ومن مساوئهم أيضا إنكار النسخ للأحكام، فرد الله عليهم بقوله : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
قلت : النسخ في اللغة يطلق على معنيين ؛ أحدهما : التغيير والتحويل، يقال : مسخه الله قرداً ونسخه. قال الفراء : ومنه نسخ الكتاب، والثاني : بمعنى رفع الشيء وإبطاله. يقال : نَسَخَتِ الشمسُ الظلَّ، أي : ذهبت به وأبطلته، وهو المراد هنا.
والإنساء هو الترك والإذهاب، والنساء هو التأخر. و مَا شريكة منصوبة بشرطها مفعولاً به. و نَأْتِ جوابها.
يقول الحقّ جلّ جلاله : في الرد على اليهود حيث قالوا : انظروا إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، فأجاب الله عنهم بقوله : مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أي : نزيل لفظها أو حكمها أو هما معاً، نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا في الخفة أو في الثواب، أَوْ نُنسِهَا من قلب النبيّ - عليه الصلاة والسلام - بإذن الله، أو نتركها غير منسوخة، أو نؤخر إنزالها أو نسخها. باعتبار القراءات، نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلَهَا أَلَمْ تَعْلَمْ يا محمد أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قديرٌ لا يعجزه نسخ ولا غيره.
قال في لطائف المنن : وقد سئل بعض العارفين عن أولياء المدد : أينقُضون في زمن ؟ فقال : لو نقص منهم واحد ما أرسلت السماء قطرها، ولا أبرزت الأرض نباتها، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم، ولا بنقص إمدادهم، ولكن إذا فسد الوقت كان مراد الله وقوع اختفائهم مع وجود بقائهم، ثم قال : وقد قال عليّ - كرّم الله وجهه - في مخاطبته لكميل : اللهم لا تخلو الأرض من قائم لك بحجتك، أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً، قلوبهم معلقة بالمحل الأعلى. أولئك خلفاء الله في بلاده وعباده، واشوقاه إلى رؤيتهم.
وروى الترمذي الحكيم عن ابن عمر رضي الله عنه يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أمتي كالمَطَرِ لا يُدْرَى أَولهُ خيرٌ أم آخِرُه(١) " وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي