ولما قال المشركون إن محمد صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه ما يقوله إلا من تلقاء نفسه فأنزل الله تعالى مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ من بيانية، والنسخ : عبارة عن شيئين أحدهما النقل والتحويل ومنه نسخ الكتاب وثانيهما الرفع والإزالة يقال نسخت الشمس الظل، والمراد ههنا الثاني وهو في الحقيقة بيان لانتهاء التعبد بقراءتها فقط دون حكمها مثل آية الرحمن أو بحكمها المستفاد من ها فقط دون قراءتها مثل آية الوصية للأقارب وآية عدة الوفاة بالحول، أو بهما جميعا كما قيل إنها كانت سورة الأحزاب مثل سورة البقرة فرفع أكثرها تلاوة وحكما، ثم المنسوخ حكمها منها ما أقيم غير ذلك الحكم مقامه كما في وصية الأقارب نسخت بالميراث وعدة الوفاة بالحول نسخت إلى أربعة أشهر وعشر ومنها ما لم يقم غيره مقامه كامتحان النساء، والنسخ إنما يعترض الأوامر والنواهي دون الأخبار. قرأ الجمهور بفتح النون والسين من نَسَخَ أي نرفعها، وقرأ ابن عامر بضم النون وكسر السين من الإنساخ أي نأمرك أو جبرئيل بنسخها أو تجدها منسوخة وما شرطية جازمة لنسخ منتصبة على المفعولية أو ننسها قرأ ابن كثير أبو عمرو بفتح النون الأول والسين مهموز أي نؤخر حكمها ونرفع تلاوتها كما في آية الرجم فعلى هذا يكون النسخ الأول بمعنى رفع التلاوة والحكم، أو المعنى نؤخرها في اللوح المحفوظ يعني لم ننزلها عليك، فمعنى النسخ الرفع بعد الإنزال ومعنى النساء عدم الإنزال وقرأ الباقون نُنُسِهَ بضم النون وكسر السين من الإنساء والنسيان ضد الحفظ أي نمحها عن قلبك، روي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن قوما من الصحابة رضوان الله عليهم قاموا ليلة ليقرؤوا سورة فلم يذكروا منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فغدوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك السورة رفعت بتلاوتها وأحكامها، وقيل : معناه نتركها أي لا ننسخها كما قال الله تعالى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ * يعني تركوه فتركهم وهذا غير مستقيم لقوله تعالى : نأت بخير منها فإنها تدل على إزالتها نأت بخير منها في النفع للعباد وبالسهولة أو كثرة الثواب لا أن آية خير من آية فإن كلام الله واحد كله خير أو مثلها في ذلك أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ استفهام تقرير أي أنك تعلم، واحتج بهذه الآية من يمنع النسخ بلا بدل أو بدل أثقل منه أو نسخ الكتاب بالسنة، وأجيب بأنه قد يكون عدم الحكم أصلح وأن ما هو الأثقل فهو أنفع من حيث الثواب، وأن السنة أيضا مما آتاه الله تعالى وعلمه لنبيه صلى الله عليه وسلم.
التفسير المظهري
المظهري