يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى القصاص المساواة والمماثلة، قال البغوي : قال الشعبي والكلبي وقتادة : نزلت هذه الآية في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل فكانت بينهما قتلى وجراحات لم يأخذها بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام، قال مقاتل بن حيان : كانت بين قريظة والنضير، وقال سعيد بن جبير كانت بين الأوس والخزرج، قالوا جميعا : وكان لأحد الحيين على الآخر طول في الكثرة والشرف وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهور فأقسموا لنقتلن بالعبد منا الحر وبالمرأة منا الرجل منهم وبالرجل منا الرجلين منهم، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك، فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية وأمر بالمساواة فرضوا وسلموا، كذا أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير. قلت : ورضاؤهم وتسليمهم وخطاب الله تعالى إياهم بقوله : يا أيها الذين آمنوا دليل على أن المخاطبين بهم الأوس والخزرج الذين صاروا أنصار الله دون قريظة والنضير فإنهم كانوا أعداء الله كفارا، وفي قوله تعالى : كتب عليكم القصاص حجة لأبي حنيفة رحمه الله على قوله : إن الواجب في القتل العمد القصاص فقط دون الدية، وأنه لا يجوز أخذ المال إلا برضاء القاتل، ويؤيده قوله عليه السلام :«في العمد القود »*رواه الشافعي وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عباس في حديث طويل . واختلف في وصله وإرساله وصحح الدارقطني الإرسال، والمرسل عندنا حجة، ورواه الدارقطني من طريق عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم عن أبيه عن جده مرفوعا «العمد قود والخطأ دية » وفي إسناده ضعف. ولكل واحد من مالك والشافعي وأحمد في المسألة قولان : أحدهما أن الواجب هو القود، لكن يجوز لورثة المقتول أن يعفو عن القود إلى الدية من غير رضا الجاني، وثانيهما أن الواجب أحدهما لا بعينه ؛إما القصاص وإما الدية، والفرق بين القولين يظهر إذا عفى مطلقا من غير ذكر الدية، فعلى القول الأول يسقط القصاص بلا دية، وعلى القول الثاني يثبت الدية، واحتجوا على جواز أخذ المال من غير رضاء الجاني بأحاديث، منها حديث أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة بعد مقامي هذا «فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا أو إن أحبوا أخذوا العقل »*رواه الترمذي والشافعي، وروى ابن الجوزي والدارمي عن أبي شريح الخزاعي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«من أصيب بدم أو خبل –والخبل الجرح- فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، بين أن يقتص أو يعفو أو يأخذ العقل، فإن أخذ من ذلك شيء ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدا فيها مخلدا أبدا » ومنها حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم :«من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفتدي وإما أن يقتل »*متفق عليه، ومنها حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا أخذوا العقل ثلاثين حقة وثلاثين جدعة وأربعين خلفة في بطونها أولادها »* رواه أحمد والترمذي وابن ماجة، قال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله في الجواب عن هذه الأحاديث : إن المراد أن أولياء المقتول بالخيار في القود والصلح، والصلح لا يكون إلا برضاء القاتل، والظاهر أن القاتل برضاه لحقن دمه ويترك النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رضاء القاتل بناء على الظاهر والله أعلم.
الحر يقتل بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى وهذا لا يدل على أن الحر لا يقتل بالعبد، والعبد لا يقتل بالحر، والأنثى لا يقتل بالذكر، أو الذكر لا يقتل بالأنثى، فإن ذلك الأحكام مسكوت عنها في هذه الآية ولا عبرة بالمفهوم عند أبي حنيفة رحمه الله مطلقا، وكذا في هذه الآية عند القائلين بالمفهوم إذ المفهوم عندهم إنما يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم، وكان الغرض ههنا دفع استطالة أحد الحييين على الآخر فالمفهوم المعتبر من هذه الآية على ما يقتضيه القصة أن الحر إذا تفرد بقتل الحر يقتل القاتل وحده ولا يقتل معه غيره لأجل شرف المقتول وكذا العبد إذا قتل العبد يقتل ذلك العبد القاتل بالعبد المقتول ولا يقتل حر مكان ذلك لأجل شرف المقتول وكذا الأنثى إذا قتل الأنثى قتلت القاتلة لا رجل مكان امرأة والله أعلم.
بقي البحث عن الأحكام المسكوت عنها في تلك الآية. فقال فقال أبو حنيفة رحمه الله يقتل النفس حرا كانت أو رقيقا، ذكرا كان أو أنثى، مسلما كان أو ذميا بالنفس كيف ما كانت لعموم قوله تعالى : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس * والأحكام الإلهية في الكتب المنزلة السابقة إذا ثبتت عندنا حكايتها بالقرآن أو السنة ولا عبرة بقول الكفار من اليهود و النصارى فهي باقية واجبة اتباعها إذ الحاكم واحد والشرع واحد. قال الله تعالى : فبهداهم اقتده * وقال الله تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى * ولا يختلف الأحكام إلا لأجل النسخ سواء كان في كتاب واحد أو كتب وما لم يظهر النسخ يبقى الحكم، ويدل أيضا على بقاء هذا الحكم حديث ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق لدينه التارك للجماعة »* متفق عليه، وحديث أبي أمامة أن عثمان أشرف يوم الدار فقال أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ؛زنى بعد إحصان أو كفر بعد إسلام أو قتل نفس بغير حق » الحديث رواه الشافعي وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي، وفي الباب عن عائشة رواه مسلم وأبو داود وغيرهما، لكن قال أبو حنيفة لا يُقْتَل رجل يقتُل عبدَه ولا مدبرَه، ولا مكاتبه وبعبد ملك بعضه ولا بعبد ولده لأنه يستوجب لنفسه على نفسه القصاص ولا ولده عليه، وبه قال الجمهور خلافا لداود محتجا بما روى الترمذي وأبو داود وابن ماجة والدارمي عن الحسن بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه »* قال الجمهور : هذا الحديث محمول على السياسة والحديث مرسل لم يسمع الحسن عن سمرة وقد روى الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة ونفاه سنة ومحاسهمه من المسلمين ول يقد به وأمره أن يعتق رقبة، لكن فيه إسماعيل بن عياش ضعيف والله أعلم. وأما غير أبي حنيفة رحمه الله فاتفقوا على أن العبد يقتل بالحر والأنثى بالذكر و الكافر بالمسلم لأن في كل تفاوت إلى نقصان والناقص يجوز أن يستوفي بالكامل دون عكسه، واتفقوا أيضا على أن الذكر يقتل بالأنثى لما روي عن عمرو بن حزم : أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب في كتابه إلى أهل اليمن أن الذكر يقتل بالأنثى هذا طرف من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مشهور رواه مالك والشافعي، واختلف أهل الحديث في صحة هذا الحديث، قال ابن حزم صحيفة عمرو بن حزم منقطعة لا يقوم بها حجة وسليمان بن داود : رواية متفق على تركه، وقال أبو داود : سليمان بن داوود وهم إنما هو سليمان بن أرقم، وصححه الحاكم وابن حبان والبيهقي، ونقل عن أحمد أنه قال أرجو أن يكون صحيحا، وقد أثنى على سليمان بن داود أبو زرعة وأبو حاتم وجماعة من الحفاظ، وصحح الحديث جماعة من الأئمة لا من حيث الإسناد بل من حيث الشهرة فقال الشافعي في رسالته لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عبد البر : هذا كتاب مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم.
بقي الاختلاف في أنه هل يقتل الحر بالعبد عبد غيره ؟ فقال مالك والشافعي وأحمد لا يقتل وقال أبو حنيفة يقتل، احتجوا بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«لا يقتل حر بعبد » رواه الدارقطني والبيهقي، وحديث علي قال من السنة أن لا يقتل حر بعبد، رواه أيضا الدارقطني والبيهقي، وحديث علي قال : من السنة أن لا يقتل حر بعبد، رواه أيضا الدارقطني والبيهقي، والجواب : أن الحديث عن ابن عباس فيه جوبير وعثمان البزي ضعيفان متروكان كذا قال ابن الجوزي والحافظ ابن حجر، وحديث علي فيه جابر الجعفي كذاب، وفيه أنه هل يقتل المسلم بالكافر الذمي ؟ فقال الشافعي وأحمد لا يقتل. احتجا بحديث أبي جحيفة عن علي قال : سألت عليا هل عندكم شيء ليس في القرآن، قال : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهما يُعطى الرجل في كتابه وما في هذه الصحيفة، قلت : وما في الصحيفة ؟ قال : العُقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر » رواه البخاري ورواه أحمد بلفظ «لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده » وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى لا يقتل مسلم بكافر، رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي، ورواه ابن ماجه من حديث ابن عباس، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر، ورواه الشافعي عن عطاء وطاووس والحسن ومجاهد مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح «لا يقتل مؤمن بكافر » ورواه البيهقي من حديث عمران بن حصين، وحديث عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال : زان محصن فيرجم، ورجل يقتل مسلما متعمدا، ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض »*رواه أبو داود والنسائي، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن مسلما قتل رجلا من أهل الذمة فرفع إلى عثمان فلم يقتله به وغلظ عليه الدية، قال الحافظ : قال ابن حزم هذا في غاية الصحة ولا يصح عن أحد من الصحابة فيه بشيء غير هذا إلا ما رويناه عن عمر أنه كتب في مثل ذلك أن يُقاد به ثم ألحقه كتابا فقال لا تقتلوه ولكن اعتقلوه، والجواب أن المراد بالكافر في قوله صلى الله عليه وسلم :«لا يقتل مسلم بكافر » الحربي دون الذمي، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم :«ولا ذو عهد في عهده » يعني لا يقتل الذمي في عهده بكافر. ولا شك أن الذمي يتقل بالذمي إجماعا فالمراد بالكافر هو الحربي لا غير، وفتوى عثمان وعمر رضي الله عنهما كان بالرأي ولذا اختلف الجواب عن عمر رضي الله عنه، وأما قيد الإسلام في حديث عائشة فقد وقع اتفاقا، واحتج صاحب الهداية على وجوب قتل المسلم بالذمي بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما بذمي، قلت : وهذا الحديث رواه الدارقطني : عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل مسلما بمعاهد وقال :«أنا أكرم من أوفى بذمته » قال الدارقطني لم يسنده غير إبراهيم بن يحيى وهو متروك الحديث، قال ابن الجوزي : إبراهيم بن يحيى كذاب والصواب عن ابن سليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وابن سليمان ضعيف لا يقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف بما يرسله، قلت : والأولى بالاحتجاج ما ذكرنا سابقا النفس بالنفس، وحديث ابن مسعود وعثمان وعائشة.
واختلفوا في أنه هل يقتل الوالد بولده ؟ قال مالك إذا أضجعه فذبحه قتل به، وقال داود لا يقتل
التفسير المظهري
المظهري