(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ منْهَا أَوْ مِثْلِهَا). فإنها الآية القرآنية المشتملة على أحكام تكليفية بإلغاء تكليف ووضع تكليف آخر في موضعه كنسخ تحريم بإباحة، أو إباحة بتحريم، ولكن يلاحظ أن نسخ القرآن بالسنة لَا يستقيم مع النص الكريم؛ لأن النسخ يوجب أن يأتي بخير من المنسوخة أو مثلها، ولا يمكن أن تكون السنة خيرا من القرآن أو مثله.
ولكن هل الآية تدل على وقوع النسخ، أو تدل فقط على جوازه على فرض تفسير الآية بالآية القرآنية (ولنا في ذلك نظر) نقول إن الآية تدل على الإمكان لا على الوقوع؛ لأن النص السامي بشرط وجواب هذا الشرط - إذ إن " ما " من أسماء الشرط جزم به ننسخ وجوابه: (نَأْتِ بِخَيْرٍ منْهَا أَوْ مِثْلِهَا) فهي دالة على الإمكان لَا على الوقوع بالفعل، والوقوع بالفعل يجيء من تتبع الأحكام الشرعية الناسخ منها والمنسوخة كما ادُّعي في الآيات التي ذكرنا، والأحكام التي تكلم فيها الفقهاء مدعين فيها نسخ آيات بآيات.
فالآية لَا تدل على وقوع النسخ، ولا على لزومه.
وقبل أن ننتقل بتفسير الآية إلى معنى آخر نتكلم في معنى (نُنسِهَا) وعلى هذه القراءة يكون ننسها من قلوب الناس لأنها من أنساها - من قلوب الناس، أي
أنه أنساها للناس، وربما يتفق هذا على قول الذين يقولون إن ثمة آيات نسخت تلاوتها، وبقيت أحكامها، كما ادعى في الرجم.
وهناك قراءة (نَنسَأها) بفتحتين وهمزة، وبمعنى نؤجلها من النَسَاء بمعنى التأجيل، وخرج بعض اللغويين القراءة الأولى (أَوْ نُنسِهَا) على هذا المعنى، فقال إن الهمزة قلبت ياء إذ أصلها ننسئها فسهلت الهمزة فعوملت الياء معاملة حرف العلة فحذف في حال الجزم، وعلى هذا المعنى تتلاقى القراءتان على معنى التأجيل، ويكون المعنى لَا نزيل حكم آية أو نؤجل حكمها، إلا أتينا بخير منها أو مثلها. ثم قال تعالى مؤكدا جواب الشرط بقوله تعالت كلماته:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة