ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

يتضمن هذا الدرس جانبا من التنظيمات الاجتماعية للمجتمع المسلم الذي كان ينشأ في المدينة نشأته الأولى، كما يتضمن جانبا من العبادات المفروضة.. هذه وتلك مجموعة متجاورة في قطاع واحد من قطاعات السورة. وهذه وتلك مشدودة برباط واحد إلى تقوى الله وخشيته، حيث يتكرر ذكر التقوى في التعقيب على التنظيمات الاجتماعية والتكاليف التعبدية سواء بسواء.. وحيث تجيء كلها عقب آية البر التي استوعبت قواعد التصور الإيماني وقواعد السلوك العملي في نهاية الدرس السابق.
في هذا الدرس حديث عن القصاص في القتلى وتشريعاته. وفيه حديث عن الوصية عند الموت.. ثم حديث عن فريضة الصوم وشعيرة الدعاء وشعيرة الاعتكاف.. وفي النهاية حديث عن التقاضي في الأموال.
وفي التعقيب على القصاص ترد إشارة إلى التقوى :( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون )..
وفي التعقيب على الوصية ترد الإشارة إلى التقوى كذلك :( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت - إن ترك خيرا - الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين )..
وفي التعقيب على الصيام ترد الإشارة إلى التقوى أيضا :( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )..
ثم ترد نفس الإشارة بعد الحديث عن الاعتكاف في نهاية الحديث عن أحكام الصوم :( تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون )..
ولا تبعد التعقيبات القليلة الباقية في الدرس عن معنى التقوى، واستجاشة الحساسية والشعور بالله في القلوب. فتجيء هذه التعقيبات :( ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ).. ( فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ).. ( إن الله سميع عليم ).. ( إن الله غفور رحيم )..
وهو اطراد يوجه النظر إلى حقيقة هذا الدين.. إنه وحدة لا تتجزأ.. تنظيماته الاجتماعية، وقواعده التشريعية وشعائره التعبدية.. كلها منبثقة من العقيدة فيه ؛ وكلها نابعة من التصور الكلي الذي تنشئه هذه العقيدة ؛ وكلها مشدودة برباط واحد إلى الله ؛ وكلها تنتهي إلى غاية واحدة هي العبادة : عبادة الله الواحد. الله الذي خلق، ورزق، واستخلف الناس في هذا الملك، خلافة مشروطة بشرط : أن يؤمنوا به وحده ؛ وأن يتوجهوا بالعبادة إليه وحده ؛ وأن يستمدوا تصورهم ونظمهم وشرائعهم منه وحده.
وهذا الدرس بمجموعة الموضوعات التي يحتويها، والتعقيبات التي يتضمنها، نموذج واضح لهذا الترابط المطلق في هذا الدين..
( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى : الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى. فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان. ذلك تخفيف من ربكم ورحمة. فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم. ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون )..
النداء للذين آمنوا.. بهذه الصفة التي تقتضي التلقي من الله، الذي آمنوا به، في تشريع القصاص. وهو يناديهم لينبئهم أن الله فرض عليهم شريعة القصاص في القتلى، بالتفصيل الذي جاء في الآية الأولى. وفي الآية الثانية يبين حكمة هذه الشريعة، ويوقظ فيهم التعقل والتدبر لهذه الحكمة، كما يستجيش في قلوبهم شعور التقوى ؛ وهو صمام الأمن في مجال القتلى والقصاص.
وهذه الشريعة التي تبينها الآية : أنه عند القصاص للقتلى - في حالة العمد - بقتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى.
( فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان )..
وهذ العفو يكون بقبول الدية من أولياء الدم بدلا من قتل الجاني. ومتى قبل ولي الدم هذا ورضيه، فيجب إذن أن يطلبه بالمعروف والرضى والمودة. ويجب على القاتل أو وليه أن يؤديه بإحسان وإجمال وإكمال. تحقيقا لصفاء القلوب، وشفاء لجراح النفوس، وتقوية لأواصر الأخوة بين البقية الأحياء.
وقد امتن الله على الذين آمنوا بشريعة الدية هذه بما فيها من تخفيف ورحمة :
( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة )..
ولم يكن هذا التشريع مباحا لبني إسرائيل في التوراة. إنما شرع للأمة المسلمة استبقاء للأرواح عند التراضي والصفاء.
( فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم )..
وفوق العذاب الذي يتوعده به في الآخرة.. يتعين قتله، ولا تقبل منه الدية. لأن الاعتداء بعد التراضي والقبول، نكث للعهد، وإهدار للتراضي، وإثارة للشحناء بعد صفاء القلوب، ومتى قبل ولي الدم الدية، فلا يجوز له أن يعود فينتقم ويعتدي.
ومن ثم ندرك سعة آفاق الإسلام ؛ وبصره بحوافز النفس البشرية عند التشريع لها ؛ ومعرفته بما فطرت عليه من النوازع.. إن الغضب للدم فطرة وطبيعة. فالإسلام يلبيها بتقرير شريعة القصاص. فالعدل الجازم هو الذي يكسر شرة النفوس، ويفثأ حنق الصدور، ويردع الجاني كذلك عن التمادي، ولكن الإسلام فيالوقت ذاته يحبب في العفو، ويفتح له الطريق، ويرسم له الحدود، فتكون الدعوة إليه بعد تقرير القصاص دعوة إلى التسامي في حدود التطوع، لا فرضا يكبت فطرة الإنسان ويحملها ما لا تطيق.
وتذكر بعض الروايات أن هذه الآية منسوخة. نسختها آية المائدة التي نزلت بعدها وجعلت النفس بالنفس إطلاقا : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس.. الآية.. قال ابن كثير في التفسير :" وذكر في سبب نزولها ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم. حدثنا أبو زرعة. حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير. حدثني عبد الله بن لهيعة. حدثني عطاء بن دينار. عن سعيد بن جبير في قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى )- يعني إذا كان عمدا - الحر بالحر... وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية - قبل الإسلام بقليل. فكان بينهم قتل وجراحات، حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا. فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم، والمرأة منا الرجل منهم.. فنزل فيهم :( الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ).. منسوخة نسختها :( النفس بالنفس ).. وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله :( النفس بالنفس )
والذي يظهر لنا أن موضع هذه الآية غير موضع آية النفس بالنفس.. وأن لكل منهما مجالا غير مجال الأخرى. وأن آية النفس بالنفس مجالها مجال الاعتداء الفردي من فرد معين على فرد معين، أو من أفراد معينين على فرد أو أفراد معينين كذلك. فيؤخذ الجاني ما دام القتل عمدا.. فأما الآية التي نحن بصددها فمجالها مجال الاعتداء الجماعي - كحالة ذينك الحيين من العرب - حيث تعتدي أسرة على أسرة، أو قبيلة على قبيلة، أو جماعة على جماعة. فتصيب منها من الأحرار والعبيد والنساء.. فإذا أقيم ميزان القصاص كان الحر من هذه بالحر من تلك، والعبد من هذه بالعبد من تلك، والأنثى من هذه بالأنثى من تلك. وإلا فكيف يكون القصاص في مثل هذه الحالة التي يشترك فيها جماعة في الاعتداء على جماعة ؟
وإذا صح هذا النظر لا يكون هناك نسخ لهذه الآية، ولا تعارض في آيات القصاص.


يتضمن هذا الدرس جانبا من التنظيمات الاجتماعية للمجتمع المسلم الذي كان ينشأ في المدينة نشأته الأولى، كما يتضمن جانبا من العبادات المفروضة.. هذه وتلك مجموعة متجاورة في قطاع واحد من قطاعات السورة. وهذه وتلك مشدودة برباط واحد إلى تقوى الله وخشيته، حيث يتكرر ذكر التقوى في التعقيب على التنظيمات الاجتماعية والتكاليف التعبدية سواء بسواء.. وحيث تجيء كلها عقب آية البر التي استوعبت قواعد التصور الإيماني وقواعد السلوك العملي في نهاية الدرس السابق.
في هذا الدرس حديث عن القصاص في القتلى وتشريعاته. وفيه حديث عن الوصية عند الموت.. ثم حديث عن فريضة الصوم وشعيرة الدعاء وشعيرة الاعتكاف.. وفي النهاية حديث عن التقاضي في الأموال.
وفي التعقيب على القصاص ترد إشارة إلى التقوى :( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون )..
وفي التعقيب على الوصية ترد الإشارة إلى التقوى كذلك :( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت - إن ترك خيرا - الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين )..
وفي التعقيب على الصيام ترد الإشارة إلى التقوى أيضا :( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )..
ثم ترد نفس الإشارة بعد الحديث عن الاعتكاف في نهاية الحديث عن أحكام الصوم :( تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون )..
ولا تبعد التعقيبات القليلة الباقية في الدرس عن معنى التقوى، واستجاشة الحساسية والشعور بالله في القلوب. فتجيء هذه التعقيبات :( ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ).. ( فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ).. ( إن الله سميع عليم ).. ( إن الله غفور رحيم )..
وهو اطراد يوجه النظر إلى حقيقة هذا الدين.. إنه وحدة لا تتجزأ.. تنظيماته الاجتماعية، وقواعده التشريعية وشعائره التعبدية.. كلها منبثقة من العقيدة فيه ؛ وكلها نابعة من التصور الكلي الذي تنشئه هذه العقيدة ؛ وكلها مشدودة برباط واحد إلى الله ؛ وكلها تنتهي إلى غاية واحدة هي العبادة : عبادة الله الواحد. الله الذي خلق، ورزق، واستخلف الناس في هذا الملك، خلافة مشروطة بشرط : أن يؤمنوا به وحده ؛ وأن يتوجهوا بالعبادة إليه وحده ؛ وأن يستمدوا تصورهم ونظمهم وشرائعهم منه وحده.
وهذا الدرس بمجموعة الموضوعات التي يحتويها، والتعقيبات التي يتضمنها، نموذج واضح لهذا الترابط المطلق في هذا الدين..

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير