوقات فاعلمه.
قوله: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض.
معناه أن النبي [عليه السلام] قد كان عالماً بذلك فضلاً من الله عليه، فخرج هذا الكلام مخرج التقرير على عادة العرب. تقول العرب للرجل: " ألم أكرمك، ألم أفضل عليك " يخبره بذلك، وينبهه عليه، وهو عالم به. ومعناه: قد علمت ذلك، فكذلك هذا.
ومعناه: قد علمت يا محمد أن الله على كل شيء قدير وعلمت أن الله له ملك السماوات والأرض.
وقال الطبري: " حرف الاستفهام في هذا داخل لمعنى الاستثبات والتنبيه لأصحاب النبي [عليه السلام] الذين قيل لهم: لا تقولوا راعنا. ويدل على صحة ذلك قوله بعد ذلك: وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله، فأتى بلفظ / الجماعة. وقد قال تعالى:
يا أيها النبي [الطلاق: ١]، ثم قال: إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء [الطلاق: ١]. وقال: يا أيها النبي اتق الله [الأحزاب: ١]. ثم قال: إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً [الأحزاب: ١].
ومعنى ذلك: " أَلَمْ تعلموا أن الله قادر على تعويض ما ينسخ من أحكامه وفرائضه للتخفيف عليكم أو لزيادة أجر لكم ". وهذا كله إنما هو تنبيه لليهود على أن أحكام التوراة جائز أن [تُنسخ على يدي] نبي، أو بكتاب آخر لأنهم أنكروا ما
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي