{ )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ( البقرة : ١٧٨ )
التفسير :
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا سبق الكلام على ذكر فوائد تصدير الخطاب بالنداء بوصف الإيمان للمنادى.
قوله تعالى : كتب عليكم ؛ أي فُرض، كقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ؛ وسمي الفرض مكتوباً ؛ لأن الكتابة تثَبِّت الشيء، وتوثقه ؛ قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه [ البقرة : ٢٨٢ ].
قوله تعالى : القصاص هذه نائب فاعل ؛ والقصاص يشمل إزهاق النفس، وما دونها ؛ قال الله تعالى في سورة المائدة : والجروح قصاص [ المائدة : ٤٥ ]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في كسر الربيع سن جارية من الأنصار :«كتاب الله القصاص »(١) ؛ ولكنه تعالى هنا قال : في القتلى ؛ وفي سورة المائدة : في القتل، وفيما دونه : أن النفس بالنفس والعين بالعين... [ المائدة : ٤٥ ] إلخ.
و «قتلى » جمع قتيل، مثل «جرحى » جمع جريح ؛ و«أسرى » جمع أسير ؛ وقوله تعالى : في القتلى أي في شأن القتلى ؛ وليس في القتلى أنفسهم ؛ لأن القتيل مقتول ؛ فلا قصاص ؛ لكن في شأنهم ؛ والذي يُقتص منه هو القاتل.
وبعد العموم في قوله تعالى : القصاص في القتلى بدأ بالتفصيل فقال تعالى : الحر بالحر ؛ الحر مبتدأ ؛ و { بالحر خبر ؛ يعني الحر يقتل بالحر ؛ والباء هنا إما للبدلية ؛ وإما للعوض ؛ يعني الحر بدل الحر ؛ أو الحر عوض الحر ؛ و الحر هو الذي ليس بمملوك.
قوله تعالى : والعبد بالعبد أي العبد يقتل بالعبد ؛ و العبد هو المملوك.
قوله تعالى : والأنثى بالأنثى أي الأنثى تقتل بالأنثى.
قوله تعالى : فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ؛ «مَن » هذه شرطية ؛ والفاء عاطفة ومفرِّعة أيضاً، تفيد أن ما بعدها مفرَّع على ما قبلها.
وقوله تعالى : فمن عفي له : المعفو عنه القاتل ؛ و من أخيه المراد به المقتول أي من دم أخيه فأيّ قاتل عفي له من دم أخيه شيء سقط القصاص ؛ وحينئذ على العافي اتباع بالمعروف عند قبض الدية، بحيث لا يتبع عفوه منًّا، ولا أذًى ؛ و شيء نكرة في سياق الشرط ؛ فتعم كل شيء قليلاً كان أو كثيراً.
وقوله تعالى : فاتباع خبر مبتدأ محذوف ؛ والتقدير : فالواجب اتباع بالمعروف ؛ والاتباع بالمعروف يكون على ورثة المقتول ؛ يعني إذا عفوا فعليهم أن يَتَّبعوا القاتل بالمعروف.
قوله تعالى : وأداء إليه أي على القاتل إيصال إلى العافي عن القصاص ؛ وهي معطوفة على «اتباع » ؛ والضمير في إليه يعود إلى العافي بإحسان ؛ والمؤدَّى : ما وقع الاتفاق عليه.
قوله تعالى : بإحسان أي يكون الأداء بإحسان وافياً بدون مماطلة ؛ والباء للمصاحبة - يعني أداءً مصحوباً بالإحسان - وإنما نص على «الإحسان » هنا ؛ و «المعروف » هناك ؛ لأن القاتل المعتدي لا يكفّر عنه إلا الإحسان ليكون في مقابلة إساءته ؛ أما أولئك العافون فإنهم لم يجنوا ؛ بل أحسنوا حين عدلوا عن القتل إلى الدية.
قوله تعالى :[ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة } : المشار إليه كل ما سبق من وجوب القصاص، ومن جواز العفو ؛ تخفيف من الله في مقابل وجوب القصاص ؛ وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن بني إسرائيل فرض الله عليهم القصاص فرضاً ؛ وهذه الأمة خفف عنها ؛ فلم يجب عليها القصاص ؛ لأن الإنسان قد يكون لديه رحمة بالقاتل ؛ وقد يكون القاتل من أقاربه ؛ وقد يكون اعتبارات أخرى فلا يتمكن من تنفيذ القصاص في حقه ؛ فخفف على هذه الأمة - ولله الحمد.
وقوله تعالى : من ربكم :«الرب » معناه الخالق المالك المدبر لخلقه كما يشاء على ما تقتضيه حكمته.
وقوله تعالى :[ ورحمة } أي بالجميع : بالقاتل - حيث سقط عنه القتل، وبأولياء المقتول - حيث أبيح لهم أن يأخذوا العوض ؛ لأن من الجائز أن يكون الواجب إما القصاص ؛ أو العفو مجاناً ؛ لكن من رحمة الله أنه أباح هذا، وهذا ؛ فهو رحمة بالجميع.
قوله تعالى : فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم : من اسم شرط ؛ وفعل الشرط : اعتدى ؛ وجوابه : فله عذاب أليم ؛ المشار إليه في قوله تعالى : بعد ذلك : التنازل عن القصاص بأخذ الدية، أو قبولها ؛ و عذاب بمعنى عقوبة ؛ و أليم بمعنى مؤلم - يعني : موجع ؛ والمعنى : أن من اعتدى من أولياء المقتول بعد العفو فله عذاب أليم - ويحتمل أن يكون المراد : من اعتدى من أولياء المقتول، ومن القاتل.
الفوائد :
١ من فوائد الآية : أهمية القصاص ؛ لأن الله وجه الخطاب به إلى المؤمنين ؛ وصدره بالنداء المستلزم للتنبيه ؛ وتصدير الخطاب بالنداء فائدته التنبيه، وأهمية الأمر.
٢ ومنها : أن تنفيذ القصاص من مقتضى الإيمان ؛ لأن الخطاب موجه للمؤمنين.
٣ ومنها : أن ترك تنفيذه نقص في الإيمان ؛ فما كان من مقتضى الإيمان تنفيذه فإنه يقتضي نقص الإيمان بتركه.
٤ ومنها : وجوب التمكين من القصاص ؛ لقوله تعالى : كتب عليكم القصاص .
٥ ومنها : مراعاة التماثل بين القاتل، والمقتول ؛ لقوله تعالى : الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى .
٦ ومنها : أن الحر يقتل بالحر - ولو اختلفت صفاتهما، كرجل عالم عاقل غني جواد شجاع قتل رجلاً فقيراً أعمى أصم أبكم زمِناً جباناً جاهلاً فإنه يقتل به ؛ لعموم قوله تعالى : الحر بالحر .
٧ ومنها : أن العبد يقتل بالحر ؛ لأنه إذا قُتل الحر بالحر فمن باب أولى أن يقتل العبد بالحر.
٨ ومنها : أن العبد يقتل بالعبد - ولو اختلفت قيمتهما ؛ لعموم قوله تعالى : والعبد بالعبد ؛ فلو قتل عبد يساوي مائة ألف عبداً لا يساوي إلا عشرة دراهم فإنه يقتل به ؛ لعموم قوله تعالى : والعبد بالعبد .
٩ ومنها : أن العبد إذا قتل وكان قاتله حراً فإنه لا يقتل به ؛ لمفهوم قوله تعالى : الحر بالحر ؛ وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم ؛ فمنهم من قال : إن الحر يقتل بالعبد ؛ لعموم قوله تعالى : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس [ المائدة : ٤٥ ]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم :«لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني، والنفس بالنفس... »(٢) ؛ وهذا القول هو الصواب ؛ والقول الثاني : أن الحر يقتل بالعبد إذا كان مالكاً له ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم :«من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه »(٣) ؛ وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر :«أولاً » : للاختلاف فيه ؛ و «ثانياً » : أن يقال : إذا كان السيد يقتل بعبده وهو مالكه فمن باب أولى أن يقتل به من ليس بسيد له ؛ وأما حديث :«لا يقتل حر بعبد »(٤) فضعيف.
١٠ ومنها : أن الأنثى تقتل بالأنثى - ولو اختلفت صفاتهما - لعموم قوله تعالى : والأنثى بالأنثى .
١١ ومنها : أن الأنثى تقتل بالرجل ؛ لأنها إذا قتلت بالأنثى فإنها من باب أولى تقتل بالرجل ؛ ودلالة الآية عليه من باب مفهوم الأولوية.
١٢ ومنها : أن الرجل لا يقتل بالمرأة ؛ لأنه أعلى منها ؛ هذا مفهوم الآية ؛ والصواب أنه يقتل بها ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يهودياً كان قتل جارية على أوضاح لها – رض رأسها بين حجرين(٥) ؛ فرض النبي صلى الله عليه وسلم رأسه بين حجرين ؛ وهذا يدل أن قتله كان قصاصاً ؛ لا لنقض العهد – كما قيل به.
١٣- ومنها : جواز العفو عن القصاص إلى الدية ؛ لقوله تعالى :( فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف... ) إلخ ؛ وهل له أن يعفو مجاناً ؟ الجواب : نعم ؛ له ذلك ؛ لأن الله سبحانه وتعالى ندب إلى العفو فقال : وأن تعفوا أقرب للتقوى [ البقرة : ٢٣٧ ]، وقال تعالى : وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم [ التغابن : ١٤ ]، وقال في وصف أهل الجنة : الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس [ آل عمران : ١٣٤ ] ؛ لكن العفو المندوب إليه ما كان فيه إصلاح ؛ لقوله تعالى : فمن عفا وأصلح فأجره على الله [ الشورى : ٤٠ ] ؛ فإذا كان في العفو إصلاح، مثل أن يكون القاتل معروفاً بالصلاح ؛ ولكن بدرت منه هذه البادرة النادرة ؛ ونعلم، أو يغلب على ظننا أنا إذا عفونا عنه استقام، وصلحت حاله، فالعفو أفضل لا سيما إن كان له ذرية ضعفاء، ونحو ذلك ؛ وإذا علمنا أن القاتل معروف بالشر، والفساد، وإن عفونا عنه لا يزيده إلا فساداً، وإفساداً فترك العفو عنه أولى ؛ بل قد يجب ترك العفو عنه.
١٤ ومن فوائد الآية : أنه إذا عفا بعض الأولياء عن القصاص سقط القصاص في حق الجميع ؛ لقوله تعالى : فمن عفي له من أخيه شيء ؛ وهي نكرة تعم القليل، والكثير ؛ لأنها في سياق الشرط ؛ وعلى هذا فلو كان لأحد ورثة المقتول جزء من ألف جزء من التركة، ثم عفا عن القصاص انسحب العفو على الجميع ؛ لأن الجزء الذي عفا عنه لا قصاص فيه ؛ والقصاص لا يتبعض ؛ إذ لا يمكن قتل القاتل إلا جزءاً من ألف جزء منه.
١٥ ومنها : أن دية العمد على القاتل ؛ لقوله تعالى : فمن عفي له من أخيه شيء ؛ ولا شك أن المعفو عنه هو القاتل ؛ وقد أمر بالأداء.
١٦ ومنها : أن فاعل الكبيرة لا يخرج من الإيمان ؛ لقوله تعالى : فمن عفي له من أخيه شيء ؛ فجعل الله المقتول أخاً للقاتل ؛ ولو خرج من الإيمان لم يكن أخاً له.
١٧ ومنها : الرد على طائفتين مبتدعتين ؛ وهما الخوارج، والمعتزلة ؛ لأنهم يقولون : إن فاعل الكبيرة خارج من الإيمان ؛ لكن الخوارج يصرحون بكفره ؛ والمعتزلة يقولون : إنه في منزلة بين المنزلتين : الإيمان، والكفر فلا هو كافر ؛ ولا هو بمؤمن ؛ لكن اتفق الجميع على أنه مخلد في النار.
١٨ ومنها : أنه يجب الاتباع بالمعروف يعني يجب على أولياء المقتول إذا عفوا إلى الدية ألا يتسلطوا على القاتل ؛ بل يتبعونه بالمعروف بدون أذية، وبدون منة ؛ لقوله تعالى : فاتباع بالمعروف ؛ والخطاب لأولياء المقتول.
١٩ ومنها : وجوب الأداء على القاتل بالإحسان، لقوله تعالى : وأداء إليه بإحسان .
٢٠ ومنها : أن الله خفف عن هذه الأمة بجواز العفو، ورحمهم بجواز أخذ العوض ؛ لقوله تعالى : ذلك تخفيف من ربكم ورحمة : تخفيف على القاتل ؛ ورحمة بأولياء المقتول، حيث أذن لهم أن يأخذوا عوضاً ؛ وإلا لقيل لهم : إما أن تعفوا مجاناً ؛ وإما أن تأخذوا بالقصاص.
٢١ ومنها : إثبات الرحمة لله ؛ وهي رحمة حقيقية تستلزم حصول النعم، واندفاع النقم ؛ وأهل التعطيل يفسرونها ب «الإنعام » الذي هو مفعول الرب ؛ أو ب «إرادة الإنعام » ؛ وينكرون حقيقة الرحمة ؛ وقد ضلوا في ذلك : فإن الإنعام، أو إرادته من آثار الرحمة، وليسا إياها.
٢٢ ومنها : أن المعتدي بعد انتهاء القصاص، أو أخذ الدية متوعد بالعذاب الأليم سواء كان من أولياء المقتول، أو من القاتل ؛ لقوله تعالى : فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم .
٢ أخرجه البخاري ص٥٧٣، كتاب الديات، باب ٦: قول الله تعالىك ٠ان النفس بالنفس والعين بالعين)، حديث رقم ٦٨٧٨، وأخرجه مسلم ص٩٧٤، كتاب القسامة، باب ٦: ما يباح به دم المسلم، حديث رقم ٤٣٧٥ [٢٥] ١٦٧٦..
٣ أخرجه أحمد ٥/١٠ حديث رقم ٢٠٣٦٤، وأخرجه أبو داود ص١٥٥٤، كتاب الديات، باب ٧: من قتل عبده... ، حديث رقم ٤٥١٥، وأخرجه الترمذي ص١٧٩٤، كتاب الديات، باب ١٧: ما جاء في الرجل يقتل عبده، حديث رقم ١٤١٤، وأخرجه النسائي ص٢٣٩٥، كتاب القسامة والقود والديات، باب ١١: القود من السيد للمولى، حديث رقم ٤٧٤٢؛ واخرجه ابن ماجة ص٢٦٣٧، كتاب الديات، باب ٢٣: هل يقتل الحر بالعبد، حديث رقم ٢٦٦٣، وأخرجه الدارمي ٢/٢٥٠، من كتاب الديات، باب ٧: القود بين العبد وبين سيده، حديث رقم ٢٣٥٨، وفي سنده "الحسن عن سمرة"؛ وسماع الحسن من سمرة مختلف فيه، ففي صحيح البخاري سماع منه لحديث العقيقة، وعند علي بن المديني أن نسخة الحسن عن سمرة كلها سماع؛ وكذا حكى الترمذي عن البخاري، وقال القطان هي كتاب، فلا يقتي الانقطاع (تهذيب التهذيب)..
٤ أخرجه الدارقطني ٣/١٣٣، حديث رقم ١٥٨، وفيه جويبر، وقال الدارقطني، والنسائي وغيرهما متروك الحديث (ميزان الاعتدال (١/٤٢٧)، وراجع: التلخيص الحبير (ج٤/٢٠) حديث رقم ٧، والإرواء ٧/٢٦٧، حديث رقم ٢٢١١..
٥ أخرجه البخاري ص١٨٩، كتاب الخصومات، باب ١: ما يذكر في الأشخاص، والخصومة بين المسلم واليهود، حديث رقم ٢٤١٣؛ وأخرجه مسلم ص٩٧٣، كتاب القسامة... ، باب ٣: ثبوت القصاص في القتل بحجر... ، حديث رقم ٤٣٦١ [١٥] ١٦٧٢..
تفسير القرآن الكريم
محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي